المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ويدخل في العهود ما أودعه الله سبحانه قلب كل إنسان - زهرة التفاسير - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

الفصل: ويدخل في العهود ما أودعه الله سبحانه قلب كل إنسان

ويدخل في العهود ما أودعه الله سبحانه قلب كل إنسان من إدراك للحق، وفهم له وإدراك لمعنى الدليل، فإذا لم يذعن له ويعلنه لَا يكون موفيا للعهد.

الوصف الثاني المستوجب لرضا الله ومحبته - هو التقوى بأن يشعر بحق الغير عليه ويؤمن به، ويجعل بينه وبين الاعتداء أيا كان نوعه وقاية.

هذان هما الوصفان اللذان يستوجبان محبة الله تعالى، وقد خلا اليهود منهما، فليسوا من محبة الله في شيء، وإن هذين الوصفين متداخلان فالوفاء بالعهد داخل في التقوى، ولذلك قال سبحانه في جزاء الوصفين معا:(فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) أي من أوفى بعهده واتقى فقد استحق محبة الله، لأن محبة الله تعالى لَا يعطيها إلا لأهل التقوى الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله تعالى وقاية، فيوفون بالعهد ويعطون كل ذي حق حقه، ويخشون مقت الله وعذابه، وأن الذي يسهل عدم الوفاء بالعهد أعراض الدنيا، وهي ثمن لَا يساوي شيئا في جانب عدم رضا - الله تعالى؛ ولذا قال سبحانه:

* * *

ص: 1284

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

(77)

* * *

أي إن الذين يتركون عهد الله تعالى في مقابل عرض من أعراض الدنيا يستبدلون ثمنا قليلا بأمر جليل إذ إن من يترك عهد الله الذي عاهد الناس عليه ويمين الله التي وثق بها ذلك العهد يفقد ثقة الناس، ومن فقد ثقة الناس لا يأمنونه، وتلك خسارة كبيرة، وإذا فقد المجتمع الثقة بين آحاده صار كل واحد ينظر إلى الآخر كما ينظر الوحش إلى فريسته، فيذهب الاطمئنان، فتكون الجماعة كقطيع من الذئاب.

وعهد الله تعالى يشتمل معنيين: أحدهما ما التزمه بمقتضى فطرته والتكاليف الدينية والمدارك العقلية من أداء الحقوق والواجبات ومراعاة الأمانات، والثاني ما يعطيه هو من عهود يذكر فيها اسم الله تعالى، ويوثقه بيمين الله تعالى أو لا يوثقه. وإن تراث هذه العهود له أثر في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فالنبذ والطرد. وأما أثره في الآخرة، فذكر سبحانه بعضه بقوله: (أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ

ص: 1284

فِي الآخِرَةِ) أي أولئك الذين ينكثون بالعهود ولا يحترمون يمين الله لَا نصيب لهم في الآخرة من ثواب، ولكن مغبتهم حساب وعقاب، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أربعة أنواع من الجزاء تنالهم أولها: أن الله لَا يكلمهم، وهذا كناية عن عدم محبته، لأن المحب مقبل على حبيبه، متحدث إليه، ومن فقد محبة الله فقد فقد معنى الوجود، وثانيها: أنه لَا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يرعاهم، لأنهم إذا فقدوا النظر إليهم منه سبحانه فقدوا كلاءته وحمايته، فعدم النظر كناية عن أنه لا يحميهم من العقاب، ولا ينزل بهم نعيما، والنوع الثالث: أنه لَا يزكيهم، وذلك كناية عن عدم رضاه سبحانه، لأن من يرضى عن شخص يزكيه ويطريه ويثني عليه. والجزاء الرابع الذي هو نتيجة ما سبق من بغض الله، وسخطه، ومنع حمايته هو أن لهم عذابا مؤلما:

اللهم قنا عذاب النار، وامنحنا رضاك واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين.

* * *

(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)

* * *

ص: 1285

بين الله سبحانه وتعالى في الآيات السا بقة كذب اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم والذين سبقوه، ومن جاء بعد هؤلاء وأولئك، كيف كانوا يكذبون في الوقائع البدهية، فَيدَّعون أن إبراهيم أبا الأنبياء كان يهوديا أو نصرانيا وكيف كان اليهود وغيرهم يدعون أن هداية الله حكر احتكروه، وهي في حِرْزهم لا تخرج عنهم إلى غيرهم، وقد اندفعوا إلى النفاق بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، ثم اندفعوا إلى خيانة الأمانات المادية، وأكل أموال الناس باسم أنهم الصنف الممتاز في هذه الأرض الذي يباح له كل شيء. وفي هذه الآيات التي نتكلم الآن في معانيها السامية قد أعظموا في البطلان كما يحكي رب العالمين، فكذبوا على الله تعالى، وهذا الكذب هو أصل الداء، وأبعد غايات الافتراء، كذبوا على الله فحرفوا الكتاب، وقرءوا أهواءهم على أنها من عند الله، وما هي من عند الله، وعلى أنها من الكتاب وما هي من الكتاب ولذا قال تعالى:

ص: 1286

(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ منَ الْكِتَابِ) هذا من عدل القرآن الكريم في حكمه على الطوائف والجماعة، لَا يعمِّم الحكم على الجماعة كلها، ولكن يخص بالذكر الذين ارتكبوا ابتداءً كِبرَ الشر، وإن عم ضلالُهم من بعدُ الطائفة كلها، ولهذا نسب التحريف ابتداء إلى طائفة منهم، وإن كان الضلال شاملا.

ولَيُّ اللسان معناه، فتْلُه عند النطق لتوجيه الكلام نحو معنى لَا يقصد من ظاهر اللفظ، وهذا يشمل معاني كثيرة، فيشمل إخفاء بعض الحروف عند النطق بكلمة، فيتغير المعنى، كمن يقول:(السلام عليكم) فيخفي (اللام) فتصير الكلمة " السام عليكم " ويكون المعنى مناقضا للمعنى الأصلي، إذ السلام هو: الأمن، والسام هو: الموت، والأول دعاء له، والثاني دعاء عليه، ومن اللَّي، أن يغير لفظا بلفظ آخر، ويومئ اللفظ الثاني إلى معنى غير المقصود من الأول، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن بعض أهل الكتاب: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ

ص: 1286

وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ. . .)، فكان لَيُّ اللسان أن استعملوا كلمة (راعنا) بدل كلمة (انظرنا) وكلمة راعنا - في لغة السريان والعبرانيين - للسب، فهم باختيارها يشيرون إلى معنى السب في هاتين اللغتين، وبذلك يطعنون في الدين، ويسبون النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لي اللسان، أن تقرأ عبارات في الكتاب بنغمته، وهي ليست منه. ومِنَ اللَّي المعنوي، تحريف المعاني بتوجيهها إلى غير المراد منها.

وبهذه الأنواع الأربعة كان بعض اليهود والنصارى يلوُون ألسنتهم بالكتاب أي عند قراءته و " الباء " في قوله تعالى: بـ (الْكِتَابِ)؛ بمعنى " في " فهم ينظرون إلى الصحائف التي تحوي التوراة، ويقرءون غير ما فيها بليِّ ألسنتهم إما بحذف حروف يغير المعنى حذفها، أو بتغيير كلماتها، أو بقراءة كلام غيرها بنغمتها وتجويده، أو بتحريف معانيها، ليتجهوا إلى معان ليست فيها؛ وليس شيء من هذا في الكتاب الذي يوهمون سامعيه أنه منه، وليس منه، وبذلك ضلُّوا وأَضلُّوا كثيراً، وضلُّوا عن سواء السبيل، وإن ذلك هو أصل الشر فيهم، وأصل فساد الاعتقاد عندهم.

والضمير في قوله سبحانه: (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) وفي: (وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ) يعود إلى ما لوَوْا به ألسنتهم؛ وتكرار الكتاب في النفي.، لبيان شدة براءة الكتاب المنزل على موسى وعيسى عليهما السلام مما يدعون ويفترون.

(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في هذا النص السامي بيان مدى الخطورة في لَي ألسنتهم بالكتاب، وإيهام الناس أن ما يقرءون وما يقولون من كتاب الله حتى يحسبه الناس كذلك، فإنهم إذْ يفعلون ذلك ينسبون لله تعالى ما لم يقله فيقولون: إن كلامهم هو من عند الله، وليس من عند الله، وذكر " هو " في كلامهم يفيد إصرارهم على ما يدعون مع علمهم بأنهم يكذبون ويفترون وذكره في نفي ادعائهم لتأكيد هذا النفي، وبيان أنَه منصبٌّ على كلامهم، لَا على أصل الكتاب، ويقول الزمخشري في قوله تعالى:(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ)

ص: 1287

تأكيد لقوله (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودليل على أنهم لَا يعرِّضون، ولا يورون، وإنما يصرحون بأنه في التوراة هكذا، وقد أنزله الله تعالى على موسى عليه السلام كذلك؛ لفرط جراءتهم على الله تعالى، وقساوة قلوبهم، ويأسهم من الآخرة. وقد سجل سبحانه وتعالى عليهم الكذب بقوله سبحانه:

(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) في هذه الجملة السامية بيان مقدار جرأتهم في الباطل، وكذبهم على الحق، فهم يكذبون على الله، وهم يعلمون أنهم كاذبون. وقد أكد سبحانه وتعالى شناعة تصوفهم وتبجحهم بأربعة مؤكدات:

أولها: أن كذبهم لم يكن تعريضا، ولا بلسان الفعال، بل كان بالقول الصريح.

وثانيها: أن المفترى عليه هو الله سبحانه وتعالى، فهم لَا يفترون على بشر مثلهم، ربما لَا يعلم افتراءهم عليه، بل إنهم يكذبون على علام الغيوب الذي يعلم ما تنطق به الألسنة وما تكنه القلوب، وإذا كانوا ينكرون علمه واطلاعه، فقد كفروا بهذا الإنكار قبل أن يكفروا بهذا البهتان.

وثالثها: أنهم يعلمون الحق، وينطقون بالباطل، ويعلمون حكم الله تعالى، ويكذبون عليه، ويتقولون الأقاويل، وهم يعلمون أنها غير صادقة.

ورابعها: أنه أكد علمهم بذكر الضمير، في قوله:(وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، أي: هم بأعيانهم وأشخاصهم يعرفون كذبهم، وذلك هو الضلال البعيد.

وإن أعظم فرية افتراها بعض أهل الكتاب هي ادعاؤهم أن بعض النبيين دعوهم إلى أن يعبدوهم من دون الله تعالى، أو يتخذوهم أربابا، ولقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه الفرية العظيمة ببيان أنها غير معقولة في ذاتها، وأعظم الافتراء ما كان منافيا لطبيعة من ينسب إليه؛ ولقد قال تعالى في بطلان هذه

ص: 1288