الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَعضٍ) أنهم متشابهون، كقوله تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. . .)، فهم يشبه بعضهم بعضا، وهم ذرية واحدة لآدم. والحق أن ذلك المعنى يجيء بالالتزام من المعنى الأول فليس مغايرا له من كل الوجوه.
ثم ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: (وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إشارة إلى كمال إحاطته، وإلى أنه إذ اصطفى هؤلاء اصطفاهم على علم كعلم من يسمع، أي أنه علم دقيق لَا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، وإن ذلك النص الكريم فيه تمهيد لما سيتلى من بعد، وهو قول امرأة عمران، فقد قال تعالى حاكيا عنها:
* * *
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(35)
* * *
فقوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَت عِمْرَانَ) متعلق بقوله تعالى:
(وَاللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ) أي أن الله سبحانه وتعالى كان يعلم علم من يسمع في الوقت الذي قالت فيه أمرأة عمران ذلك القول، فهو سبحانه وتعالى سمع قول امرأة عمران ذلك القول، ونَذْرَها ذلك النذر، وقد عقدت العزم على أن يكون ما في بطنها خالصا لله سبحانه وتعالى؛ ومعنى النذر التزام التقرب إلى الله تعالى بأمر من جنس العبادات المفروضة؛ وقد نذرت هذه السيدة الكريمة لله، أي التزمت لله أن يكون ما في بطنها محررا، أي خالصا لله سبحانه وتعالى ولخدمة بيته المقدس؛ فمعنى " محررا " أي مخلصا للعبادة والمناجاة، ومن أخلص للعبادة فقد صار عتيقا من كل رق في الدنيا، فهو عتيق من رق الهوى، ومن رق الرجال، ومن رق ذوي السلطان، لأنه يكون خالصا لمالك الملكوت، ومن خلص له تعالى فقد عتق من كل رق في الدنيا.
وعمران: هو أبو مريم بهذا النص، وهو عمران المذكور أولا كما ذكرنا، وفرض المغايرة بأن يكون الأول عمران أبا موسى، وأن عمران هذا هو أبو مريم، تكلف لَا حاجة إليه، وليس في النص ما يدل عليه.
قصدت امرأة عمران تلك العبادة واحتسبت هذه النية راجية ما عند ربها، وأول رجائها أن يقبل نذرها، ولذلك تضرعت إليه أن يقبل فقالت:(فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). أي أضرع إليك أن تقبل نذري، فإنك سمعت ما قلت، وما حدثت به نفسي، وما احتسبت به القربى عندك، فكان النذر بذاته عبادة، وكان الدعاء بالقبول عبادة أخرى، فان الدعاء مخ العبادة، خصوصا في ذلك المقام الروحاني السامي الجليل، والتقبل هو الأخذ بالأمر في طريق القبول، حتى يتم القبول، فكأنها ما كانت تطمع في القبول بادئ ذي بدء، بل تطمع في أن ينظر في الأمر نظرة رضا حتى ينال القبول، وتلك مرتبة الصديقين يستصغرون أعمالهم بجوار رضا الله. ولقد كانت إجابة الله تعالى لهذه العبادة التي طويت في ثنايا النذر، والعبادة الأخرى التي طويت في ثنايا ذلك الدعاء الضارع، ما حكاه بقوله تعالى من بعد لما وضعتها:
* * *
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بقَبُولٍ حَسَنٍ
…
(37)
* * *
وهي في نذرها وفي ضراعتها لقبول هذا النذر كانت تفرض أن الحمل ذكر، لأنه هو الذي يصلح لسدانة المسجد الأقصى والبيت المقدس، ولكنها عند الولادة تبين أنها أنثى، فذكرت ذلك، وأشارت في ذكرها إلى تقديرها وفرضها، ولذا حكى الله عنها أنها قالت:
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) أي أنها قدرت الحمل ذكرا، وقدرت لذلك أن يكون في خدمة البيت وأنها لذلك تتحسر، لأنه لَا يستطيع المولود بعد أن تبين أنه أنثى الخدمة، فليس في هذه الخدمة المقدسة الذكر كالأنثى، فإن الأنثى لَا تستطيع ذلك. وقوله تعالى:(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) جملة معترضة بين كلاميها؛ وهي تشير إلى أن الله تعالى أعلم منها بما وضعت، فليس لها هذا الاعتذار لأن من تعتذر إليه، وتتحسر بين يديه أعلم منها بما وضعته؛ لأنه هو الذي خلقه وجعله أنثى؛ وهو أعلم بما يصلح له، وهو وحده العليم بما هيّأ له في لوح القدر، فإذا كانت لَا تستطيع خدمة البيت كالذكر فقد اختارها رب العالمين ليكون منها عيسى عليه السلام من
