الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار} دال على شمولية الخلق وفق المشيئة الإلهية التي لا اختيار معها، والنصف الثاني من الاية:{مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} دال في معناه المستنبط على أن لا خيار لمخلوق في خلق مع خلق الله ((1)) .
وقد دل العلم الحديث على إعجاز هذه الآية إعجازاً سبق القرن العشرين الميلادي بخمسة عشر قرناً، ونجد ذلك في النص الآتي الذي يحلل فيه أحد الباحثين هذه الآية:
" وفي القرآن الكريم آيه تفتح معانيها الظاهرة والباطنة (المعاني الكامنة) أعين المؤمنين والكافرين في الإعجاز الذي تُؤَوَّل وتؤُول إليه وهي: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ، أي: في الخلق والاختيار فيه، فقد دلت البحوث العلمية الأكاديمية أن لا إمكانية مطلقاً رغم كل التطور العلمي والتقني لاختيار خارجي في التكاثر والحمل والإنجاب، بعد أن أثبت العلم الحديث استحالة إيجاد خلق جديد من لا شيء سوى الانتخاب العلمي، وبهذا فإن الجملة وردت في آية قصيرة سبقت كل علوم الغرب الحديثة "((2)) . ونحن إنما نقلنا هذا النص استئناساً به في تحليلنا لعملية توجيه المعنى في سورة القصص.
المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها
في سورة القصص
وأثرها في تغيير المعاني
لاحظ القدماء أن الإعراب يدل على المعنى الكامن في الجملة لذلك جعلوا الإعراب كما يقول الدكتور ثروت سعيد:
(1) الجواهر في تفسير الَقُرْآن الكَرِيم. الشيخ طنطاوي جوهري. الطبعة الثانية. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. 1350 هـ: 13 / 45.
(2)
الَقُرْآن الكَرِيم والعلوم الطبية الحديثة. د. رشدي عبد الحميد. الطبعة الثانية. الدار العلمية. الكويت. 1416 هـ ـ 1996 م: ص325.
" باباً للولوج إلى باحة النص وضياءً ينير ظلمة المخفي، فالإعراب ليس كما فهمه بعض الناس أنه مجرد معرفةُ أماكن الرفع والنصب والخفض، بل هو في حقيقة الأمر مفتاح فهم النص وتأويله وشرحه "((1)) .
وقد اهتم القدماء من المفسرين بتوجيه إعراب سورة القصص نحو المبنى والمعنى، وخرجوا من ذلك بنتائج مهمة جداً على صعيد البلاغة والمعاني ((2)) .
ومن الملاحظ نحوياً أن سورة القصص نصّ متعدد المعاني، لذلك كان اختلاف القدماء والمحدثين في توجيه الإعراب أحد أسباب (ثراء النص المعرب) رغم إنهم أوجدوا مشكلاً في الإعراب ـ هكذا بزعمهم ـ ولكن كل ذلك كان في خدمة النصّ القرآني في سورة القصص في حد ذاتها ((3)) .
وفي ذلك يقول بعض الباحثين:
(1) أثر الإعراب في علم المعاني. د. ثروت أحمد سعيد. الطبعة الثانية. دار النشر الحديث. مصر. 1996 م: ص177.
(2)
راجع في إعراب سُوْرَة الْقَصَصِ نحوياً وبلاغياً لدى القدماء الكشاف: 3/164. البحر المحيط: ص104. ومن المحدثين، دراسات في أساليب القرآن الكريم: 5/35.
(3)
إعراب القرآن المنسوب للزجاج، أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، ت 311 هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الثالثة، دار الكتب اللبنانية، 1406 هـ ـ 1986 م.: 1/71، 1/123 و 2/433 و 3/802. البَيَان في غريب إعراب القُرْآن. أبو البركات الأنباري. ت 577 هـ. تحقيق: طه عَبْد الحميد طه. مراجعة مصطفى السقا. الناشر الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر. مصر. 1390 هـ. 1970 م: 2/329. مشكل إعراب القُرْآن. مكي بن أَبِي طالب القيسي أبو مُحَمَّد. ت 437 هـ. تحقيق: د. حَاتِم صالح الضامن. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط2. 1405 هـ: 1 /541.
" إن في سورة القصص مواطن أشكلت إعرابياً على بعض المعربين القدماء إلا أن ذلك الإشكال والاختلاف أثرى معاني الآيات، مما جعل المفسرين يستعينون بنتائج تلك الإشكالات الإعرابية في زيادة المعاني المؤداة. ومن ذلك اختلافهم في إعراب: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ((1)) ، فقد أشكل في النص إضمار الفاعل (وهو الله جل جلاله ، فأعرب بعضهم (نتلو) فعلاً مضارعاً وفاعله محذوف تقديره نحن، ولكن بعضهم أعربوا (نتلو) بأن فاعله ظاهر، لأنهم لم يستحلوا دينياً أن يقدروا حذف الفاعل في أول النص "((2)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 3.
(2)
المشكلات الإعرابية في النصّ الَقُرْآني. د. عماد علي خربوطلي. الطبعة الثانية. مؤسسة النشر الحديث. القاهرة. 1986 م: ص317.
وكل هذا أدى إلى أن تكون عملية إعراب كلمات آيات سورة القصص ذات خاصية استلهامية في توجيه معنى النص المعرب، مثل قوله تعالى:{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} ((1)) ((2)) ، فان الإعراب هو الذي كشف عن العائد إلى الضمير في {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي} هل هو الإسرائيلي أم هو المصري؟ فإن قوله:{بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} ، وهي جملة مكونة من (جار ومجرور للاسم الموصول ومبتدأ وخبره مرتبط ذلك كلّ بالجار والمجرور (لهما) ، وفاعل هو المراد معرفته) دلت على أن الثاني (أي المصري الآخر ليس هو الذي يدلّ عليه النص القرآني بصيغة (عدو لهما) أبداً بل هو الإسرائيلي نفسه ((3)) .
وفي ذلك يقول الدكتور عبد الله عبد الله:
(1) جامع البيان: 8 /218.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 19.
(3)
المعاني الكامنة في النصّ الَقُرْآنيّ. دراسة تحليلية. د. عَبْد الله عَبْد الله. الطبعة الأولى. الدار الجماهيرية. طرابلس. ليبيا. 1412 هـ:: ص318.
" إن استنباط المعنى من ذاتية الإعراب يفيد في فهم ذات الآية، وهو علم تنبه له القدماء إلا أنهم لم يطوروه بل نقلوا علم المعاني من علم النحو إلى علوم البلاغة، ولو أنهم أبقوهما سوياً لما اضطروا إلى التنازع في عائد الضمير في قوله تعالى في سورة القصص {عَدُوٌّ لَهُمَا} ، فلو أنهم أعربوه فاعلاً مقترناً جاره بضمير موسى والمصري، لتوصلوا إلى تحديد المراد من خلال دلالة الإعراب، وهناك آيات أخرى لا يمكن حل مشكلاتها المعنوية إلا بالعودة إلى الإعراب وتوجيه
المعنى " ((1)) .
وقد وجدنا كثيراً من الباحثين يقومون بإعادة إعراب سورة القصص (كاملة) ليستخرجوا من ذلك دواعي الظواهر التأويلية فافلحوا في ذلك ((2)) .
إن سُوْرَة الْقَصَصِ في حد ذاتها من السور القليلة التي تتميز بانسيابية المعنى الإعرابي، ويتواصل التوجيه النحوي ـ الإعرابي ـ كما تقدم أيضاً ـ لذلك قمنا في سياق الرسالة بإعراب كلّ مقطع من مقاطعها، ضمن فصله الخاص به، غير أنا في هذا المطلب قمنا بعملية توجيه نحوي للدلالة الإعرابية المختلف فيها بين بعض المفسرين ومشكلاتها لدى بعض المعربين لأجل فهم أدق لما يؤدي إليه اختلاف الإعراب من اختلاف في المعنى بين الإعراب القديم والتوجيه الحديث، ولم نذكر في توجيهها إلا ما يقتضيه السياق في بعض الآيات وفق ترتيبها في سُوْرَة الْقَصَصِ لأجل الاستفادة من دلالة الإعراب، وقمنا بذلك وفق التقسيم الآتي:
ذكر الآية أو بعض الآية موضع الخلاف الإعرابي.
(1) المعاني الكامنة: ص 321.
