الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله، ثم أخذ في الإجابة عما أورده المنكرون للحديث من شبه بما لا يخرج عما ذكرناه (1).
نَتَائِجُ البَحْثِ:
والآن وبعد هذا المطاف الطويل حول الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على السنن النبوية والأحاديث من لدن النظام المعتزلى وأضرابه إلى يومنا هذا أرى لِزَامًا عَلَيَّ أن أجمل النتائج التي توصلت إليها بعد هذا البحث المستفيض فأقول وبالله التوفيق:
[1]
الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جميعًا حسبما صدع الحق تبارك وتعالى في قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} (2)، وقوله:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (3) قد تعرض لعداوات ظاهرة باطلة من المشركين والوثنيين وأضرابهم من اليهود والنصارى وغيرهم في العهد النبوي، وإلقاء الشبه التي وسوس إليهم بها شياطين الإنس، والجن، ولكن هذه العداوات لم تلبث بعد جهاد وكفاح مريرين أن خبت جذوتها وانطفأت ذبالتها، فذهب الشرك والمشركون، وذهب الباطل والمبطلون، وبقي الحق الظاهر المبين وصدق الله تبارك وتعالى حيث قال:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا} (4) وقال: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (5).
(1)" التفسير القيم " لابن القيم: ص 564 - 572.
(2)
[سورة آل عمران، الآية: 19].
(3)
[سورة آل عمران، الآية: 85].
(4)
[سورة الإسراء، الآيتان: 81، 82].
(5)
[سورة الأنبياء، الآية: 18] .....
وبعد أن جاور الرسول صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى وانتشر الإسلام على يد الصحابة الأبرار الأطهار - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار ظهرت عداوات أخرى من بعض المنافقين واليهود والنصارى، وزنادقة اليهود والفرس، والرومان وأضرابهم الذين تظاهروا بالإسلام وتبطنوا الكفر كي يكونوا في مأمن من حكم الله فيهم لمحاربتهم دين الله الذي أصبح سائدًا في الأرض، وشريعته التي أصبح الحكم بها في كل بلد دخله الإسلام.
ولم يلجأوا إلى القوة فهم أضعف من أن يناوئوا سلطان الله العادل الرحيم في الأرض، وإنما لجأوا إلى الدس، والاختلاق، والكذب على الله ورسوله، وقد بالغ بعضهم في التخفي والتستر تحت الشعارات الزائفة، فمنهم من تظاهر بحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا سيما فتى الإسلام عَلِيٌّ، وقد كان على رأس هذه الفئة الضالة المضلة عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الماكر الداهية الذي تظاهر بحب عَلِيٍّ رضي الله عنه ووضع حديث «لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَوَصِيِّي عَلِيٌّ» وهو حديث مختلق مكذوب بإجماع أهل العلم.
ولم تقف به ضلالته هو وأتباعه عند هذا الحد بل ادعى ما هو أشد وأنكى، وأضر بالعقيدة، فزعم هو وأتباعه أن الله تبارك وتعالى عما يصفه به الكافرون والملحدون، قد حل في سيدنا عَلِيٍّ رضي الله عنه.
وقد تعقبهم الخليفة الراشد ذو النورين عثمان رضي الله عنه وكذا الخليفة الراشد من بعده عَلِيٌّ رضي الله عنه، فقضى على من قضى عليه منهم، وَفَرَّ منهم واختفى عن الأنظار من فَرَّ، وعبد الله بن سبا اليهودي هذا هو سبب من الأسباب التي أدت إلى هذا الشرخ الكبير في تاريخ الإسلام وأدى إلى الفتنة الكبرى التي انتهت بقتل ذي النورين عثمان رضي الله عنه، وأدت إلى هذه الحروب الدامية بين عَلِيٍّ رضي الله عنه وأنصار سيدنا عثمان، وبينه وبين معاوية بن أبي سفيان - رَضِيَ اللهُ عَنْ الجَمِيعِ - فما كان خلافهم إلا عن اجتهاد فللمصيب منهم أجران وللمخطئ منهم أجر.
ومن ثم نجد الضرر العظيم الذي لحق بالوحدة الإسلامية بسبب هذا اليهودي الخبيث الماكر الداعر الفاجر، وبسبب الزنادقة من كل لون وجنس.
ومما ينبغي أن يعلم أن الكثرة الكاثرة جِدًّا من الذين دخلوا في الإسلام دخلوا فيه عن طواعية واختيار وقد صهرهم الإسلام وصير منهم أناسًا مخلصين للإسلام ولعقيدة الإسلام، ولسلطان الإسلام، ولعلوم الإسلام، ولثقافة الإسلام.
وليس أدل على هذا من أن خدمة الإسلام والجهاد في سبيله، ونشره في أرض الله الواسعة وخدمة العلوم الإسلامية والثقافة الإسلامية قام بها من المسلمين غير العرب من هم أكثر من المسلمين العرب.
وهؤلاء الذين حملوا الحقد على الإسلام والمسلمين ولم يمكنهم التخلص من رواسب العقائد الباطلة الموروثة والعادات الجاهلية الممقوتة، والتقاليد البالية الفاسدة وتسلطت عليهم العصبية للجنس، والدين، واللغة كانوا قلة بالنسبة إلى الأولين، وهذه القلة كان لهم الخلفاء والأمراء والعلماء بالمرصاد أما الخلفاء والأمراء فقتلوهم وصلبوهم، وأما العلماء فقد زيفوا مزاعمهم وكشفوا عن وجه الباطل فيها.
[2]
الطَّعْنُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ:
لما كان الإسلام بأصوله وفروعه يتمثل في الأصلين الشريفين:
أ - القرآن الكريم: الذي هو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم.
