الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صوحان بعض أقربائه فقال: خالص المؤمن، وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه يحق علينا أن نخالص المؤمن. أخرجه غسحاق بن راهويه في مسند، والله الموفق.
17 - حديث: "سيد طعام أهل الدنيا والآخرة اللحم فابدوءا به
".
لم أقف على اللفظة الأخيرة في شيء من طرق الحديث، وقد أخرجه الطبراني في معجمه من حديث أبي عبيدة الحداد عن أبي هلال الراسبي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية". وأبو عبيدة اسمه: عبد الواحد بن واصل، أخرج له البخاري في صحيحه، واسم شيخه محمد بن سليم، وقد وثقه أبو داود، وقال ابن معين: إنه صدوق، ومرة: ليس به باس وليس بصاحب كتاب. وقال البزار: احتمل الناس حديثه وهو غير حافظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن
سعد: فيه ضعف، وقال ابن عدي بعد أن ذكر له أحاديث: كلها أو عامتها غير محفوظة، وله غير ما ذكرت، وفي بعض روايات ما لا يواقه عليه الثقات، وهو ممن يكتب حديثه. انتهى.
وقال الطبراني عقب تخريجه: لم يروه عن ابن بريدة إلا أبو هلال ولا عنه إلا أبو عبيدة تفرد به سعد.
قلت: ودعواه تفرد أبي عبيدة بروايته عن أبي هلال ليس بجيدة، فقد أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي له، من حديث اسماعيل بن عيسى البصري عن أبي هلال بلفظ:"خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم" وكذا رويناه في المائتين للصابوني من طريق يحيى بن أبي مسرة المكي: حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سليمان البصري حدثنا أبو هلال حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية".
وقال عقبه: غريب من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، لا أعلم رواه عنه غير ابي هلال الراسبي واسمه محمد بن سليم، ويروي أيضًا عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين انتهى. وفي فوائد تمام الرازي من حديث عبد الملك بن قُريب الأصمعي عن أبي هلال بلفظ:"سيد الإدام اللحم، وسيد الشراب الماء، وسيد الرياحين الفاغية" وحينئذ فمدار هذا الحديث على أبي هلال وقد قدمنا ما فيه. ووجدت لحديثه شواهد منها:
ما أخرجه ابن ماجه في "سننه" وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" من طريق سليمان بن عطاء عن مسلمة الجزري، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" لكنه ضعيف. وقد قال ابن حبان في "الضعفاء" في ترجمة سليمان هذا: أنه شيخ يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، وليست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة. انتهى.
وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من الطريق التي أخرجه منها ابن ماجه، وحكى مقالة ابن حبان المذكورة، لكن قرأت بخط شيخنا متعقبًا عليه: لم يتبين لي الحكم بالوضع على هذا المتن، فإن مسلمة غير مجروح وسليمان بن عطا ضعيف. انتهى. نعم، جزم الحافظ أبو الفضل العراقي وغيره من الأئمة بأنه إسناد ضعيف.
ومن شواهده أيضًا: ما أخرجه أبو نعيم في "الطب" له بإسناد
ضعيف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز" ومنها: ما عزاه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس لحديث صهيب بن سنان، لكنني لم أقف عليه، فينظر في سنده، ومنها: ما رواه أبو الشيخ ابن حيان من رواية ابن سمعان قال: سمعت من علمائنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحم، ويقول:"هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة، لو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل"، وسنده ضعيف مع انقطاعه، ومنها: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن بكير السكسكي عن أبيه عن أبي سنان الشيباني عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن ربيعة بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم" وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال عقبه نقلاً عن العقيلي: لا يعرف هذا الحديث إلا بعمرو، ولا يصح في هذا المتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء.