(2)
معجم مفردات ألفاظ الَقُرْآن. أبو القَاسِم بن حسين بن مُحَمَّد المعروف بالراغب الأصفهاني. ت 502 هـ. تحقيق: نديم المرعشلي. دار الفكر. بيروت. (د. ت) : ص506. إعراب القرآن وبيانه وصرفه، محيي الدين درويش. دار ابن كثير للطباعة والنشر. بيروت، لبنان. 1412 هـ.: 5/ 276.
ذكر رأي أو رأيين أو أكثر في الاختلاف في إعراب الآية.
توجيه الرأي المختار وفق تحليلنا.
وبذلك نكون ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ قد أتممنا الدلالات الإعرابية المختلف فيها.
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب القيسي: " (تلك) في موضع رفع بمعنى هذه تلك، و (آيات) بدل منها، ويجوز في الكلام أن تكون (تلك) في موضع نصب بـ
(نتلو) وتنصب آيات على البدل من (تلك) " ((2)) .
وقال القرطبي: " (تلك) في موضع رفع بمعنى هذه تلك، و (آيات) بدل منها، ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ (نتلو) ، و (آيات) بدل منها أيضاً، وتنصبها كما تقول: زيداً ضربت. و (المبين)، أي: المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص
الأنبياء، ونبوة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم " ((3)) .
وقال محي الدين درويش: " (تلك) مبتدأ، و (آيات الكتاب المبين) خبرها "((4)) .
وقال محمود صافي: " وجملة (نتلو) لا محل لها، استئناف بياني، أو في محل رفع خبر المبتدأ (تلك) ، والرابط مقدر، أي: نتلوها
…
و (آيات) بدل من الإشارة، أو هي خبر ثان
…
ويجوز أن تكون في محل نصب حال من (آيات) والعامل الإشارة " ((5)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 2.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 541.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن (المعروف بتفسير القرطبي) أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد القرطبي. ت 671 هـ. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد عَبْد العليم البردوني. مركز تحقيق التراث. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1978 م: 6/ 4963.
(4)
إعراب القرآن وبيانه وصرفه: 5/ 278.
(5)
الجدول في إعراب القُرْآن وصرفه وبيانه. محمود صافي. الطبعة الأولى. دار الرشيد. دمشق. 1991 م: 20/ 221.
إن الاختلاف بين المعربين أدى إلى أن يكون إعراب كلمة (تلك) بكونها مرفوعة دال على الثبات لآيات الَقُرْآن الكَرِيم التي أنزلت، أما إعرابها منصوبة بالفتحة بتقدير: أعني، فهو تكلف لا يضيف إلى المعنى شيئاً.
{نَتْلُوا عَلَيْكَ} ((1))
قال العكبري: " مفعوله محذوف دلت عليه صفته، تقديره شيئاً من نبأ موسى، وعلى قول الأخفش (من) زائدة و (بالحق) حال من النبأ "((2)) .
وقال السمين الحلبي: " ويجوز أن يكون مفعوله محذوف دلت عليه صفته، وهي (مِنْ نَبَإِ مُوسَى) ، ويجوز أن تكون (من) مزيدة، أي: نتلو عليك نبأ موسى. (وبالحق) يجوز أن يكون حالاً من فاعل (نتلو) أو من مفعوله، أي: متلبسين أو ملتبساً بالحق، أو متعلق بنفس (نتلو) يعني نتلوه بسبب الحق "((3)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 3.
(2)
التبيان في إعراب القُرْآن. محب الدِّيْن عَبْد الله بن أَبِي عَبْد الله الحسين بن أَبِي البقاء عَبْد الله بن الحسين العكبري أبو البقاء. (538 ـ 616) . تحقيق: عَلِيّ مُحَمَّد البجاوى. إحياء الكتب العربية. (د. ت) : 1 /176.
(3)
ينظر الدُّرُّ المَصُوْن في عُلُوْم الكِتَاب المَكْنُوْن. ابن السمين الحلبي. شهاب الدِّيْن أبو العباس بن يوسف. ت 756 هـ. تحقيق الشيخ عَلِيّ بن معوض. وآخرون. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. 1414 هـ. 1993 م: 5/ 331.
ونحن نرى أن إعراب (نتلو) وتعليقه بما سبق من الكلام على رأي بعض المعربين فيه إبعاد للمعنى عن وضعه الذي وضع ذلك التقدير له، وذلك إن جعل مفعوله محذوفاً وتقديره (شيئاً) على رأي العكبري، أوجه في دلالته الإعرابية من باقي الآراء، أما رأي الأخفش في كون (من) زائدة، فلا يليق بالمقام التفخيمي لألفاظ الَقُرْآن الكَرِيم حتَّى وإن أتى ذلك التعبير في مقام الإعراب، وأياً ما يكن، فنحن نرجح هنا أن (نتلو) ـ بعيداً عن الخلاف فيها ـ فعل مضارع مرفوع وأنه لا محذوف في تقديره.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " مفعولان لـ (جعل) بمعنى صير، فإن كانت بمعنى خلق تعدت إلى مفعول واحد "((2)) .
وقال ابن الأنباري: " نصب (أهلها) و (شيعاً) لأنهما مفعولا (جعل) لأنه بمعنى صيَّر "((3)) .
وقال النحاس: " و {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} مفعولان "((4)) .
وقال محي الدين درويش: " (جعل أهلها) فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول و (شيعاً) مفعول به ثانٍ "((5)) .
ونحن نرى أن الدلالة الإعرابية لـ (جعل) في نصبها مفعولين بعدها، أوجبت تصور شدة الظلم من فرعون، ولا خلاف بينهم في كون (جعل) نصبت مفعولين، إنما الخلاف في كونها بمعنى (صيّر) ، فدلالة (جعل) غير دلالة (صيّر) وإن كانتا مما ينصب مفعولين من بعدهما، ففرعون جعل على الحقيقة ولم يصيّر على المجاز، ومن هاهنا كان تقدير الإعراب على حقيقته خيراً من الاختلاف في كون (جعل) بمعنى (صيّر) كما هو واضح.
{يَسْتَضْعِفُ} ((6))
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 4.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /541.
(3)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2/ 229.
(4)
إعراب القرآن (النحاس) : 2/ 542.
(5)
إعراب القرآن وبيانه وصرفه: 5/ 279.
(6)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 4.
قال السمين الحلبي: " يجوز فيها ثلاثة أوجه:
الأول ـ إنه مستأنف بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً.
الثاني ـ إنه حال من فاعل (جعل)، أي: جعلهم كذا حال كونه مُسْتَضْعِفَاً طائفة منهم.
الثالث ـ إنه صفة لطائفة " ((1)) .
وقال الزمخشري: " حال من الضمير في (وجعل) أو صفة لـ (شيعاً) أو كلام مستأنف "((2)) .
وقال أبو حيان: " والظاهر أن (يستضعف) استئناف يبين حال بعض الشيع، ويجوز أن يكون حالاً من مضير "((3)) .
ونحن نرى مما تقدم في الأوجه الخلافية في إعراب (يستضعف) أنهما جميعاً ذات إثراء للنص القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ، وإن كنا نرجح كون (يستضعف) حالاً على رأي الزمخشري، وابن السمين الحلبي، خلافاً لأبي حيان في جعله إياها استئنافاً، وهو تقدير لا يليق بالكلام الإلهي، لأن بلاغة إعراب النص حالاً أقوى من بلاغة إعراب النص استئنافاً، وذلك بمعنى أن الفعل المضارع (يستضعف) إذا أعرب حالاً دل على أن فرعون قام بالاستضعاف حقيقة فعلية، أما إعرابها استئنافاً فليس فيه تلك الدلالة.
{يُذَبِّحُ} ((4))
قال السمين الحلبي: " يجوز فيها ثلاثة أوجه: الاستئناف تفسيراً لـ (يستضعف) ، أو حال من فاعله، أو صفة ثانية لـ (طائفة) "((5)) .
(1) ينظر الدُّرُّ المَصُون: 5/ 331.
(2)
الكَشَّاف: 3/ 165.
(3)
البَحْر المُحِيْط: 7/ 104.
(4)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 4.
(5)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 332.
إن دلالة إعراب (يذبّح) ـ وهو فعل مضارع مضعف للمبالغة ـ في كونه حالاً أبلغ وأشدّ بلاغة من إعرابه صفة، لأن الصفة هاهنا لا تدلّ على ما يدلّ عليه الحال الذي هو للاستمرارية والدوام، وذلك لأن الحال في مقاييس الإعراب يتوجه للديمومة الزمنية خلافاً للصفة التي هي جامدة في كلّ حالاتها الإعرابية، ونحن إذا ما أعربنا (يذبّح) هاهنا حالاً دللنا على الزمنية المستمرة، أما إعراب ذلك استئنافاً فلا محل له في أوجه الدلالة الإعرابية، إذ تنتفي بذلك زمنية عملية قيام فرعون بالاستضعاف والقتل والتذبيح والاستحياء، لأن الاستئناف جملة جديدة بعد قوله تعالى:{علَا فِي الأَرْضِ} والجمل الجديدة تستحق أن تعربا حالاً في موقعها.