ب - السنن والأحاديث النبوية التي هي شارحة للقرآن، ومفسرة له: توضح مجمله، وتخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتستقل بالتشريع في بعض الأحيان اتجهت حملات أعداء الإسلام والمسلمين إلى الطعن وإثارة الشبه حول هذين الأصلين الشريفين ولما كان القرآن الكريم كان يحفظه الألوف تلو الألوف، بل يحفظه ألوف الألوف من الرجال، والنساء، والصبيان في الكتاتيب وطلاب العلم في المعاهد والمدارس، والجامعات، والجوامع كان من المتعذر جِدًّا إن لم يكن مستحيلاً التزيد فيه أو النقص، فمن ثم لجأ أعداء الإسلام إلى الاختلاق في تفسيره، والتحريف في
معانيه فمن ثم كان هذا الركام المتكاثر من الموضوعات المكذوبة والإسرائيليات الباطلة، والخرافات والأباطيل التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير سواء في ذلك كتب التفسير بالمأثور: الذي هو أسبق في الوجود من التفسير بالرأي والاجتهاد، وكتب التفسير بالرأي والاجتهاد (1).
ولغلاة الشيعة، والقرامطة، والباطنية، وجهال المتصوفة وأشباههم من الزنادقة والمبتدعة وذوي الأهواء المضلة والأغراض السيئة والعداوات الباطنة للإسلام في كل عصر ومصر في هذا الباب، تأويلات باطلة تشتمل على العجب العجاب في تفسير آيات القرآن الكريم لا تتفق هي ولغة القرآن، ودعوة القرآن وجمال القرآن وبلاغة القرآن، وليس هناك ما يشهد لها من شرع أو عقل ومما يؤسف أن هذه التأويلات الجاهلة الباطلة لقيت آذانا صاغية من بعض ذوي القلوب المريضة، والدين الرقيق، والعقول السخيفة وعملوا على ترويجها وإشاعتها بين الناس.
ولكن أصحاب القلوب المؤمنة والعقول السليمة، والأفكار النيرة من علماء هذه الأمة سَلَفًا وَخَلَفًا كانوا لهذه الأباطيل والتحريفات بالمرصاد فكشفوا عن عارها وعوارها، وَبَيَّنُوا وجه بطلانها وبذلك ردوا كيد هؤلاء في نحرهم وبقي القرآن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» (2) الحديث، وقد روى قوله «لَا تَزِيغُ» بفتح التاء أي لا تميل عن الحق باتباعه الأهواء وَرُوِيَ بضمها، أي لا تميله الأهواء المضلة عن نهج الاستقامة إلى الاعوجاج، من الإزاغة يعني الإملة،
(1) من أراد تفصيلاً في ذلك فليرجع إلى كتابي " الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير " وقد صدرت حديثًا الطبعة الرابعة من هذا الكتاب النافع المفيد عن مكتبة السنة بالقاهرة - فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات [الناشر].
(2)
هو من حديث رواه الترمذي من حديث الحارث الأعور عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال، وقد ذكره السيوطي في " الإتقان " وقال: أخرجه الترمذي والدارمي وغيرهما. وسكت عنه، وكذا ذكره الحافظ ابن كثير في " فضائل القرآن " وتعقب كلام الترمذي بما يدل على اعتماده للحديث، والله أعلم.
والباء لتأكيد التعدية.
ومعنى «وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ» أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين، ولو كانوا من غير العرب، وصدق الله:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (1) وقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} (2) ولقد تعرض القرآن الكريم في القديم والحديث للطعون وإلقاء الشبه والأباطيل وقد تحطمت كل هذه السهام الخائبة على صخرة القرآن الصلبة العاتية فكان هؤلاء الطاعنون كما قيل:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا *
…
*
…
* فَلَمْ [يُضِرْها] وأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ.
وقد بقي القرآن أربعة عشر قرنًا أو تزيد مصدر هداية وتبشير وإنذار وإشعاع نور، والمعجزة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم على توالي العصور والدهور وسيستمر كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
فليرح الطاعنون أنفسهم وليكفوا عن هذياناتهم وأباطيلهم فإن هذا القرآن هو الكتاب الإلهي الذي سلم من التحريف والتبديل وهو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (3)[الحجر: 9] إن هذا الكتاب الإلهي الكريم قد بقي مشغلة الفكر الإنساني أربعة عشر قرنا للمسلمين وغير المسلمين.
أما المسلمون فلأنه مصدر هدايتهم، والمصدر الأول لعقيدتهم ولتشريعاتهم وأخلاقهم، وآدابهم ولسياساتهم واقتصادياتهم وو
…
الخ.
وأما غير المسلمين فلما يستفيدون من دراسته من الوقوف على الأصول الدينية والخلقية والاجتماعية، والسياسية، والعلمية، والنفسية التي كانت السبب في تكوين
(1)[سورة القمر، الآيات: 17، 22، 32، 40].
(2)
[سورة مريم، الآية: 97].
(3)
[سورة الحجر، الآية: 9].
أمة هي خير أمة أخرجت للناس قديمًا وحديثًا، والأمة الوسط في عقيدتها، وفي تشريعاتها وفي أخلاقها، وفي مناهجها في الحياة، وصدق الله تبارك وتعالى حيث قال:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (1) وقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (2) وما من شبهة أوردت على القرآن إلا وقيض الله لها من علماء الأمة من ردها وكشف عن بطلانها (3).
[3]
الطَّعْنُ فِي السُّنَنِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ:
وكما طعنوا في القرآن الكريم طعنوا كذلك في الأحاديث والسنن النبوية وقد ظنوا أن الطعن فيها أيسر عليهم من الطعن في القرآن الكريم لأن القرآن الكريم ثابت في جملته وتفصيله بالتواتر (4) المفيد للقطع واليقين، وله القداسة الأولى في نفوس المسلمين بخلاف الأحاديث والسنن فإن معظمها ثابت بالأسانيد الآحادية (5)، وقداستها في النفوس دون قداسة القرآن الكريم!!.
