الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[(7)]
الجَوَابُ التَّفْصِيلِي عَلَى الشُبَهِ التِي أَثَارَهَا المُسْتَشْرِقُونَ:
الشُّبْهَةُ الأُولَى:
«وهي الشبهة السابعة في تسلسل الشبه» .
والجواب:
[1]
إننا لا نوافق المستشرقين على أن العلماء الأتقياء قاموا بحركة وضع قط ضد الأمويين، وإرغام أنوفهم بمدح أعدائهم، ثم كيف تجامع التقوى الوضع في الحديث؟ إن التقوى كما يعرفها الخاصة والعامة هي الاستقامة على الدين ظاهرًا وباطنًا، أجيبونا يا أصحاب العقول!!.
إن كلمة الأتقياء دَسَّهَا المستشرق المتعصب " جولدتسيهر " لِيُهَوِّنَ على القارئ، ويسهل عليه الغرض الدنيء، والاتهام الجريء الذي يرمي إليه فإنه إذا حكم أن هذا حال العلماء الأتقياء فكيف يكون حال غير الأتقياء!؟ لا شك أنهم يفوقونهم ويزيدون عليهم في الوضع في الحديث.
وقد كنا نود من المستشرق المتعصب أن يذكر لنا بعضًا من هؤلاء العلماء الأتقياء لنرى مبلغ صدقه فيما زعم، ولنبين له أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم ولنعلم أهم حَقًّا علماء أم أشباه علماء، أم ليسوا من العلم في شيء؟! لكن الكاتب اليهودي الحاقد على الإسلام والمسلمين أبهم، وهول لحاجة في نفسه.
ونحن معاشر العلماء المسلمين لا ننكر أنه وضعت أحاديث في مدح الأمويين،
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
ورد بالخطأ في الكتاب المطبوع ذكر الهامش في التعريف بابن سيرين في هذه الصفحة، فانظره في الصفحة الموالية.
وَذَمِّهِمْ، وَمَدْحِ أَعْدَائِهِمْ، وَذَمِّهِمْ، وكيف؟ وهذه كتب الأحاديث الموضوعة قد بينت الكثير من ذلك، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار أن يكون من فعل هذا تَقِيًّا!! أو تكون هذه الموضوعات قد جازت عليهم من غير أن يدركوها ويبينوا عوارها وعارها على واضعيها، فهذا ابن سيرين (1) يقول:«لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» . وأهل السنة كانوا مثال الاستقامة في العقيدة والسلوك، بينما أهل البدع كانوا على الضد من ذلك، ويقول اَيْضًا:«إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» " رواها مسلم في مقدمة " صحيحه "، وروى مسلم بسنده عن عبد الله - بن المبارك أنه قال:«الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وروي عنه اَيْضًا أنه قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (2). وروى اَيْضًا بسنده عن عبد الله بن ذكوان المكنى بأبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» (3) وهذا يدل على اليقظة التامة من العلماء الذين تَصَدَّوْا لِلْرِّوَايَةِ، وتعقبوا الوضاعين والكذابين حتى كشفوا عن خبيئة أمرهم، ودخيلة نفوسهم وقد بينت آنِفًا في الرد الإجمالي على مقالة المستشرقين كيف كان جهاد العلماء الأتقياء في مقاومة حركة الوضع لا في الاشتراك فيها.
[2]
وأمر آخر أحب أن أنبه إليه وهو أن العصر الأول كان الوازع الديني فيه قويًا على الرغم مما حدث من فتن وخلافات، وهذا الوازع الديني نلمحه قويًا ظاهرًا في العلماء الأتقياء، ومن على شاكلتهم ممن لا يخافون في الحق لومة لائم، فما كان ليخيفهم زجر ولا وعيد، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ثابت معروف وكثيرًا ما كان ينصح العالم الخليفة والأمير، ويبين له مخالفته للحق والدين.
(1) هو الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة، ثقة، ثبت، عابد، كان لا يرى الرواية بالمعنى مات سنة عشر ومائة. (*)
(2)
شبه الإسناد التي تقوم عليه الأحاديث بالقوائم أي الأرجل التي تقوم عليها الدابة فكما أن الدابة لا ينتفع بها إلا بقوامها كذلك لا ينتفع بالأحاديث إلا بأسانيدها.
(3)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": جـ 1 ص 78 - 88.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) ورد هذا الهامش في الكتاب المطبوع خطأ في الصفحة 294.
وإذا كان الأمر كما ترى فلماذا ينافق العلماء الأتقياء ويتوصلون إلى أغراضهم عن طريق الدس والكذب، وهم أتقياء كما يعترف بذلك " جولدتسيهر " والتقوى عند جماهير المسلمين تنافي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تجامعه، وهذا الوضع لأجل إرضاء الخلفاء والأمراء إنما يفعله ضعاف الدين والأخلاق، وضعاف النفوس الذين يبيعون دينهم بدنياهم.
وأيضًا فقد كان الخلفاء والأمراء على دين، وعلى خلق فما كانوا يرضون الكذب لأجلهم قط في الحديث النبوي، ومن أمثلة ذلك ما روي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام فروى له «لَا سَبَقَ إِلَاّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ، أَوْ جَنَاحٍ» فزاد في الحديث «أَوْ جَنَاحٍ» ، والموضوع هو اللفظ الأخير فقط، وأما الحديث فثابت رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة بدون لفظ «أَوْ جَنَاحٍ» فلما قام غياث ليخرج وأدبر أدرك أنه كذب لأجله، فقال:«أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ» ، وأمر بذبح الحمام حتى لا يكون سَبَبًا لاختلاق أمثال غياث من المنافقين وأرقاء الدين.
ومن ذلك ما ذكره الخطيب في ترجمة أبي البختري الكذاب أنه دخل وهو قاص على الرشيد وهو إذ ذاك يطير الحمام، فاختلق حديثا مكذوبا وهو «أن النَّبِيَّ كَانَ يُطَيِّرُ الحَمَامَ» وقد أدرك الرشيد كذبه وزجره وقال:«أُخْرُجْ عَنِّي، لَوْلَا أَنَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَعَزَلْتُكَ» ، أقول، ويا ليته عزله، بل وَعَزَّرَهُ.
فانظروا إلى المهدي والرشيد كيف أنكرا على من اختلق بعض الأحاديث إرضاء لهما مما يدل على أن ضمير الخلفاء ووجدانهم الديني كان لا يزال متيقظًا قويًّا.
***