{وَنُرِيدُ} ((1))
قال السمين الحلبي: " فيه وجهان:
أظهرهما إنه عطف على قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ} عطف فعلية على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ.
والثاني إنه حال من فاعل (يستضعف) وفيه ضعف من حيث الصناعة، ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه مضارعاً مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريد، ولا حاجة إليه، أما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المِنَّة من الله تعَاَلىَ؟ لأنه متى منَّ الله عليهم تعذر استضعاف فرعون إياهم، وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّة بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع قريبة جُعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم " ((2)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 5.
(2)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 332.
وقال الزمخشري: " وعطفه على (نتلو) و (يستضعف) غير سديد. قلت: هي جملة معطوفة على قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ علَا فِي الأَرْضِ} ، لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى وفرعون، واقتصاصاً له، (ونريد) حكاية حال ماضية. ويجوز أن يكون حالاً من (يستضعف) ، أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمنّ عليهم، فإن قلت: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المّنَّة عليهم، وإذا أراد الله شيئاَ كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ قلت: لما كانت مِنَّة الله بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم "((1)) .
إن حجج الاختلاف التأويلي في إعراب (ونريد) مما يثري النص القرآني ودلالاته المتعددة، وذلك أن كونه عطفاً على (إن فرعون) لا يستقيم به المعنى، أما ما يستقيم به المعنى فهو جعل (ونريد) حالاً لديمومة القدرة الإلهية، لأن الحال كما قدمنا يدلّ على الاستمرارية، ولا ريب أن عطفه ـ أي النصّ ـ على (ويستضعف) غير سديد لاختلاف التوجيه في الرفع والنصب، وبذلك يستقيم النصّ إعرابياً.
{قُرَّةُ عَيْنٍ} ((2))
قال مكي: " رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو قُرَّة عَيْنٍ لي. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر (لا تقتلوه) . ويجوز نصبه بإضمار فعل يفسره (لا تقتلوه) تقديره: اتركوا قُرَّة عَيْنٍ لا تقتلوه "((3)) .
وقال ابن الأنباري: " (قُرَّة عَيْنٍ) مرفوع من وجهين: أحدهما أن يكون مرفوعاً لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قُرَّة عَيْنٍ. والثاني: أن يكون مرفوعاً لأنه مبتدأ، و (لا تقتلوه) خبر "((4)) .
(1) الكَشَّاف: 3 /165.
(2)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 9.
(3)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 547.
(4)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2/ 229 –230.
وقال النّحاس: " قال الكسائي: المعنى هذا قُرَّة عَيْنٍ لي ولكَ، وقال أبو جعفر: وفي رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسْحًاق: يكون رفعاً بالابتداء والخبر (لا تقتلوه)، وإنما بَعُدَ لأنه يصير المعنى: إنه معروف بأنه قُرَّة عَيْنٍ له، وجوزاه أن يكون المعنى: إذا كان قُرَّة عَيْنٍ لي ولك فلا تقتلوه، ولم تقل نقتله، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبارون، وكما يخبرون عن أنفسهم (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) يكون لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون لقوم فرعون، أي: لا يشعرون أن يسلبهم مُلكهم ((1)) .
وقال العكبري: " أي هو قُرَّة عَيْنٍ و (لي ولك) صفتان لـ (قُرَّة) "((2)) .
وقال أبو حيان: " و (قُرَّة) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قُرَّة، ويبعد أن يكون مبتدأ والخبر (لا تقتلوه) "((3)) .
وقال الحلبي: " (قُرَّة عَيْنٍ) فيها وجهان أظهرهما أنه خبر مبتدأ أي: هو قُرَّة عَيْنٍ. والثاني ـ وهو بعيد جداً ـ أن يكون مبتدأ والخبر (لا تَقْتُلُوهُ) وكأن هذا القائل حقه أن [لا] يذكر فيقول لا تَقْتُلُوها إِلَاّ أنه لما كان المراد مذكراً ساغ ذلك "((4)) .
وعلى الرغم من هذا الخلاف الواسع في إعراب (قُرَّة عَيْنٍ) فإن جعل المضاف والمضاف إليه رفعاً على المبتدأ والخبر مما يستقيم به النص في دلالاته، وذلك أن الرفع أقوى تقديراً من حالتي النصب والجر وكون المرفوع المبتدأ مضافاً لا يستلزم له تقدير محذوف أو محذوفين، على رأي الكسائي في تقديره، وأبي حيان في تقديره أيضاً، فإهمال التقدير في إعراب أوجه من تكلف ما لا يحتاجه النص القرآني التام.
(1) إعراب القرآن (النحاس) : 2/ 543- 544.
(2)
التبيان في إعراب القرآن: 1/ 176.
(3)
البَحْر المُحِيْط: 7/ 106.
(4)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 332 – 333.
وإن هذا الاختلاف في إعراب (قُرَّة عَيْنٍ) يستنتج منه أن جعل الجملة (مضافاً ومضاف إليه) هو أرجح الأقوال عندنا لأنه يدلّ على القوة في إقناع امرأة فرعون لفرعون بدلالة الرفع دون أن نقدر أي محذوف.
{لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " (أن) في موضع رفع والجواب محذوف "((2)) .
وقال النَّحَّاس: " (أنْ في موضع رفع، وحُذف الجواب لأَنَّهُ قد تقدم ما يدلّ عليه، ولا سيما وبعده {لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} "((3)) .
وقال السمين الحلبي: " جوابها محذوف، أي: لأبدت {لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} متعلق بـ (ربطنا) ، والباء في (به) مزيدة، أي: لتُظْهِرَه. وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف أي: لتُبْدي القول بسبب موسى أو بسبب الوحي، فالضمير يجوز عوده على موسى أو على الوحي "((4)) .
ونحن نرى أن المعنى الذي أوجبه اختلاف موضع التقدير في مرفوع (أن) يتوجه إِلى أَنَّ أم موسى اطمأنت بإيمانها بالربط على قلبها دون أنْ نقدر المحذوف الذي قدره ابن السَّمِين الحَلَبِي (أبدت) لأَنَّهُ يخل بالمعنى، وفيه زيادة على النص لا داعي لها.
{بَلَغَ أَشُدَّهُ} ((5))
قال مكي بن أبي طالب: " (أشدّه) عند سيبويه وزنه أَفْعُل، وهو عنده جمع شدّة، كنعمة وأنعم، وقال غيره هو جمع شدّ من قدّ واقد. وقيل: هو واحد وليس في الكلام اسم مفرد على أفعل بغير هاء إلا اصبعاً في بعض لغاته "((6)) .
وقال الأَنْبَارِي: " أشد جمع فيه ثلاثة أوجه:
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 10.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542.
(3)
إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 544.
(4)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 333.
(5)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 14.
(6)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542.وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2 /545.
الأول: أن يكون جمع (شِدّة) كنِعْمَة وأنعم، وأصل أشدّ أشدُد على وزن أفعل، إلَا أَنْه اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة، فسكنوا الأول وأدغموه في الثاني.
وقيل: أشدّ جمع شدّ نحو قدّ وأقُدّ
الثالث: أن يكون واحد ليس في الأسماء المفردة ما هو على وزن أفعُل ألا أصبع في بعض اللغات" ((1)) .
والاختلاف الصرفي في تقدير وزن (أشده) إنما يستقيم تصريفه على رأي سيبويه في جعله له جمع شدة خلافاً للباقين الذين قدروا فيه عدة وجوه، منها ألا يكون له جمع كما ذكر ابن الأَنْبَارِي، وكذلك زعمهم أنه على زنة أفعل، وكل ذلك تكلف في التقدير الصرفي، أما إعرابه فهو مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وتقديره هو، أي: لما بلغ أشده هو على رأي النحاة.
{يَقْتَتلَانِ} ((2))
قال السمين الحلبي: صفة لرجلين. وقال ابن عطية: حال منهما وسيبويه وإن كان جَوَّزَها من النكرة مطلقاً إلَا أَنْ غيره ـ وهم الأكثر ـ يشترطون فيها ما سيُسَوِّغُ الابتداء بها ((3)) .