وقد اتخذ هذا الطعن في السنن والأحاديث سُبُلًا متعددة وإليكم بيانها:
[أ] الطعن في حَمَلَةِ الأحاديث والسنن من الصحابة فمن بعدهم لأنه إذا قَلَّتْ الثِّقَةُ
(1)[سورة البقرة، الآية: 143].
(2)
[سورة آل عمران، الآية: 110].
(3)
في كتابي " المدخل لدراسة القرآن الكريم " ذكرت نحوًا من خمسين شبهة أوردت على جمع القرآن، وكتابته، ورسمه، وَمَكِيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وقد رددتها رَدًّا عِلْمِيًّا صحيحًا فلله الحمد والمنة على ما وفق وألهم. [وقد صدر هذا الكتاب النافع في طبعة جديدة مصححة ومزيدة - عن مكتبة السنة بالقاهرة في طبعته الرابعة] الناشر.
(4)
المتواتر: في اصطلاح العلماء: هو ما رواه جمع كثير عن جمع كثير بحيث تحيل العادة أو العقل المستند إلى العادة تواطؤهم واتفاقهم على الكذب في نسبة القول إلى قائله.
(5)
المراد بالآحادية: كل ما ليس بمتواتر فيدخل فيه المشهور، والمستفيض والعزيز والغريب.
بنقلة الأحاديث والسنن النبوية قلت الثقة بالمنقول، وهذا هو ما يريدون وذلك كما فعلوا في الطعن في بعض الصحابة من أمثال الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، أكثر الصحابة رواية للأحاديث، وكما فعلوا في الطعن في إمام الحجاز والشام الإمام محمد بن شهاب الزهري، وإذا قَلَّتْ الثقة بهذين الإمامين قَلَّتْ الثقة بغيرهم من باب أولى.
…
[ب] الطعن في الأسانيد والتقليل من شأنها وزعمهم أن نقد الأسانيد عند المسلمين وإن كان بلغ الغاية في البحث في تاريخ الرجال إلا أنهم قد خفيت عليهم في نقد الأسانيد أمور لم يلتفتوا إليها، ولم يعيروها العناية الكافية.
قالوا هذا مع أن علم الأسانيد في الإسلام يعتبر بِدَعًا في بابه، ولم يكن معروفًا عند أمة من الأمم قبل الإسلام مثل ما هو معروف في الإسلام حتى أجمع الباحثون والعلماء المحققون على أن الإسناد الصحيح المتصل من خصائص هذه الأمة الإسلامية.
[ج] إن العلماء والنقاد المسلمين كانت جُلُّ عنايتهم بنقد الأسانيد وتاريخ الرجال، أما نقدهم للمتون فكان دون ذلك بقليل.
…
وأيدوا ما زعموه من أن بعض الأحاديث يخالف بعضها بعضًا ويناقض بعضها بعضًا، وأن بعض الأحاديث تردها المشاهدة، وأن بعضها يرده ما وصل إليه العلم ولا سيما الطبي والفلكي وأن بعضها كان يحتاج إلى استعمال الكثير من الملاحظات والتجارب وقد عرضت في هذا البحث المستفيض لكل ما قالوه، وَرَدَدْتُهُ رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا.
[4]
المستشرقين وأضرابهم من قساوسة النصارى وأحبار اليهود قد وقعوا على هذه الشبه والطعون التي افتجرها أعداء الإسلام من اليهود، وزنادقة الفرس والرومان، وأفراخ الفلاسفة اليونانيين، وصاروا يزيدون فيها، ويعيدون ما شاء لهم هواهم أن يزيدوا ويعيدوا حتى صيروا من الحبة قُبَّةً.
وقد حمل إثم هذا الإفك المستشرق اليهودي الأصل " جولدتسيهر " وتابعه على ذلك كثيرون، واعتبروا أقواله في الحديث قضايا مُسَلَّمَةً لا تحتاج إلى مناقشة، وأذاعوا هذا الإفك في الأوساط الأوربية وغيرها.
واغتر بأقوالهم بعض الذين ذهبوا لأجل الحصول على الدرجات العلمية:
الماجستير، والدكتوراه من الجامعات الغربية فلما عادوا نقلوا عنهم هذا الزور والبهتان، ولقنوه لطلبة الجامعات في البلاد الإسلامية والعربية حتى انتشرت هذه الأفكار الاستشراقية على مدى واسع في بلادنا الإسلامية والعربية ولم يقف الأمر عند حد الطلاب بل قد وجدنا بعض الباحثين الذين أصبحت لهم مراكز مرموقة، وتربعوا على كراسي الجامعات، يتابعون هؤلاء المستشرقين، وينشرون سمومهم في كتب لهم انتشرت في بلادنا الإسلامية والعربية انتشارًا واسعًا.
…
[5]
إن بعض المستشرقين من اليهود والقساوسة كانت أخطاؤهم في دراسة الحديث النبوي الشريف متعمدة بقصد الإفساد في الإسلام، وخلع المسلمين من عروتهم الوثقى: عروة الإسلام، وتقليل الثقة بهذا الدين الإلهي العظيم وذلك عن طريق الطعن في الأصلين الشريفين اللذين يرجع إليهما الإسلام: القرآن الكريم، والسنة والأحاديث النبوية، وقد ضربنا لذلك أمثلة كثيرة مما سبق في أثناء الكتاب.