غير أب، ولذا قال الزمخشري في هذا قال الله تعالى (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) تعظيما لموضوعها. . ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالين، وهي جاهلة بذلك لَا تعلم عنه شيئا ". وقوله تعالى:(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) إما من كلام الله فيكون في الجملة المعترضة، ويكون المعنى وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي أعطيت في الشرف والمكانة والعبادة بل هو دونها، وهذا هو الظاهر، وإما أن يكون من كلامها وهو غير الظاهر، إذ يكون الأولى حينئذ التعبير بقولها: وليس الأنثى كالذكر لأنها ترى الذكر أفضل.
ومع أن هذه التَّقِيَّة تتحسر على أن مولودها لم يكن ذكرا كما قدرت، ليكون في خدمة بيت الله تعالى كما نوت، فقد رضيت بما وهب الله تعالى، وضرعت إليه أن يهديها ولذا قالت:
(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فهي قد اختارت الاسم راضية بما أُعطيت، قال الزمخشري في الكشاف:" وإن اختيار الاسم فيه تقرب إلى الله تعالى، لأن مريم في لغتهم معناها العابدة والخادم، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، والطلب إليه أن يعصمها، حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق فيها ". ولذا طلبت إلى ربها أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم. ومعنى الإعاذة أن تكون في ملجأ من الله تعالى يعصمها من الشيطان؛ وذلك لأن التعوذ الالتجاء. فمعنى أعوذ بالله ألجأ إليه، وأتخذ منه معاذا، ومعنى أعذته بالله من الشيطان جعلت الله تعالى معاذا له منه، وهذه الإعاذة كانت دعاء من الله تعالى، فكان هذا الدعاء عبادة أخرى. وهكذا اقترنت ولادة مريم وحملها من قبل بعبادات متضافرة متوالية مستمرة، وضراعة تدل على خلاص النفس وإسلام الوجه لله تعالى.
والشيطان: ما يوسوس في النفس، وهو يجري من الإنسان مجرى الدم.
والرجيم أي المطرود المنبوذ من رحمة الله من وقت قال. له رب البرية: (قَالَ
فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35).
وإن الله تعالى عصم بهذا الدعاء مريم وابنها من أن يمسهما الشيطان. وقد ورد في ذلك بعض الآثار.
ولقد قال الزمخشري في ذلك: يروى من الحديث " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها "(1) فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى:(وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40).
، واستهلاله صارخا من مَسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤذنُ به الدنيا من صُروفها
…
يكونُ بكاء الطفلِ ساعةَ يُولَد تلك ضراعات امرأة عمران عند ولادة مريم البتول، وقد تقبل الله نذرها، وأجاب دعاءها؛ ولذا قال سبحانه:
(1) متفق عليه؛ رواه بهذا اللفظ البخاري: تفسير القرآن (4184)، ومسلم: الفضائل - فضائل عيسى عليه السلام (4363).
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) قلنا إن التقبل هو أخذ الأمر بالنظرة الراضية المستحسنة غير المستهجنة، ويكون القبول نتيجة له، وقد ضرعت أم مريم أن يؤخذ نذرها مأخذ الرضا والاستحسان من ربها، فيقبل، وقد أجاب الله دعاءها، وعلى ذلك لَا يكون التقبل بمعنى القبول، ولقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني:(إنما قال: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)، ولم يقل: بتقبل حسن؛ للجمع بين الأمرين التقبل الذي هو التدرج في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة).
