الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: أعياد العرب في الجاهلية وعاداتهم فيها
المبحث الأول: الدين السائد عند العرب في الجاهلية
…
المبحث الأول الدين السائد عند العرب في الجاهلية
لم يكن هناك دين أو معتقد يجتمع عليه العرب في الجاهلية، بل كانوا قبائل وشيعاً متفرقين وفرقاً مختلفين 1. وكانت أديانهم مختلفة بالمجاورة لأهل الملل أو الانتقال إلى البلدان والأمصار2.
قال ابن قتيبة 3 عن أديان العرب: إن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكانت اليهودية في حمير وبني الحارث بن كعب وكنده، وكانت المجوسية في تميم، وكانت الزندقة4 في قريش5.
والمقصود أن العرب لم يكونوا متفقي المذهب ولا متحدي المسلك والمشرب، ولا شك أن الأعياد من الديانات، كما جاء في تفسير. قاله تعالى:{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} 6.
1 بلوغ الأرب للألوسي (1/344) ،
2 تاريخ اليعقوبي (1/354) .
3 هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب التصانيف، ولد 213هـ، وكانت وفاته 276هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (13/296) ، وشذرات الذهب لابن العماد (2/169) .
4 الزنديق: بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة والربوبية، وقيل من يبطن الكفر، ويظهر الإيمان. انظر: القاموس المحيط (1151) .
5 المعارف لابن قتيبة (266) .
6 سورة الحج، آية (67) .
فالمراد بالمنسك العيد1، فالعرب لم يكونوا يومئذ متفقين في الأعياد، كما لم يتفقوا في الدين والاعتقاد2.
ولكن كانت عبادة الأصنام هي السائدة بينهم، حيث كانت منتشرة انتشاراً واسعاً في القبائل العربية وبخاصة قبل الإسلام.
فكان أول من غير دين إسماعيل عليه السلام عمرو بن لحي بن حارثة بن عمر الأزدي أبو خزاعة، فنصب الأوثان وسيب السائبة3، ووصل الوصيلة4، وبحر البحيرة5، وحمى الحامي6.
وكما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب "7.
1 تفسير البغوي (3/357) .
2 بلوغ الأرب للألوسي (1/356) .
3هي الناقة التي ينذر الرجل أن يسيبها إن بريء من مرض أو قدم من سفر، فلا تمنع من ماء ولا مرعى ولا تحلب، ولا تركب. انظر: النهاية لابن الأثير (2/431) . وجاء في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب أنه قال: السائبة التي يسيبونها لآلتهم فلا يحمل عليها شيء (2/269) .
4 وهي الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، ومن الشاء التي وصلت سبعة أبطن أثنين أثنين، وولدت السابعة ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فأحلوا لبنها للرجال وحرموه على النساء وتجرى مجرى السائبة. انظر: النهاية لابن الأثير (5/192) ، والقاموس المحيط (1380) .
5 هي الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ولدها أو ضيف، وتهمل لآلهتهم. انظر: النهاية لابن الأثير (1/100) .
6 هو: الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدودة قبل عشرة أبطن فإذا بلغ ذلك قالوا حام، أي حمى ظهره، فيترك ولا يركب ولا ينتفع منه بشيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى. انظر: لسان العرب (14/202) مادة "حمى" والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني (132) .
7 صحيح البخاري مع فتح الباري كتاب المناقب، قصة خزاعة (6/547) ، حديث (3521) ، وصحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2192) ، حديث (2856) .
وجاء عنه أيضاً قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لأكثم1 بن الجون الخزاعي: "يا أكثم: رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا بك منه، فقال أكثم: أتخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا. انك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة، وحمى الحامي" 2.
وذلك أن الحارث هو الذي كان يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه في الولاية وقاتل جرها ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة، وتولى حجابة البيت.
ثم انه مرض مرضاً شديداً فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة3 إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها، فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام. فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقى بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة4.
وبذلك انتشرت عبادة الأصنام في القبائل العربية حتى عمت الجميع.
1 هو: أكثم بن الجون، أو ابن أبي الجون. واسمه عبد العزي بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس بن حزام الخزاعي. انظر: الإصابة لابن حجر (1/61) ، ترجمة (240) .
2 رواه ابن إسحاق كما في السيرة لابن هشام (1/76) ، والحاكم في المستدرك، كتاب الأهوال (4/605)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
3 الحمة عين ماء حار يستشفي بها المرضى. انظر: النهاية (1/445) ، ولسان العرب (12/154) .