وفكرة الاستشراق في أصلها لم تكن متمحصة لخدمة العلم والثقافة الإسلامية وإنما هي في أصلها سياسية يقصد بها الطعن في الإسلام وصرف المسلمين عنه ولا
سيما عن الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، والأحاديث النبوية لأنهم يعتقدون أنهم لا يتم لهم ما يريدون من تملك البلاد الإسلامية والعربية والانتفاع بخيراتها ومواردها إلا عن طريق إضعاف فريضة الجهاد في نفوسهم، وفي القرآن الكريم، والأحاديث النبوية من النصوص المتكاثرة ما يزكي روح الجهاد والمقاومة في نفوسهم، وإذا ما قَلَّتْ الثقة بهذين الأصلين الشريفين فقد فترت فيهم فريضة الجهاد وسهل على الأعداء تملك البلاد والعباد، وهذا ما كان فإن الغرب لم يتمكن من «الاستخراب» في البلاد الإسلامية والعربية إلا لما ضعف فيهم فريضة الجهاد، وانصرفوا عنها إلى الحرث والزرع. والاشتغال عنه بأمور الدنيا، روى الإمام البخاري في " صحيحه " بسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: - وَرَأَى سِكَّةً (1) وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ -، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ» (2) والحديث لا ينهى المسلمين عن الاشتغال بالحرث والزراعة، وكيف؟ وفي الأحاديث الصحيحة ما يرد هذا الفهم؟ وفي " الصحيحين " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَاّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» .
وإنما يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث الذين ينصرفون عن الجهاد إلى الاشتغال بالحرث والزرع وغيرها من أمور الدنيا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المسلمين ما تمكن منهم أعداؤهم إلا لما ضعفت فيهم روح الجهاد وحب الاستشهاد في سبيل الله، وانصرفوا عنه إلى الاشتغال بغيره، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار يشتغلون بالعمل في تجاراتهم، أو زراعاتهم وبساتينهم، لكن قلوبهم كانت دائما مشدودة إلى الجهاد فإذا دعا داعي الجهاد لَبُّوا سِرَاعًا ولا يلوون على شيء من أهل أو ولد أو دار، أو مال.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ
(1) سكة: بكسر السين المهملة هي آلة الحرث.
(2)
" صحيح البخاري ": - كتاب الحرث - باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به.
لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ (1)، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً (2)، أَوْ فَزْعَةً (3) طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» رواه مسلم.
وتأملوا معي في قوله: «[يَطِيرُ] عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم عزتهم، وأن يعود لهم سلطانهم في الأرض فعليهم بالاستعداد للجهاد، وحب الاستشهاد، وإعداد العدة للأعداء.
[6]
إن بعض المستشرقين والدارسين لِلْسُنَّةِ من غير المسلمين، بله بعض الدارسين من المسلمين كانت أخطاؤهم عن جهل بعلوم السنة، وعدم التعمق في فهمها وعدم فهم كلام العلماء المحققين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الأحاديث والسنن وذلك لأن العلم بالسنة بحر واسع عميق يحتاج إلى صبر وأناة، وطول سهر وبحث ومواصلة لهذا البحث، ويحتاج السبح فيه إلى سباح ماهر يعرف كيف يسبح وعلى أي شاطئ يستقر ويحتاج الغوص والبحث عن لآلئه ويواقيته ومرجانه إلى غَوَّاصٍ مَاهِرٍ لا يكتفي بما هو على السطح عن القاع، ولا بالحجر عن الأصداف والدرر، ولو أنهم نفذوا إلى الأعماق، وعلموا المغازي والمرامي لما وقعوا فيما وقعوا فيه من الأخطاء وإذا كان بعض المشتغلين بالأحاديث والسنن من المسلمين لم يصلوا إلى هذا الحد فكيف لغيرهم ممن ليسوا بمسلمين؟!.
[7]
لقد مكث سلطان المستشرق اليهودي جولدتسيهر وسلطان مدرسته متسلطًا على كثير من المستشرقين، واعتبروه صنمهم الأكبر فيما قال، واعتبروا كتبه المرجع الأساسي في دراساتهم للأحاديث والسنن، ولم يخرج عن متابعته في كل ما قاله إلا فئة قليلة جِدًّا من المستشرقين المتأخرين عنه فقد تحرروا من متابعته وناقشوه في بعض ما قال، ورأوا في أحكامه على السُنَّةِ جَوْرًا وظلمًا ولعل السبب في ذلك استقلالهم في التفكير، وتأبيهم عن المتابعة ولو كانت فيما هو خطأ صراح، وما
(1) كناية عن شدة ملازمته لظهره.
(2)
أي صيحة بحضور العدو.
(3)
أي نهضة للخروج إلى العدو.
قام به بعض علماء المسلمين الغيارى على السنن والأحاديث من ردود على هذا المستشرق الذي يحمل الحقد والضغن على الإسلام والمسلمين، وذلك بما كتبه حول القرآن وتفسيره، وما كتبه حول السنن والأحاديث.
إن " جولدتسيهر " ما هو إلا امتداد لعبد الله بن سبإ اليهودي الخبيث، وأشياعه الذين أخذوا على أنفسهم الإفساد في الإسلام، وتقويض دعائمه وإذهاب سلطانه.
قلبكن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ولا سيما مثقفوهم وشبابهم في الجامعات الإسلامية والعربية على بينة من هذا وليحذروا السموم، والأباطيل التي يدسها هذا المستشرق ومدرسته في بحوثهم حول القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أعذر من أنذر.
[8]
إن بعض المستشرقين كانت لهم في دراساتهم للسنة والأحاديث أعمال مذكورة غير منكورة ومشكورة غير مجحودة، وذلك بإحيائهم بعض الكتب الحديثية، وتأليفهم بعض الكتب التي قربت إلى الباحثين، والدارسين الوقوف على الأحاديث في مظانها، ومواضعها وذلك مثل ما صنع " فنسنك " في " مفتاح كنوز السنة " وكما فعل جماعة من المستشرقين بتأليفهم كتاب " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " وهذا يدل على تقديرنا للأعمال العلمية النافعة، وإنا لا نكره المستشرقين كافة، ولا نمدحهم بعامة، وإنما نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، ولمن أحسن في مكان، وأساء في آخر: لقد خلطت عملاً صالحًا وآخر سَيِّئًا وفي الحق أن هؤلاء الذين قاموا بهذه الأعمال المذكورة المشكورة أتيحت لهم من التيسرات والمساعدات المادية والأدبية ما جعلهم يتفرغون تفرغًا كاملاً لأعمالهم تلك ولو أن هذه التيسيرات والمساعدات أتيحت لكثير من العلماء المسلمين بالسنة لكان من وراء ذلك خير كثير للإسلام والمسلمين، ولخدمة الثقافة الإسلامية الأصيلة.