هذا هو قبول النَّذر، أما إجابة الدعاء وهو ألا يمسها الشيطان - أو لَا يكون له سلطان عليها؛ لأنها من عباد الله المخلصين، فقد بينه الله تعالى بقوله: (وَأَنْبَتَهَا
نَبَاتا حَسَنًا) أي أنشأها برعايته ومحبته وحَصَّنها، وكانت حالها كالنبات ينبته رب العالمين فينمو يوما بعد يوم حتى يستوي على سوقه، فكذلك كان مع مريم: تولى رعايتها من المهد، وغذاها بغذاء من الروح، فبعدت عن كل شر، وغذاها ونماها جسميا، فجعل لها رزقا مستمرا يأتيها من حيث لَا تحتسب، ولا يحتسب كافلها، أما التنشئة الروحية التهذيبية فقد كانت: بأن نشأت في بيت العبادة، وإن كان الكافل لها نبيا من الأنبياء، وأما الثاني فبالرزق المستمر كما أشرنا، وقد ذكرهما الله تعالى بقوله:
(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا):
(وَكَفَّلَهَا): أي ضمها إلى زكريا، لأن الكفالة في أصل معناها الضم، وقد ضمها إليه لتكون في رعايته، وكان ذلك بإرادة الله، ونتيجة اقتراع كان بينهم، ذلك بأن الصالحين من قومها تنازعوا فيمن يكفلها، فاقترعوا فكانت القرعة لنبي الله زكريا، ولذا قال سبحانه:(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، فكانت تلك القديسة الطاهرة في رعاية نبي، وتربت في مهد النبوة، لتكون هي وابنها آية للعالمين.
وأما كفالة الله تعالى لرزقها، فقد أشار إليها سبحانه بقوله:(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا) المحراب هو مقدم بيت العبادة، فكأنها كانت في عكوف دائم بالمسجد منذ غرارة الصبا، بل كان ذلك وهي بالمهد، والرزق كان يجيء من حيث لَا يحتسب كافلها، إما من هبات توهب لها، أو من فيوض الله تعالى عليها، وهو خالق كل شيء، فمن خلق من العدم كل هذه الموجودات قادر على أن يؤتي لهذه المصطفاة رزقا جاريا لَا يعلمه إلا هو، وهو على كل شيء قدير. ومن أنكر ذلك، فقد أنكر علم الغيب، وهذا التخريج الأخير هو ما نراه حقا، ولذا عجب زكريا منه، فقال سبحانه حاكيا عنه:
(قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) عجب نبي الله فقال: أَنَى لك هذا؟ أي من أَين لك هذا؟ فإن أَنَّى تكون بمعنى كيف، كما قال تعالى:(فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .)، وتكون بمعنى من أين، وهي هنا كذلك؛ عجب نبي الله من هذا الرزق، وما كان العجب إلا لأنه لَا يعرف لسببه، ولو كان يعرف أنها هبات تأتيها ما ثار عجبه، ولقد كانت إجابتها إجابة الربانيين الأبرار؛ (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ). أكدت أنه رزق الله، ولذلك أتت بالضمير، ثم أكدت ذلك بما يزيل العجب، فقالت:(إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقً مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي أن رزق الله كثير غير محدود بحد، ولا مقدر بقدر؛ ولذا لَا يحده الحساب، ولا تجري عليه الأعداد التي تنتهي. ويصح أن تكون هذه الجملة السامية من كلام الله تعالى لتقرير ما قالت، وبيان أن الله أجرى عليها الرزق لينمو جسمها مع نمو روحها، ويتم لها الإنبات الحسن في الجسم والروح معا، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* * *
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه قصة ولادة مريم، وفي هذه الآيات يقص ولادة يحيى، وإن ولادة مريم كانت ذات صلة وثيقة بولادة يحيى عليه السلام، وإنها تتجه نحو خوارق العادات أكثر من ولادة مريم وحالها. فالقصص الأربع تتدرج في خوارق العادات، تبتدئ بالقريب من الألوف تم تنتهي بخوارق لم يكن للناس بها عهد من قبل.
