المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

هذه الجملة بيان للاستبشار السابق، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار - زهرة التفاسير - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

الفصل: هذه الجملة بيان للاستبشار السابق، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار

هذه الجملة بيان للاستبشار السابق، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار الذي ذكرناه في النص السابق يجري فيها.

والمعنى أن هؤلاء الشهداء يطلبون البشرى بنعمة من الله تعالى، وهي نعمة جزيلة كريمة فاضلة لأنها صادرة عن مانح النعم لهذا الوجود كله ومسديها لكل حيّ، والنعمة هنا هي نعمة الانتصار، والفضل هو ما يسبغه الله تعالى على أهل الحق من عزة، وطلب له شاعرين بأن الموت في سبيل الله هو عين البقاء، والحياة في باطل هي عين الفناء، فالاستبشار من هؤلاء الأطهار استبشار بالعزة لدينهم وللحق الذي افتدوه بأجسامهم وخفقت من بعد ذلك أرواحهم، فهم يستبشرون بنعمة النصر وفضل العزة للذين جاءوا من بعدهم، فنعمتهم هم وفضل الله عليهم في نصرة الإسلام بعدهم، وكون الله تعالى لَا يضيع أجر المؤمنين، بأن يعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم، وليس الاستبشار هنا بما ينالونه هم، بل بما ينال الإسلام والمؤمنين من بعدهم، والدليل على ذلك أن الاستبشار هنا بيان للاستبشار الذي سبقه، والاستبشار الذي سبقه كان لأن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لَا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأيضا فإن المؤمنين الذين لَا يضيع جزاؤهم في الدنيا بالنصر، ولا في الآخرة بالنعيم المقيم، بينوا بأنهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:

* * *

ص: 1506

(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ

(172)

* * *

أصل استجابوا: طلبوا الإجابة، والمعنى هنا أنهم عالجوا أنفسهم وطلبوا إجابة داعي الله إلى النصر، فأجابوا، فالاستجابة لأن السين والتاء للطلب تدل على أنهم راضوا نفسهم على إجابة الله تعالى، ونالوا ذلك الشرف العظيم؛ إذ أجابوا داعي الله ورسوله من بعد ما أصابهم ذلك الجرح ولم ينهنه من قوتهم، بل استرسلوا في قوة وصبر وعزيمة، واستثارهم الجرح ولم يضعفهم، وأنهم أجابوا الداعي فور الواقعة، فإنه يروى في ذلك أنه لما رجع المشركون قالوا: (لا محمدًا

ص: 1506

قتلتم، ولا الكواعب أردفتم (1)، بئسما صنعتم، ارجعوا). فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، ولكن خذل الله المشركين، وقوى المؤمنين، فرجع المشركون من حيث جاءوا، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ندب المؤمنين أذن مؤذن رسول الله بطلب العدو، وأذن مؤذنه " ألا يخرجن معنا إلا من حضر أُحدا (2)، فخرجوا فهؤلاء هم الذين استجابوا لله والرسول، لأنه لم تأخذ الهزيمة من نفوسهم، وإن أصيبوا بكلوم في أجسامهم، وقد قال سبحانه وتعالى في جزائهم.

(لِلَّذِينَ أَحْسَنوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْر عَظِيمٌ) اختص سبحانه وتعالى من أولئك الذين جاهدوا ولم يستشهدوا بعد بأن لهم أجرا عظيما، وهنا يلاحظ ثلاثة أمور:(أولها) أن الله لم يذكر الأجر لهم جميعا، لأنهم كانوا أحياء، والحيّ قد يغير ويبدل، فكان لابد من التقييد بالإحسان والتقوى، أي يستمر على ما هو عليه.

(وثانيها) أن الإحسان هنا غير التقوى، إذ الإحسان هو إجادة الخطة، واتباع المنهج المستقيم في القتال، وذلك لابد منه في الانتصار، والطاعة المطلقة للقائد من إحكام الخطة.