إِنَّ دلالة كون (يقتتلان) في الاختلاف الإعرابي ذات توجيه للمعنى كون إعراب الكلمة صفة أبلغ من إعرابها حالاً، والرأي الذي ذكره سيبويه فيه توجيه للمعنى كون النكرة المطلقة تفيد عموم القتال بين الاثنين، وإن كانت العرب لا تجوز الابتداء بالنكرة في ذلك.
(1) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /230.
(2)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 15.
(3)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 335. وينظر المُحَرِّر الوَجِيْز في تَفْسِير الكِتَاب العزيز (المعروف بتفسير ابن عطية) . عَبْد الحق الغرناطي الأندلسي ابن عطية أبو مُحَمَّد. ت 541 هـ. تحقيق: عَبْد الله بن إبراهيم الأنصاري. ورفيقه مؤسسة دار العُلُوْم. الدوحة. ط1. 1404 هـ. 1984 م: 12 /151.
يعدّ رأي سيبويه الراجح في أَنَّ التوجيه الدلالي للمعنى أنما جعل الصفة أبلغ من الحال والمعلوم أَنَّ يقتتلان فيه فعل مطاوعة ومشاركة فيقارب المعنى أن يكون عموم القتال في كون الصفة أنما لازمت (يقتتلان) بدلالة الآية الأخرى حيث كان الإسرائيلي يقاتل القبطي الآخر مرة أخرى، فدلّ ذلك على ملازمة صفة القتال عدة مرات للإسرائيلي أي إن القتال صار طبعاً له.
{وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " أي من أعدائه، ومعناه إذا نظر إليهما الناظر قال ذلك "((2)) .
وقال الأَنْبَارِي: " أراد بهما حكاية حال كانت فيما مضى كقوله تعالى:
{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} ((3)) ، فأعمل اسم الفاعل وإن كان لماضي على حكاية الحال من (عدوه)، أي: من أعدائه، وهو يصلح للواحد والجمع " ((4)) .
وقال النَّحَّاس: " ابتداء وخبر، والمعنى إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته، أي: من بني إسرائيل {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} ، أي: من قوم فرعون، وعدوّه بمعنى أعداء، وكذا يقال في المؤنث: هي عدو لك ومن العرب من يدخل الهاء في المؤنث هي عدو لك، لأنه بمعنى معادنه عند البصريين وعند
الكوفيين " ((5)) .
إن رأي ابن الأَنْبَارِي يفيد معنى الدوام كون الحال لما مضى يفيد الدوام. إن جذور العداء بين القبط وبني إسرائيل متأصلة في القدم، أما رأي النَّحَّاس فيفيد قصر المعنى على المبتدأ والخبر في وقته ـ أي وقت موسى (عليه السلام) ـ فكانت الرسالة الإعرابية في كون {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} للحال الماضي أبلغ وأتم لواقع النص القرآني.
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 15.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542.
(3)
سُوْرَة الكَهْفِ: الآية 18.
(4)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /230.
(5)
إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 546.
قال النَّحَّاس: " فيه قولان أحدهما أنه بمعنى الدعاء، وهذا قول الكسائي، والفرّاء. وقدّره الفرّاء بمعنى اللهم فلن أكون ظهيراً للمجرمين والقول الآخر
أَنه بمعنى الخبر. وقال أبو جعفر: إِنْ يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق
الكلام " ((1)) .
وقال العكبري: " (بما أنعمت) يجوز أن يكون قسماً والجواب محذوف، و (فلن أكون) تفسير له، أي: لأتوبنّ، ويجوز أنْ يكون استعطافاً، أي: كما أنعمت عليّ فاعصمني فلن أكون "((2)) .
وقال الزمخشري: " يجوز أن يكون قسماً جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبنّ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} وأن يكون استعطافاً كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين "((3)) .
{بِمَا أَنْعَمْتَ} يجوز في الباء أن تكون قسماً والجواب لأتوبنَّ مقدراً ويفسره (فَلَنْ أَكُونَ) وأن تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أنعمت به عليّ، ويترتب عليه قوله {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا} . و (ما) مصدرية، أو بمعنى الذي والعائد محذوف. وقوله:(فَلَنْ) نفي على حقيقته. وزعم بعضهم أَنه دعاء، وأَنَّ (لن) واقعة موقع (لا) ، وأجاز قوم ذلك مستدلين بهذه الآية، وبقول الشاعر ((4)) :
لنْ تزالوا كذاكُمْ ثُمَّ لا زِلتَ لهم خالداً خُلود الجبالِ ((5))
(1) إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 547.
(2)
التبيان في إعراب القرآن: 1/ 177.
(3)
الكَشَّاف: 3 /169.
(4)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 335.
(5)
البيت للأعشى، ينظر ديوان الأعشى. تحقيق: المحامي فوزي عطيوي. الشركة اللبنانية للكتاب. بيروت. لبنان 1968 م: ص 169.
والذي أراه أَنَّ الراجح هو رأي من قال إن الجملة (قسم) بدلالة الباء في
(بما) وليس استعطافاً دعائياً وإن احتملت الجملة ذلك، وسبب ترجيحنا لكون (بما أنعمت) دعاء هو أن الباء باء القسم التي تجر (ما) في كلّ حالاتها.
{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " (خائفاً) خبر (أصبح) وإن شئت على الحال، و (في المدنية) خبر "((2)) .
وقال ابن الأَنْبَارِي: " (خائفاً) منصوب لأنه خبر (أصبح) ، ويجوز أن يكون (في المدينة) خبرها، و (خائفاً) منصوب على الحال "((3)) .
قال السمين الحلبي: " (يترقب) يجوز أن يكون خبراً ثانياً وأن يكون حالاً ثانية، وأن يكون بدلاً من الحال الأولى، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في (خائفاً) فتكون متداخلة. ومفعول (يترقب) محذوف، أي: يترقب المكروه أو الفرج أو الخبر هل وصل لفرعون أم لا؟ "((4)) .
ونحن نرجح الرأي الذي يجعل الجملة حالية لأنها أقوى في دلالة المعنى من كلّ الآراء الأخرى، لأن الحال يدلّ على الاستمرارية في كون فترة بقائه (عليه السلام) في المدينة كلّ الوقت بخوف وتوجس، فلو أعربناها صفة لكان المعنى أَنه خاف مرة وترقب مرة، وهذا ما لا يدلّ عليه النصّ القرآني.
{فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} ((5))
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 18.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542.
(3)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /230- 231. وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 547.
(4)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 336.
(5)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 18.
قال مكي بن أبي طالب: " (الذي) مبتدأ وما بعده صلته، و (يستصرخه) الخبر، ويجوز أن تكون إذاً هي الخبر و (يستصرخه) حال "((1)) .
وقال ابن الأَنْبَارِي: " (الذي) في موضع رفع لأنه مبتدأ. وفي خبره وجهان:
أولهما ـ أن يكون خبره (يستصرخه) .
ثانيهما ـ أن يكون خبره (إذا) و (يستصرخه) في موضع نصب على الحال " ((2)) .
قال النَّحَّاس: " (أمس) إذا دخلت عليه الألف واللام تمكنّ وأعرب عند أكثر النحويين، ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام، وإذا أضيف أو نُكِرَ تمكن أيضاً، والصلة في بنائه عند مُحَمَّد بن يزيد أن تصريفه ليس كتصريف المتمكنات، فوجب أنْ يبنى ولا يعرب، فكسر أخره لالتقاء الساكنين. ومذهب الخليل أن الياء محذوفة منه. وللكوفيين فيه قولان: أحدهما أنه منقول من قولهم أَمسى بخير، والآخر أن خِلقة السين الكسر، هذا قول الفراء، وحكى سيبويه وغيره أن من العرب من يجري أمسى مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة "((3)) .
إِنْ إعراب (الذي) مبتدأ هو أوجه الأقوال لأن الرفع فيه يدلّ على الفاعلية، والخبر هو (يستصرخه) . والتقدير: الذي هو يستصرخه. وإنما حذف (هو) وجعل تقديراً.
وأما إعراب (بالأمس) فهو جار ومجرور في موضع الظرف الزمني حالاً، وهذا ما نذهب إليه هاهنا في كون المعنى دلّ على أن الذي استنصره في اليوم الماضي هو نفسه الذي استنصره اليوم، بسوء فعله في قتاله القبطي، فكان إعراب الآية في كونها في موضع الحال مما يدلّ على أن خلق الإسرائيلي هو هو لم يتبدل.
{قَالَ لَهُ مُوسَى} ((4))
(1) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542.
(2)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2/ 231. وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 547.
