الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[5] تَشْكِيكُ المُسْتَشْرِقِينَ بِأَنَّ الأَحَادِيثَ الدَالَّةَ عَلَى الزَّكَاةِ وَأَنْصِبَتِهَا تُنَاقِضُ الحَقَائِقَ التَّارِيخِيَّةَ:
هذه الشبهة من كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقة الإسلامي "(1).
قال في صفحة 16 في الطبعة الأولى، وفي ص 18 في الطبعة الثالثة، ما نصه:
وقد أمر الله بالزكاة في كتابه الكريم، وجعلها فريضة على كل مسلم، وعندما أخذ الفقهاء يبحثون عمن تجب عليه الزكاة، وهل (كذا) هي واجبة على كل مسلم، أو على من ملك نصابًا خاصًا؟ وما المقدارالذي يجب أن يؤدى. استدلوا على هذا بالروايات التي تفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع القواعد المفصلة للزكاة وحددها تحديدًا كاملاً
…
قال: وقد شكك في هذه الروايات بعض الباحثين (2) قائلاً: إنها تناقض الحقائق التاريخية، ذلك أن المعروف تاريخيًا أن الصحابة كانوا يزكون كل على حسب طاقته ولم يكن هناك أمر مضبوط، أو مطالب مخصوصة، وقد فرضها القرآن من غير تحديد، وفعل المسلمون ذلك قديمًا، وأعطوا ما عندهم نَقْدًا وَحُلِيًّا وَمَالاً وَمَلْبَسًا وأشياء مختلفة كل بحسب ما عنده، وهذه الأحاديث تفيد أن الرسول وضع حدودًا مضبوطة لذلك على الجميع مثل أن من يملك كذا فعليه كذا، ومن ملك أقل من 20 دينار فلا زكاة عليه، ومن ملك 20 دينارا فعليه نصف دينار.
ومن الوثائق التي فصلت فيها أنواع الزكاة ما كتب به أبو بكر إلى عماله وفي بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي، فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي،
(1) مؤلفه هو الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر، كان أستاذًا وعميدًا لكلية الشريعة - بجامعة الأزهر.
(2)
Juynboll،95 (*) هكذا كتب اسمه المؤلف في هامش الكتاب.
------------------------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) - توماس جوينوبل: Thomas Juynboll: من كبار مُحَرِّرِي " دائرة المعارف الإسلامية ". انظر: " المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام " للدكتور محمد البهي، ص 18، الناشر: مطبعة الأزهر.
فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به، وفيها تفصيلات محددة لزكاة الإبل والبقر والغنم، وهكذا أصبح مطلق التصدق لوجه الله محدودًا بشكل خاص هو الزكاة بقيودها، وتفصيلاتها، وجرى الناس عند أداء الزكاة المفروضة في القرآن على قواعد فقهية خاصة محدودة بالنسبة للنصاب، وما يؤخذ منه ومن يستحق ذلك من الناس أقول: وقد مر مؤلف هذا الكتاب - عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ - بهذا الكلام المتهافت، ولم يفند منه كلمة، وسكوته في مثل هذا يعتبر رضا بما ذكر هذا المستشرق المشكك، ووجود مثل هذا في كتاب رجل مسلم، بل وعالم أزهري أدعى إلى قبوله من الناشئة وطلاب العلم المبتدئين وإلى زيادة التشكيك في الأحاديث التي حددت أنصبة الزكاة ومقدار المخرج منها تحديدًا دقيقًا يدل على أنه بوحي من الله، إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الحساب، وقد نشأ في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب - كما في الحديث الصحيح - فتبين أن يكون هذا بوحي من الله تبارك وتعالى.
والجواب:
[1]
من أين لهذا الباحث المستشرق المشكك أن الأحاديث الدالة على قيم الزكاة وأنصبتها تناقض الحقائق التاريخية، وكنا نحب من الباحث أو صاحب الكتاب الناقل لكلامه أن يرشدنا إلى المرجع في ذلك، وإذا لم نعتمد على الروايات الحديثية في الحقائق التاريخية فعلى أي الروايات نعتمد والمؤرخون؟ القدماء من أمثال الطبري مع مجاراتهم للمحدثين في ذكر الأسانيد للروايات التاريخية فإنهم لم يدققوا في المرويات تدقيق المحدثين ولم يدانوهم في هذا، وهذا أمر يشهد له الواقع وأعجب من ذلك أن هذا الباحث جعل كون الصحابة يزكون كل على حسب طاقته، ولم يكن هناك أمر مضبوط من المُسَلَّمَاتِ، وهو تهجم من غير علم، ومجازفة في القول من غير دليل، ولئن صح أن كلاً كان يزكي على حسب طاقته فقد كان ذلك في أول الأمر ثم لم يلبث الأمر إلا قليلا ثم فصل في القرآن مصارف الزكاة، وفصل كل ما يتعلق بالزكاة في السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة المتكاثرة التي لا يحصيها العد، فَالسُنَّةُ هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وهي التي فسرت القرآن
ووضحته، وبينت مجمله، وخصصت عامه، وقيدت مطلقه، وهي التي تستقل بالتشريع أحيانًا، ولو أننا اعتمدنا على القرآن الكريم فحسب لما توصل الفقهاء والمجتهدون إلى هذه الثروة الطائلة من الأحكام، والآداب في أمور الدين والدنيا، ولكن الكثرة الكاثرة من المستشرقين المشككين في السنن والأحاديث يزعمون أنها من آثار التطور الديني والدنيوي والسياسي، والاجتماعي إلى آخر ما يزعمون، و " جولدتسيهر " المستشرق اليهودي المتعصب تدور أفكاره في السنة حول هذا وعن هذا المستشرق أخذ الكثيرون من المستشرقين هذا الكذب الصُّرَاحِ.