(ثالثها) أن التقوى - وهي وقاية النفس من الغرض والهوى والاتجاه إلى الله وإخلاص وقلب سليم خال من الشوائب - أساس الأجر العظيم، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

* * *

(1) أخرجه النسائي: السنن الكبرى ج 6، ص 276 (10979). وفي مجمع الزوائد: ج 6، ص 176 وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الجواز، وهو ثقة. وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (باب قوله تعالى:(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح).

(2)

السيوطي: الدر المنثورج 2 ص 102، وعزاه لابن جرير عن عكرمة.

ص: 1507

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)

* * *

الكلام متصل بالكلام في أعقاب أحد، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابتهم الجراح، ولم تمنعهم هذه الجراح من أن يجيبوا داعي الله، ويستعدوا، ويتقدموا؛ ويتغلبوا على روح التردد والهزيمة التي كان يبثها المنافقون، وترشح لها الجراح، وإن أبا سفيان قد هم أن يرجع إلى المدينة، فخرجوا للقائه، ولكن ثبطه الله، فعادوا، ولقد كان أولئك الذين استجابوا لداعي الجهاد، وهم في تلك الحال، لهم موقف آخر جليل ذو شأن في الجهاد، وأثر في الإسلام، ولقد ذكر الله ذلك الموقف بقوله تعالت كلماته:

ص: 1508

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهًمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا).

وقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) الموصول فيها بدل من الموصول في قوله تعالى: (الَّذينَ استجابوا لله والرسول) فهم طائفة واحدة لم تتعدد، ولكن تعدد عملهم، فهم في الأول لم تثقلهم الجراح عن أن يجيبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم في الثاني لم ترهبهم أقوال الناس. . المتضافرة عن أن يتقدموا للقتال، وقد

ص: 1508

تكاثرت أسباب الرهبة، وأخبار الاستعداد، فهذا موقف آخر، وإن كان الذين نالوا الفضلين طائفة واحدة، وذلك الموقف هو أن أبا سفيان ومن معه لما رجعوا لا يلوون على شيء، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: موعدكم بدر القابل فقبل النبي ذلك التهديد، وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة، وكان تجار قريش يقدمون إلى بدر في ذي القعدة، ويسمون ذلك بدرا الصغرى، فاستعد النبي صلى الله عليه وسلم للقائهم بعد نحو شهر من أحد، وخرج أبو سفيان في أهل مكة ولكن ألقى الله الرعب في قلوبهم، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا، فقال: يا نعيم إني أوعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فالحقْ بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، ويروى أن الذين دسهم أبو سفيان ليبثوا الهزيمة في قلوبهم هم ركب عبد القيس، ويظهر أنه تكرر ذلك الدس من أبي سفيان، ولذلك قال الله تعالى:(الَّذِينَ قَالَ لَهم النَّاسُ) أي تضافرت الأخبار من هؤلاء الناس الذين اندفعوا يثبطون، ويقولون إن الناس - أي مشركي مكة - قد جمعوا لكم، وكانوا يقولون في أخبارهم المثبطة الملقية بالرعب لمن لَا يعتمد على الله تعالى وقد وجدوا المؤمنين يتجهزون للمعركة:(ما هذا برأى، آتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا، أفتريدون أن تخرجوا، وقد جمعوا لكم عند الموسم؛ فوالله لا يفلت منكم أحد) فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد "(1) فخرج في سبعين راكبا، وقيل ألف راكب.

وقوله تعالى حكاية عنهم: (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) قد حذف فيه المفعول، فلم يقل جمعوا جيشا، وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من

(1) رواه ابن جرير الطبري في التفسير بلفظ: وإن رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال:" إنّما يرتَحلُونَ الآنَ فَيَأتُونَ ولا يَقْدِرُونَ على مِثْلِها حَتّى عام مُقبل " فجاء الشيطان فخوّف أولياءه فقال: إن الناسَ قد جمعوا لكم. فأبى عليه الناس يتبعوه، فقال:" إني ذاهِب وإنْ لم يَتْبَعْني أحَدٌ لأحضضنَّ الناسَ ".

