الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول ابن تيمية: (دلَّت دلائل الكتاب والسنَّة والإجماع والآثار والاعتبار على أن مخالفة الكفار في هديهم مشروعة والتشبه بهم منهي عنه)(1).
ولتوضيح ما يتصل بمنزلة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ يمكن استعراض ما قَرَّرَهُ عُلَماءُ الأُمَّةِ في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم بإيجاز، في النقاط الآتية:
1 - المراد بالتشبه المنهي عنه
.
2 -
النهي عن التشبه في مجال العقيدة.
3 -
النهي عن التشبه في مجال العبادة.
4 -
النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام.
1 -
المراد بالتشبه المنهي عنه: من أجل معرفة التشبه المنهي عنه لا بدَّ من التَّعَرف على مفهوم التَّشَبه في معناه اللُّغَوي، ثم تحديد التَّشَبه المَنْهِي عَنهُ، فأمّا معنى التشبه اللغوي، فهو مأخوذ من:(الشِّبْه والشَّبه والشَّبيه)(2) وتعني: (المماثلة من جهة الكيفية، كاللون والطعم، كالعدالة والظلم)(3)، ومن ذلك قوله تعالى:{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] قال الراغب: (أي في الغَيِّ والجَهالَةِ)(4)، ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: (1/ 420)، المصدر السابق نفسه.
(2)
الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن: مادة (شبه)، مرجع سابق. انظر: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة (شبه)، مرجع سابق.
(3)
الراغب الأصفهاني: المرجع السابق نفسه: مادة (شبه)، وانظر: محمد عبد الرؤوف المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف (معجم لغوي مصطلحي)، مادة (الشبْه والشَّبيه)، تحفيق: محمد رضوان الداية، الطبعة الأولى:(1410 هـ - 1990 م)، عن دار الفكر، دمشق.
(4)
مفردات ألفاظ القرآن مادة (شبه)، المرجع السابق نفسه.
مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]: (يعني ما يشبه بعضه بعضًا في الأحكام، والحكمة، واستقامة النظم)(1)، وفي (التشبه)، معنى زائد على المماثلة وهو (المحاكاة والتقليد)(2).
وأما التشبه المنهي عنه فإنه: (مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم في عقائدهم، أو عباداتهم أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم)(3).
ويخرج من دائرة النهي (ما لم يكن من خصائص الكفَّار، ولا من عقائدهم، ولا من عاداتهم، ولا من عباداتهم، ولم يعارض نصًّا أو أصلًا شرعيًا، ولم يترتب عليه مفسدة، فإِنَّه لا يكون من التشبه، وهذه قاعدة مجملة)(4)، وكذلك ما كان مشروعًا في الإسلام وفعله السلف الصالح،
(1) الراغب الأصفهاني: المرجع السابق نفسه: مادة (شبه).
(2)
انظر: بطرس البستاني: محيط المحيط (قاموس مطول في اللُّغة العربية)، (2/ 1750)، طبعة (1870 م)، بيروت، (لم يذكر الناشر).
(3)
ناصر عبد الكريم العقل: من تشبه بقوم فهو منهم ص: (7)، مرجع سابق، وانظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ص: (64 - 69)، بتحقيق: محمد حامد الفقي، مرجع سابق، قد جعل لهذا عنوانًا جانبيًا وهو (قطعت الشريعة المشابهة في الجهات والأوقات أو الهيئات)، انظر المرجع السابق نفسه ص:(64).
(4)
المرجع السابق نفسه ص: (7)، وانظر: ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم: (1/ 418)، تحقيق: عبد الكريم ناصر العقل، مرجع سابق، فقد أشار إلى جانب آخر وهو أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك، ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمور بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، أو الاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة، وهذا من يسر الدين الإسلامي ومراعاته للظروف والأحوال، فالقيام فيه على القدرة، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلّا وسعها.
إذا انتهج غير المسلمين شيئًا من ذلك واعتادوه وظهروا به فلا كلام فيه (1).
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق التفريق بين أمرين اتسم بهما تميُّز الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وانطبعت عليهما شخصية الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ في علاقتها بِغَيرها مِنْ أَهل الكتابِ وأَهْلِ الجاهِلِيَّةِ، الأَمر الأول ما يوجبه الإسلام من البراء من أولئك والحذر منهم والنهي عن التشبه بهم، فيما يتصل بعقيدة الإسلام وشريعته وهديه، والأمر الآخر صلات البر وحسن المعاملة، والبعد عن ظلمهم، أو الاعتداء عليهم، وهو جانب تميَّزت به الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ فِي تعاملها مَعَهُمْ، وشهد لها المنصفون بذلك، وبما اتسمت به حضاراتها وثقافتها من التسامح معهم، والبر بهم، والإحسان إليهم عبر التاريخ تحقيقًا لقول الحق تبارك وتعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لم أبعث لعانًا وإنما بُعثتُ رحمة"(2)، وقول اللَّه -جلَّ وعلا- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وهذا الأمر وما يندرج تحته من الصلات الإنسانيَّة والمعاملات المتصلة بشؤون العمران والحضارة لا يدخل في النهي؛ وهذا ما قرَّره علماء الأُمَّة، وذكروا أن النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية إلا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة، والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.
فالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم استأجر ابن أريقط (3) اللَّيثيَّ ليدله على الطريق وهو كافر
(1) انظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ص: (180)، تحقيق: محمد حامد الفقي، مرجع سابق.
(2)
أخرجه مسلم: صحيح مسلم: (4/ 2007)، كتاب البر والصلة والآداب، باب:(24)، الحديث رقم:(2599)، بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مرجع سابق.
(3)
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية: (2/ 130)، مرجع سابق، وقد ورد ذكر هذا الرجل =