قلت: ودعوى الوضع مع ما تقدم من سياق طرقه ليست صحيحة، لا سيما وقد صح فضل عائشة عن النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذه فوائد لا بأس بها: أخرج أبو نعيم في "الطب" له بسند ضعيف عن علي قال: "اللحم من اللحم، فمن لم يأكل اللحم أربعين يومًا ساء خلقه". وعنه أيضًا قال: "اللحم ينبت اللحم" وهذا يفسر الذي قبله وفي
لفظ آخر: "عليكم بهذا اللحم، فكلوه فإنه يحسن الخلق ويصفي اللون ويخمص البطن" وهذا اللفظ أخرجه تمام الرازي مرفوعًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل اللحم يحسن الوجه، ويحسن الخلق" زاد غيره "ويطيب النفس" وهو في مسند الفردوس، مع ما في الحديث، لكنه لم يذكر من خروجه، وإسناده فيه نظر، وعند أبي نعيم من حديث علي:"كلوا اللحم فإنه ينبت اللحم، كلوه فإنه جلاء للبصر، من تركه أربعين يومًا ساء خلقه". وسنده ضعيف، ومن حديث ابن عون عن الحسن البصري قال:"اللحم طعام الأحرار" وفي سنده ضعف أيضًا. وعند الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما أنه كان لابد من اللحم شهريًا، إلا مسافرًا، أو رمضان قال: وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مزعة اللحم. ولأبي نعيم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للقلب فرحة عنه أكل اللحم" زاد غيره: "وإنه ما دام الفرح بأحد إلا أشر وبطر، ولكن مرة ومرة" وجزم ابن حبان، وابن الجوزي وغيرهما من الحفاظ كالذهبي بأنه موضوع.
ومن الأباطيل ما ذكره ابن الجوزي من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأكلوا اللحم" وقال عقبه: هذا محال، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل اللحم ويحبه ويعجبه، وإنما يهجر اللحم المتهوسون من المتصوفة والمتزهدة حتى قال بعضهم: أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحًا، ولا جرم لما هجروه قويت الماليخوليا عليهم فخلطوا. انتهى.
وفي "الشمائل" للترمذي من حديث جابر: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فذبحنا له شاة قال: " [كأنهم] علموا أنا نحب اللحم" وسنده صحيح، وعند الحاكم في "المستدرك" وصححه من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أطيب اللحم لحم الظهر".
ولأبي الشيخ بسند ضعيف، من حديث ابن عباس: كان أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف.
ومن حديث أبي هريرة: "لم يكن يعجبه من الشاة إلا الكتف" وعند ابن ماجه بسند ضعيف من حديث أبي الدرداء قال: "ما دُعي
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لحم قط إلى أجاب، ولا أهُدي له لحم قط إلى قَبِلَه".
وعن أبي هريرة: أتِى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها. متفق عليه في حديث. وعن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ" رواه أبو داود، وغيره من طريق أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: سُئِلَ أحمد عنه فقال: ليس بصحيح، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتز من لحم الشاة.
قلت: ولا ينهض الحكم عليه بالوضع، لأن أبا معشر واسمه نجيح لم يترك، وإن كان هذا الحديث مما أنكر عليه، فقد توبع، ورويناه من طريق يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك عن هشام، وأيضًا فإنه لا تضاد بين صنيعه صلى الله عليه وسلم ذلك وبين نهيه، فيحتمل أن يكون النهي عن كيفية مخصوصة، يدل عليه قوله:"إن ذلك صنيع الأعاجم" ويحتمل أن يكون النهي عامًا، والفعل لبيان الجواز.
وللحديث المذكور شاهد من حديث صفوان بن أبي أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انهسوا اللحم نهسًا فإنه أهنأ وأمرأ" رواه أبو
داود، والترمذي واللفظ له، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولفظه: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا آخذ اللحم عن العظم فقال: "يا صفوان" فقلت: لبيك قال: "قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ".
رواه الترمذي عن عبد الكريم بن أمية المعلن عن عبد الله بن الحارث عنه، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى. وهو واه، روى له البخاري تعليقًا ومسلم متابعة وقد جاء من غير حديثه، أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق عبد الرحمن بن معاوية عن عثمان بن أبي سليمان عنه، لكن عثمان لم يسمع من صفوان، وحينئذ فتصحيح الحاكم له ليس بجيد، ولأبي نعيم من طريق ابن عوان قال: قال عمر: إذا أكلتم اللحم فكلوا الخبز فإنه يسد مكان الخلل، وجاء من طرق أخرى بعضها بعض من خرج الصحيح كما بينته فيما مضى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عليكم بألبان البقر وسمنانها وغياكم ولحومها فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء".