الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعريف الشريعة اصطلاحًا:
تطلق الشريعة ويراد بها دين الإسلام بمعنى شامل، أي:(ما شرعه اللَّه لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة، لتحقيق سعادتها في الدنيا والآخرة)(1).
وتطلق ويراد بها (جملة القواعد والقوانين التي تحدد طريقة عبادة الإله من خلال نصوص شفهية أو مكتوبة، ومن خلال ممارسات عملية يقصد بها التدريب العملي على هذه الكيفية ممن وكِّل إليه أمر إنشاء الدين أو إبلاغه كما في الأديان السماوية. وبعبارة موجزة إذا كانت العقيدة يترجمها الفكر والتصور فإن الشريعة تترجم الموقف والعلاقة التي يفترض أن تكون بين العابد والمعبود بناء على تعاليم الإله، أو من وكِّل إليه البلاع، أو من اضطلع بالإنشاء والتأسيس في الديانات الوضعية)(2).
وممَّا يلحظ في التعريف الأول أنَّه تعريف شامل في إطلاق مسمى الشريعة على دين الإسلام، أمَّا التعريف الثاني فإنه يقابل العقيدة ولكنه أطلق مسمى الشريعة على أحكام الدين الإسلامي وغيره سواء كان الدين سماويًا أو وضعيًّا، على حين يرى بعض العلماء أن مسمى الشريعة لا يصح إطلاقه إلا على الشريعة الإسلامية (3).
(1) مناع القطان: التشريع والفقه في الإسلام (تاريخًا ومنهجًا): ص: (15)، الطبعة الثانية:(1402 هـ - 1982 م) عن مؤسسة الرسالة، بيروت.
(2)
محمد كمال جعفر: الإنسان والأديان (دراسة مقارنة)، ص:(45)، (مرجع سابق).
(3)
انظر: مناع القطان: التشريع والفقه في الإسلام. .: ص: (16)، مرجع سابق، وفي بحث له مدرج في: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية والشبهات التي تثار حول تطبيقها (مجموعة أبحاث قدمت لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام بن سعود الإسلامية بالرياض سنة: (1396 هـ)، ونشرته:(1451 هـ - 1981 م) ص: (180)، ذكر أن إطلاق الشريعة على القوانين الوضعية يكون تجوزًا من باب الاستعمال اللغوي أو المادي.
وبالرجوع لكتب المصطلحات القديمة وُجِدَ تقسيم يمكن أن يحدد دلالة الشريعة بمفهومها المحدد أو المتخصص، فقد ورد في معناها الآتي:
أ- (الشريعة ما شرع اللَّه تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى اللَّه عليهم وعلى نبينا وسلم، وسواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية ودُوِّن لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد وتسمَّى أصلية أو اعتقادية ودوِّن لها علم الكلام)(1).
ب- وقال الأصفهاني: (الشرع نهج الطريق الواضح. . واستعير ذلك للطريقة الإلهية، فقال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، فذلك إشارة إلى أمرين:
أحدهما: ما سخر اللَّه تعالى عليه كل الإنسان من طريق يتحراه ممَّا يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله تعالى:{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32].
الثاني: ما قيَّض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارًا ممَّا تختلف فيه الشرائع ويعترضه النسخ، ودلَّ عليه قوله:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18]، وقوله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]، فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل فلا يصح عليها النسخ كمعرفة اللَّه تعالى، ونحو ذلك. . .) (2).
يتبين من هذين التعريفين أن الشريعة تطلق ويراد بها:
- الأصول الاعتقادية والأحكام الفقهية بعامة.
(1) محمد علي علي التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون: (1/ 759)، مادة:(الشرع)، طبعة إستانبول:(1404 هـ - 1990 م)، وانظر: محمد الدسوقي وأمينة الجابر: مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي: ص: (16)، الطبعة الأولى. (1404 هـ - 1990 م)، عن دار الثقافة - قطر.
(2)
مفردات ألفاظ القرآن: مادة (شرع)، (مرجع سابق).
- الأصول الاعتقادية.
- نظام الكون ولحياة الذي أوجده اللَّه.
- الأحكام الفقهية التي تعاقبت بها الرسل صلوات اللَّه عليهم.
