الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[6] دَعْوَاهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ اتَّجَهَ إِلَى تَقْلِيلِ رِوَايَةَ الحَدِيثِ وَالرُّجُوعِ إِلَى القُرْآنِ وَحْدَهُ:
قال صاحب " نظرة عامة في الفقه الإسلامي ": ص 71 ط الأولى، ص 76 ط الثالثة:«ومن الحقائق ذات البال ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، روى عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثا (الطبقات الكبرى لابن سعد) ج 5 ص 140» (1).
كما روي عنه أنه حبس ثلاثة من الصحابة لأنهم أكثروا من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (" الحفاظ للذهبي: ج 1 ص 7 ")(2).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرًا ما رد أحاديث لم تتفق ورأيه - روى أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب أنها كانت مطلقة الثلاث، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى، وقال:«لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» ، لها النفقة والسكنى.
ومثله ما روي من مذهب عمر أن التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء فروى عنده عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصابته جنابة، ولم يجد ماء، فتمعك في التراب، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَفْعَلَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه، فلم يقبل ذلك عمر ولم ينهض عنده حجة ولم يكن يقبل حديثا إلا ببينة " (" حجة الله البالغة ": ج 1 ص 141) (3).
(1)، (2)، (3) هي مراجع المؤلف التي ذكرها.
وإليكم الجواب:
[1]
قول المؤلف: «ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده» غير مُسَلَّمٍ، وما كان عمر رضي الله عنه يمنع الناس من رواية الحديث ولكنه كان يدعو إلى التثبت في الرواية، وقد أخذ الخلفاء الراشدون أنفسهم بهذا التثبت ودعوا الناس إليه، وليس أدل على أن الفاروق عمر ما أراد هذا، وإنما أراد زيادة الاطمئنان ما روي أنه قال لأبي موسى الأشعري بعد أن طلب منه أن يأتيه بمن يشهد معه أنه يسمع الحديث الذي رواه في الاستئذان، فجاء بمن شهد معه وهو الصحابي الجليل أبي بن كعب «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» وفي رواية أخرى أنه قال «خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ» (1) يعني الاشتغال بالتجارة والمعاملة في الأسواق عن التفرغ لسماع الحديث، وكذلك جاء في بعض الروايات في غير " الصحيحين " أنه قال لأبي موسى الأشعري «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» رواه مالك في " الموطأ "، وفي رواية عبيد بن حنين عند البخاري في كتابه " الأدب المفرد " فقال عمر لأبي موسى:«وَاَللَّه إِنْ كُنْت لأَمِينًا عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ أَسْتَثْبِ» (2).
فكل هذه الأحاديث تدل على أن الفاروق عمر رضي الله عنه ما كان يدعو إلى تقليل. رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، ومعاذ الله أن يريد الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وكيف يدعو عمر إلى الاكتفاء بالقرآن وحده وقد ثبت عنه في أقضيته أنه كان يلجأ إلى السنن والأحاديث إذا لم يجد في القرآن كما فعل في إملاص المرأة، وفي الوباء لما وقع ببلاد الشام، وقد وصل إلى سرغ، ورجوعه عن الإقدام عليه لما أخبره عبد الرحمن بن عوف بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:«[إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ] بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» رواه البخاري في " صحيحه "
(1)" صحيح البخاري ": - كتاب الآداب - باب الاستئذان.
(2)
" فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": جـ 11 ص 30، طبعة السلفية.
وروى مسلم في " صحيحه " عن المسور بن مخرمة قال: «اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي ملاص الْمَرْأَةِ (1)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ» (2). بل ثبت عنه أنه كان يسأل عن سُنَّةِ أبي بكر رضي الله عنه إذا لم يجد الحكم في القرآن ولا في السنة النبوية.
[2]
أما رواية حبس الفاروق عمر لثلاثة من الصحابة فهي مكذوبة، وكان على المؤلف الفاضل أن لا يأخذ الروايات من غير تمحيص ولا تدقيق، والكتب فيها الغث وفيها السمين، وفيها المقبول، وفيها المردود، وهي رواية مكذوبة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وإليكم ما قاله إمام من أئمة الحديث والسنن، والحفظ للأحاديث والفقه فيها وهو أبو محمد بن حزم الظاهري مؤسس المذهب بعد المؤسس الأول له وهو الإمام داود: قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَثَابَهُ - في أثناء ذكره لفضل الإكثار من الرواية للسنن: «وروي عن عمر أنه رضي الله عنه حبس ابن مسعود، من أجل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا الدرداء، وأبا ذر» وطعن في الرواية [بالانقطاع] لأن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، وقد وافقه على هذا البيهقي، وأثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة، والطبري وغيرهما، والذي يظهر أنه لم يسمع منه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " أنه مات سنة 95 أو 96 وعمره 75 سَنَةً (3) فتكون ولادته سنة عشرين للهجرة، وعلى هذا يكون له حين توفي الفاروق ثلاث سنوات، وهي سن دون سن التحمل وعلى هذا فلا تكون الرواية حُجَّةً للانقطاع، ولعل البلاء جاء من هذا الراوي المحذوف.