(3)
إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 549.
(4)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 18.
قال أبو حيان: " الظاهر أن الضمير في (له) عائد على الذي {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} بكونك كنت سبباً في قتل القبطي بالأمس، قال ذلك على سبيل العتاب والتأنيب. وقيل: الضمير في (له) والخطاب للقبطي ودل عليه قوله (يستصرخه) ولم يفهم الإسرائيلي أن الخطاب للقبطي "((1)) .
وقال القرطبي: " أي إنك لغويّ في قتال من لا تطيق دفع شره عنك "((2)) .
الذي يدلّ عليه السياق الإعرابي أن المتكلم هو الإسرائيلي خلافاً لمن قال إنه القبطي لأن بعدها: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} ، فاستخدم الاستفهام و (أن) المصدرية هنا بعدها، والفعل الماضي مع تاء الخطاب، والجار والمجرور (بالأمس) فيدل على أن المتكلم هو الإسرائيلي الذي هو من شيعته، وليس القبطي، فما أدرى القبطي أن موسى قتل نفساً بالأمس، وهذا من توجيه الإعراب للمعنى في سُوْرَة الْقَصَصِ.
{يَسْعَى} ((3))
قال السمين الحلبي: " يجوز أن يكون صفة وأن يكون حالاً، لأن النكرة قد تخصصت بالوصف بقوله {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ، فإن جعلت (مِنْ أَقْصَى) متعلقاً بـ (جاء) فـ (يسعى) صفة ليس إلا، قاله الزمخشري بناء على مذهب الجمهور، وتقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط، وفي سورة (يس) قدّم {مِنْ أَقْصَى} على {رَجُلٍ} ((4)) لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها، وهنا وصفه بأنه من أقصاها وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان "((5)) .
(1) البَحْر المُحِيْط: 7/ 110.
(2)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4981.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 20.
(4)
سُوْرَة (يس) : الآية 20.
(5)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 337.
إِنَّ الفعل المضارع (يسعى) هاهنا في إعرابه صفة لا يصلح دلالة أن يعرب عليها، بل إن إعرابه حالاً أبلغ في الدلالة الإعرابية من النعت، وهي في كلّ الأحوال متعلقة بالفعل الماضي، والفاعل (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) والدلالة الإعرابية أوضح في الحالية منها في الصفة.
يدلّ الفعل (يسعى) على أنه صفة للرجل، و (مِنْ أَقْصَى) متعلق به، وبـ (جاء) ، والرجل إنما قدم مرة واحدة، فكان إعراب ذلك صفة أوجب في دلالة المعنى ليدلّ على كون المجيء في وقت بعينه.
{تَذُودَانِ} ((1))
قال السمين الحلبي: (تَذُودَانِ) صفة لـ (امرأتين) لا مفعول ثاني، لأن
(وَجَدَ) بمعنى لقي، والذّودُ الطرد والدفع، وقيل: حَبَسَ ومفعوله محذوف أي تَذُودَانِ الناس عن غنمهما أو غنمها عن مزاحمة الناس (من دونهم)، أي: من مكان أسفل من مكانهم.
وقال الزمخشري: " فإن قلت لم ترك المفعول غير مذكور في (يسقون) و (تَذُودَانِ) و (لا نسقي) ؟
قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قولهما:(لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) المقصود منه السقي لا المسقي ((2)) .
إِنَّ اختلاف إعراب (تَذُودَانِ) بين الصفة والمفعول خلاف لا يعتدّ به، لأَنَّ الرأي الذي يجعل الكلمة مفعولاً ثانياً بعيداً عن الدلالة، أما إعرابها صفة فهو الذي يجعل النصّ ظاهر المعنى، والصفة لـ (امرأتين) هي الأرجح إعرابياً.
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 23.
(2)
ينظر الكَشَّاف: 3/ 169. الدُّرُّ المَصُون: 5/ 338.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 25.
قال مكي بن أبي طالب: " (تَمْشِي) في موضع الحال من إحداهما، والعامل فيه (جاء) و (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال من المضمر في (تَمْشِي) والعامل فيه (تَمْشِي) ، ويجوز أن يكون (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال المقدمة من المضمر في (قالت) والعامل فيه (قالت) ، والأول أحسن "((1)) .
قال أبو حيان: " في الكلام حذف، والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما من غير إبطاء في السقي وقصتا عليه أمر الذي سقى لهما، و (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال، أي: مستحيية متحفزة "((2)) .
إِنَّ الدلالة الإعرابية الممتزجة بمعاني البلاغة الكامنة في قوله تعالى:
{تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} واضحة جداً، فالدلالة الإعرابية للفعل المضارع ثُمَّ ما أعقبه من حروف الجر والمصدر المزيد بالألف والسين والتاء، وزيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني ـ كما قال أهل العربية ـ كلّ ذلك جعل الجملة حالية ـ كما قال مكي بن أبي طالب رحمه الله وأجاد في هذا القول خلافاً لبعض من أعربها خلاف ذلك، ولا تعلق لـ (قالت) بما تقدم، فإن في ذلك تكلفاً في الإعراب وفي التقدير الإعرابي.
{عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي} ((3))
قال السمين الحلبي: " (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) في موضع نصب على الحال إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً عليّ أو عليك ذلك و (تَأْجُرَنِي) مضارع أجَرْتُه: كنت له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: تَأْجُرَنِي نفسك. و (ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ظرف له ((4)) .
ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني ((5)) .
(1) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 542 – 543.
(2)
البَحْر المُحِيْط: 7/ 114.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 27.
(4)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 339.
(5)
البَحْر المُحِيْط: 7/114.
قلت: الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنما جعلها مفعولاً ثانياً على وجه أخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصّه ليتبين لك، قال: " تَأْجُرَنِي من أَجَرْتُه كنت له أجيراً كقولك: أَبَوْتَه إذا كنت له أباً، و (ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ظرف أو مِنْ أجَرْتُه كذا إذا أثبته إياه، ومنه تعزية الرَّسُول (صلى الله عليه وسلم) :((أجركم الله ورحمكم)) ((1)) ، و (ثَمَانِيَ حِجَجٍ) مفعول به.
وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدّر مضافاً ليصبح المعنى به، أي: رعي ثَمَانِيَ حِجَجٍ لأن العمل الذي تقع به الإنابة لا نفس الزمان فكيف يوجه الإجارة على الزمان " ((2)) ؟
إِنَّ الجملة الإعرابية (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) انما كانت منصوبة الإعراب نحواً ولغة لأن مفهوم النصّ في إعرابها حالاً هو الأقوى في العربية من إعرابها صفة، فكما قدمنا أن الحال أقوى في الاستدلال به من أي ظاهرة أخرى، لأن الحال للدوام المتجدد، لذلك كان قوله (أَنْ تَأْجُرَنِي) حال من المصدر (إيجارك لي) ، وهو أبلغ في السياق.
{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} ((3))
قال مكي بن أبي طالب: " (ذلك) مبتدأ وما بعده خبره، ومعناه عند سيبويه ذلك بيننا "((4)) .
وقال الزمخشري: " (ذلك) مبتدأ و (بَيْنِي وَبَيْنَكَ) خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشاطرتني عليه"(5) .
(1) لم اقف عليه في كتب الحديث. وقد ذكره الزمخشري في الكَشَّاف: 3 /172.
(2)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 339. وينظر أيضاً الكشاف: 3 /172.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 28.
(4)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 543.
(5)
الكَشَّاف: 3 /173.
إِنَّ دلالة الفعل الماضي (قال) في اقترانه بالمبتدأ يدلّ على استمرارية العهد في الإيجار، وتقدير سيبويه (ذلك بيننا) مبتدأ وخبر هو التقدير الأصوب لأنه يدلّ على العهد بين الاثنين، لأن موسى (عليه السلام) وفقاً لهذه الآية إنما أتم الإيجار الأوفى الأتم والأكمل لقوله (بيني وبينك) على ما يدلّ عليه السياق الإعرابي للعهد الذي تقدم ذكره.
{أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " نصبت (أي) بـ (قضيت) ، و (ما) زائدة للتأكيد وخفضت (الأجلين) بإضافة أي إليهما. وقال ابن كيسان: (ما) في موضع خفض بإضافة (أي) إليها، وهي نكرة، و (الأجلين) بدل من (ما) "(2) .
وقال الزمخشري: " وفي قراءة عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُود: (أيّ الأجلين مَا قضيت) ، وقريء (أيْما) بسكون الياء
…
فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام أي زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه " ((3)) .
