المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ولكن مع هذا الظاهر روى ابن إسحاق عن ابن عباس - زهرة التفاسير - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

الفصل: ولكن مع هذا الظاهر روى ابن إسحاق عن ابن عباس

ولكن مع هذا الظاهر روى ابن إسحاق عن ابن عباس أنه قال اجتمعمت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله تعالى:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) الآية (1).

وسواء أكانت المحاجة مع النبي صلى الله عليه وسلم أم كانت فيما بينهم فإنها غير معقولة في ذاتها؛ ولذا وبخهم سبحانه وتعالى عليها بقوئه تعالت كلماته:

(أَفَلا تَعْقِلُونَ) هذا النص الكريم هو نتيجة لهذا الحكم الذي يتحاجون فيه، وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا؛ إذ أن ذلك هو حكم من لَا يعقل! ولذلك كانت الفاء التي تفيد السببية، وهو كون ما قبلها سببا لما بعدها، فتلك الحال التي هم عليها من الغرابة هي السبب في ذلك السؤال عن أصل عقلهم، وإدراكهم لمعناها.

والاستفهام إنكاري؛ فهو نفي لكونهم يعقلون في هذه الأمور التي يتجادلون حولها، وذلك يؤدي إلى السؤال عن أصل وجود العقل عندهم، وإن هذا النفي هو في ذاته توبيخ، وتنبيه إلى ما أدى إليه التعصب الأعمى الذي جعلهم لا يدركون الأمور على وجهها، وينسيهم البدهيات التي لَا تختلف فيها المدارك والعقول، حتى يكون أصل العقل عندهم موضع إنكار.

ولقد زكَّى سبحانه وتعالى ذلك التوبيخ، وهذا النفي ببيان مظهر آخر من مظاهر مخالفتهم لما يقتضيه العقل في أمر آخر، يتصل بهذه المسألة، وهو أنهم يجادلون ويتقدمون بالحجج في أمر ليس عندهم أصل العلم به؛ ولذا قال تعالى

* * *

(1) أخرجه البيهقي في الدلائل - أسباب النزول للسيوطي: آل عمران (65).

ص: 1262

(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ

(66)

* * *

أي أنتم معشر أهل الكتاب حاججتُم وبادلتم الحجة، سواء أكانت داحضة أم دامغة في أمر عندكم أسباب العلم به، سواء أكنتم تجادلون بمقتضى هذا العلم أم

ص: 1262

تخالفون مقتضاه، وتلوون منطقه، وتبعدون به عن الحجج، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وبيان ذلك أن اليهود والنصارى عندما كانوا يتجادلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما بينهم كانوا يتجادلون في أمرٍ أسباب العلم به قائمة حاضرة مهيأة وإن كانوا ينحرفون بها عن غاياتها، ويلوونها عن مقاصدها ومراميها تبعا لأهوائهم وشهواتهم، فكانت محاجة في أمر لهم به علم، وإن لم يسيروا على مقتضى أحكام العلم، أما جدلهم في كون إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، أو في كون النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث في المستقبل يكون عربيا أو عبريا فجدل ومحاجة في أمر لَا علم لهم به، وإن العاقل ينأى به عقله عن أن يجادل في أمر ليس عنده شيء من أسباب العلم به، ولكن هكذا يتردى أهل العقول عندما تنحرف نفوسهم إلى التعصب، فيتحكم الهوى في العقل.

وهنا مباحث لفظية:

أولها: أن الهاء المكررة في قوله تعالى: (هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ) هي هاء التنبيه، وتكرارها في موضع واحد للدلالة على غرابة ما هم عليه ومجافاته لكل تفكير ولكل عقل، وكيف دلاهم التعصب في هذا الانحراف الفكري.

وثانيها: أن " هؤلاء " إشارة إلى النصارى واليهود الذين قالوا في إبراهيم ما قالوا، وقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعده، فهي تتضمن الأحوال الغريبة التي كانت منهم، وأنها أدت إلى شذوذ عقلي آخر.

