الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومهما يكن من شيء فأبو هريرة بريء مِمَّا غمزه به أَبُو رَيَّةَ ولمزه واتهمه من رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب عليه حتى صار يتهكم بأبي هريرة ما شاء له هواه أن يتهكم ويزيد في ذلك ويعيد، لأنه إن كان الأمر كما قال [ابن المديني] ومن تابعه فيكون أبو هريرة بريء كل البراءة من تبعة هذا الحديث، ويكون كل ما نسب إلى أبي هريرة في الحديث من لفظه ومن سماعه، وقوله:«أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي» غير ثابت، ولا يعدو أن يكون مجرد افتراء قصد به الواضع التلبيس والتمويه وإظهار الباطل المُزَوَّرَ في صورة الحق الثابت المؤكد، وإن كان الأمر كما قال البخاري وابن كثير فيكون أبو هريرة بريء من تبعة رفعه، وأنه لم يقل: «سمعت رسول الله
…
ولا أخذ بيدي
…
» إلخ وإنما الواهم توهم الرفع فرفعه وأكده بهذا، ولعلك أيها القارئ المُتَثَبِّتُ
تبتسم وتطيل الابتسام كما ابتسمتُ أنا وأطلتُ الابتسام من تحدي أَبِي رَيَّةَ الصارخ لعلماء الحديث في مصر بل والعالم الإسلامي قاطبة - أن ينتشلوا شيخهم أبا هريرة من الهوة التي سقط فيها فقد ظهر لك وجه الحق، وأنه لا هوة ولا سقوط، وأنه بَنَى مزاعمه على شَفَا جُرْفٍ هَارٍ فانهار به في نار جهنم وبئس المصير.
وإن من يقرأ كلام أَبِي رَيَّةَ لَيُخَيَّلُ إليه أنه في زهوه قد غزا الأجواء وفتح أبواب السماء، وهذا يدل على الجهل الممزوج بالغرور المتطاول، وليس أضر على الباحث من هاتين الصفتين: الجهل والغرور.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ
":
في [ص 176] قال: وروى البخاري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال (2): «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ
(1)" البداية والنهاية ": ج 1 ص 17، 18. " تفسير ابن كثير ": ج 3 ص 488، ج 7 ص 326.
(2)
لَقَدْ أَخْطَأَ المُؤَلِّفُ فِي جَعْلِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ مُتَمَرِّسًا فِي الفَنِّ لَقَالَ كَمَا فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ ": =
إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، [وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ]، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». قال: ومن له حاسة في شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية، ثم أتى في الحاشية فيقول: تفرد " البخاري " بإخراج هذا الحديث دون " مسلم " وسائر أصحاب النَّبِيِّ (كذا) و" مسند أحمد "، وقد طعن الأئمة في هذا الحديث، وبعد ذكر ما اعتبره طعنًا قال: ويبدو لي أنَّ أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه فقد وقع في " الحِلْيَةِ " من ترجمة هذا الكاهن (وهب): وإني لأجد في التوراة أن الله تعالى يقول: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ» .
والجواب:
أن هذا الحديث خرجه البخاري في " صحيحه "(1) فهو صحيح، ولا يخل بصحته أن كان بعض رجاله قد انتقدوا وهو خالد بن مخلد شيخ البخارى وشريك بن عبد الله، لأن الإنسان أعرف بشيوخه من غيره، وإذا تعارض قول البخاري في رجل وقول غيره فالقول ما قاله البخاري فقد كان نسيج وحده في معرفة علل الحديث وتاريخ الرجال حتى لقد قَبَّلَهُ الإمام مسلم بين عينيه لما كشف له عن علة خفية في حديث ولقبه بأستاذ الأستاذين فلو كان في رواة الحديث ما يخل بالصحة لما أخرجه البخاري، والحديث وإن كان لم يخرجه مسلم في " صحيحه " ولا أحمد في " مسنده " قد خرجه غيرهما من أئمة الحديث، فقد خرجه البيهقي في " الزهد " وأبو يعلى والبزار والطبراني، بل خرجه الإمام أحمد في " كتاب الزهد "؟ ولم ينفرد بالحديث أبو هريرة، فقد رواه غيره من الصحابة منهم عائشة وعلي وأبو أمامة وابن عباس وأنس وحذيفة
= «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى» إلخ
…
لأَنَّهُ مِنَ الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ وَلَوْ كَانَ يَنْقُلُ عَنْ تَعَقُّلٍ لأَدْرَكَ أَنَّ الكَلَامَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى النَّبِيِّ لأَنَّ المَعَانِي التِي فِيهِ لَا يَصِحُّ أنْ تُسْنَدَ إِلَاّ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(1)
«كتاب الرقاق» ، باب التواضع، انظر " فتح الباري ": ج 11 ص 286.
ومعاذ بن جبل ولم يتفرد به رواته فقد روي من طرق أخرى كثيرة وإن كانت لا تخلو من ضعف ولكنها يقوي بعضها بعضًا، وقد صدع بهذا الحافظ الحُجَّةُ الثبت ابن حجر وهو كما وصفه المؤلف أمير المؤمنين في الحديث قال الحافظ في " الفتح "(1)«وَإِطْلَاق أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا الْمَتْنُ إِلَاّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ»
…
إلى أن قال: «وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنْ لَهُ أَصْلاً» ثم شرع يسرد هذه الطرق ومن خرجها من أصحاب الكتب، ومن رويت عنه من الصحابة، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث لا مطعن يعتد به في سنده وأما من ناحية المعنى فلا شيء فيه إِلَاّ ما كان من قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ
…
إلخ» وفي القرآن المتواتر وَالسُنَّةِ الصَّحِيحَةِ من أمثال هذا الحديث شيء غير قليل، فلو رددنا هذا بسبب أنه مشكل لرددنا الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
وللعلماء في هذا وأمثاله رأيان:
1 -
رأي السلف وهو الإيمان به كما ورد مع عدم التمثيل والتكييف وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته إلى الله عز وجل.
2 -
رأي الخلف وهم المُؤَوِّلَةِ وقد حملوا الكلام على المجاز وذلك بتمثيل حب الله أولياءه المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر، وبعضهم حمل التردد من الملائكة لا من الله، لكنهم لما كانوا رسل الله فنسب ما هو إليهم إلى الله لأنه هو الذي أرسلهم، وقد بسط الكلام على هذا الحافظ في " الفتح " فليرجع إليه من يشاء الاستزادة.
ومن خيانة المؤلف في النقل أنه ذكر كلام الخطابي فاقتصر على الاستشكال ولم يذكر ما أجاب به، وَتِلْكَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، وإليك كلام الخطابي بتمامه لتعجب من صنيع أَبِي رَيَّةَ، قال الخطابي: «التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلين: أحدهما أن الإنسان قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه
(1) ج 11 ص 286.