الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: النهي عن اتخاذ القبور أعياداً:
لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور أعياداً والاجتماع عندها، كما نهى عن ذلك سلف هذه الأمة.
1 -
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنت"1.
2 -
وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيدعو، فدعاه فقال ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"2.
3 -
عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند
1 سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (2/534) ، حديث (2042) ، ومسند الإمام أحمد (2/367) ، وصححه النووي في الأذكار (98) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/654) ، إسناده حسن ورواته كلهم ثقات.
2 مسند الإمام أحمد (2/367) ، واللفظ له والجامع الصغير للسيوطي مع فيض القدير (4/99) ، ورمز لصحته. وصححه الألباني، كما في صحيح الجامع (2/706) .
القبر؟ قلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم"1. فهذه الأحاديث تدل على النهي عن اتخاذ القبور أعياداً.
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً، فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم أنه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا بيوتكم قبوراً" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت ، ونهى عن تحريها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم، كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً"2.
ثم انه أعقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: "صلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم".
1 مصنف ابن أبي شيبه، كتاب الجنائز، باب من كره زيارة القبور (3/345) ، ومصنف عبد الرزاق، كتاب الجنائز، باب السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم (3/577) ، حديث (6726) .
2 صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر (1/528-529) ، حديث (432) ، واللفظ له. وصحيح مسلم، كتاب صلابة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته (1/538) ، حديث (777) .
وفي الحديث الآخر: "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم". يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل من قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً 1.
ولكن من أخذ شبهاً من النصارى بالشرك وشبهاً من اليهود بالتحريف، حرف الأحاديث، فقال: هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت.
وقد أجاب على ذلك الإمام ابن القيم بقوله: "وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم، وقلب للحقائق، ونسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التدليس والتلبيس، بعد التناقص فقاتل الله أهل الباطل أني يؤفكون، ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته، وكثرة انتيابه بقوله: "لا تجعلوه عيداً" فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، فإن لم يكن هذا تنقيصاً فليس للتنقيص حقيقة فينا.
ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً
1 اقتضاء الصراط المستقيم (2/657)، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (1/192) .
يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجداً 1.
وكيف يقول: "لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليّ حيثما كنتم" وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف 2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيره. فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً.
وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً.
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط 3.
1 صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم (3/255) ، حديث (1389) ، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/376) ، حديث (529) .
2 إغاثة اللهفان لابن القيم (1/192-193) .
3 اقتضاء الصراط المستقيم (2/659-660)، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (1/193) .
من هنا يتبين أن من افتتنوا بالقبور والعكوف عندها والتمسح بها والالتجاء إلى أصحابها، أبوا إلا مخالفته صلى الله عليه وسلم ومشاقته، فعمدوا إلى التحريف في الأحاديث وحملها على خلاف الحق لتأييد باطلهم، فكانوا أعلم من صحابته صلى الله عليه وسلم بزعمهم - فوقعوا في الشرك المحبط للعمل زاعمين أن ذلك تعظيم لساكني هذه القبور فجعلوا لكل قبر موسماً وموعداً يجتمعون فيه وينتابونه من وقت لآخر.
فأشبهوا اليهود والنصارى وشاركوا أهل الجاهلية في ذلك فاتخاذ القبور أعياداً من مسائل الجاهلية، وعمل من أعمالها 1.
1 انظر: مسائل الجاهلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (123) .