الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[(9)]
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ:
وهي «الشبهة التاسعة» .
الجواب عن هذه الشبهة:
(أولاً) أما ما زعمه جولدتسيهر، المستشرق اليهودي الحاقد على السُنَّةِ ورجالها وحملتها من الوضع في الأحكام التي لا تتفق هي وما يراه أهل المدينة في أحكام العبادات فهو كلام كسابقه مبني على الحدس والتخمين والتهجم والتجني، وهو كلام من لم يعرف شيئًا عن المجتمع الإسلامي في هذا العصر، أو عرف ولكنه يتجنى.
لقد كان هناك كثيرون من صغار الصحابة، وكثيرون من التابعين الذين يضحون بأنفسهم وبأعز عزيز لديهم في سبيل دينهم، والذين ما كانوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخشون إلا الله تبارك وتعالى، وما كان يمكن لخليفة أو غيره أن يتزيد في أمور الدين، أو يُغَيِّرَ منه، وهو في مأمن من غضب الناس ونقمتهم عليه، لقد كان المسلمون لهم بالمرصاد، وكانوا ينكرون عليهم بعض التغييرات التي أحدثوها في بعض العبادات مع أنهم كانوا متأولين فيما يفعلون كما ستعلم قريبا وهاك بعض الأمثلة التي تدل على شدة مراقبة العلماء للخلفاء والأمراء ومعارضتهم أشد المعارضة إذا حاولوا شيئًا مما أحدثوا.
روى الذهبي في " تذكرة الحفاظ " في ترجمة الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّهُ قَامَ، وَالحَجَّاجُ يَخْطُبُ، فَقَالَ:«عَدُوُّ اللهِ اسْتَحَلَّ حَرَمَ اللهِ وَخَرَّبَ بَيْتَ اللهَ، وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَ اللهِ» !! فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ:
«اسْكُتْ يَا شَيْخًا قَدْ خَرِفَ» (1) وروي عنه اَيْضًا أَنَّ الحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كَلَامَ اللهِ» ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:«كَذَبَ (2) لَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْر يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَدِّلَ كَلَامَ اللهِ وَلَا أَنْتَ» .!!! فَقَالَ الحَجَّاجُ: «أَنْتَ شَيْخٌ خَرِفٌ» ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:«أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُدْتَ لَعُدْتُ» (3). والحجاج هُوَ مَنْ هُوَ قَسْوَةً عَلَى الأَمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ ومحاولة إذلالها، وإسكات أَلْسِنَةَ الحَقِّ فيها وقد سمعت ما قاله له الصحابي ابن عمر.
فكيف يعقل أن يصبغ بنو أمية حكمهم بالوضع في الأحكام، ولا ينكر عليهم، أشد الإنكار أن الوضع في الأحكام لم يكن في هذا الوقت المبكر، إنما حدث بعد لما وجدت العصبية المذهبية، واشتدت الخلافات الفقهية ولئن كانت أحاديث الفضائل يتساهل فيها بعض العلماء، فأحاديث الأحكام أجمع العلماء على التشدد فيها وعدم التساهل فيها، لأن عليها يتوقف معرفة الحلال والحرام.
(ثانيًا) من العجيب حَقًّا أنه وقد أراد أن يؤيد افتراءه ذكر بعض مخالفات أحصيت على بني أمية، وليست في واحدة منها ما يشهد لدعواه.
أما مسألة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبة الجمعة واقفًا، حتى جاء معاوية فخطب قاعدًا - فهذا أمر لا ينكر، ومعاوية لم يفعله إلا لعذر:
روى ابن أبي شيبة «أَنَّ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه خَطَبَ قَاعِدًا لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ وَلَحْمُهُ» ، وروى البيهقي في " سُنَنِهِ "«أَنَّ ضَعْفَهُ كَانَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ» وكنا نحب من هذا المتجني على الأحاديث أن يضع يدنا على حديث واحد فيه ما يبرر ذلك.
وروى البيهقي بسنده عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ
(1)" تذكرة الحفاظ ": جـ 1 ص 37.
(2)
في " طبقات ابن سعد ": «كَذَبْتَ» وهي أولى.
(3)
" تذكرة الحفاظ ": جـ 1 ص 37.
اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} » الآية (1). ولم نسمع أن ابن الحكم احتج على جلوسه بحديث قط.
وأما حديث رجاء بن حيوة فلم أطلع عليه وكان عليه أن يدلنا على مرجعه في هذا، ورجاء بن حيوة من الحفاظ النبلاء ولم يتهم بوضع ولا اختلاق في الأحاديث.
وحديث جابر بن سمرة لا يدل على أنه وُضِعَ حديث بالفعل في هذا الأمر، بل هو رَدٌّ لما يحتمل أن يظنه بعض الناس من أن هذا التغيير كان له أصل في الأحاديث النبوية، أو لما يحتمل أن يفعله بعض ضعفاء الإيمان المتزلفين إلى الخلفاء والأمراء وقد يلجأ الشخص إلى مثل هذا الإسلوب لتقوية كلامه وليقطع على الخصم أن يكون لما فعلوه سندا من السنة الثابتة.
وأما خطبة العيد فقد قدمها على الصلاة معاوية وعماله، لأن الناس ما كانوا يجلسون إليهم بعد الصلاة لاستماع الخطبة، ولم يسلموا من إنكار الأمة والتشنيع عليهم بسببه ولم نسمع أن معاوية وعماله احتجوا لما فعلوه بحديث:
روى البخاري في " صحيحه " أن أبا سعيد الخدري أنكر على مروان بن الحكم وإلى المدينة من قبل معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد، وجذبه من ثوبه، فجذبه مروان، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ:«فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ!!» ، فَقَالَ:«أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ» ، فَقُلْتُ:«مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ» ، فَقَالَ مَرْوَانُ:«نَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ» .
فها هو مروان قد اعتذر بما يراه مُبَرِّرًا لعمله، ولم يختلق حَدِيثًا أو أوعز إلى من يختلق حَدِيثًا كما زعم " جولدتسيهر " مع أن هذا كان أنسب الأوقات للاختلاق.
(1)[سورة الجمعة، الآية: 11].
وكذا زيادة درجات المنبر النبوي بالمدينة صيرها مروان ست درجات، وقال: إنه فعل ذلك لما كثر الناس.
وهي وجهة نظر لا غبار عليها من جهة الشرع، ولم نر مروان وضع في ذلك حَدِيثًا، الحق أني في عجب بالغ من هذا المستشرق!! يأتي بالدعوى العريضة ويستدل عليها، فيأتي بما ينقضها من أساسها.
ألا فليسمع المخدوعون بجولدتسيهر وأبحاثه ليروا كيف يكون المنطق الأعرج وكيف يكون الإدلاء بالحجة، حتى إذا عركها الباحث المنصف فإذا هي سراب في سراب.
***