وانتهينا في قصة مريم البتول إلى أن نبي الله زكريا كفلها، وأنها تربت منذ صغرها في المسجد، بيت الله المقدس، وأن الله أفاض عليها بالخير والنعم الظاهرة والباطنة، فملأ قلبها إيمانا وروحانية، وغذاها بلبان العرفة، وبغذاء مادي طيب.
ولقد كان زكريا، ومريم تدرج في مدارج الصبا، شيخا هرما يئس من الولاد، ولكنه عندما رأى مريم وتنشئتها على الإيمان والمعرفة ومحبة من الله تعالى، ورآها ترزق بغير حساب، ورأى منها مع صغر السن نجابة وتفويضا وإيمانا راسخا، حنَّ إلى الولد حنينا، ورغب في الذرية، وكان بين حالين متناقضتين: حال تلك الرغبة وعدم اليأس من رحمة الله القادر على كل شيء، وحال الكبر الذي أصابه، والشيخوخة الفانية التي هو فيها، ولكنه قد تحرك فيه عامل الرغبة عندما تكلم مع مريم في المحراب يسائلها عما عندها من رزق كلما دخل عليها،؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في قصته.
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) ففي هذه الحال التي رأى فيها مريم تغلب فيه جانب الرجاء على جانب اليأس، ولذا قال تعالى:(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) أي في هذا المكان وهو المحراب الذي كان يلتقي فيه بمريم الفينة بعد الفينة، ويسائلها فيه، وتتكلم بلسان البر والتقوى، تحركت غريزة الأبوة في ذلك المكان المقدس، فدعا ربه. والتعبير بدعا ربه إشارة إلى شعوره بقدرة الله تعالى على كل شيء، إذ هو ربه الذي ذرأه ونماه صغيرا، حتى بلغ أشده ثم تولاه حتى بلغ من الكبر عتيا، فقد اتجه إذن في دعائه إلى الرب القادر العليم الذي أبدع كل شيء على غير مثال سبق، قال:(رَبِّ) أي
خالقي الذي خلقني، وخلق كل شيء من طين، وصدر عنه كل ما في الوجود بإرادته العالية:(هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ) أي أعطني أنت عطاء كريما لَا سبب له إلا إرادتك، ولا باعث عليه إلا رحمتك، فلا يكون الأمر فيه جاريا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، إنما يكون على مقتضى الهبة المجردة، والعطاء الخالص الذي لا سبب له إلا إرادتك الأزلية وإلا رحمتك:(مِن لَّدُنكَ) أي من عندك، أي السبب يكون من عندك لَا من عندي، لأن الأسباب عندي قد زالت، ولم يعد إلا سبب منك، وإلا معجزة تكون فيها المانح المعطي من غير أي علة أو ترتيب.
والتعبير بـ (لَّدُنكَ) التي لَا تكاد تستعمل في القرآن إلا في جانب الله تعالى يفيد العندية العالية السامية، لَا العندية القريبة المقارنة، ولا العندية المقاربة.
ودعاء نبي الله أن يهب له ذرية طيبة، فلم يذكر الله سبحانه عنه في هذه الآية سوى أنه يطلب ذرية طيبة، والذرية قد بينا معناها من قبل. والطيبة: هي الذرية الحسنة المرغوب فيها التي تكون ذات أثر طيب، لأن الطيب هو الأمر الحسن المحبوب المرغوب فيه الذي لَا ينتج إلا خيرا، ويأتي بخير الثمرات وأحسن النتائج، ومن ذلك قوله تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا. . .).