4 الأصنام لابن الكلبي (1/445) ، والسيرة لابن هشام (1/77)، وانظر: أخبار مكة للأزرقي (1/100) .
وذكر ابن الكلبي1 أنه كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل أن يتمسح به أيضاً2.
وكان من ضمن هذه الأصنام ما حكاه الله تعالى عن قوم نوح وعبادتهم للأصنام كما في قوله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً} 3. فكانت هذه الأصنام موجودة لدى العرب.
فكان ود: لكلب بن دبره من قضاعة واتخذه بدومة الجندل.
وكان سواع: لهذيل، وكان موضعه برهاط4 من أرض ينبع.
وكان يغوث: لأنعم من طي، وكان بأكمة يقال لها مذحج5. تعبده مذحج ومن والاها.
وكان يعوق: لهمدان وخولان ومن والاها من قبائل، وكان في موضع خيوان6.
1 هو: محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النظر الكوفي، النسابة المفسر الأخباري متهم بالكذب ورمي بالرفض، وكانت وفاته 146هـ. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (3/556) ، وتقريب التهذيب لابن حجر (479) .
2 الأصنام لابن الكلبي (32) ، والسيرة لابن هشام (1/83) .
3 سورة نوح الآيات رقم (21-24) .
4 رهاط، بضم أوله وآخره طاء مهملة: موضع على ثلاث ليال من مكة. انظر: معجم البلدان لياقوت (3/107-108) .
5 مذحج، بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر الحاء المهملة: قرية باليمن. انظر: معجم البلدان لياقوت (5/89) .
6 خيوان بفتح أوله وتسكين ثانيه وآخره نون: قرية باليمن. انظر: معجم البلدان لياقوت (2/445) .
وكان نسر: لذوي الكلاع من حمير، اتخذوه في موضع بلخع من أرض سبأ.
فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بهدمها1.
وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير الآية. قال:"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف من سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت"2.
فكانوا يعظمون تلك الأصنام فينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها ويحجونها ويعتمرون إليها، وكانوا يطوفون على تلك الأصنام، ويسمى طوافهم "بالدوار" كما كانت تسمى تلك الذبائح والقرابين بالعتائر34.
فنظراً لاختلاف العرب وتفرقهم كان الاتصال بينهم صعباً فصارت أعيادهم كثيرة غير متفقة في زمان أو مكان ذات صفة محلية، وهي مرتبطة عادة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق5.
1 الأصنام لابن الكلبي (55-57)، وانظر: السيرة لابن هشام (1/78-81) ، وتاريخ اليعقوبي (1/255) ، وتفسير ابن كثير (4/426) ، وتفسير البغوي (4/399) .
2 صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب التفسير (8/667) ، حديث (4920) .
3 العتائر جمع عتيره، والعتيرة هي شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم، وقيل هي الذبيحة التي يذبح للأصنام، النهاية لابن الأثير (3/178)، وانظر: لسان العرب (4/537) ، مادة (عتر) .
4 انظر: الأصنام لابن الكلبي (33-34) .
5 المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على (8/100) .
والأعياد من جملة مظاهر الأديان وشعائرها، وقد كانت للجاهلية أعياد لها صلة بأديانهم، ولكن لا توجد أعياد عامة لجميع الجاهليين عبدة الأصنام.
لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحدة، أو أعياد إله واحد، أو آلهة مشتركة يعبدها جميع القوم، وإذا كانت العرب لا تعبد إلهاً واحداً، أو آلهة مشتركة يقدسها أهل الوبر وأهل المدر جميعاً، فلا يمكن أن يتصور وجود أعياد عامة لجميع العرب في عهود ما قبل الإسلام1.
ولعدم وجود دين واحد لهم يجمع شملهم، والدين من أهمّ العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجمع أصحابها للاحتفال بها؛ لذلك فأعياد الجاهليين أعياد موضعية كل قبيلة أو مدينة أو مملكة عيد، ولا تفعل ذلك القبائل الأخرى لوجود عيد آخر عندهم أو لعدم معرفتهم بذلك.
بخلاف أعياد الأمم الأخرى كاليهود والنصارى فأمرها أمر آخر؛ لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تاريخاً ثابتاً للأعياد فيها، فصارت معروفة عند اتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقت2.
بناءً على ما تقدم فلعباد الأصنام من العرب في الجاهلية أعياد كثيرة منها مكانية ومنها زمانية.
1 انظر: المصدر السابق (6/397) .
2 انظر: المصدر السابق (5/100-101) .