ويؤسفني أن أقول: إن العلماء المسلمين هم الذين كانوا الأولى بتأليف أمثال هذين الكتابين النافعين، وأن أقول اَيْضًا: إن جامعاتنا الإسلامية والعربية لا تقوم بما تقوم به الجامعات الغربية في مضمار تشجيع العلم والعلماء وهي حقيقة ما كنت أريد
أن أقولها، ولكن الاعتراف بالحق فضيلة.
[9]
إن بعض الباحثين في السنة والأحاديث من المسلمين كَدَعِيِّ العلم محمود أبي رية قد تابعوا المستشرقين في كل ما قالوا حذو النعل بالنعل بل وحاولوا أن يزخرفوا كلامهم ويقربوه إلى القراء، وأسرفوا في إلباس كلامهم ثوب الحق، وبذلك كانوا كلابس ثوبي زور (1).
وقد أسف هذا الدَّعِيُّ إسفافًا بلغ حد السباب والفحش في القول في تناوله للصحابي الجليل أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وفي الحق أن المستشرق اليهودي جولدتسيهر، في نقده لهذا الصحابي الجليل كان أعف منه في النقد، وآدب منه في القول، ولم يسف إسفاف أبي رية وقد عرضت لبيان ذلك في أثناء هذا الكتاب، وفي كتابي " دفاع عن السنة "(2).
[10]
إن بعض الباحثين المسلمين الذي كتبوا في الحياة العقلية عند المسلمين وفي تاريخ العلوم الإسلامية ونشأتها وتطورها قد تابعوا المستشرقين في كثير مما كتبوا، وخالفوهم في بعض ما قالوا وناقشوهم مناقشة جادة نافعة وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين في كتبه:" فجر الإسلام " و " ضحاه " وبذلك خلطوا في كتاباتهم عملاً صالحًا، وآخر سيئًا، وقد وصل إلى مرتبة العمادة في كلية الآداب إحدى كليات الجامعة المصرية، أو إن شئت فقل جامعة القاهرة، وقد أخذ شهرة واسعة في البلاد الإسلامية والعربية وكنا نحب من أحمد أمين وأمثاله أن يربأوا بأنفسهم عن الأخذ عن المستشرقين وأن يدرسوا كتب الأحاديث والسنن كما درسنا، ولو أنهم فعلوا لوصلوا إلى ما وصلنا إليه من أن السنة قد قامت على أساس ثابت مستقر وأن الكثرة الكاثرة من الأحاديث تضرب في القدم إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله قيض لهذه السنن والأحاديث من الأئمة العدول الضابطين من حملها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم
(1) ذلك أن ما نقله زور في نفسه، ومحاولته ادعاء ذلك لنفسه، وأنه من بنات أفكاره زور آخر.
(2)
" دفاع عن السنة ": من ص 107 إلى ص 131.
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعن هؤلاء الصحابة حملها الأئمة العدول الضابطون من التابعين وعن التابعين حملها الأئمة العدول الضابطون من أتباع التابعين حتى تم جمعها في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والجوامع.
وإن النقد للأحاديث وتمييز صحيحها من حسنها من ضعيفها لم ينفك عن الرواية من لَدُنْ الصحابة ومن جاء بعدهم، وإن الجمع للأحاديث ونقدها سَارَا جَنْبًا إلى جنب، ورضي الله عن الصحابي الجليل ابن مسعود حينما قال:«بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم (1).
ورضي الله تبارك وتعالى عن الصحابي الجليل ابن عباس حينما قال: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ (2)، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلَاّ مَا نَعْرِفُ» رواه مسلم في مقدمة " صحيحه ".
وقال الإمام الجليل مالك رضي الله عنه: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم. وعن أبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» رواه مسلم.
وعن ابن سيرين قال: " لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن المبارك قال: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وعنه قال: " «بَيْنَنَا [وَبَيْنَ الْقَوْمِ] الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (3). رواه مسلم.
(1) وقد روى هذا الأثر مسلم في مقدمة " صحيحه " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(2)
الأصل في الصعب والذلول أن يكون في الإبل، فالصعب العسر المرغوب عنه، والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، والمعنى: سلك الناس كل مسلك في الرواية مما يحمد ويذم.
(3)
المراد بالقوائم الأسانيد وإذا كان الحيوان لا يقوم بغير قوائم فكذلك الحديث لا يقوم ولايقبل بغير =
وقال سفيان الثوري: «الإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ» رواه مسلم (*)، وقال عبد الرحمن بن مهدي:«لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ» (1) وقال الإمام الشافعي: «مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ الحَدِيثَ بِلَا إِسْنَادٍ كَحَاطِبش لَيْلٍ» . إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد ونقد الرواة، وتشريحهم تشريحًا علميًا دقيقًا، ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيفهم وكذبهم ويرد عليهم كيدهم.
فكيف غابت هذه النصوص الكثيرة وغيرها على الباحثين المسلمين؟!.
وما كنا نحب لأحمد أمين وأمثاله أن يكونوا ذيولاً للمستشرقين، وكنا نحب منهم أن تكون لهم شخصيتهم المستقلة في البحث.
[11]
إن بعض من يتسمون بأسماء المسلمين اليوم قد أحيا البدعة القديمة بدعة الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وقالوا: حسبنا كتاب الله وقد خالفوا كتاب الله بمقالتهم تلك فهذا كتاب الله تبارك وتعالى يصدع بالحق في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2)، وقال:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (3)، وقال:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} (4)، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المتكاثرة التي لا يحصيها العَدُّ
= إسناد وهذا من المجازات البديعة حقا.
(1)
مقدمة " صحيح مسلم ": جـ 1 من ص 10 - 16.
(2)
[سورة الحشر، الآية: 7].
