الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[2][رَمْيُهُمْ لِلْمُحَدِّثَينَ وَالطَّعْنِ بِالجُبْنِ وَالخَوْفِ]:
في كتاب " ضحى الإسلام " ج 2 ص 122:
وقد لاحظ بعض المستشرقين أن " مسند أحمد " تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين بذكر أحاديث في مناقب بني أمية، مما كان منتشرًا بين الشاميين وكان على العكس من ذلك البخاري ومسلم فإنهما لم يذكراها مداراة للعباسيين، كما أن " مسند أحمد " لم يتحرج من ذكر أحاديث كثيرة في مناقب علي وشيعته.
وقد رد هذا الرأي صاحب " الضحى "، وقد رأيت أن أرد على هذا الافتراء رَدًّا مُفَصَّلاً فأقول:
الرَدُّ عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ:
[1]
إن الغرض الذي يهدف إليه هذا المستشرق من هذا الكلام هو الطعن في أئمة الحديث وجامعيه بالجبن والخوف، وأنهم كانوا يستميلون الحكام، ويطلبون رضاهم بوضع الأحاديث في فضائلهم ومثالب أعدائهم ليصل إلى ما يريد وهو الطعن في صحة هذه الكتب، والتشكيك فيها ليصلوا من ذلك إلى تقليل الثقة بكتب الأحاديث من صحاح، وسنن ومسانيد، ومعاجم وغيرها وإذا تم لهم ذلك فقد انهدم الركن الثاني من أركان التشريع في الإسلام، وإذا ما انهدم هذا الركن فقد يستعجم فهم القرآن الكريم على المسلمين وإذا ما انهدم الركن الثاني، واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء، ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى ما دام هناك في المسلمين علماء عاملون محبون للسنن والأحاديث قادرون على رد الشبه عنها.
[2]
إن الأمر ليس أمر خوف وشجاعة ولا أمر مداراة ومداهنة ولكن الأمر أمر شروط والذين ألفوا في جمع الحديث والسنن قد شرطوا لتخريج الأحاديث في دواوينهم شروطا التزموا بها ولم يحيدوا عنها وهؤلاء ليسوا سواء فمنهم المبالغ المتشدد الذي لا يخرج إلا ما ثبتت صحته كأصحاب الصحاح وعلى رأسهم البخاري ومسلم
ومنهم المتساهل بعض الشيء ولا سيما في الفضائل كأصحاب السنن والمسانيد وذلك مثل الإمام أحمد في " مسنده " والترمذي في " جامعه " وابن ماجه " في سننه " وهذا هو السر في أن الإمام أحمد خرج في فضائل بني أمية أكثر مما خرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
[3]
مما ينقض هذا الزعم الباطل المبني على الحدس والتخمين لا على التحقيق العلمي الصحيح أن البخاري ومسلمًا أخرجا في " صحيحيهما " أحاديث في فضائل بني أمية، فقد ذكر في فضائل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه أحاديث كثيرة، وهو يعتبر من شجرة بني أمية (1) وبالانتصار له انحاز إليهم كثيرون.
وذكر البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية بن أبي سفيان، وما ذكره في فضائل معاوية رضي الله عنه أكثر مما ذكره في فضائل كل من العباس وابنه رضي الله عنهما، وكما قال في معاوية: باب ذكر معاوية، قال في فضل العباس: باب ذكر العباس بن عبد المطلب، وكذلك قال في ابنه عبد الله: باب ذكر عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وما ذكره في فضائل معاوية أكثر مما ذكره في فضائل العباس وكذلك فعل مسلم فذكر فضائل أبي سفيان بن حرب والد معاوية، حيث ذكر حديث أبي سفيان بن حرب لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم ليلة الفتح: «ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ
…
» الحديث. فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة لأكثرا من فضائل العباس وابنه، لأنهما جَدَّا العباسيين، ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك، ومن هذا العرض الوجيز يتبين لنا جَلِيًّا أن الأمر ليس أمر جبن وخوف ولا أمر شجاعة وصراحة، وإنما الأمر أن شروط الشيخين شديدة فمن ثم لم يصح عندهما في فضائل معاوية ولا أبيه: إلا أحاديث قليلة بخلاف الإمام الجليل أحمد فإن شروطه دون ذلك، وقد روى عنه رضي الله عنه أنه كان يقول: «نَحْنُ إِذَا رَوِينَا فِي الحَلَالِ وَالْحَرَامِ شَدَّدْنَا،
(1)" صحيح البخاري ": - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عثمان، وقد ذكر في هذا الباب أكثر مما ذكر في مناقب عَلِيٍّ، و " صحيح مسلم ": - كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم - باب من مناقب عثمان رضي الله عنه.
وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ تَسَاهَلْنَا» فمن ثم كانت أحاديثه في بني أمية أكثر من أحاديث الشيخين، البخاري ومسلم.
[4]
ومما ينقض هذا الزعم الباطل اَيْضًا أن البخاري ومسلما أخرجا في فضائل عَلِيٍّ رضي الله عنه وآل بيته أحاديث كثيرة تعتبر أكثر مما ذكراه في فضائل العباس وابنه عبد الله رضي الله عنهما، ومن يرجع إلى فضل عَلِيٍّ وآل بيته في " الصحيحين " يتحقق ذلك غاية التحقق، فقد ذكر كل من البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بابا لفضائل عَلِيٍّ، وبابا لفضائل الحسن والحسين (1)، وخلفاء بني العباس كانوا يعتبرون العلويين مناوئين لهم، فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة للعباسيين لما ذكرا في " صحيحيهما " شيئا من ذلك.
وذلك مثل ما روياه في " صحيحيهما " من قول النبي لعلي: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَاّ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حصار خيبر «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ [قَالَ]: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -» ثم بعد ذلك أعطاها لِعَلِيٍّ ففتح الله عليه ومثل ما رواه البخاري في قصة بنت حمزة واختصام علي، وجعفر، وزيد بن حارثة فيها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ:«أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» .
ومثل ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث عَلِيٍّ نفسه قال: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ [الأُمِّيِّ] صلى الله عليه وسلم إِلَيَّ:«أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ» (*) وله شاهد من حديث أم سلمة رضي الله عنه عند الإمام أحمد (2).
(1)" صحيح البخاري ": - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب علي
…
باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهم. و " صحيح مسلم ": - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل علي رضي الله عنه
…
باب فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهما.
(2)
" فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": ج 7 ص 72 ط السلفية.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*)" الجامع الصحيح " للإمام مسلم، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي:(1) كِتَابُ الإِيمَان (33) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأنْصَارِ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم مِنَ الإِيمَانِ وَعَلَامَاتِهِ، وَبُغْضِهِمْ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ، حديث رقم 131، 1/ 85. الطبعة الثانية: 1972 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
لبيد بن الأعصم للنبي، غير الشيخين: البخاري ومسلم - الإمام أحمد في " مسنده "(1) وابن سعد في " الطبقات "(2) وابن ماجه (3).
ذِكْرُ الشُّبَهِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الحَدِيثِ وَرَدِّهَا:
وإثارة الشبه حول حديث السحر تضرب في القدم إلى العصور الأولى، فقد ذكره الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث "(4) ضمن الأحاديث التي طعن فيها النَظَّامُ وأمثاله من أرقاء الدين في السنن والأحاديث.
وكذلك رَدَّ بعض أهل العلم في العصر الأخير، وهم الذين يحكمون العقل الجامح في كل شيء، وليس عندهم من العلم بالسنن والأحاديث وروايتها عدالة، وضبط رواتها ما يعصمهم من الوقوع في الزلل.
وجاء بعض أدعياء العلم في هذا العصر (5) اَيْضًا فألف كتابًا في السُنَّةِ جمع فيه كل شاردة وورادة في الطعن في السُنَّةِ والأحاديث واعتمد في رده لهذا الحديث على أن الأستاذ الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر ورده بالحجج والبراهين (6).
وقد اعتمد هو ومن سبقه من أئمة الاعتزال إلى الأمور الآتية قالوا:
[1]
إن الحديث وإن رواه البخاري ومسلم فهو حديث آحادي فلا يؤخذ به في العقائد وعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد فلا يؤخذ في إثبات
(1)" مسند أحمد ": جـ 4 ص 367، وجـ 6 ص 57، 63، 66.
(2)
جـ 2 ق 2 ص 4.
(3)
كتاب الطب - باب 45.
(4)
" تأويل مختلف الحديث ": ص 177 وما بعدها.
(5)
هو محمود أَبُو رَيَّةَ في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ".
(6)
سموها حُجَجًا وَبَرَاهِينَ على حسب زعمهم وذلك لأنها صادفت هوى في نفوسهم.