الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- وصُوِّر الرسول صلى الله عليه وسلم على أنَّه الصنم المعبود عند أتباعه، وصُوِّر كذلك المسلمون (كوثنيين يعبدون مجمعًا من الأوثان المعبودة مشخصة في صور تماثيل مصنوعة من الذهب والفضة يتقرب إليها وتعبد وفق تقاليد وطقوس معينة، ويستثار رضاها ويلتمس عونها في الحروب والقتال ضد النصارى، حتى إذا فشل العرب في القتال، وغالب أمرهم أن يفشلوا، لعنت الآلهة وشتمت ودست في التراب)(1).
هذه نبذة مختصرة عن صورة العقيدة الإسلاميَّة لدى الغرب في عصورهم الوسطى، اختصرت القول فيها؛ لأنها أصبحت مرفوضة في أعراف المستشرقين في العصر الحديث، ووجهوا لها انتقادات حادَّة ووصفوها بالتعصب والجهل والحماقة، ولكن السؤال هل جاءت الدراسات الاستشراقيَّة فيما بعد أقرب إلى الإنصاف والبحث العلمي المجرد عن الأحقاد التاريخيَّة الموروثة، والتعصب الديني الأعمى؟! هذا ما سيجري بحثه في النقطة الآتية:
ثانيًا: نماذج من آراء المستشرقين في العقيدة الإسلاميَّة:
1 -
زعم بعض المستشرقين أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخذ أسس التوحيد من اليهود والنصارى، ويقول (ستوبرت) في ذلك:(لقد تأثر محمد صلى الله عليه وسلم بمعتنقي ديانتي التوحيد: اليهودية والمسيحية، إذ لم يبخل عليه الأحبار والرهبان بالمعلومات التي تتعلق بهاتين الديانتين، وتشهد بذلك كتب السيرة عند المسلمين أنفسهم)(2).
(1) المرجع السابق نفسه: ص 114. ولمزيد من الإيضاح انظر: موقف المستشرقين من خصيصة وسطية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، (البحث نفسه).
(2)
ستوبرت: نظم العقائد المغايرة للمسيحية: الإسلام ومؤسس الإسلام؛ نقلًا عن عزية طه: من افتراءات المستشرقين على أحاديث التوحيد، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، [13]: ص 26، رمضان 1459 هـ - 1989 م جامعة الكويت.
2 -
عقد إميل در منغم في كتابه (حياة محمد) فصلًا بعنوان: النصرانية والإسلام، تطرَّق فيه إلى القول:(استطاع محمد أن يتعوف بعدد غير قليل من النصارى بمكة كالموالي الذين كان أكثرهم من الأحباش وبأناس من الروم والأقباط وعرب القبائل النصرانية، وكان يجلس في الغالب بالقرب من جَبْر الرومي (1)، الذي كان يصنع هو ورفيقه يَسَار الرومي السيوف) (2).
ثم يحاول أن يستقصي منافذ النصرانية إلى مكة المكرمة، وكأنه بأسلوب غير مباشر يود أن يشكل إطارًا لتأثر الرسول صلى الله عليه وسلم بالعقائد النصرانية، ويتوغل في هذا الإيحاء بقوله:(. . . وفرق النصرانية الضالة هي التي كان محمد شاهدًا عليها، وهو الذي لم يعرف غيرها، والمسائل الكثيرة المشكوك فيها كان مصدرها ما أدخله اليهود إلى التلمود وغيره مِمَّا عرفه (حضريو) جزيرة العرب وأعرابها وشعراء صحرائها، وفي القرآن مطابقة لرؤيا آدم وكهف الكنوز وكتاب أخنوخ (إدريس) وإنجيل يعقوب الأول وقصص القديسين وإنجيل برنابا وقصة خلق عيسى الصبي للطير من الطين، ولابد أن يكون ورقة بن نوفل وأمثاله على علم بهذا الأدب المشكوك فيه) (3).
(1) وردت في اسمه أقوال عديدة منها:
أ- قيل: (بلعام) وكان قينًا نصرانيًا.
ب- وقيل اسمه (يعيش) وكان غلافا لبني المغيرة. . وهو الذي نسب إليه كفّار مكة أنَّه يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم؛ (سيأتي ذكر ذلك في خصيصة الربانية)؛ انظر هذه الأقوال لدى: الطبري 14/ 119 مجلد [7]، وابن كثير 2/ 586، وابن هشام: السيرة النبوية ص 270، 271، وابن تيمية: الجواب الصحيح. . 1/ 405 (مراجع سابقة).