(3)
[سورة النحل، الآية: 44].
(4)
[سورة النحل، الآية: 64].
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) لم يرد في " صحيح مسلم "، انظر " شرف أصحاب الحديث " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، ص 42، 1389 هـ - 1969 م، نشر دار إحياء السنة النبوية - أنقرة - تركيا.
وانظر اَيْضًا: انظر: " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " للإمام السيوطي، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف: 2/ 160، الطبعة الثانية: 1399 هـ - 1979 م، نشر دار إحياء السُنَّةِ النبوية.
ولهذه البدعة المنكرة أنصار في بعض البلاد الإسلامية، وهي بدعة من الحمق بمكان، ومن النكارة بمكان، وأقل ما يترتب على هذه البدعة المنكرة أن يستعجم فهم القرآن الكريم على الأمة الإسلامية، وإذا تركت السنن والأحاديث واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء!! ولن يكون هذا إن شاء الله تعالى وإذا كانت هذه الدعوة النكراء مستنكرة من الأفراد فهي أشد استنكارًا وأكثر حمقًا إذا وقعت من بعض أولياء الأمور في بعض البلاد الإسلامية المغلوبة على أمرها فصاروا يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لَا يَعُونَ.
إن هذه الدعوة المستهجنة ستقبر - إن شاء الله - في العصر الحديث كما قبرت مثيلتها في العهد القديم، ولن تقوم لها قائمة بإذن الله تعالى اليوم، ما دامت الكثرة الساحقة من المسلمين، ومن علماء المسلمين يدعون إلى الحق الظاهر المبين وإلى الصراط المستقيم.
إن في العالم الإسلامي اليوم صحوة مشكورة، وصرخة مخلصة في الدعوة إلى العمل بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا نجاة للمسلمين فيما يحيط بهم من أخطار، إلا بالتمسك بهذين الأصلين الشريفين، وقد ظهرت آثار هذه الصحوة وهذه الصرخة المؤمنة المدوية في كثير من بلاد الإسلام، وتجاوبت الأصداء بالعمل بكتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله وسنة رسول الله فقد نصرت دين الله، ومن نصر دين الله نصره الله وصدق الله {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1).
إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد عرفت ذاتها، وعادت إلى شخصيتها الإسلامية المتميزة عن غيرها من الشخصيات بالعقيدة، والشريعة، والأخلاق، وَالسَّمْتِ الحَسَنِ، والدل الجميل، والهدي الأصيل.
(1)[سورة الحج، الآية: 40].
فيا قومي المسلمين والعرب عَضُّوا بِالنَّوَاجِذِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبحسبكم قول المبلغ عن رب العالمين: «تَرَكْتُ فِيكُمْ [أَمْرَيْنِ] لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه الإمام مالك بَلَاغًا، ورواه الحاكم في " مستدركه " موصولاً عن ابن عباس رضي الله عنهما.
…
[12]
لقد أقام الله تبارك وتعالى للدفاع عن دينه وإظهار محاسنه وفضائله والدفاع عن كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من علماء هذه الأمة الإسلامية في كل عصر ومصر من دحض هذه الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطائفة القائمة على الحق والمنافحة عنه لن يخلو منها عصر من العصور كما هي سنة الله في الأكوان: أن الحق لا بد له من أنصار وأعوان حتى ولو ظهر الباطل على الحق، وكثر ناصروه، وهذه الطائفة القائمة على الحق والناصرة له.
وذلك حسبما صدع به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري (1) ومسلم (2) وغيرهما بسنديهما عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» وفي رواية لمسلم بلفظ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ
…
» ورويا في " صحيحيهما " بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى [يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ]» .
والمراد بالظهور: الظهور بالحجة والبرهان وهذا الظهور في كل عصر وزمان،
(1)" صحيح البخاري ": - كِتَابُ المَنَاقِبِ - باب بعد علامات النبوة ببابين. و - كِتَابُ الاِعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ» [يُقَاتِلُونَ] وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ ".
(2)
" صحيح مسلم ": - كِتَابُ الإِمَارَةِ - بَابُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ» .
ومكان وقد ينضم إلى الظهور بالحجة الظهور بالقوة والسلطان كما كان الشأن في العصور الأولى، وقد مكثت دولة الإسلام وهي صاحبة السلطان في العالم اثني عشر قَرْنًا أو تزيد حتى دب إلى الأمة الإسلامية ما دب إلى الأمم قبلها من الفرقة والانقسام، وعدم الاعتصام بحبل الله فكان ما كان من انحلال هذه الأمة وضعفها حتى صارت نَهْبًا مُقَسَّمًا بين الأعداء.
وها هي الأمة قد صحت من نومتها واستيقظت من غفلتها، وتخلصت من قيود الأسر والاستعباد، ومن سلطان الغاصب المستبد، وما من دولة من دول الإسلام إلا وقد أصبحت مستقلة وأصبح أمرها بيدها وكنا [نرجو] أن تتوحد الصفوف، وتجتمع الكلمة وتعتصم هذه الدول بحبل الله، ولكن لا زالت بينها الفرقة، والانقسام، بل وصل الأمر أن بعض المسلمين صار يقاتل البعض الآخر، ويشهر في وجهه السلاح ولا حول ولا قوة إلا بالله فهو القادر على أن يرأب الصدع، ويجمع الكلمة ويوحد الصفوف وحينئذ ستعود للأمة الإسلامية عزتها وقوتها، ويعود لها سلطانها المرهوب في الأرض.
وروى الشيخان عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ (1) مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ (2)، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وروى مسلم في " صحيحه بسنده عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ [وَهُمْ كَذَلِكَ]» . وقد حرصت على ذكر هذه الأحاديث المُبَشِّرَةُ كلها حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوب بعض المسلمين لما وصلت إليه حال الأمة الإسلامية من الضعف والتفرق والانقسام
(1) أي جماعة.
(2)
أي عاداهم.