وقال القرطبي: " (أيما) استفهام منصوب بـ (قضيت) و (الأجلين) مخفوض بإضافة (أي) إليهما، و (ما) صلة للتأكيد، وفيه معنى الشرط وجوابه (فلا عدوان) ، وأن (عدوان) منصوب بـ (لا) "((4)) .
(أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ)(أي) شرطية وجوابها (فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) وفي (ما) هذه قولان:
أشهرهما أنها زائدة كزيادتها في أخوتها من أدوات الشرط، والثاني أنها نكرة، و (الأَجَلَيْنِ) بدل منها ((5)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 28.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 543. البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2/ 231.
(3)
الكَشَّاف: 3/ 174.
(4)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4995.
(5)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 339.
إِنَّ إعراب (أي) مفعولاً مقدماً هو الوجه الراجح، أما كون (ما) زائدة، فلسنا ممن يقول بالأحرف الزائدة في الَقُرْآن الكَرِيم، وهي مضافة إلى الأجلين، والتقدير: أي الأجلين، وليست مضافة إلى (ما) لأن دلالة ما اخترناه من الإعراب تزيل الإشكال الإعرابي الموجود، وبذلك تستقيم الجملة في دلالتهما الإعرابية في موقعها ليكون المعنى: أي أجل من الأجلين اخترته فهو لك بالخيار، وهذا مما يوجه المعنى نحوياً.
{أَنْ يَا مُوسَى} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " (أن) في موضع نصب بحذف حرف الجر، أي: بأن يا موسى "((2)) .
إننا نرى أن (أن) هنا منصوبة على تقدير (أعني) لا على تقدير (حذف حرف الجر الباء) فذلك تكلف، وبما اخترناه يكون جعلها منصوبة أوجه في العربية ليستقيم فهم المعنى بنصبها نحوياً ليكون المعنى أكثر قوة من حذف حرف الجر بتقدير (النداء) .
{فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} ((3))
قال مكي بن أبي طالب: " هو تثنية (ذا) المرفوع، وهو رفع بالابتداء، وألف (ذا) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ومن قرأه بتشديد النون فإنه جعل التشديد عوضاً من ذهاب ألف (ذا)
…
إنما شدد النون في هذه المبهمات ليفرق بين النون التي هي عوض من حركة وتنوين، أو من تنوين، وذلك موجود في الواحد، أو مقدر فيه
…
وقيل: شددت للفرق بين النون التي تحذف في الإضافة، والنون التي لا تحذف في الإضافة أبداً، وهي نون تثنية المبهم " ((4)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 30.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 543. وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4999.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 32.
(4)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 544 – 545.
وقال القرطبي في تعليل تشديده خمسة أقوال: " قيل: شدّد النون عوضاً من الألف الساقطة في (ذَانِكَ) الذي هو تثنية (ذا) المرفوع، وهو رفع الابتداء، وألف (ذا) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأن أصله (فَذَانِكَ) ، فحذف الألف الأولى عوضاً من النون الشديدة. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك وقيل: إن من شدّد إنما بناه على لغة من قال في الواحد ذلك، فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية، ثُمَّ أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، والأصل أن يدغم الأول أبداً في الثاني إلاّ أن يمنع من ذلك علة، فيدغم الثاني في الأول، والعلة التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدل على التثنية لام مشددة، فيتغير لفظ التثنية، فأدغم الثاني في الأول لذلك، فصار نوناً مشددة. وقد قيل: إنه لما تنافى في ذلك أثبت اللام قبل النون، ثم أدغم الأول في الثاني على أصول الإدغام، فصار نوناً مشددة. وقيل: شددت فرقاً بينها وبين الظاهر التي تسقط الإضافة نونه، لأن (ذان) لا يضاف. وقيل: للفرق بين الاسم المتمكن وبينها "((1)) .
وقد أختلف المعربون في تقدير إعراب (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ) فقيل: إنهما رفعا بالابتداء والخبر. أما تشديد النون فهو قراءة، والقراءة سنة متبعة، والتشديد قد يدلّ في العربية بزيادته على زيادة في المعنى غير موجودة في التحقيق، وتقدير الجملة: هذان برهانان، ولكن النون والكاف الإشارية أبلغ مما قدرناه وبهما جاء النص القرآني.
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5002.
(2)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 34.
قال مكي بن أبي طالب: " (ردءاً) حال من (الهاء) في (أرسله) وكذلك (يصدقني) حال في قراءة من رفعه، أو نعت لـ (ردءاً) ، ومن جزمه فعلى جواب الطلب "((1)) .
وقال القرطبي: " أختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في (أرسله) ، أي: أرسله ردءاً مصدقاً حالة التصديق، ويجوز أن يكون صفة لقوله (ردءاً) "(2) .
تقدير (ردءاً) حالاً هو الوجه المستقيم في الدلالة الإعرابية، لهذه الآية، أما (يصدقني) فهي صفة (نعت) وليست حالاً كما زعم بعضهم وليست مجزومة إلاّ في بعض القراءات، والقراءة سنة متبعة لا تناقش ولا تعلل، إلَا أَن دلالة فعل الأمر الطلبي في الدعاء (فأرسله) ، وجعله حالاً لـ (يصدقني) قد يحمل بعض معاني الإلحاح في الطلب من الله سبحانه وتعالى، وهو ما يتوجه له إعراب الآية في دلالتها.
{بِآيَاتِنَا} ((3))
قال السمين الحلبي: (بِآيَاتِنَا) يجوز فيه أوجه: أن يتعلق بـ (جعل) أو بـ (يصلون) وبمحذوف، أي: أذهب، أو على البيان، فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو بـ (الغالبون) على أن (أل) ليست موصولة أو محولة، واتبع فيه ما لا يتبع في غيره، أو قسم وجوابه متقدم، وهو (فلا يصون) أو من كَفْوِ القسم قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا يدخله الفاء عند الجمهور، ويريد بالقسم أن جوابه محذوف، أي: وحق آياتنا لتغلبن ((4)) .
(1) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /545.
(2)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5004.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 35.
(4)
ينظر الكَشَّاف: 3 /176. البَحْر المُحِيْط: 7/ 115. الدُّرُّ المَصُون: 5/ 345.
الوجه أن تعرب (بِآيَاتِنَا) متعلقة بالجار والمجرور، والضمير الخاص بالمتكلمين هو أكثر دلالة في العربية على كون الآيات مستمرة في السريان على يد موسى (عليه السلام) وأخوه من فرعون وملأه بآيات الله، وإنما صيغت الجملة على صيغة التعظيم والتفخيم لتكون أكثر دلالة.
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " انتصب (يوم) على أنه مفعول به على السعة، كأنه قال: واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة، ثم حذفت اللعنة لدلالة الأولى عليها، وقام يوم قيامها، وانتصب انتصابها ويجوز أن تنصب اليوم على أن تعطفه على موضع في هذه الدنيا
…
ويجوز نصب (يوم) على أنه ظرف للمقبوحين، أي: وهم من المقبوحين يوم القيامة ثم قدم الظرف " ((2)) .
وزاد ابن الأَنْبَارِي على ما تمّ ذكره أن يكون منصوباً بما يدلّ عليه قوله
(مِنْ الْمَقْبُوحِينَ) لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول " ((3)) .
والذي يبدو لي أن إعرابه ظرفاً أرجح لدلالته الظرفية.
قال السمين الحلبي: فيه أوجه:
أحدهما أن يتعلق بـ (الْمَقْبُوحِينَ) على أن (أل) ليست موصولة واتسع فيها، وأن يتعلق بمحذوف يفسره (الْمَقْبُوحِينَ) كأنه قيل: وقُبِّحُوا يوم القيامة نحو: {لِعَمَلِكُمْ مِنَ القَاليْنَ} ((4)) أو يعطف على موضع (في الدنيا)، أي: واتبعناهم لعنة يوم القيامة، أو معطوفة على (لعنة) على حذف مضاف، أي: لعنة يوم القيامة.
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 42.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 545- 546.
(3)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /34. وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5006.
(4)
سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية 168.
والوجه الثاني أظهرها، والمقبوح المطرود قبحه الله وطرده ((1)) .
تدلّ الآية في سياقها الإعرابي على أن الظرف (يوم) أعطى لمعنى الآية معنى أخر، هو أن الكفرة قبحوا يوم القيامة بما ارتكبوه في الدنيا بدلالة (هم) مع الظرف الزماني.
قال مكي بن أبي طالب: " نصب كله على الحال من (الكتاب) "((3)) . وقال أبو حيان: " (بصائر) على الحال، أي: طرائق هدى يستبصر بها "((4)) .