(1) هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم «ملاص» وهو جنين المرأة إذا وضعته قبل أوانه وهو السقط والمعروف في اللغة «الإِمْلَاصُ» ، وقد صحح القاضي «ملاص» من ناحية اللغة.
(2)
" صحيح مسلم ":- كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب دية الجنين
…
(3)
" تهذيب التهذيب ": جـ 1 ص 139.
بل قال ابن حزم: «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السنن، وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج من الإسلام وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً.
ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء» (1).
ومن دواعي الشك في هذه الرواية وعدم الثقة بها أن ابن مسعود كان يتبع مذهب عمر، وطريقته، وكان يقول:«لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، وَسَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ عُمَرَ وَشِعْبَهُ " وقد أرسله عمر إلى الكوفة ليعلم أهلها وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ عَلَى نَفْسِي» وقال فيه وفي عمار بن ياسر «هُمَا مِنَ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم» .
فكيف يعقل أن يخالف عمر في منهجه في الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أن يحبسه؟ وما ذكر في رواية فاطمة من الزيادة الباطلة وهي: «لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» (*) والحديث كما في " صحيح مسلم "(2) قال عمر: «لَا نَتْرُكُ كِتَابَ [اللهِ] وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» . الحديث وإنما جاء الغلط من اعتماده وسلفه صاحب " الضحى " على ما قاله المستشرقون وأخذ كلامهم قضية مُسَلَّمَةً، وقد اعتمد هؤلاء وأولئك على ما جاء في كتاب " مسلم الثبوت " وهو كتاب في أصول الفقه، لا كتاب حديث وهذه الكتب لا يعول عليها في معرفة الصحيح من الحسن من الضعيف، قال صاحب كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص 126 ط ثالثة ما نصه: «وضع الحديث، وأقوال المستشرقين في ذلك» :
«وهنا مسألة جد خطيرة نرى من الخير أن نعرض لها ببعض التفصيل، وهي
(1)" الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: جـ 2 ص 139.
(2)
" صحيح مسلم ": - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثا لا نفقه لها.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) وفي هذا يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله: إن قول عمر «لَا نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " مَعْزُواً إلى " صحيح مسلم "، وليس في " مسلم " إلا «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» وقد نَبَّهَ شارح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " إلى هذا فقال:«وَالمَحْفُوظُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ" " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ "» ، انظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 264، 265 الطبعة الثالثة - بيروت: 1402 هـ - 1982 م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان. وانظر اَيْضًا: رأي الدكتور نور الدين عتر حيث يقول: «وأما زيادة "أصدقت أم كذبت" فلا أصل لها في رواية الحديث، وقد استغلها أعداء الإسلام، والعجب أن يذكرها بعض الكاتبين في "أصول الحديث" أو أصول الفقه، ثم يعزوها لمسلم اَيْضًا، ومسلم وغيره منها براء!!» " منهج النقد في علوم الحديث " للدكتور نور الدين عتر، ص 53، الطبعة الثالثة: 1401 هـ - 1981 م، نشر دار الفكر دمشق - سورية.
وضع الحديث في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال: من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول: عهد الطفولة، ولكنه أثر من أثار جهود الإسلام في عصر النضوج» (1).
وقد شرحوا هذا الرأي (2):
أولاً: بأنه في هذا العصر الأول الذي اشتدت فيه الخصومة بين الأمويين والعلماء الأتقياء وأخذ هؤلاء يستغلون جمع الحديث والسنة، ونظرًا لأن ما وقع في أيديهم من ذلك لم يكن ليسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبًا فيها، ولا تنافي الروح الإسلامية، وَبَرَّرُوا ذلك أمام ضمائرهم، بأنهم إنما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد، والبعد عن سنن الدين، ونظرًا لأنهم كانوا يؤملون في أعداء البيت الأموي، وهم العلويون، فقد كان محط اختراعهم من أول الأمر مُوَجَّهًا إلى مدح أهل البيت، فيكون هذا سبيلاً غير مباشر في ثلب الأمويين ومهاجمتهم، وهكذا سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكتة بشكل مؤلم ضد هؤلاء المخالفين للسنن الفقهية والقانونية.
ثانيًا: ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فإن الحكومة نفسها لم تقف ساكتة إزاء ذلك، فإذا ما أرادت أن تعمم رأيًا، أو تسكت هؤلاء الأتقياء - تذرعت اَيْضًا بالحديث أو تدعو إلى وضعه، وإذا ما أردنا أن نتعرف ذلك كله فإنه لا توجد مسألة خلافية سياسية، أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فالوضع في الحديث، ونشر بعضه أو اضطهاد بعضه نشأ في وقت مبكر.
(1) قال المؤلف: هذا الرأي الذي ننقله هو رأي جولدتسيهر في كتابه " دراسات إسلامية "، وقد حرصنا على ترجمة هذا النص، حتى يتسنى للذين أَلَمُّوا بشيء منه أن يعرفوه بالتفصيل، ويعرفوا الرد عليه.
(2)
وقد رأيت تفصيل قولهم إلى شبه ليسهل الرد عليه وهذا التفصيل مني لا من المؤلف.