ثالثها: أن الزمخشري ذكر أن بعض العلماء قال هنا إن " هؤلاء " بمعنى " الذين " وإن هذا يفيد أن الذي أدى إلى ترديهم العقلي هو أنهم يتكلمون فيما يعلمون وفيما لَا يعلمون.

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ختم الله سبحانه وتعالى ببيان علمه تعالى المؤكد، فقرر العلم المطلق له سبحانه، ونفَى عنهم العلم في هذا المقام، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم حال إبراهيم عميه السلام، ويعلم الحق فيما يتحاجون به بعلم وبخير علم، ويعلم مَن الذي يكون أهلا لرسالته أيكون من

ص: 1263

العرب أم يكون من العجم؛ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وهو الذي يعلم بخفايا نفوسهم، والحقد الدفين فيها، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله. وقد قرر سبحانه أنهم لَا يعلمون، فقال:(وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فهم لا يعلمون حال إبراهيم عليه السلام ولا من هو أهل للرسالة؛ وليس من شأنهم أن يعلموا؛ لأنَّ أحقادهم تحول بينهم وبين أن يدركوا الذي عليه من يخالفونهم، فإنه لَا شيء كالحقد والحسد يحول بين المرء والإدراك السليم والعلم الصحيح.

اللهم رفقنا للحق، وهيى لنا أسباب العلم به، والإذعان له، فإن الهداية منك وإليك، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

* * *

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)

* * *

ذكر الله سبحانه وثعالى في الآية السابقة ما يشر إلى أن كلتا الطائفتين من اليهود والنصارى كانت تدَّعي أن دينها هو دين الله الخالص، وأنه دين النبيين جميعا، وأنه دين أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وأنهم ما غيروا وما بدّلوا، وكذلك كان يدّعي المشركون؛ لأنهم من سلالة إبراهيم عليه السلام، وحسبوا هذا

ص: 1264

يسوغ لهم ذلك الإدعاء؛ وقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام بريء من هذه النِّحَل؛ لأنه نبي الوحدانية، هادم الأوثان، وحاطمها، والذي تعرض للأذى بالنار لجرأته الكبرى عليها وعلى عُبَّادها، وما نجاه إلا الله، كما قال تعالى:(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، ولقد قال سبحانه في تقرير هذه البراءة من اليهودية والنصرانية والشرك:

ص: 1265

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وفي هذا النص القرآني الكريم نفي لوصف اليهودية والنصرانية عن خليل الله تعالى، ومرمى النص هو براءته منهم، وفي نفي الوصف على ذلك النحو توكيد لهذه البراءة، وتثبيت لهذه النزاهة؛ إذ إن المؤدى أنه لو كانت اليهودية أو النصرانية على ما هما عليه تنتمي إلى إبراهيم عليه السلام لكان متصفا بهما، وهو قد نزهه ربه عن أن يتصف بما عليه اليهود من ضلال؛ فنفَى وصف اليهودية عنه عليه السلام تضمن براءته منهم، وفيه التعريض بما فيهما من ضلال لَا يليق أن يلصق بنبي من أنبياء الله، والتنويه بشأن إبراهيم من أن يكون في مثل حمأة اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر سبحانه على سبيل الاستدراك وصفه الحقيقي، ودينه الحق فقال تعالى:(وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

فقد ذكر سبحانه في وصفه الحقيقي ثلاثة أوصاف تتنافى كلها تمام التنافي مع ما عند اليهود والنصارى، وهذه الأوصاف هي أنه: حنيف، ومسلم، وما كان من المشركين.

والوصف الأول وهو حنيف معناه: الميل إلى الحق وطلبه، والاتجاه إليه، وتحريه والاستقامة في الوصول إليه؛ ولقد قال الأصفهاني في مفرداته: " الحَنفُ ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف هو المائل إلى ذلك، قال عز رجل: (

قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا. . .)، وقال:(حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وجمعه حنفاء؛ قال عز وجل:

ص: 1265