ص: 1509

أسلحة، ومقدار من جمعوا من الرجال وأموالهم، فيكون ذلك أشد تخويف، ولكن لم يثبط ذلك من عزيمة المسلمين وإرادتهم القتال، وقد حكى سبحانه حال المؤمنين بقوله تعالى:(فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ).

أولئك المثبطون الدساسون قالوا ما قالوا، وقالوا: اخشوهم، أي قَدِّرُوا أنهم سينزلون بكم الأذى الشديد والقتل الذريع إن خرجتم، فهو إفزاع عن المستقبل، والفرق بين الخوف والخشية أن الخوف يكون من أمر حاضر، والخشية من أمر متوقع، وهي إن كانت في الحاضر تكون خشية من قوى لما يكون منه في القابل. وكان أثر ذلك الدس المرهب أمرين:

أحدهما: زيادة الإيمان، والثاني التفويض إلى الله تعالى.

فأما زيادة الإيمان هنا فمعناها قوة اليقين ومحدم تضعضع الثقة في الله تعالى.

والأمر الثاني الذي كان أثرا لذلك الكلام المدسوس المثبط أنهم قالوا:

(حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكيل) ومعنى حسبنا أي كافينا، أي إذا كانوا هم يستنصرون بقواتهم يحشدونها، وعددهم يستكثرون به، ويعدون ذلك كفايتهم، فنحن كفايتنا من الله تعالى، وقد وعدنا بالنصر، وهو نعم النصير المعاون، فالوكيل هنا معناه النصير الكفيل المعاون، والوكيل الذي يستعان به في الدنيا إنما يكون لفضل قوته أو خبرته أو حكمته، فكيف يكون والمستعان هو الله سبحانه وتعالى، وهو نعم المولى ونعم النصير، فالوكيل هنا هو القادر الذي توكل إليه الأمور.

ويتكلم العلماء حول قوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) فيقولون هل الإيمان يزيد وينقص؟ لقد قال بعض العلماء إنه لَا يزيد ولا ينقص لأنه اعتقاد وإذعان، وتلك حقيقة ثابتة إما أن توجد كاملة وإما ألا توجد، ويكون معنى الزيادة على هذا الرأي ليست زيادة أصل الإيمان، إنما زيادة الثقة بنصر الله تعالى وعونه، وذلك من ثمرات الإيمان، لَا من أصله، وهو شعبة منه، وليس جوهره.

ص: 1510

وقال آخرون وهم الأكثرون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقد قال الزمخشري في تصوير ذلك الرأي من هذه الآية: لما أخلصوا النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج، ولأن خروجهم على أثر التثبيط - إلى العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ بيد الرجل، فيقول: قم بنا نزدد إيمانا، وعنه:" لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح ".

ولقد قالوا: إن قوة الإيمان بإشراقه في القلب، وشدة ذلك الإشراق، وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إن الإيمان ليبدو لَمْظَة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة "(1). أي كثر الصفاء وأشرق البياض، وكان العمل الصالح.

والإيمان هو اليقين الجازم القاطع واليقين وهو من حيث أثره في النفس ثلاث مراتب:

أولاها: علم اليقين، وهي أن تتوافر الأدلة والاطمئنان حتى يكون اليقين الجازم القاطع الذي لَا يكون معه شك ولا ريب، ولا إنكار أو جحود، بل تسليم وإذعان من غير مماراة.

وثانيها: عين اليقين، وهو أن تكون أعماله كلها وفق ذلك الاعتقاد الجازم، فيكون اليقين قد رؤى عيانا في الجوارح والأعمال.

والثالثة، وهي المرتبة العليا: حقيقة اليقين، وهي أن يصل إلى درجة تشبه المشاهدة أو تكون من جنسها وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:" اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "(2) وهذه مرتبة المشاهدة ولقد وصل إليها الأبرار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولقد قال علي كرم الله

(1) ذكره القرطبي في التفسير: آل عمران (173)، وأحسبه موقوفا على علي رضي الله عنه.

(2)

سبق تخريجه.

ص: 1511