[2]
إن الروايات الموثوق بها والتي يعتمد عليها في التحقيق العلمي، والتاريخي دلت على أنه كان هناك نظام دقيق للزكاة يؤدي كل واحد بمقتضاه زكاته، شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، وكتب به إلى عماله، زود به كل من كان يرسلهم من المصدقين (1) وها هي كتب الحديث المعتمدة على قيد الذراع والباع تعرضت لبيان ذلك غاية البيان، ولو كلف هذا الباحث المشكك نفسه الرجوع إلى الصحيحين، أو إلى كتب السنن، والمسانيد لوجد من الروايات المتكاثرة ما يزيل تشككه.
روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما - واللفظ للبخاري - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (2) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (3) صَدَقَةٌ
…
» الحديث وروى البخاري في " صحيحه " بسنده عن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، «فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا
…
» الحديث (4) وفيه ذكر نصاب الإبل والغنم إلى غير ذلك من الأحاديث
(1) المُصَدِّقُ: بضم الميم وفتح الصاد المخففة، وكسر الدال المشددة، آخره قاف، هو الذي يقوم بأخذ الزكوات من الناس.
(2)
الذود من الثلاث إلى العشر.
(3)
الوسق: ستون صاعًا.
(4)
" صحيح البخاري ": - كتاب [الزكاة]- باب زكاة الغنم.
الكثيرة الثابتة، ومن أراد أن يرجع إلى كتاب في هذا، فليرجع إلى كتاب " جامع الأصول إلى أحاديث الرسول " لمجد الدين ابن الأثير الجزري (1).
وما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي فأخرجه أبو بكر فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به حتى توفي لا ينافي أن تكون أنصبة الزكاة كانت معلومة مقدرة معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يحفظونها كما كانوا يحفظون الأحاديث التي نهوا عن كتابتها كما في " صحيح مسلم " مرفوعا «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
لأنه يجوز أن يكون الرسول ألقى ذلك إلى عماله وعلمهم إياه مشافهة، وبقيت هذه الصحف المدون فيها الزكاة وأنصبتها لتكون ثبتًا أصليًا موثوقًا به، يرجع إليه، ولا سيما بعد وفاة الرسول، أو أنه صلى الله عليه وسلم كتب لهم نُسَخًا أخرى من هذه النسخة وأرسل بها إلى العمال، وزود بها المُصَدِّقِينَ.
[3]
استناده في التشكيك، وإنكار الروايات إلى أن القرآن فرضها من غير تحديد أمر من الغرابة بمكان!! ومن قال إن القرآن قد تكفل بذكر كل شيء في أحكام الدين وفروعه؟ إن القرآن هو أصل الدين وهو منبع الصراط المستقيم، وقد كلف الله سبحانه وتعالى الأمة بحفظ القرآن الكريم فكان من رحمة الله بالأمة أن جاء القرآن على هذا الإيجاز البالغ حد الإعجاز وقد وكل الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بيانه قال - عَزَّ شَأْنُهُ - {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2) وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم غاية البيان بأقواله أحيانًا، وبأفعاله وأخلاقه وسلوكه في الحياة أحيانًا أخرى فكان من ذلك البيان هذه الثروة الضخمة، وهذه الذخائر الموجودة في الأحاديث والسنن وهل جاء القرآن بأعداد الصلوات،
(1)" جامع الأصول ": جـ 4 من ص 55 - 750.
(2)
[سورة النحل، الآية: 44].
والركعات، والسجدات، وأن صلاة كذا يجهر فيها، وصلاة كذا يسر بها؟ وماذا يقول في ركوعه؟ وماذا يقول في سجوده؟ وماذا يقول في الجلسة الأولى والثانية؟
والخلاصة: أن تحديد قيم الزكاة وأنصبتها أمر جاء به الشرع واستفاضت به الأحاديث والسنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي بين ذلك وحدده عن الله تبارك وتعالى، وليس للخلفاء والصحابة إلا تطبيق ما جاء به الشرع وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***