فالأمويون كانت طريقتهم، كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة:«لَا تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَعَلَى الضِدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ تَمْدَحَ عُثْمَانَ، وَأَهْلَهُ، وَأَنْ تُقَرِّبَهُمْ، وَتَسْمَعَ إِلَيْهِمْ» ، على هذا الأساس قامت أحاديث الأمويين ضد عَلِيٍّ، ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم.
ثالثًا: وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع أحاديث فمن ذلك حديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» الذي يمثل ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وجعله مثل البيت الحرام، ومسجد المدينة حتى يكون مَحَجًّا للناس، وذلك في الوقت الذي حرم فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة، ويتصل بهذا الأحاديث التي جاءت في بيان فضل بيت المقدس، ثم أحاديث فضل الشام والمدينة، ولقد سمى الأمويون المدينة بالخبيثة، وسماها بعضهم المنتنة على خلاف تسميتها بالطيبة.
رابعًا: قال: ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفًا وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة، فَغَيَّرَ الأمويون من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة جالسًا، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا، في حين قال جَابِرُ بْنَ سَمُرَة:«مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ» ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر والعمل
على إخفائها وتوهيتها، فمما لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأمويين اختفت عند مجيء العباسيين.
خَامِسًا: وقد استدل في سبيل تأييد قوله بأدلة قدح بعض العلماء في بعض مما يخرجونه مخرج الجرح والتعديل، مما ورد كثير منه عن السلف القدماء (1)، يقول: فمن ذلك قول المحدث عاصم بن نبيل (2) توفي (سَنَةَ 212 وَعُمُرُهُ تسعون سَنَةً): «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ» ، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان توفي (سَنَةَ 192) ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله:«إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانِ كَذُوباً» ويقول يزيد بن هارون: «إِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ بِالكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ، مَا عَدَا وَاحِدًا، كَانُوا مُدَلِّسِينَ، حَتَّى السُّفْيَانَانِ ذُكِرَا بَيْنَ المُدَلِّسِينَ» .
سَادِسًا: قال: وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى «الشكل» فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث:«سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ» . وحديث ابن ماجه: «مَا [قِيلَ] (*) مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» (3) ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها، فمن ذلك ما رواه مسلم «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ، إِلَاّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ» ، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد:" «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» " فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا» (4) فملاحظة ابن عمر تشير إلى أن ما يفعله المحدث لغرض نفسه.
(1) راجع شيئًا من هذا في " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، و " تلبيس إبليس " لابن الجوزي: ص 117.
(2)
هكذا قال والصحيح: أبو عاصم النبيل واسمه: الضحاك بن مخلد.
(3)
راجع ضعف هذه الأحاديث في " الموافقات "[للشاطبي]: جـ 4 ص 18.
(4)
" صحيح مسلم ": كتاب الصيد.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*)«قِيلَ» وليس «قُلْتُ» ، انظر: ابن ماجه: " السنن "، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المقدمة، (2) بَابُ تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ، حديث رقم 21، 1/ 10، طبعة سنة: 1395 هـ - 1975 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
ولم يكتف الناس بهذه النسخ المنقولة عن أصول، بل أظهروا اَيْضًا بعض هذه الأصول القديمة، فهناك وثيقة كانت عند آل عمر، أمر عمر بن عبد العزيز بنقل نسخة منها، وقد روى أبو داود تصحيح الزهري لها، وهناك وثيقة أخرى بختم الرسول ذكرها أبو داود اَيْضًا، وقد أظهرها حماد بن أسامة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وكان أبو بكر قد وجهها لأنس بن مالك عندما ذهب ليجمع الصدقات " قال المؤلف:«هذا هو الرأي الذي ساد أوساط المستشرقين في القرن الماضي، وفيه ما يرى من بناء نظرية مفروضة متخيلة على أخبار تصيدوها من أشتات الكتب، وجعلوا مما خرج مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله السلف مبالغة في تعريف الحديث - حقائق ثابتة وصورًا صحيحة» .
(1) جعل مرجعه كتابًا لجولدتسيهر.
أقول: هذه هي الأسطر القليلة التي رد بها المؤلف الفاضل: الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر بعد بضع صحائف سودها بذكر نظرية هذا المستشرق اليهودي جولدتسيهر وهو عالم أزهري جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وكان عليه أن يفيض في الرد حتى تزول آثار هذا الرأي الغائل الباطل في نفس القارئ لكتابه، ويا ليته فعل ولو أنه فعل لكان له من الله تبارك وتعالى الجزاء الأوفى ولكان له منا معاشر المسلمين العارفين بمنزلة السنن والأحاديث من الإسلام ومن القرآن الشكر والثناء لذلك رأيت خدمة للسنن والأحاديث، وَدَرْءًا للشبه عنها أن أفيض في الرد وقد رأيت أن أقدم بين يدي الرد التفصيلي عن كل شبهة من الشبه التي اشتملت عليها نظرية المستشرق اليهودي الحاقد على الإسلام والقرآن والسنة، هذه النظرية التي سادت أوساط المستشرقين، والتزمها الأكثرون منهم، ولم يتحرر منها إلا القليلون فأقول وبالله التوفيق.
***