الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: بيان أن الله تعالى أغنى المسلمين بأعيادهم الشرعية
المبحث الأول: ارتباط الأعياد الشرعية بالفرائض الدينية
…
المبحث الأول: ارتباط الأعياد الشرعية بالفرائض الدينية
الدين الإسلامي دين الوسطية لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا إجحاف، هذا هو حال الإسلام في جميع أموره لا يعتني بناحية دون أخرى، وهذه الوسطية تدل على اعتداله، حيث يتناول جانبي النفس الإنسانية الجانب الروحي والجانب المادي؛ وذلك بتلبية حاجتهما بعيداً عن المغالاة في التجرد الروحي، أو الإغراق في الجانب المادي؛ وذلك في حدود ما يحفظ هذا البناء ويجعله قوياً متماسكاً. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} 1.
وذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هم له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم: تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة وترك الدنيا، وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثني الهند وأصحاب الرياضات.
أما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها الحقين حق الروح وحق الجسد وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع الحقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح 2.
1 سورة البقرة، آية (143) .
2 تفسير المنار لمحمد رشيد رضا (2/514) .
ولقد تجلت هذه الأمور في الاحتفال بالأعياد الإسلامية، حيث جمعت بين زاد الروح وزاد الجسد والأعياد الشرعية مرتبطة بعبادات جليلة وفرائض مكتوبة.
" حيث تأتي بعد فترة يمتحن فيها الإنسان في فضيلتين من الزم الفضائل له في حياته الخاصة، وحياته العامة، وهما التضحية وضبط النفس "1.
وذلك أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه ويخرجون من بلادهم بزينتهم وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب والعجم.
ولقد وصل صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: "قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"2.
وإنما بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين، أو موافقة أئمة مذهب أو شيء يضاهي ذلك، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم إن تركهم وعادتهم أن يكون هناك تنويه بشعائر الجاهلية وترويج لسنة أسلافهم، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنفية، وضم التجمل فيهما ذكر الله وأبواباً من الطاعات، لئلا يكون اجتماع المسلمين بمحض اللعب، ولئلا يخلو اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله.
فأحدهما: يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم، فاجتمع الفرح الطبيعي، من قبل تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات.
1 الإسلام دعوة عالمية لعباس العقاد (69) .
2 سبق تخريجه، ص (80) .
و"العقلي" من قبل الابتهاج مما أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افتراض عليهم، وأسبل عليهم من إبقاء رؤوس الأهل والولد إلى سنة أخرى 1.
" فعيد الفطر مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار شرع لهم عقب ذلك عيداً يجتمعون فيه على شكر الله وذكره، وتكبيره على ما هداهم له وشرع لهم في ذلك الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة 2.
فهذا العيد مرتبط بالسرور الذي يحصل عليه المسلم، وقد استطاع أن يلبي أمر ربه بصيام شهر رمضان، فهو يفرح بأن كملت له هذه النعمة وتمت له هذه الغاية 3.
وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطرة ، وإذا لقي ربه فرح بصومه"4.
الثاني: عيد الأضحى فهو يوم أمر ذبح إبراهيم ولده إسماعيل عليهما السلام، وإنعام الله عليهما بأن فداه بذبح عظيم إذ فيه تذكر لحال أئمة الملة
1 حجة الله البالغة للدهلوي (2/30ـ31) وبلوغ الأرب للألوسي (1/364ـ365) .
2 انظر: لطائف المعارف لابن رجب (287) .
3 انظر: الحياة الاجتماعية، د/ أحمد شلبي (145) .
4 صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم (4/118) ، حديث (1904) ، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصوم (2/806ـ807) ، حديث (1151) .
الحنيفية، والاعتبار بهم، وفيه تشبه لما بالحاج وتنويه بهم وشوق هم فيه؛ ولذلك شرع التكبير 1.
وهو قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} 2. وهو يوم النحر وأكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم وكمل يوم عرفة واعتق الله عباده المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقرب إلى الله بالنسك، وهو إراقة دماء القرابين 3.
أما يوم الجمعة: فهو عيد الأسبوع ومتعلق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين 4.
وفي ذلك يقول ابن القيم إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوماً يفرغون فيه للعبادة ويجتمعون فيه لتذكير المبدأ والمعاد والثواب والعقاب، ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياماً بين يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا الفرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق وذلك يوم الجمعة فأدخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته وقدر اجتماعهم
1 انظر: حجة الله البالغة (2/31) ، وبلوغ الأرب للألوسي (1/365) .
2 سورة البقرة، آية (185) .
3 لطائف المعارف لابن رجب (287) .
4 انظر: المصدر السابق (287) .
فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعاً في الدنيا وقدراً في الآخرة 1.
فهذه الميزة من الخصائص التي اختصت بها الأعياد الشرعية على ما سواها من أعياد الأمم والمبتدعة، وهي تأتي في أفضل أوقات السنة " فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، وهو عيد للمسلمين، ورمضان ميزان العام ويعقبه يوم الفطر وهو عيد للمسلمين، والحج ميزان العمر ويعقبه يوم النحر، وهو عيد للمسلمين 2.
1 زاد المعاد ((1/421) .
2 انظر: المصدر السابق (1/398) .