(2)
حياة محمد: ص 125، بتحقيق: عادل زعيحر، الطبعة الثانية 1988 م عن المؤسسة العربيَّة للدراسات والنشر، بيروت.
(3)
إميل دِر منغم: حياة محمد: ص 137، ترجمة: عادل زعيتر، (مرجع سابق)
وفي سياق آخر يقول: (والحق أن النصرانية تشمل الإسلام وتضيف إليه بعض الشيء، وأنَّه لا تناقض بين هاتين الديانتين، فعلى الأديان أن تتنافس في العبادة والفضائل بدلًا من أن تتناجز، والغرور والأثرة الضيقة يجعلان معظم الناس عاملين على ما فيه اختلافهم عن الآخرين أكثر مِمَّا يعملون على تمجيد اللَّه، والتعصب هو الذي يحول حماسة المرء لدين إلى الحقد على الأديان الأخرى، ومن يدري أن اللَّه لم يرد نوعًا من التمايز الذي هو خلاف التعصب كما في عالم السياسة)(1).
وقال أيضًا: (وبين محمد ومن تقدمه من أنبياء بني إسرائيل شبه قوي، فكان وهو نبي بمكة، كإشعياء في إسرائيل، وكان وهو حاكم بالمدينة كيشوع في كنعان وتسمَّى بمحمد، وحامل هذا الاسم هو من ينتظره اليهود فأبوا أن يدعوه بغير أبي القاسم)(2).
3 -
ولكارل بروكلمان أقوال متناثرة في كتابيه؛ تاريخ الأدب العربي وتاريخ الشعوب الإسلاميَّة. . منها قوله في كتابه الأول: (ولا حاجة هنا إلى ذكر تاريخ دعوته التي ضاهى بها في مكة أسلوب الدعوة النصرانية، ولعله كان يعرف هذه الدعوة من طريق المبشرين النساطرة (3).
ومنها قوله: (واستخدم محمد في دعوته أساليب الكاهن)(4) أو قوله: (تأخذ طابع سجع الكهان)(5) في وصفه للآيات القرآنية التي نزلت بمكة.
ومِمَّا قال أيضًا: (رجح توراندرية أن أسلوب محمد قد تأثر بموعظة
(1) المرجع السابق نفسه: ص 143.
(2)
المرجع السابق نفسه: ص 271.
(3)
تاريخ الأدب العربي: 1/ 134. ترجمة: عبد الحليم النجار، عن دار المعارف، الطبعة الخامسة، القاهرة.
(4)
المرجع السابق نفسه: 1/ 134.
(5)
المرجع السابق نفسه: 1/ 137.
التبشير المسيحي على لسان المبشرين العرب من جنوبي الجزيرة، حيث ازداد نفوذ الكنيسة النسطورية تحت سيادة الفرس) (1).
وقال أيضًا: (كان جديرًا بالنظر حقًّا ما اقترح "بل" -برغم الصعوبة الصوتية- وهو القول باشتقاق لفظ سورة من الكلمة السريانية: صورتا (نصُّ) وذلك لوضوح التأثير النصراني في لغة النبي باطراد) (2).
ومِمَّا جاء في كتابه الآخر قوله: (وفي وسط مكة تقوم الكعبة، وهي بناء ذو أربع زوايا. . يحتضن في إحداها الحجر الأسود، ولعله أقدم وثن عبد في تلك الديار)(3)، وعن الحجر الأسود يقول أيضًا:(وعندما بلغ محمد الكعبة طاف بها سبعًا على راحلته، لامسًا الحجر الأسود بعصاه في كل مرة. وبذلك ضم هذا الطقس الوثني إلى دينه)(4).
ويقول -أيضًا-: (تذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أمَّا في مكة نفسها فلعلَّه اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة)(5).
(1) المرجع السابق نفسه: 1/ 137.
(2)
المرجع السابق نفسه: 1/ 138، (المرجع السابق نفسه).
(3)
تاريخ الشعوب الإسلاميَّة: ص 31، ترجمة: نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي، الطبعة العاشرة 1984 م عن دار العلم للملايين - بيروت.
(4)
المرجع السابق نفسه: ص 61، ولمزيد من الاطلاع على مزاعم كارل بروكلمان في كتابه تاريخ الشعوب الإسلاميَّة، انظر:
شوقي أبو خليل: كارل بروكلمان في الميزان، (مرجع سابق).
