الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
" من بدّل دينه فاقتلوه "(1) هى القتل؛ وذلك لقطع السبيل على الذين يدخلون في الإسلام ظاهرا، وهم يريدون إثارة الشك حول حقائقه، وليس في ذلك منافاة للحرية الدينية التي قررها الإسلام في قوله تعالى:(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي. . .)، ولقد كان أولئك الذين أخذوا بذلك الطريق الخبيث لإفساد العقائد يظهرون في عصور الإسلام الوقت بعد الآخر، وهم الزنادقة، فهم كانوا في باطنهم كفارا يستترون بستار الإسلام ليفسدوا الأمر على أهل الإسلام، ويشككوا الناس في عقائدهم.
وإن الفقهاء كانوا يحذرون الناس من سمومهم التي ينفثونها، وقرر جمهورهم أن كل مرتد يستتاب إلا من عرف بالزندقة، فإنه يتخذ التوبة ستارا ليستطيع بها الكيد للإسلام وأهله، فيرد عليه كيده في نحره، وإن ظهر منه الكفر الذي يحاول ستره يؤخذ بالنواصي والأقدام.
وإن أهل الكتاب ليبالغون في التدبير للاحتياط من أن يذهب منهم إلى المسلمين من يؤمنون بالإسلام، فهم يحاولون من جهة بث الشَّك في الإسلام بين أهله، ومن جهة أخرى يعملون على الاحتياط من أن يدخل أحد منهم في الإسلام، ولذلك يثيرون العصبية الدينية فيما بينهم، ويتداعون ألا يذعن أحد منهم لغير طائفته؛ ولذلك يقولون:
* * *
(1) رواه البخاري: الجهاد والسير - لَا يعذب بعذاب الله (2794)، والترمذي: الحدود - ما جاء في المرتد (1378)، والنسائي: تحريم الدم - الحكم في المرتد (ا399)، وأبو داود: الحدود - سنن من ارتد (3787)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ
…
(73)
* * *
أي لَا تذعنوا مصدقين مقرين بالحق إلا لمن تبع دينكم، أي لَا تنطقوا بالحق الذي تعلمونه مذعنين له إلا لمن تبع دينكم؛ وذلك لأنهم يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، وبين أيديهم الأدلة الصادقة الناطقة بصحة دعوته؛ فهم يعرفون ذلك ويتذاكرونه فيما بينهم، ولكنهم يتناهون عن أن يقولوه لغيرهم.
وقوله تعالى: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) فيها قراءتان، إحداهما: بهمزة واحدة، والأخرى بهمزتين إحداهما سهلة، والثانية قراءة ابن كثير (1)، وإحدى الهمزتين على هذه القراءة تكون للاستفهام الإنكاري.
وقوله تعالى: (قُلْ إِن الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) يحتمل أن تكون معترضة، ويكون قوله تعالى:(أَن يُؤْتَى أَحَدٌ. .) متصلا بقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا) ويحتمل أن تكون غير معترضة، وتكون متصلة بما بعدها.
وعلى الاحتمال الأول مع قراءة الهمزة الواحدة يكون تخريج القول هكذا: ولا تصدقوا مذعنين ومقرين إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يُؤتي أحد بمثل ما أوتيتم من كتاب منزل من السماء منزلة دينية بين الناس، وكراهة أن يحاجوكم بسبب ذلك الإذعان وذلك الأمر من عند ربكم، وقد اعترض سبحانه وتعالى بين قولهم بقوله:(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي إن هداية الله تعالى ملك له وحده يعطيها لمن يشاء، فليست حِكْرا لأحد.، ولا أمرا مقصورا على أحد، بل يعطيها من يشاء.
وسبب ذلك الاعتراض هو المسارعة ببيان بطلان زعمهم من أنهم ذوو المنزلة الدينية وحدهم، ولبيان أن المنزلة منشؤها الهداية، والهداية طريقها وحدها فلهم أن يتبعوها، ولبيان أنهم بذلك التفاهم على الشر والتواصي على الباطل قد خرجوا عن نطاق الهداية فحقت لغيرهم. وعلى قراءة الهمزتين لَا يتغير المؤدى، ويكون تقرير القول هكذا: ولا تذعنوا مصدقين إلا لمن تبع دينكم، أتقرون بذلك لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم.
هذا هو تخريج الآية الكريمة على احتمال أن قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة معترضة بيزا متلازمين، أما تخريجها على احتمال أنها متصلة بما يليها فهو هكذا: لَا تذعنوا مكل مصدقين إلا لمن تبع دينكم، بذلك ينتهي قولهم، فيرد
(1) قرأ ابن كثير المكي بهمزتين على الاستفهام، الثانية منهما مسهلة، وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر [النشر في القراءات العشر ج 1 ص 365، 366 - غاية الاختصار في قراءات أئمة الأمصار، ج 2 ص: 450].
الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) ثم يبين سبحانه وتعالى أن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بأن ينزل بينهم وحي السماء كما نزل بينكم، أو يحاجوكم به عند ربكم، و " أو " هنا تكون بمعنى الواو. وعلى قراءة الاستفهام يكون المعنى: أتنكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم.
ذانك الاحتمالان، وإنى أميل إلى الاحتمال الأول، وأن تكون الجملة السامية (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) معترضة، وأن قوله:(أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) من قولهم، وذلك ليستقيم أمر الله بعد ذلك لنبيه بقوله:(قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) فإنه لَا يتضح معناه إلا إذا كان عقب قولهم، ليكون معنى جديد للأمر الثاني بعد الأمر الأول، إذ لو كان قوله:(أَن يُؤْتَى أَحَدٌ) من كلام الله تعالى المأمور به ما اتضح لنا معنى الأمر الثاني: (قلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) إلا إذا كان لتكرار هدايته وفضله، والتأسيس أولى من التأكيد.
لقد بين سبحانه بعد ذلك أن الهداية هي فضل من الله تعالى يتفضل به على من يشاء من عباده؛ ولذلك قال سبحانه: (إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ):
فهداية الله تعالى، والنبوة والرسالة التي تنبعث منها هداية المؤمنين الذين يذعنون للحق، ذلك كله فضل من الله تعالى لعباده، فليس حقا عليه لهم، بل هو منه تكرم وعطاء، والمتفضل المتكرم ليس بملزم بالعطاء لأحد، فإن كان قد جعل الرسالة حينا في بني إسرائيل فبفضل منه وبرحمة، وليس ذلك بملزم له، ولا بمسوغ لهم بأن يمنعوها عن غيرهم، ويستنكروا أن تكون في قوم أميين، وعليهم أن يذعنوا للحق أينما كان، ومن أي جهة كان النداء به، فالله أعلم حيث يجعل رسالته؛ وليس فوق إرادة الله سبحانه وتعالى إرادة، وليس من حق طائفة من الناس أن تقول نحن أبناء الله وأحباؤه.