واليأس من رحمة الله ومن تداركه هذه الأمة ليس من خُلُقِ المسلم، ولا من خُلُقِ المؤمن، وصدق الله في حكايته لمقالة نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (1) ولتكون مُثَبِّتَةً لقلوب المؤمنين المجاهدين والمضحين بأنفسهم في سبيل الدين الحق: دين الإسلام والدعوة الحقة: الدعوة إلى الله، وحاثة لهم على الاستمرار في هذا الطريق الواضح المبين مهما نزل بهم من بلاء، ومهما صادفوا من عقبات.
وقد اختلف في المراد بهذه الفئة الثابتة على الحق فقال الإمام الجليل البخاري: «هُمْ أَهْلُ العِلْمِ» ، وقال الإمام الجليل أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:«إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ» ، وقال غيرهم غير ذلك، فمن ثم نرى أن كل طائفة من طوائف أهل العلم حاولت أن تبين أنها هي المعنية بالأحاديث.
والحق هو ما قاله الإمام الجليل النووي في " شرحه لصحيح مسلم " قال الحافظ نقلاً عنه مع بعض الزيادة:
…
(1)[سورة يوسف، الآية: 87].
(2)
" فتح الباري ": جـ 13 ص 295.
إن شرف الدفاع عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدانيه أي [شَرَفٍ]، والشيء يشرف بشرف موضوعه، وكلام الله تبارك وتعالى هو أشرف الكلام، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أشرف الكلام بعد كلام الله. إن هذا الشرف لا يدانيه شرف من نسب، أو جاه، أو مال، ولو كان مال قارون، أو منصب إمارة، أو وزارة. إن هذه كلها ما هي إلا أعراض زائلة، وفانية، أما المنافحة عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أمر باق دائم، ومن أعظم السبل الموصلة إلى الجنة
وأرجو أن تعوا ذلك يا أهل العلم بعامة ويا أهل الحديث بخاصة، إن المنافحة عن كتاب الله تبارك وتعالى وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم هي نوع من أنواع الجهاد، كما صدع بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حينما قال:«جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ويدخل في جهاد الكفار بالألسنة الجهاد بالقلم: بالكتاب أو بالمقال، أَلَا أَشَدَّ حَاجَتِنَا [مَعَاشِرَ] المسلمين في هذا العصر الذي تقوم فيه المجاهدة بالكتاب وبالمقال مقام القتال بالنفس، وبذل المال، والذي تكالبت فيه على المسلمين عوامل الشر والإفناء، والذي أصبح التصارع فيه بالكلمة حتى أصبح لها شأن وأي شأن عن طريق الصحافة حِينًا، وعن طريق المذياع حِينًا آخر، وعن طريق التلفاز حِينًا ثَالِثًا.
[13]
إن من أعجب العجب أن كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يزالان من القوة والثبوت وَالحَقِّيَّةِ وَالصَّلَابَةِ التي تكسرت عليها شبه المبلسين وأباطيل المبطلين وتأويلات الجاهلين، كما كانا من منذ أربعة عشر قرنًا، لم يعترهما شيء من الضعف أو الوهن، أو الرخاوة، وذلك لأن القرآن حق نزل من عند الحق، والسنة النبوية حق أَوْحَى بِهَا اللهُ الحق، والرسول الذي جاء بهما من عند الله حق ومحال في منطق العقل والشرع أن يتخلى الله الحق عن رسوله الحق، وعن كتابه الحق، وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الحقة وقد لاحظ ذلك أحد المستشرقين الإيطاليين وهو الأستاذ " كارادي
فو " فقال: «لَقَدْ مَرَّ عَلَى القُرْآنِ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَلَا يَزَالُ غَضًّا طَرِيًّا كَأَنَّ عَهْدَهُ بِالحَيَاةِ أَمْسَ» وهي كلمة حق، وشهادة صدق ألقاها الله على لسان رجل باحث غير مسلم.
وقد يسألني سائل فيقول: ومن أين جاء ذلك؟ وهو سؤال حسن ويحتاج إلى جواب.
والجواب: أن في الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء - قوى روحية خارقة كامنة فيه تحمل من اعتنقه عن إيمان واختيار أن يتحمل كل أصناف البلاء وأنواع الأذى في سبيله، والتضحية بالنفس والأهل والولد، والمال، وكل عزيز في هذه الدنيا في سبيله، وهذه القوى الروحية الكامنة الخارقة تتمثل في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتاريخ الحق شاهد صدق على هذا، ولو تتبعنا تاريخ الإسلام، وما تعرض له منذ أربعة عشر قرنًا من هجمات وحشية، وحروب شرسة، وتحديات بقصد النيل منه، والقضاء عليه - لوجدنا لذلك مثلاً متكاثرة لا يحصيها العد.
هذه القوى الروحية الخفية الكامنة في الإسلام أو إن شئت فقل في كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هي التي جعلت الإسلام وقد قام في أول أمره على نبي، وامرأة، وحر، وعبد، وصبي أن ينتشر حتى أصبح منتشرًا في قارات الدنيا الخمس اليوم.
هذه القوى الروحية الخفية الخارقة هي التي جعلت بلال بن رباح وأمثاله من المُعَذَّبِينَ فِي اللهِ أن يتحملوا العذاب الذي يخرج عن طاقات التحمل وهم أبطال صامدون، لا يرجعون عن دينهم.
لقد كان أمية بن خلف الطاغية المتجبر يأخذ بلال بن رباح كما ولدته أمه في اليوم الصائف القائظ، وَحَرُّ مكة كان ينضج اللحم الطري، أو يذيب دماغ الضب
كما يقال فيضعه على الرمال المحرقة ويضع على صدره الصخرة العظيمة، ويقول له:«لَا أَدَعَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وَإِلَهِ مُحَمَّدٍ» ، فما يزيده ذلك إلا استمساكًا بدينه وثباتًا على عقيدته فلا ينفك أن يقول:«أَحَدٌ أَحَدٌ» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فتغلب حلاوة الإيمان مرارة العذاب، فكأنما العذاب يصير عليه بَرْدًا وَسَلَامًا.
والأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه، وأمه قد تحملوا من العذاب والآلام ما لم تتحمله أسرة، أما أبوه، وأمه فقد مَاتَا تحت وطأة العذاب، وقد طعن أبو جهل - عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللهِ - أُمَّهُ بحربة في ملمس العفة منها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام، ثم لم يلبث أبوه أن لحق بها شهيدًا في سبيل عقيدته.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهم وهم يعذبون في الله فما يملك لهم إلا أن يقول: «صَبْرًا آلَ ياسر، فإن مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ» فتكون هذه الكلمات المؤمنة بَرْدًا وَسَلَامًا على قلوبهم.
وكان مما عُذِّبُوا به أنه كانت تحمى لهم الدروع من الحديد في النار فيلبسونهم إياها ويطول العذاب بعمار بن ياسر حتى كان لا يدري ما يقول، فيظهر كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، وَيَجِيءُ عَمَّارُ - وَهُوَ يَبْكِي - إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال له:«مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: «شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، قَالَ: «كَيْفَ كَانَ قَلْبُكَ؟» قَالَ: «مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ» !! فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لَهُ:«إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ» !!.
ولهج بعض الناس بأن عمارًا قد كفر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى قال:«كَلَاّ إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا مِنْ مَفْرَقِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمُصِ قَدَمِهِ، وَاخْتَلَطَ الإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ» !!!.
ثم ينزل الوحي بشهادة السماء على صدق عمار، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1).
فكانت الآية الكريمة إعدادًا لهؤلاء المعذبين في الله بأنه لا حرج عليهم إن جاروا الكفار بطرف اللسان، ما دام القلب عامرا بالإيمان، ورخصة يترخص بها من خاف على نفسه الهلاك.
وغير هؤلاء من المعذبين في الله كثيرون!!!
ولم تكن هذه البطولات في تحمل العذاب في سبيل العقيدة خَاصًّا بالرجال فقد أوذي في الله كثيرات من المعذبات في الله وأظهرن صَبْرًا وتجلدًا وبطولة، وتحملاً وذلك مثل زنيرة جارية عمر بن الخطاب كان يضربها حتى تكل يده وتتعب من الضرب ويشاركه في الضرب أبو جهل فما يزيدها ذلك إلا تمسكًا وثباتًا على دينها.
ومثل أم عُنَيْسٍ (2) أمة لبني زهرة، وحمامة أم بلال بن رباح، وجارية بني المؤمل من بني عدي بن كعب، والنهدية وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار وكان أبو جهل يقول:«أَلَا تَعْجَبُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، لَوْ كَانَ مَا أَتَى مُحَمَّدٌ خَيْرًا وَحَقًّا مَا سَبِقُونَا إِلَيْهِ!! أَفَتَسْبِقُنَا زِنِّيرَةُ (3) إِلَى رَشَدٍ» .
نعم يا أبا جهل - ولا كرامة لك - لقد سبقتك زنيرة إلى الرشد، وبقي لها الذكر والترضي عليها ما بقي مسلم على وجه الأرض، وبقي لك اللعن على كل لسان إلى ما شاء الله، لقد ذهبت يا أبا جهل - الأحساب والأنساب، وبقيت التقوى، وصدق الله {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (4).
(1)[سورة النحل، الآية: 106].
(2)
بضم العين، وفتح النون وسكون الياء على صيغة المصغر وقيل: بباء موحدة، فباء تحتية، فسين مهملة.
(3)
زنيرة كسكينة كما في " القاموس "، وكذلك قال في " الإصابة "، ويقال:«زنبرة» بفتح الزاي وسكون النون فموحدة كما في " الاستيعاب ".
(4)
[سورة الحجرات، الآية: 13].
وهذه القوى الروحية الخارقة الخفية التي أودعها الله في الإسلام، وفي قلب المسلم المؤمن الصادق، هي التي جعلت المسلمين يصمدون أمام جحافل أوروبا وجيوشها في الحروب الصليبية التي أثارها التعصب المسيحي على الإسلام والمسلمين ممثلا في " بُطْرُسْ " الفاسق ولا أقول:" الناسك " ومن على شاكلته من المسيحيين، والتي حاول فيها الصليبيون الاستيلاء على بلاد الشام وعلى بيت المقدس، وقد تم لهم الاستيلاء عليه تسعين عَامًا أو تزيد ولكن الجيوش الإسلامية المظفرة بقيادة البطل الإسلامي الشهير الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي تمكنت من استرجاع بيت المقدس وبلاد الشام، وردهم على أعقابهم خاسرين، خاسئين، وقد أسر أحد ملوكهم وقائدهم الأكبر في " المنصورة " إحدى بلاد مصر، ثم لم تلبث الجيوش الإسلامية في مصر وفي الشام أن قهرتهم وأذلتهم، وقذفت بهم في البحر، ولقنتهم الجيوش الإسلامية درسا لن ينسوه.
وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي جعلت المسلمين يستردون قوتهم بعد غزو التتار لبلاد الإسلام، وتخريبهم البلاد، وتقتيلهم العباد وقضائهم على مظاهر الحضارة الزاهية في بلاد الإسلام.
وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي حملت ملك التتار على الدخول في الإسلام!! ولم يكن للمسلمين حينئذ حول ولا طول، وإنما كان الحول والقوة، والغلبة للتتار، وبدخوله في دين الإسلام دخل الكثيرون من التتار، وأصبحوا دعاة للإسلام وحماة له بعد أن كانوا حَرْبًا على الإسلام، والمسلمين وصدق الله:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ .... } (1). وصدق الله حيث يقول اَيْضًا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (2).
(1)[سورة الأنعام، الآية: 125].
(2)
[سورة ق، الآية: 37].