الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عندهم النية إلى العودة إليه، وقد فعلوه وهم يعلمون أمر الله تعالى فيه ونهيه، ولذلك قال العلماء:(لا توبة مع الإصرار) وإن الاستغفار مع الإصرار ذنب في ذاته وقد قال الحسن البصري: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) وإن من الإصرار على الذنوب أن يعلن التوبة، وللناس عنده مظالم لَا يردها، فحقوق العباد لا تقبل التوبة فيها إلا بعد ردها إلى أصحابها، وإن التائب المعترف بذنبه المستكبر له التائب عنه مقرب إلى ربه حتى إن الصوفية يقولون:(إن معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت دلا وافتخارا).
* * *
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
…
(136)
* * *
أي أولئك الذين اتصفوا بهذه الصفات بسببها قد استحقوا برحمة الله تعالى جزاءهم وهو ثلاثة: أعلاها مغفرة من ربهم الذي خلقهم وهذه المغفرة دليل رضاه، وهو أعلى جزاء، والثاني الجنات التي تتوافر فيها أنواع النعيم، وثالثها الخلود، فهو نعيم ليس على مظنة الانتهاء، إذ إن توقع الزوال ينقص من قدره، ولذلك قال بعد ذلك سبحانه:(وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي ذلك الجزاء جدير بأن يُرغب فيه، ويتنافس فيه المتنافسون، ويطلبه كل عارف لحقيقته لم تلهه الدنيا بما فيها، فذلك المدح للحث على طلبه والعمل على استحقاقه وعدم التخلف عن الاتجاه إليه، اللهم اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
* * *
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)
* * *
أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى غزوة أحد وإمداد الله بالملائكة للمؤمنين في الحروب إن صبروا في اللقاء، ولم يختلفوا على قائدهم في المعركة، وجعلوا ما عند الله تعالى الغاية والمرمى، ثم ذكر من بعد ذلك سبحانه ما هو دواء القلوب، وغذاء الإيمان، وهو الطاعة والتعاون، وألا يأكل أحد حق أخيه أو ماله بالباطل، وأن المال الحلال هو قوة الحروب، والمال الحرام كمال الربا سُحت، وطلبه من ضعف الإيمان، ويربي خور العزائم إذ إن شهوة المال، والشجاعة وحب الفداء خلال لَا تجتمع في قلب رجل واحد، ثم بين سبحانه أن أعظم الذخائر هو تربية النفوس على التقوى وطلب مغفرة الله سبحانه وتعالى.
ولقد جاء بعد ذلك الكلام على أثر غزوة أحد في نفوس المؤمنين، وقد نهاهم سبحانه عن الضعف والوهن والحزن، وأمرهم أن يتخذوا من الهزيمة سبيلا للنصر، وإنها سنة الله في خلقه فعليهم أن يخضعوا لها ويقروا في ذات أنفسهم بها، ولذا قال سبحانه:
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ).
" خلت " معناها مضت وثبتت وتقررت، والسنن جمع سنة، وهي تطلق بمعنى الطريق المسلوك المعبد، وتطلق بمعنى المثال الذي يتبع، ولقد قيل إنها من قولهم سن الماء إذا صبه صبا متواليا فشبهت العرب به الطريقة المستقيمة المتبعة المستمرة، والمعنى أنه قد مضت وتقررت من قبلكم سنن ثابتة ونظم محكمة فيما قدره الله سبحانه وتعالى من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب في الدنيا وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنَّه سبحانه من سنة في النصر والهزيمة، من طاعة للقائد، وإحكام في التدبير، وقوة إيمان، واستعداد للفداء، وهكذا، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9).
وإن من سنن الله تعالى الثابتة ألا يمكن من الظلم وأن ينتصر أهل الحق إذا عملوا على نصرته، وتضافروا على إقامته ولم ينحرفوا عن طاعته، وأن أهل الباطل قد ينتصرون إن اتحدوا واستعدوا، فينالون الظفر لتخاذل أهل الحق
وانقسامهم، أو إرادتهم عرض الدنيا، أو عدم الصبر على طاعة القائد العظيم كما كان الشأن في أحد.
وإن من سنن الله تعالى أن يجعل العاقبة للصابرين الصادقين، فإن أَمْلى للكافرين سنة فإنه سيأخذهم من بعد أخذ عزيز مقتدر، وينصر عليهم أهل الحق، وإنما قدر الله تعالى نصرتهم الوقتية على أهل الحق ليصقل أهل الإيمان، وليهديهم هداية عملية إلى طريق الانتصار، وليميز من بينهم ضعيف الإيمان، ويظهر نفاق أهل النفاق، وبذلك تتبين الصفوة المختارة التي يعتمد عليها، ويذهب الذين مردوا على النفاق بنفاقهم، فلا ينخدع بهم أحد، ولا يرجفون بكيدهم في الجماعة، ولقد بين سبحانه لأهل الإيمان عاقبة المكذبين تثبيتا لقلوبهم، وتأييدا لهم فقال جل من قائل:(فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ).
أي أنه إذا كانت سنة الله تعالى في خلقه، أو العاقبة دائما للمتقين، فسيروا في الأرض، فانظروا الحال التي قد انتهى بها الكاذبون. والتعبير بلفظ (كيف) الدال على الاستفهام يقصد به التصوير وتوضيح الحال في صورة تدعو إلى العجب وتثير الاستغراب، أي أن عاقبتهم التي انتهوا إليها من تدمير ديارهم، وتعفية آثارهم بعد أن طغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، تثير العجب والدهشة لمن ضعف إيمانه، وتلقي بالطمأنينة والصبر والرضا لمن قوى إيمانه. وفى هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تدعو إلى السير في الأرض والبحث لمعرفة أحوال السابقين دعوة إلى أمرين: أحدهما - دراسة تاريخ الأمم بشكل عام، فإن التاريخ كتاب العبر، وسفر المعتبر، وهو رباط الإنسانية التي يربط حاضرها بماضيها.
والأمر الثاني - دراسة أحوال الأمم من آثارها فإنها أصدق من رواية الرواة وأخبار المخبرين، فقد يكون التاريخ المكتوب أكاذيب، أما الآثار فصادقة لمن يعرف كيف يستنطقها، وإن الملوك وأشباههم يزيفون الأخبار المنقولة، وإنه ليحكى أن