وبعد أن ضرع هذه الضراعة بدأ رجاؤه في الإجابة بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي إنك تعلم بدعائي علم من يسمع، وإن الأمر إليك إذ علمته وسمعته؛ فإن أجبت فبرحمتك، وإن لم تجب فبحكمتك، فأنت العليم الحكيم، والرحمن الرحيم. والصيغة تفيد قرب الرجاء وإمكان الإجابة. وفى هذه السورة لم يبين سبحانه شكل الدعاء أكان جهرا أم كان خفيا، وفى سورة مريم بين حاله، وبين نوع ما يطلب من الذرية.، فقال سبحانه:(كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي
خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) وفى هذا النص الكريم يتبين أنه مع رجائه كان يذكر شيخوخته الفانية، وكون امرأته عاقرا لَا تلد، ومع ذلك تغلب عليه جانب الرجاء، فدعا ذلك الدعاء، وضرع إلى الله تعالى تلك الضراعة، وقد أجاب الله تعالى دعاءه فور طلبه؛ ولذا قال سبحانه:
(فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) والتعبير بـ " الفاء " يفيد أن النداء كان في زمن قريب من الدعاء. وهنا ثلاث نقط نريد أن نوضحها بعض التوضيح:
أولاها: في النداء ونسبته إلى الملائكة، فهل خاطبه بهذا عدد منهم؛ لقد أجاب المفسرون عن ذلك بجوابين؛ أحدهما: أن الذي ناداه هو جبريل الذي ينزل بالوحي على النبيين، ولقد قال في ذلك التفسير ابن جرير الطبري " يقال خرج فلان على بغال البريد، وإنما ركب بغلا واحدا، وركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال: ممن سمعت هذا؟ فيقال: من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد، وقد قيل إن منه (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. . .)، والقائل فيما ذكروا كان واحدا ".
هذا توجيه من قال إن المراد جبريل. وفي ذكر الملائكة بالجمع إشارة إلى الجنس، أي أن الله سبحانه كان من رحمته به أن أجاب دعاءه، وسارع بتبشيره بإجابته، وكانت الإجابة بملائكته، وإن كان المبلغ واحدا.
وأما التخريج الثاني: فهو أن المراد الجمع من الملائكة؛ لأن من كمال عناية الله تعالى بعباده أن ألقى إليه بالبشرى عدد كبير من الملائكة لَا واحد منهم، وهذا ما رجحه ابن جرير، ولذا قال: " والصواب من القول في تأويله أن يقال إن الله جل ثناؤه. أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أن جماعة الملائكة دون الواحد، وجبريل واحد، فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر
من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل، ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفي من الكلام والمعاني " ولا شك أن العدد فيه مبالغة بالتبشير، وكأن حال هذا النبي الكريم في يأسه من الولد لشيخوخته الفانية وكون امرأته عاقرا وعجوزا، كان يحتاج فيها إلى عدد من المبشرين ليزول من نفسه كل يأس، ويحل محله الرجاء.
النقطة الثانية: أن النداء الذي وجهته الملائكة كان وهو قائم يصلي في المحراب، فهو في وقت مواجهته لربه، ومناجاته لخالقه، وإنه بابتداء القول بالفاء الدالة على التعقيب من غير تراخ، وكون خطاب زكريا لمريم كان وهو في المحراب، وأن الدعاء كان وهو في المحراب، يتبين أن إجابة الدعاء كانت فور الدعاء، فهو قد ضرع إلى الله خالص النية، طاهر النفس والحس فأجاب الله دعاءه على سنته في إجابة المهديين من خلقه دعاءهم، كما قال تعالى:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهنَّمَ دَاخِرِينَ).
النقطة الثالثة: في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) وهنا قراءتان في أن، إحداهما بالكسر على تضمين النداء معنى القول، أي فنادته الملائكة قائلين إن الله يبشرك بيحيى، والفتح على أن الباء محذوفة والتقدير فنادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى، واقتران التبشير بالتسمية بيحيى للإشارة إلى أن ذلك المولود سيحيى اسمه وذكره بعد موته، وبذلك تتحقق الإجابة الكاملة للدعاء، إذ قال كما في سورة مريم (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6).