غيثان علي جريس: افتراءات المستشرق كارل بروكلمان على السيرة النجوية، من إصدارات نادي أبها الأدبي، الطبعة الأولى 1413 هـ - 1992 م.
(5)
تاريخ الشعوب الإسلاميَّة، ص 34، (المرجع السابق نفسه)
4 -
و (لجولدزيهر) في كتابيه؛ العقيدة والشريعة (1)، ومذاهب التفسير الإسلامي (2)، أقوالٌ تمس تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال تشكيكه في عقيدتها وشريعتها وتاريخها. . وفي كتابه الأول تركزت تلك الأقوال على أربع مزاعم، هي:
أ- إن القرآن من صنع محمد.
ب- إن الحديث النبوي من صناعة الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية.
ج- التشريع الإسلامي مستمد من القانون الروماني.
د- إن الجيوش الإسلاميَّة. . . لم يكن باعثها الإيمان، وإنَّما الذي أخرجها من الجزيرة العربية القحط والجوع) (3).
ومِمَّا يخص مجال العقيدة زعمه بأن الإسلام (ليس إلَّا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها (محمد صلى الله عليه وسلم) بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية) (4)، وأنه لم يأتِ بجديد (5).
وفي كتابه الآخر لا يقتصر على مس العقيدة الإسلاميَّة من حيث كونها
(1) العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى، وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسن عبد القادر، عن دار الكاتب المصري، القاهرة 1946 م.
(2)
مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة: عبد الحليم النجار، الطبعة الثامنة 1403 هـ - 1983 م، عن دار اقرأ - بيروت.
(3)
محمد أحمد جمال: نقد كتاب العقيدة والشريعة في الإسلام لجولدزيهر، مجلة رابطة العالم الإسلامي، المجلد [7]، العدد [5] 1389 هـ - 1969 م: ص 15، تصدر عن إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة.
(4)
جولدزيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام: ص 12، (مرجع سابق)
(5)
انظر: جولدزيهر: المرجع السابق نفسه: ص 11.
مبدأ وتعاليم جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يمتد بمزاعمه وتشكيكاته إلى تاريخ العقيدة الإسلاميَّة في واقع الأُمَّة ويخاط بين أهل الزيغ وأُمَّة الاتباع.
ومِمَّا قاله في هذا المجال: (وكما تقدم تعاليم الإسلام حتى في مرحلته البدائية، صورة من مذهبي الانتخاب والمزج -من اليهودية والنصرانية وديانة فارس وغيرها- كذلك عملت آثار أجنبية، من التجارب التعليمية النافذة من المحيط الخارجي، في تنمية ما جدّ بعد ذلك من المسائل، كما يبدو في مسائل الخلاف العقدية التي كانت تؤدى في أوقات الهدوء المعترضة إلى صياغة قواعد مركزة متبلورة. وقد أمكن في وقت مبكر إثبات أن الأنظار، والمسائل العقدية التي كانت محل الاعتبار في القرنين الأولين عند علماء الكلام الإسلاميين، قد برزت تحت تأثير النشاط العقدي داخل الكنائس والفرق المسيحية الشرقية)(1).
5 -
يكاد هذا الموقف إزاء عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة الذي ينكر تميزها أن يكون متأصلًا في دراسات معظم المستشرقين (2)، وهناك نماذج كثيرة تؤكد ذلك وردت في كتابات الكثير من المستشرقين، ولكن الذي يبين هذا الموقف
(1) جولدزيهر: مذاهب التفسير الإسلامي، ص 171، (مرجع سابق).
(2)
انظر: عبد الجليل شلبي: صور استشراقية، ص 49 - 53، الطبعة الثانية، 1406 هـ - 1986 م، عن دار الشروق، القاهرة، وانظر: عبد اللطيف الطيباوي: المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، ترجمة قاسم السامرائي، ص 34 - 35، (مرجع سابق)، وانظر: محمد إبراهيم الفيومي: الاستشراق رسالة استعمار، ص 314، عن دار الفكر العربي - القاهرة 1413 هـ - 1993 م. وانظر: محمود حمدي زقزوق: الإسلام في الفكر الاستشراقي للمستشرق الألماني جوستاف بفانموللر: ص 142، 143، 145، 149، 158، مجلة حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلاميَّة بجامعة قطر، العدد [2] لعام 1402 هـ، وأدرجه في كتابه: الإسلام في تصورات الغرب في الصفحات (21 - 76)، (مرجع سابق).