إن إعراب (بَصَائِرَ) و (هدى) و (رحمة) أحوالاً متوالية متتالية هو الصواب في الدلالة الإعرابية، أما موسى (عليه السلام) فمفعول أول، و (الكتاب) مفعول ثانٍ، و (القرون) مفعول به و (الأولى) صفة له، والتقدير: نحن أنزلنا على موسى عليه الصلاة والسلام التوراة بعد هلاك الأمم بصائر وهدى ورحمة. فاستغنى اللفظ القرآني المعجز عن هذه الإطالة بما أنزله الله جل جلاله، وهذا بعض ما دلت عليه الدلالات الإعرابية للآية.
(1) الدُّرُّ المَصُون: 5 /445.
(2)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 43.
(3)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 546.
(4)
البَحْر المُحِيْط: 7/ 121.
(5)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 46
قال مكي بن أبي طالب: " انتصبت الرحمة على المصدر عند الأخفش بمعنى: ولكن رحمك ربك يا محمد رحمة، وهو مفعول من أجله عند الزجاج، أي: ولكن للرحمة فعل ذلك، أي: من أجل الرحمة. وقال الكسائي: هي خبر (كان) مضمرة بمعنى: ولكن كان ذلك رحمة من ربك. ويجوز في الكلام الرفع على معنى: ولكن هي رحمة "((1)) .
والذي أراه أنه قد نصبت (الرحمة) على المصدر لتدلّ على توالي الرحمة الإلهية على رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) من خلال النصب في المصدر.
{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} ((2))
قال أبو البقاء: " عدّاه بنفسه، لأن معنى (نمكن) : نجعل. وقد صرّح به في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} ((3)) ، أي: من الخسف. و (مكن) متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل كقوله: {مَكَّنَّاهُمْ} ((4)) . و (آمِنًا) قيل: بمعنى مُؤمن أي يُؤمن من دخله. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: أمنا أهله. وقيل: فعل بمعنى السبب، أي: ذا أمن "((5)) .
والذي أراه أن التعدية بنفس الفعل الذي هو بمعنى صيّر وجعل، لأن (مكن) من الأفعال المتعدية، وهو الأصوب، ويعرب (نمكن) فعلاً مضارعاً و (حرماً آمنا) مفعول، وصفته التابعة له في النعت بمعنى أن المعنى الجديد هو إبراز منة الله عز وجل على أهل مكة في أمان الحرم وما تأتيه من الأرزاق، وهذا من دلالات الإعراب.
(1) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /564. وينظر الكَشَّاف: 3 /182. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5008.
(2)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 57.
(3)
سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية 67.
(4)
سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية 6. سُوْرَة الْحِجْرِ: الآية 41. سُوْرَة الأحقاف: الآية 26.
(5)
التبيان في إعراب القرآن: 2 /179. وينظر الدُّرُّ المَصُون: 5/ 349.
{بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " المعيشة نصب عند المازني على حذف حرف الجر تقديره: بطرت في معيشتها. وقال الفراء: هي نصب على التفسير. وهو بعيد، لأنها معرفة، والتفسير لا يكون إلا نكرة. وقيل: هي نصب بـ (بطرت) ، وبطرت بمعنى جهلت، أي: جهلت شكر معيشتها، ثُمَّ حذف المضاف "((2)) .
وقال ابن الأَنْبَارِي: " ولا يجوز أن يكون منصوباً على التمييز لأن التمييز لا يكون إلا نكرة، و (مَعِيشَتَهَا) معرفة "((3)) .
وقال القرطبي: " وانتصبت (مَعِيشَتَهَا) إما بحذف الجار والمجرور وإيصال الفعل، وإما على الظرف بنفسها كقوله: زيد ظني مقيم، أو بتقدير حذف الزمان لمضاف، أصله بطرت أيام معيشتها "((4))
إِنَّ الجملة (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) هي فعل ماضٍ، وتاء المؤنث المحكي عنها، وهي فاعل، والمعيشة مفعول به، والضمير (هي) في محل نصب، وهذا التقدير يستقيم به دلالة (كفران النعمة) المرادة من (بطر المعيشة) وهذه الجملة مما اختلف فيه المفسرون لأنه مشكل إعرابياً، وإن كنا لا نرى ذلك خلافاً لمن رآه، وذلك يدلّ على الاستمرارية في الزمان والمكان أي أن كلّ قرية تبطر سيهلكها.
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} ((5))
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 58.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /546.
(3)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /235.
(4)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 3 /186.
(5)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 68.
قال مكي بن أبي طالب: " (ما) الثانية للنفي لا موضع لها من الإعراب. وقال بعض العلماء كالطبري: هي في موضع نصب بـ (يختار) ، وليس ذلك بحسن في الإعراب، لأنه لا عائد يعود على ما في الكلام. وهو أيضاً بعيد في المعنى والاعتقاد، لأن كونها للنفي يوجب أن تعم جميع الأشياء
…
وإذا جعلت (ما) في موضع نصب بـ (يختار) لم تعمّ جميع الأشياء على أنها مختارة لله
…
وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة، فكون (ما) للنفي أولى في المعنى، وأصح في التفسير، وأحسن في الاعتقاد، وأقوى في العربية، ألا ترى أنك لو جعلت (ما) في موضع نصب لكان ضميرها في كان اسمها، ولوجب نصب الخيرة، ولم يقرأ بذلك أحد
…
وهذه الآية تحتاج إلى بسط كثير " ((1)) .
وقال ابن الأَنْبَارِي: " (ما) الأولى اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب لأنها مفعول (يخلق) ، و (ما) الثانية نافية ولا موضع لها من الإعراب "(2) .
وقال الزمخشري: " فإن قلت: فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت (ما) موصولة؟
قلت: أصل الكلام ما كان لهم فيه الخيرة فحذف فيه كما حذف منه قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ((3)) " ((4)) .
(1) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1/ 547- 548.
(2)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /235.
(3)
سُوْرَة لُقْمَان: الآية 17. سُوْرَة الشُّورَى: الآية 43.
(4)
الكَشَّاف: 3/ 188.
وقال القرطبي: " والوقف التام على (ويختار) . وقال علي بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار)، لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال: وفي هذا ردّ على القدرية. قال النحاس: التمام: ويختار، أي: ويختار الرسل {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} ، أي: ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو إسحاق: ويجوز أن تكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار)، ويكون المعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة.
وقال القشيري: الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله: (ويختار) .
وقال المهدوي ـ وهو أشبه بمذهب أهل السنة ـ: و (ما) من قوله:
{مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل.
وأجاز الزجاج، وغيره: أن تكون (ما) منصوبة بـ (يختار)، وأنكر الطبري أن تكون (ما) نافية لئلا يكون المعنى: إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى، وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي.
قال المهدوي: ولا يلزم ذلك، لأن (ما) تنفي الحال والاستقبال كـ (ليس) ، ولذلك عملت عملها
…
فـ (ما) على هذا لمن يعقل، وهي بمعنى الذي.
و (الخيرة) رفع بالابتداء، و (لهم) الخبر، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق. وفيه ضعف إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان، إلا أن يقدر فيه حذف، فيجوز على بعد " ((1)) .
قال السمين الحلبي: " {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} فيه أوجه:
الأول: أن (ما) نافية، فالوقف على (يختار) .
الثاني: (ما) مصدرية، أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي: مختارهم.
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 3/ 5021 –5022.
الثالث: أن تكون بمعنى: الذي، والعائد محذوف، أي: ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ((1)) ، أي: منه.
وجوز ابن عطية أن تكون تامة و (لَهُمْ الْخِيَرَةُ فيه) جملة مستأنفة قال: " ويتجه عندي أن تكون (ما) مفعولة، إذا قدرنا (كان) تامة، أي: إن الله يختار كلّ كائن و (لَهُمْ الْخِيَرَةُ) مستأنفة معناه تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا، وجعل بعضهم في (كان) ضمير الشأن. وأنشد:
أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العين ذَرِيفُ لَو كان ذا منك قبل اليوم معروف ((2))
ولو كان (ذا) اسمها لقال معروفاً " ((3)) . وابن عطية منع ذلك في الآية قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف.
قلت: كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف، وضمير الشان لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها، إلا أن في هذا نظر إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخرب، ولا أظن أحداً يمنع هو السلطان في البلد، وهي هند في الدار، و (الخيرة) من التخيير كالطيرة من التطير، فيستعملان استعمال المصدر.