وقد أجاب المولى القدير كل دعاء زكريا، فكان المبشر به رضيا في خلقه ودينه؛ ولذا قال سبحانه في وصفه:
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) وصفه الله سبحانه وتعالى بصفات أربع كلها بجعل من الله وتكوينه وخلقه: وأولى هذه الأوصاف:
أنه كان مصدقا بكلمة من الله، وتصديقه بكلمة من الله اختلف المفسرون في تحرير معناها، لاختلافهم في معنى:" كلمة "، فمنهم من اتجه إلى أن كلمة الله هو المسيح عيسى ابن مريم، ما قال تعالى من بعد ذلك لمريم:(ويَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمَ. . .)، ويكون المدح في يحيى حينئذ بأنه صدق عيسى وأذعن للحق إذ تبين له، فلم يكن من المعاندين الذين يجحدون بآيات الله تعالى، ويكفرون ببيناته، وسمي عيسى " كلمة من الله " من الله، لأنه نشأ بكلمة منه سبحانه، ومن المفسرين من قال إن المراد من كلمة الله تعالى كتابُه؛ وذلك لأنه تطلق الكلمة ويراد منها الكلام، وذلك من هذا القبيل، والظاهر عندي هو الأول؛ لأنه في هذا المقام ذكرت كلمة الله على أنها المسيح عليه السلام، والاسم المكرر في مقام واحد تكون فيه وحدة المقام دليلا على وحدة المسمى. وكان في هذا التعبير إيذان بأن ولادة المسيح ستكون قريبا من ولادة يحيى وفيه إيماء إلى أن زكريا نبي الله قد أوتي علما بأن المسيح عهده قريب.
والوصف الثاني من أوصاف يحيى: أنه سيد، والسيد فيْعل من السيادة، وهي الشرف والتفوق والعلو، وتبتدئ السيادة بسيادة الإنسان على نفسه بأن يملك زمامها، ويضبطها ويأخذ بعنانها، فلا تذل، ولا تتكبر ولا تجمح، ولا يزال يترقى في معنى السيادة من ضبط النفس والعلو عن سفساف الأمور، والاستغناء عما في أيدي الناس حتى يفوق الناس. وإنه يروى أن أعرابيا مرَّ بالبصرة، فسأل من سيد هذا المصر؟ فقيل له: الحسن البصري فقال: وبم ساده؟ قيل استغني عما في أيدي الناس، واحتاج الناس إلى ما في يده، فقال: ذلك هو السيد حقا.
فكلمة السيد في النص القرآني الكريم تتضمن كل معاني السؤدد ومكارم الأخلاق.
والوصف الثالث: أنه حصور. وأصل الحصر معناه الحبس، والمراد أنه حبس نفسه عن الشهوات، حتى لقد روى أنه امتنع عن النساء زهادة واستعفافا، واتجاها إلى الروحانية. وقيل إنه كان لَا يأتي النساء عجزا، وذلك غير صحيح، والحق أنه
إن كان قد امتنع عن النساء فعن قدرة واختيار لَا عن عجز؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ساق ذلك الوصف في مقام المدح والثناء، ولا يتحقق معنى المدح والثناء إلا إذا كان فيه اختيار، ولم يكن عجزا وجبرا. ولأن " حصور " صيغة مبالغة لحاصر، أي أنه يبالغ في منع نفسه من الشهوات.
وليس في النص ما يدل على أنه امتنع عن النساء بخاصة، بل النص يدل على أنه حبس نفسه عن الشهوات، وقدعها عن أهوائها.