- الأحكام الفقهية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم منبثقة عن عقيدة الإسلام الواحدة عند جميع الأنبياء والمرسلين، ولكنها جاءت ناسخة لكثير من الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات ونحوها، وجاءت عامَّة لكافة البشر وشاملة لجميع جوانب الحياة بعد أن أكمل اللَّه دينه، وأتم نعمته، ورضي الإسلام للأمة دينًا ممثلًا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
أما المقصود بمصطلح الشريعة في هذا المطلب فهو (الأحكام والقواعد التي شرعها اللَّه سبحانه لتنظيم أعمال الناس، وعلاقتهم المتعددة والمتنوعة، المنبثقة عن العقيدة الإسلامية)(1)، أو هي (النظم التي شرعها اللَّه أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة)(2).
ومعنى ذلك أن (قواعد الإسلام وأحكامه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء والعقوبات وغيرها من القواعد والأحكام التي تنظم الحياة الخاصة والعامة تشكل بمجموعها، وتفاعلها، وتناسقها، وترابطها نظام الإسلام)(3)، وكأنها مثيلة للعقيدة التي صدرت عنها، وعندئذ يظهر المعنى اللغوي الذي ذكره الجوهري في قوله:(هذه شرعة هذه أي مثلها)(4)، ويطلق علماء القانون مسمى (الشريعة) على جملة الأنظمة
(1) عز الدين الحبيب وآخرون: نظرات في الثقافة الإسلامية: ص: (119)، (مرجع سابق).
(2)
حسن عيسى عبد الظاهر وآخرون: بحوث في الثقافة الإسلامية: ص: (331)، (مرجع سابق).
(3)
عز الدين حبيب وآخرون: المرجع السابق نفسه: ص: (119).
(4)
الصحاح: مادة (شرع)، وسبق ذكر ذلك في معنى الشريعة في اللغة.
والقوانين إذا اتصفت بالانسجام العام في مجموعها وانتظمها سياق واحد (1)(لانبعاثها عن روح واحدة)(2)، أما إذا كان القانون أو النظام يتكون من مجموعة قواعد وأحكام حول ظاهرة واحدة أو جانب من جوانب الحياة فقط، فإنَّهم يطلقون عليه النظام القانوني) (3).
وبالنظر لهذه الدلالة مقارنة بالمعاني اللغوية والاصطلاحية الواردة في تعريف الشريعة يظهر جليًّا استقلال الشريعة الإسلامية بهذا المسمى دون غيرها لما اتصفت به من الظهور والوضوح واليسر والعمق وعدم الانقطاع وهو ما يتفق مع معناها اللغوي؛ ولأن أحكامها تنتظم جميع جوانب الحياة في انسجام تام في داخلها ومع نظام الكون العام والحياة؛ لأن خالق الكون والحياة وهو اللَّه جل جلاله هو الذي سنَّ هذه الشريعة وأبانها وأظهرها، ويتصل بذلك ما أجمله شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله:(فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب اللَّه وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال، والسياسات والأحكام والولايات والعطيات)(4).
والشاهد في قوله هذا أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتطبيق السلف الصالح متصل بالشريعة ويتصل بها طاعة ولاة الأمر من المسلمين كما أوضح ذلك فيما تلا من كلامه، إذ قال: (ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع منزل وهو شرع اللَّه ورسوله، وشرع متأول، وهو: ما ساغ فيه
(1) انظر محمد كمال عبد العزيز: الوجيز في القانون: ص: (12)، عن مكتبة وهبة - القاهرة، 1962 م.
(2)
المرجع السابق نفسه: ص: (12).
(3)
انظر: المرجع السابق نفسه: ص: (12).
(4)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (19/ 308)، أصول الفقه الجزء الأول، (مرجع سابق).
الاجتهاد، وشرع مبدل، وهو: ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع أو البدع أو الضلال الذي يضيفه الضالون إلى الشرع) (1)، ثم قال:(يتبين أنه ليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره، بل كلما يصلح له فهو الشرع من أصوله وفروعه وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملاته وغير ذلك. . وسبب ذلك أن الشريعة هي طاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر منا)(2).
* * *
(1) المرجع السابق نفسه: ص: (308، 309).
(2)
المرجع السابق نفسه: ص: (359).