قال الزمخشري: " ما كان لهم الخيرة بيان لقوله (ويختار) لأن معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة له تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها لا أحد من خلقه أن يختار عليه "((4)) .
قلت: لم يزل الناس يقولون أن الوقف على (يختار) والابتداء بـ (ما) على أنها نافية، وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة، وهو رأي الطبري ((5)) .
(1) سُوْرَة الشُّورَى: الآية 43.
(2)
ديوان عنترة بن شداد العبسي، الطبعة الثانية. دار صادر. بيروت. لبنان. 1967 م: ص 53.
(3)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 351. المحرر الوجيز: 12 /181.
(4)
الكَشَّاف: 3 /188.
(5)
جامع البيان: 10 /95.
لقد تقدم اختلاف المعربين في هذه الآية، فاختلاف الإعراب هنا يوجب اختلاف العقيدة، حسب الدلالات المطلوبة من التقدير، والذي نرجحه في ذلك رأي الطبري، وهو الأقرب في التأويل إلى مهب أهل السنة والجماعة، دون غيره في جعل الآية الثانية (مَا كَانَ) في موضع نصب بـ (يختار) لأن تقدير الطبري يكون لدلالة الآية بجعلها تدلّ على أن لا خيار للإنسان في الخلق خلافاً للمعتزلة الذين يوافقون القدرية والفلاسفة في خلق الإنسان لفعله، وبذلك استقام لنا النصّ وفق دلالته الإعرابية بما يعزز رأي أهل السنة والجماعة.
{مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ((1))
قال مكي بن أبي طالب: " (ما) في موضع نصب بـ (آتيناه) مفعول ثاني، و (إن) واسمها وخبرها وما يتصل بها إلى قوله:{أُولِي الْقُوَّةِ} صلة
(ما) وواحد أولي: ذي " ((2)) .
وقال الأَنْبَارِي: " (ما) اسم موصول بمعنى: الذي، في موضع نصب بـ (آتيناه) وصلته (إن) وما عملت فيه وكسرت (إن) في الصلة لأن الاسم الموصول يوُصل بالجملة الاسمية والجملة الفعلية، و (إن) متى وقعت قي موضع يصلح للاسم والفعل كانت مكسورة، و (أولي) واحدها (ذو) من غير لفظها "((3)) .
وقال القرطبي: " (إن) واسمها وخبرها في صلة (ما) ، و (ما) مفعوله (آتينا) "((4)) .
وقال النَّحَّاس: " قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن يكون صلة الذي وأخوانه (إن) وما عملت فيه، وفي الَقُرْآن {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} . وهو جمع مفتح "((5)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 76.
(2)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /548.
(3)
البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2/ 236.
(4)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5027.
(5)
إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2/ 558.
نحن نرى أن (ما) هنا تفسيرية خلافاً لمكي بن أبي طالب وسواه ممن جعلها في موضع نصب بـ (آتيناه) ، لأن كونها تفسيرية يجعل القطع في الجملة الجديدة يدلّ على عظم كنوز قارون، وهو الدلالة التضمينية للآية الشريفة.
{وَلَا يُسْأَلُ} ((1))
قال السمين الحلبي: " هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت ورفع الفعل وأن تركه مرفوعاً يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون (المجرمون) خبر مبتدأ محذوف ي0 هم المجرمون.
الآخر: أن يكون بدلاً من أصل الهاء والميم في (ذنوبهم) لأنهما مرفوعا المحل" (2) .
إن قوله تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ} يدلّ على عدم السؤال لوجود (لا) النافية، فصار المعنى أن المجرمين لا يسألون بعد عقوبتهم، وذلك هو المعنى الإعرابي للفعل المضارع المنفي.
{وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} ((3))
قال مكي بن أبي طالب: " (وَيْكَأَنَّ) أصلها (وي) منفصلة من الكاف. قال سيبويه عن الخليل في معناها: إن القوم انتبهوا أو نبهوا فقالوا: (وي) ، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته. وقال الفراء: (وي) متصلة بالكاف وأصلها: ويلك إن الله، ثم حذف اللام واتصلت الكاف بـ (أن) . وفيه بعد في المعنى والإعراب، لأن القوم لم يخاطبوا أحداً، ولأن حذف اللام من هذا لا يعرف، ولأنه كان يجب أن تكون (أن) مكسورة إذ لاشيء يوجب فتحها "((4)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 78.
(2)
الدُّرُّ المَصُون: 5/ 353.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 82.
(4)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /548.
وقال الأَنْبَارِي: " منهم من قال (وي) منفصلة من (كان) وهي اسم سٌمِّي الفعل به، وهو (أعجب) ، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته وكأن الله لفظهُ لفظ التشبيه، وهي عارية عن معنى التشبيه، وهذا مذهب لخليل وسيبويه. وذهب الأخفش إلى أنَّ الكاف متصلة بـ (وي) وتقديره: ويك أعلم أن الله. و (ويك) كلمة تقرير، و (أن) مفتوحة بتقدير: أعلم. وهو كقولك للرجل: أما ترى إلى صنيع الله وإحسانه. وذهب الفرّاء إلى أَن (وي) متصلة بالكاف وأصله (ويلك) وحذفت اللام، وهو ضعيف لأن القوم لم يخاطبوا واحداً، ولأن اللام من هذا لا يُعرف "((1)) .
وقال السمين الحلبي: قوله: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} (وَيْكَأَنَّ) فيه مذاهب منها:
الأول: إن (وي) كلمة برأسها، وهي اسم فعل معناها أعجب، أي: أنا والكاف للتعليل، و (أن) وما في خبرها مجرورة بها، أي: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وسمِعَ كما أَنه يعلم غفر الله له. قياس هذا القول أن يوقف على (وي) وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلَا أَنه ينقل عنه أَنه يعتقد في الكلمة أن أصلها (ويلك)
الثاني: قال بعضهم: (كأن) هنا للتشبيه إلَا أَنه ذهب منه معناها وصارت للخبر والتيقن.
الثالث: إن (ويك) كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب و (أن) معمولة لمحذوف، أي: أعلم أنه لا يفلح، قاله الأخفش.
الرابع: إن أصلها (ويلك) فحذف اللام، واليه ذهب الكسائي.
الخامس: إن (وَيْكَأَنَّ) كلها كلمة مستقلة بسيطة، ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابْن عَبَّاس ((2)) .
(1) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: 2 /237.
(2)
الدُّرُّ المَصُون: 5 /354.
والخلاف في (وَيْكَأَنَّ) صرفي ـ نحوي في اشتقاقها وأصلها، ونحن نرجح من استعراض الأقوال السابقة أن أصل (وَيْكَأَنَّ) هو (وي) كلمة الندم، وكاف الخطاب، و (أن) المحذوف ما بعدها، وهو مفهوم رأي سيبويه رحمه الله وما سوى ذلك فتكلف في التقدير وتمحل في الإعراب، وهي منصوبة أو مبنية على النصب على خلاف في ذلك، ولا فائدة في ترجيح أي من القولين فيه، لأن ذلك ما لا يزيد النص القرآني أي دلالة.
{إِلَا رَحْمَةً} ((1))
قال السمين الحلبي: فيه وجهان:
" أحدهما: هو منقطع، أي: لكن رحمك رحمة.
والآخر: إنه متصل، قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، فيكون استثناءً من الأحوال أو من المفعول له " ((2)) .
والذي أراه أن المستثنى هاهنا في كونه منقطعاً يوازي كونه متصلاً على رأي الزمخشري رحمه الله وإنما الاستثناء منقطع لأنه لم يتقدم في الكلام ما يدلّ عليه، فكان منقطعاً غير متصل، وأما كونه متصلاً فلتلحقه باستمرارية إنزال الكتاب، ونحن نرى أنه استثناء متصل أي أن إنزال الكتاب متعلق بالرحمة في إنزاله، وهو الرأي الذي نرجحه.
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَا وَجْهَهُ} ((3))
قال مكي بن أبي طالب: " انتصب الوجه على الاستثناء، ويجوز في الكلام الرفع على معنى الصفة كأنه قال: غير وجهه
…
كذلك جواز الآية " ((4)) .
قال القرطبي: " قال الزجّاج: (وَجْهَهُ) منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان: إلا وجهه بالرفع بمعنى كلّ شيء غير وجهه هالك "((5)) .
(1) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 86.
(2)
الدُّرُّ المَصُون: 5 /355. وينظر أيضاً الكَشَّاف: 3 /194.
(3)
سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية 88.
(4)
مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: 1 /549.
(5)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5038.