الوصف الرابع: أنه نبي من الصالحين، وفي هذا بشارة أخرى لزكريا بأن الله سيختار ابنه نبيا؛ فإن الأوصاف السابقة فيها إجابة لدعائه، ولكن الله سبحانه وتعالى مَنَّ عليه بأعظم مما دعا به، وأعطاه النبوة وقوله (مِّنَ الصَّالِحِينَ) إشارة إلى موطن النبوة. وموضع اختيارها، والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وهو سبحانه وتعالى لَا يختارهم إلا من الصالحين، فالله سبحانه يقيهم الانغماس في الشر قبل النبوة، ويعصمهم عن المعاصي بعدها.
استمع زكريا إلى تلك البشارة الإلهية، فاعتراه العجب، لما كان يتنازعه من عامل الرجاء وعامل اليأس، فقال:
(قَالَ رَبّ أَنَّى يَكُون لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ).
(أَنَّى) هنا بمعنى " كيف "، فهو يعجب من الحال، ولا يصح أن تكون بمعنى " من أين؟ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه سيعطيه الولد، فلا يليق أن يسأل من أين، إنما العجب من حال العطاء مع حاله هو وامرأته؛ ولذا كانت الجملة من بعد ذلك جملة حالية صُدِّرت بواو الحال، فقال:(وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) كان وجه العجب من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه شيخ فانٍ قد أصابه الكبر بما فيه من ضعف، والثانية أن امرأته عاقر لَا تلد، والعقر يوصف به الرجل والمرأة، فيقال رجل عاقر، وامرأة عاقر أي بينة العقر، والعقر مصدر عَقَرَ يعقر عُقْرا ويظهر أن امرأته مع شيخوختها كانت عقيما لَا تلد، فكان العجب إذن من ثلاث نواح: شيخوختهما، وعقرها. وقد عبر عن شيخوخته بقوله:(وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) ولم
يقل قد بلغت الكبر وهو الظاهر، ولكنه عدل هنا للإشارة إلى أن الكبر قد أصابه بضعفه وما فيه من آلام وأسقام وضعف. ويقول في ذلك الزمخشري:(وقد بلغني الكبر كقولهم أدركته السن العالية، والمعنى أثر فِيَّ الكبر فأضعفني) وعلى ذلك يكون قوله تعالى: (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) يتضمن بلوغ الشيخوخة، وأنها أوجدت فيه ضعفا وعجزا، ويكون هذا في معنى قوله تعالى في سورة مريم حكاية عن زكريا:(وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا).
وقد أجابه سبحانه وتعالى بما يزيل عجبه، ويمنع حيرته؛ وذلك بأن بين أن الله تعالى فوق السنن الكونية وفوق الأسباب في الخلق؛ لأنه خالق الأسباب؛ فقال تعالى:
(كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي مثل ذلك الذي رأيته من أن يكون لك وأنت شيخ وامرأتك عاقر، يفعل الله تعالى ما يشاء، أي أن الله سبحانه يفعل بمشيئته واختياره غير مقيد بالأسباب والمسببات والعادات وأحوال الناس؛ لأنه سبحانه وتعالى خالق الناس، وخالق الأسباب، وخالق مجارى العادات التي تجري بينهم. فالإجابة لَا تتضمن فقط إزالة تعجب زكريا عليه السلام بل تتضمن مع ذلك تقرير قضية عامة، وهو أن الله يفعل ما يفعل باختياره وإرادته غير مقيد بأي قيد إنه سبحانه فعال لما يريد.
ولماذا كان ذلك الخارق، وما يجيء بعده؟ الجواب عن ذلك: أن هذا لأن بني إسرائيل كانوا لَا يؤمنون إلا بالجسد، إذ كانوا يفسرون كل شيء تفسيرا ماديا، وقد سادت عندهم الفلسفة المادية، وكثر بينهم القول بأن الأشياء تنشأ عن العقل الأول نشأة المسبب عن السبب أو المعلول عن علته، فكان لابد من صادع يقرع حسهم بحادث من هذا الصنف الذي تتخلف فيه فلسفتهم، فيوجد المسبب من غير سبب فيدل هذا على أن المنشئ فاعله مختار يفعل ما يريد، وهو اللطيف الخبير؛ ولذا قال سبحانه (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء).