المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء بطانة لهم، حتى - زهرة التفاسير - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

الفصل: واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء بطانة لهم، حتى

واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء بطانة لهم، حتى لَا يمكنوهم من دخائل أمورهم، فيكون سر المسلمين مكشوفا، وأمر هؤلاء مستورا.

* * *

ص: 1385

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا

(120)

* * *

هذه صورة واضحة لأنهم لَا يحبون المؤمنين، ويغيظهم صلاح حال المؤمنين، وإمداد الله تعالى بالنصر لهم، والمعنى إن أنزل الله لكم نعما ونصرا وأمرا حسنا نافعًا في ذاته ويحسن في نظركم وينفعكم ساءهم ذلك، وأثار غيظهم وحسدهم، وإن نزلت بكم شديدة وأمر يسوء يفرحوا، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا، وقد عبر سبحانه وتعالى في جانب الحسنة بقوله:(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ) وفي جانب السيئة بقوله: (وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) للإشارة إلى تمكن الحقد والحسد في قلوبهم بحيث إن أي حسنة ولو مست ولم تغمر وتعم - تسؤهم؛ لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمن مهما ضؤل كالشأن في كل الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يفرحون بالمصيبة التي تمس، فإنها لَا تشفي غيظهم بل لَا يفرحون إلا بالمصيبة التي تغمر وتعم وتستمر.

وإن هذا كله يدل على أنهم يكيدون للمؤمنين ويبالغون في الكيد لهم، وإن دفع هذا الكيد يستدعي الصبر والتقوى، ولذا قال سبحانه:(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئً).

أي وإن تصبروا، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا في محبة من لَا يستحق المحبة، وتتحملوا مشاق التكليفات، وتقاوموا العداوة بمثلها، وتردوا اعتداءهم بمثله، وتتقوا الله تعالى، وتتقوا أذاهم، فلا تتخذوا منهم بطانة - إن فعلتم ذلك لا يضركم كيدهم وتدبيرهم السيئ شيئا من الضرر مطلقا، وإن لم تفعلوا ذلك فلم تأخذوا حذركم منهم، وسهلتم دخول الغفلة عليكم، ولم تضبطوا أنفسكم عن محبتهم، فإنهم يستمكنون منكم بكيدهم، ولا منجاة لكم من شرهم.

وقد قُرئ قوله تعالى: (لَا يَضُرُّكُمْ) بالضم على أن ذلك من قبيل التخلص من التقاء الساكنين بالضم، فإن الفعل مجزوم، فيفك الإدغام، ويتخلص

ص: 1385

من التقاء الساكنين بالضم أو الفتح، وقد قرئ بالفتح، كما قرئ (لَا يَضِرْكُمْ) من ضار يضير بمعنى ضر يضر.

(إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ذَيَّلَ الله سبحانه الآية بهذا النص، ليطمئن

المؤمنين ويهدد الكافرين، فالمعنى: الله تعالى محيط بما يعملون إحاطة علم وإحاطة قدرة، وإحاطة العلم فيها بيان أنه لَا تخفى عليه خافية من كيدهم، وإحاطة القدرة مؤداها أنه محبط كل ما يدبرون (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ). هذه وصايا الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالنسبة لسياسة أمورهم مع مخالفيهم، يحترسون منهم، ولا يفرطون في الثقة بهم، فلا يتخذوا منهم بطانة وخاصة، وإلا كان الدمار والبوار والخبال، وهكذا نحن الآن، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا.

* * *

(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)

* * *

في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى ما بيته أعداء المسلمين من خبال وأذى ينزلونه بهم إن اتخذوا منهم بطانة يلقون إليهم بالمودة ويكشفون سرائرهم لهم، وبين أن أولئك المنافقين تسوءهم مصلحة المؤمنين، وتسرهم مساءتهم، وأنه

ص: 1386

لا علاج إلا أن تحذروهم وتصبروا عليهم، وتتقوا الله تعالى، وتصونوا أنفسكم عن تمكينهم من الأذى، وفي هذه الآيات يشير سبحانه إلى بعض صنيعهم في شديدة للمسلمين، وكيف كانوا يبثون الشك والفوضى في نفوس المجاهدين، مما جعل بعضهم يفكر في أن يفشل ويعجز وتخور عزيمته، ولقد أشار سبحانه في ذلك إلى غزوة أحد وغزوة بدر، فقال سبحانه:

ص: 1387

(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) هذه الآية وما تليها نزلت في غزوة أحد، إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في السحر من السابع من شوال في السنة الثالثة من حجرة عائشة، وأخذ يصف المؤمنين للقتال، ويقف كل فريق منهم في موقفه، وقد جعل الرماة من وراء المقاتلين، وأمرهم بأن يكونوا وراء ظهور المقاتلين ينضحون عنهم بالنبل، وقال لأميرهم:" انضح الخيل عنا بالنبل لَا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لَا نؤتين من قبلك " وأمر الجيش كله ألا يتحرك إلا عندما يأذنه بالحركة، حتى إن أحد الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرَّحت أفراسها وإبلها في زروع المسلمين، وقال:" أترعى زروع بني قيلة (يعني الأنصار) ولما تضارب ".

وهذا مؤدى قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) ومعنى غدوت: أصبحت مبكرا مسارعا إلى تنظيم جيش المؤمنين جيش الله تعالى، والغدوة والغداة أول النهار، ويذكر الغدو والغداة أول النهار، ويذكر الغدو مقابلا بالآصال أي وقت العصر وقبل المغرب، ومن ذلك قوله تعالى:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36).

وقوبلت الغداة بالعشي، ويطلق الغدو على الذهاب ويكون مقابلا للرواح، ومن ذلك قوله تعالى في الرياح:(غذوّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. . .)، وذلك لأن الذهاب عادة يكون في البكور، وتبوئ معناه تسهل وتنظم وتثبت، وأصله من البواء وهو مساواة الأجزإء في المكان، وبوأت له مكانا سويته، ومن ذلك قوله تعالى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى موسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكمَا بِمِصْرَ بيُوتًا. . .).

ص: 1387

وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: (تُبَؤِئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أي تسوي لهم بالتنظيم والترتيب مقاعد للقتال، فهي إذا تتضمن معنى التنظيم والتهيئة والاستعداد، ولقاء المشركين صفا واحدا، كأنهم بنيان مرصوص.

وهذا التنظيم إنما هو بيان مواقف القتال، وموضع كل فريق في الموقف الذي يقفه، ولكن النص السامي الكريم قال:(مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) فعبر عن المواقف بالمقاعد للإشارة إلى وجوب الثبات والسكون، حتى لَا يتحركوا إلا بأمر من القائد الأعظم وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان الثبات سبب النصر في غزوة أحد، والهزيمة كان سببها عدم الاستمرار في البقاء في مواقفهم، ذلك أن الرماة عندما رأوا المؤمنين قد انقضوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين يقتلونهم ويزيلونهم عن مواقفهم، تركوا مواقفهم وذهبوا وراء المؤمنين يغنمون ويأخذون، فانقض عليهم من ورائهم فرسان المشركين، فتفرقوا، وهذا قوله تعالى:

(حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. . .)، ومن هنا كانت إصابة

المسلمين في موقعة أحد.

(وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ذَيَّلَ الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذا النص السامي لبيان أنه تعالى مطلع على ما كان يجري بين المؤمنين وبين النبي صلى الله عليه وسلم من مشاورات، وما استقر عليه رأى كثرتهم، ثم نزوله عليه الصلاة والسلام عند رأى الكثرة، ثم عدول الكثرة إلى رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قول النبي لهم معتزما إمضاء ما قرروا أولا، وإن كان غير رأيه الذي مال إليه، ليعلمهم أن التردد ولو للصواب المحتمل ضرره أكثر من المضي ولو في الرأي المحتمل للخطأ، فإن صواب الحروب وخطأها، لَا يتبين، وإن التردد فيها يقتل، والمضاء فيها ينصر، وبين بهذا التذييل أيضا أن الله تعالى عليم بخفايا القلوب، فهو يعلم ما تهم به قلوب المؤمنين، وما توسوس به قلوب المنافقين، وما يبثونه من روح الذعر والهلع في نفوس المؤمنين، وبحديثهم مستجابا في قلوب ضعفاء الإيمان، وهم الذين قال القرآن عنهم:(فِي قُلُوبِهِم مَّرضٌ. . .).

ص: 1388

ولقد علم الله ما كان من المؤمنين والمنافقين من مناقشات عندما ساور المدينة المشركون في العام الثالث، وأرادوا أن يثأروا من الدماء التي أصابتهم في بدر، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليستشيرهم في الأمر، أيخرجون إليهم، أم يبقون حتى يجيء العدو إليهم في الديار، فقال بعض المؤمنين:(أقم يا رسول الله بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين). وعارض ذلك الرأي الأكثرون ممن لم يحضروا بدرا فقالوا: (اخرج بنا يا رسول الله إلى هؤلاء الأكْلُب لَا يرون أنَا قد جَبُنَا عنهم). وما زال لم ولئك الذين لم يحضروا بدرا بالرسول حتى نزل عند رأيهم، وقد كان إلى الأول أميل.

وتركهم وعاد إلى أهله ليلبس لأْمَةَ الحرب، فتلاوم المسلمون فيما بينهم، وقال قائلهم: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه؛ فلما جاء إليهم الرسول قالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذو العزم:" ما كان لنبي لبس لأْمَتَه أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه "(1).

وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف، وكان مع المسلمين طائفة من المنافقين، على رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فرأى أن يحدث الخلل في الصفوف فرجع ومعه نحو ثلاثمائة ممن على شاكلته وضعاف الإيمان، وبرز تخاذله بأنه كان يرى ألا يخرج إليهم المؤمنون وأن يبقوا بالمدينة، ومنهم من زعم أنه لَا قتال، وقالوا:(لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ. . .)،

(1) جاء في البخاري في ترجمة " بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ). وأحمد: باقي مسند المكثرين (14260).

ص: 1389