المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام - سورة القصص دراسة تحليلية - جـ ١

[محمد مطني]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: التمهيدي

- ‌المبحث الأول: دراسة عامة عن السّورة

- ‌المطلب الأول: اسمها

- ‌المطلب الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص

- ‌المطلب الثالث ترتيب سورة القصص في المصحف

- ‌المطلب الرابع فضلها

- ‌المطلب الخامس: سورة القصص أمكية هي أم مدنية

- ‌المطلب السادس: الأغراض العامة لسورة القصص ومقاصدها

- ‌المطلب السابع: التناسب والتناسق بين سورة القصص وما قبلها وما بعدها

- ‌المطلب الثامن: التناسب بين بداية السورة وخاتمتها

- ‌المبحث الثاني: الحروف المقطعة في الَقُرْآن الكَرِيم وسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة

- ‌المطلب الثاني: إعراب الحروف المقطعة

- ‌المبحث الثالث: شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها

- ‌التمهيد

- ‌المطلب الأول: أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم

- ‌المطلب الثاني: قضية التكرار

- ‌المطلب الثالث: الحكمة من التكرار

- ‌المطلب الرابع: فوائد القصص القرآني

- ‌الفصل الثاني: وقفات بين يدي السّورة

- ‌المبحث الأول: نظرات توجيهية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: توجيه المعنى في ذاتية السورة

- ‌المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها

- ‌المطلب الثالث: التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته

- ‌المطلب الرابع: التوجيه البياني التفسيري في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الخامس: الصورة البلاغية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السادس: الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السابع: الرسم الَقُرْآني في سُوْرَة الْقَصَصِ وعلاقته بأداء المعنى

- ‌المبحث الثاني: الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص

- ‌المطلب الثاني: المرأة في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص

- ‌المطلب الرابع: التربية والسلوك في سورة القصص

- ‌المطلب الخامس: النظرة القرآنية لليهود في سورة القصص

- ‌المطلب السادس: المال مفهومه وغاياته في سورة القصص

- ‌المطلب السابع: أسلوب الدعوة في سورة القصص

- ‌المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص

- ‌المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص

- ‌الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: علو فرعون في الأرض

- ‌المطلب الثاني: نصرة المستضعَفين

- ‌المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال

- ‌المطلب الأول: قارون وكنوزه

- ‌المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره

- ‌المطلب الثالث: هلاك قارون وماله

- ‌الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى عليه السلام والظروف المحيطة به

- ‌المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى عليه السلام

- ‌المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (عليه السلام) في اليم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون

- ‌المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) في مرحلة البلوغ

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يهبه الله الحكم والعلم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) يقتل قبطياً خطأً

- ‌المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (عليه السلام) لقتله القبطي

- ‌الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المبحث الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) على ماء مدين

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يسقي الماء لبنات شعيب (عليه السلام

- ‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله:

- ‌ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب ـ القبول)

- ‌ثالثاً ـ مسائله:

- ‌المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج

- ‌المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج

- ‌المسألة الثالثة - تعين الزوجة

- ‌المسألة الرابعة - المهر

- ‌المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد

- ‌المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه

- ‌المطلب الثاني: الإجارة

- ‌تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها

- ‌المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة

- ‌المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم

- ‌المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح

- ‌المسالة الرابعة: شبهات وردها

- ‌الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مصر

- ‌المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌‌‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (عليه السلام) بنبوة أخيه هارون (عليه السلام

- ‌المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص

- ‌المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر

- ‌المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض

- ‌المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى (عليه السلام

- ‌الفصل السابع: الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) في دعوته

- ‌المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (عليه السلام) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية

- ‌المبحث الثاني: موقف المشركين من دعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: أعذار المشركين والرد عليها

الفصل: ‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام

‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام

-)

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي} ((1)) .

المناسبة

بعد أن بينت الآيات السابقات مرحلة مهمة من حياة سيدنا موسى (عليه السلام) وهي تأهله وزواجه من ابنة شعيب لتكون له عوناً على تحمل مشاق الدعوة، وفي طريق عودته إلى مصر يرى ناراً، وتحرك ليعرف مصدر هذه النار، أو ليأتي بشيء منها {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} ((2)) جاءت هذه الآيات لتبين مصدر النار ومصدر النداء قال {فَلَمَّا أَتَاهَا} ، أي: النار، ولما كان آخر الكلام دالاً دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه وتعالى بنى للمفعول قوله دالاً على ما في أول الأمر من الخفاء {نُودِي} (3) .

تحليل الألفاظ

1.

{تَهْتَزُّ} :

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات 30 - 33.

(2)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 39.

(3)

نظم الدر: 5/ 482.

ص: 403

الهزّ تحريك الشيء كما تَهْتَزّ القناة فتضطرب وتَهْتَز وهَزَّه يَهِزَّه هَزّاً وهَزَّ به وهَزَزَّه، والعرب تقول: هزّه وهزّ به إذا حركه ((1)) .

2.

{جَانٌّ} :

" جَنَّ الشيء يَجِنَّه جَنّاً ستره، وكل شئ ستر عنك فقد جُنَّ عنك وجَنَّه الليل يَجِنَّه جَنَّاً وجُنُوناً وجَنَّ عليه يَجُنُّ بالضم. وسمي الجِنّ لاستتارهم واختفائهم عن الإبصار. والجَان أبو الجِنّ خُلق من نار، ثم خُلق من نسله. والجان: الجن، وهو اسم جمع ضرب من الحيات أكحل العينين يضرب إلى الصفرة، لا يؤذي، وهو كثير في بيوت الناس والجمع جِنَان. والجَانّ الشيطان أيضا ((2)) .

3.

{وَلَّى} :

يقول الراغب الأصفهاني: " التولي يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والإئتمار يقال: ولاه دبره إذا انهزم. قال تعالى {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ} (3) .

4.

{مُدْبِرًا} :

الدُّبر: نقيض القُبُل، ودُبُر كل شئ عَقِبُه ومُؤَخَّره وجمعها أَدْبَار ودُبُر كل شئ خلاف قبله في كل شئ ((4)) .

5.

{يُعَقِّبْ} :

العَقِبُ مؤخر الرجل. وقيل: عُقْب وجمعه أَعْقَاب وعَقبُ الشهر آخره، ورجع على عَقِبِه إذا انثنى راجعاً، وانقلب على عَقِبِه نحو رجع على حافرته، وعَقَبُه إذا تلاه عَقباً نحو دَبَره وقَفَاه. وقوله تعالى:{وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} ((5)) ، أي: لم يلتفت وراءه " ((6)) .

6.

{اسْلُكْ} :

(1) لِسَان العَرَب: مَادة (هزز) 5/ 423

(2)

ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جنن) 13/ 92 وما بعدها.

(3)

معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 352، سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية 111.

(4)

ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (دبر) 4/ 268

(5)

سُوْرَة النَّمْلِ: الآية 10. سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 31.

(6)

معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 352.

ص: 404

" السُّلوك مصدر سَلَك طريقاً وسَلَك المكان يَسْلُكه سَلْكاً وسُلُوكاً وسَلَكَه غيره، والسَّلْك بالفتح مصدر سَلَكَت الشيء في الشيء فانْسَلَكَ، أي: أدخلته فيه فدخل، وسَلَكَ يده في الجيب يَسْلُكها وأَسْلَكَها: أدخلها فيه "((1)) .

7.

{الرَّهْبِ} :

" بالكسر يَرْهَب رَهْبَة ورُهْباً بالضم ورَهَبَاً بالتحريك، أي: خاف ورَهَبَ الشيء رَهْباً ورَهْبَة خافه "((2)) .

القراءات القرآنية

1.

{الْبُقْعَةِ} :

وقرأ مسلمة، والأشهب، والعقيلي بفتحها (البَقْعَة) . وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: هذه بَقْعَة طيبة ((3)) .

2.

{إِنِّي أَنَا} :

قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالفتح على الياء (إنيَ)((4)) . وقرأ الجمهور على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه. وقريء بالفتح (إنيَّ) وفيه إشكال لأنه إن جعلت أن تفسيرية وجب كسر (إني) للاستئناف والمفسر للنداء بما كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير (إني) بمصدر، والمصدر مفرد وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن يخرج عليه هذه القراءة أن تكون (أن) تفسيرية وإني معمولة لفعل مضمر تقديره: أن يا موسى أعلم إني أنا الله ((5)) .

3.

{رَآهَا} :

قرأ الأصبهاني، وورش بتسهيل الهمزة، وقرأ حمزة، والكسائي وابن ذكوان بإمالة الراء والهمزة، وهنالك قراءة لأبي عمرو بإمالة الهمزة فقط، وهناك قراءة للسوسي بإمالة الراء ((6)) .

4.

{وَلَّى} :

(1) لِسَان العَرَب: مَادة (سلك) 10/ 442- 443.

(2)

لِسَان العَرَب: مَادة (رهب) 1/ 436.

(3)

ينظر الكَشَّاف: 3 /175. البحر المحيط: 7/ 116.

(4)

النشر في القراءات العشر: 2 /342. الكشف عن وجوه القراءات: 2/176.

(5)

الدُّرُّ المَصُون: 5/ 341.

(6)

النشر في القراءات العشر: 1/ 45 ـ 46. وينظر معجم القراءات القرآنية: 5/ 19.

ص: 405

قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة ((1)) .

5.

{الرَّهْبِ} :

وقرأ بفتح الراء والهاء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر:(الرَّهَب) . وقرأ حفص بفتح الراء وسكون الهاء، وباقي السبعة بضم الراء وإسكان الهاء:(الرَّهْب) . وقرأ قتادة، والحسن، وعيسى، والجحدري بضمها:(الرُّهُب)((2)) .

6.

{فَذَانِكَ} :

قرأ " ابن كثير، وأبو عمرو:(فَذَانّك) بتشديد النون، وباقي السبعة بتخفيفها. وقرأ ابن مسعود، وعيسى، وأبو نوفل:(فذانِيكَ) وهي لغة هذيل. وقرأ ابن كثير: (فذانَيْك) على لغة من فتح نون التثنية وقرأ ابن مسعود بتشديد النون مكسورة: (فذانِّيكَ)((3)) .

7.

{يَقْتُلُونِي} :

قرأ يعقوب: (يَقْتُلُونِي) وصلاً ووقفاً ((4)) .

القضايا البلاغية

1.

التشبيه المرسل المجمل ((5)) في قوله تعالى: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} حذف وجه الشبه فاصبح مجملاً.

(1) النشر في القراءات العشر: 2 /45 –46. إتحاف فضلاء البشر: ص 342.

(2)

ينظر البحر المحيط: 7/ 118.

(3)

ينظر كتاب السبعة في القراءات. أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي أبو بكر. (245 ـ 324) . تحقيق: د. شوقي ضيف. دار المعارف. القاهرة. ط2. 1400 هـ: ص 493. التبيان في إعراب القرآن: 2/ 1020. الدر المصون: 5/ 342.

(4)

ينظر النشر في القراءات العشر: 2/ 342.

(5)

التشبيه المرسل: ما ذكرت أداته. والتشبيه المجمل: هو الذي لم يذكر فيه وجه الشبه، وهذه الآية جمعت التشبيهين. ينظر: التلخيص في عُلُوْم البلاغة. للإمام جلال الدِّيْن بن عَبْد الرَّحْمَن القزويني. ت 739 هـ. الطبعة الرابعة. مكتبة الكليات الأزهرية. 1384 هـ.: ص274 و 288.

ص: 406

2.

{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} ، فقد أورد الزمخشري ما في هذه الآية من فنون الإعجاز البلاغي " قلت: فيه معنيان: أحدهما أن موسى (عليه السلام) لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. والثاني أن يراه بضم جناحه إليه تجلده وضبط نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خوف نشر جناحيه وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى

{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} ، وقوله:{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، فالغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله:{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} . وقوله: {واضمم يدك إلى جناحك فالتوفيق؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، والمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحد من يمنى اليد ويسراهما جناح " ((1)) .

فيمكن أن نستنتج أن في هذه الآية تكرير حيث كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب.

وقال ابن عاشور: " وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في الكشاف بعيد "((2)) .

(1) ينظر الكشاف: 3/ 175.

(2)

التحرير والتنوير: 20/ 114.

ص: 407

وفيها كناية، فضم الجناح كناية عن التجلد والضبط، وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعار

(استعارة تمثيلية) من فعل الطائر عند هذه الحالة، ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلاً فيه وكناية عنه ((1)) .

3.

وهناك التفاته بلاغية أشار إليها الزمخشري في قوله تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} ، " فإن قلت: لم سميت الحجة برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة بتكرير العين واللام معاً، والدليل على زيادة النون قولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان " ((2)) .

المعنى العام

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

{فَلَمَّا أَتَاهَا} يعني: الشجرة حيث قدم ضميرها عليها ((3)) . {نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ} . قال ابن عطية: " روي أنه كان يمشي إلى ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نودي، والشاطئ والشط ضفة الوادي. وقوله: {الأَيْمَنِ} يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطئ. ويحتمل أن يكون المعادل لليسار، فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك "((4)) .

(1) ينظر حاشية الشهاب: 7/ 297. الجدول في إعراب القرآن: 10/ 254.

(2)

الكشاف: 3/ 176.

(3)

الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4996.

(4)

المحرر الوجيز: 12/ 164.

ص: 408

{فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} " وصفت البقعة بالمباركة لما خصت به من آيات الله، وأنواره وتكليمه لسيدنا موسى (عليه السلام) ، أو لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة "((1)) .

والذي ببدو لي أنها وصفت بالمباركة بسبب ما جرى عندها من تكليم الله لسيدنا موسى، وامتلاءها بالأنوار الإلهية. وقيل: الشجرة العناب، أو هي شجرة العليق، أو سمرة، أو العوسج ((2)) ، ولا يوجد ثمة دليل قطعي يبين نوع الشجرة لا من كتاب ولا من سنه صحيحة، ولا يتوقف على معرفة نوع الشجرة في المعنى شئ من الأشياء.

وقد اختلف العلماء قديماً في مسالة كلام الله هل هو مخلوق أم لا؟ فأدى ذلك إلى نشوء عدة فرق، وكان سبباً لتسمية علم العقائد، أو علم التوحيد بعلم الكلام، لأن أهم مسألة وقع الخلاف فيها هي كلام الله، كما اختلفوا في تفسير آيات الصفات، فنشأت مدرستين مدرسة الإثبات، وتسمى في المشهور مدرسة السلف. " ومذهب السلف فإنهم يثبتون جميع الصفات التي وصف الله جل وعلا نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شئ "((3)) .

(1) البحر المحيط: 7/ 116.

(2)

روح المعاني: 20/ 73.

(3)

ينظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه. (661 ـ 728) . جمع وترتيب: عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن قَاسِم العاصمي النَّجْدِي الحَنْبَلِي وساعده ابنه مُحَمَّد. مطابع الرياض 1381 مطبعة الحكومة بمَكّة المُكَّرمة 1386 هـ.: 5/ 26. تفسير آيات الصفات بين المثبتة والمؤولة. د. محسن عبد الحميد. بغداد. (د. ت) .: ص 13.

ص: 409

ومدرسة التأويل المنضبط الأصولي التي ظهرت نتيجة لاستجابة علماء الإسلام للتحديات العقيدية والفكرية التي واجهتهم، فهؤلاء التزموا في تفسيراتهم بالقران والسنة، وقواعد اللغة، وقواطع العقل السليم ((1)) . ولكن ظهرت بعض الفرق التي لم تلتزم بمنهج مدرسة التأويل المنضبط منها المؤولة من الفلاسفة وفرق الباطنية، فظهرت آراء غريبة من غير ضابط من النص من القران أو السنة الصحيحة، أو اللغة ولا قواطع الأدلة، في تفاسير غريبة يتقاطع بعضها مع الَقُرْآن الكَرِيم والسنة النبوية لأنها نتاج عقول بشرية، وفي الحديث:((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ)) ((2)) .

آراء العلماء في مسالة كلام الله

أولاً ـ ذكر البزدوي رحمه الله أن أهل السنة والجماعة قالوا: إن الله تعالى متكلم بالكلام وهو قديم بكلامه كما هو قديم بجميع صفاته وكلامه غير مخلوق ولا مختلف ولا حادث ولا محدث ((3))

ثانياً ـ قالت المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والروافض، والمجبرة أن كلام الله تعالى محدث ((4)) ، وحقيقة الكلام عند المعتزلة أنه حروف منظومة وأصوات مقطعة شاهداً وغياباً، والكلام ليس جنساً أو نوعاً ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني، بل هو مجرد اصطلاح لا يكون إلا باللسان، فمن قدر عليه فهو المتكلم، ومن لم يقدر فهو الأعجم الأبكم ((5)) .

(1) تفسير آيات الصفات: ص 13.

(2)

سنن الترمذي: 5 /199 رقم (2951) وقال الترمذي: وهذا حديث حسن.

(3)

أصول الدين: ص 53.

(4)

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أُصُوْل الاعتقاد. إمام الحرمين الجويني. ت 478 هـ. تحقيق: د. مُحَمَّد يوسف موسى. وعلي عَبْد المنعم عَبْد الحسين. مطبعة السعادة.1369 هـ - 1950 م. أوفست مَكْتَبَة المثنى. بغداد. (د. ت.) .: ص 100.

(5)

المعتزلة. زهدي حسن جار الله. مطبعة مصر. القاهرة. 1947.: ص 77.

ص: 410

ثالثاً ـ الكرامية " إن كلام الله تعالى حادث، فإن القادر على الكلام لا يكون متكلماً، والقدرة على الكلام يكون كلاماً كالقدرة على الحركة ليست بحركة "((1)) .

رابعاً ـ وذهب الإمام الجويني إلى القول أنه " ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس، وهو الفكر الذي لا يبدو في الخلد، وتدل عليه العبارات تارة، وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها "((2)) .

خامساً ـ قال هشام بن الحكم " إن لله تعالى كلاماً، ولا أقول إنه مخلوق أو غير مخلوق وروي عن أبي عبد الله البلخي، وعبد الله بن المبارك أنهما قالا بذلك، وهو مذهب أهل الحديث، وقالوا لا حاجة إلى القول إنه مخلوق أو غير مخلوق "((3)) .

أما كيف كلم الله موسى (عليه السلام) ؟

فقد نقل الرازي آراء العلماء في ذلك:

الأول ـ قول المعتزلة إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم. احتجوا بقوله تعالى: {مِنْ الشَّجَرَةِ} ، فهذا صريح في أن موسى (عليه السلام) سمع النداء من الشجرة، والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وتعالى، متنزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم ((4)) .

وقد أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا: لنا مذهبان: الأول قول أبو منصور الماتريدي وأئمته ما وراء النهر، هو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع، إنما المسموع هو الصوت والحرف، وذلك كان مخلوقاً في الشجرة منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال ((5)) .

(1) أصول الدين: ص 54.

(2)

الإرشاد إلى قواطع الأدلة: ص 105.

(3)

أصول الدين: ص 54.

(4)

أصول الدين: ص 59. مفاتيح الغيب: 12/ 244.

(5)

مفاتيح الغيب: 12/ 244.

ص: 411

الثاني: قول أبي الحسن الأشعري، وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية، فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة، وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين.

واحتج أهل السنة بان محل قوله: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله.

والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله، وهذا هو أصل المسألة.

أجاب أهل السنة: بأن الذراع المسموم قال: لا تأكل مني فإني مسموم ((1)) ، ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال: لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل، وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت: إني أنا الله، وكل ذلك باطل ((2)) .

ونقل القرطبي كلاماً لأهل العلم في كيفية تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام) :

قال المهدوي: " وكلم الله موسى (عليه السلام) من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، أو لا يجوز أن يوصف بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات المخلوقين.

(1) إشارة إلى تسميم الذراع الذي قدم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) . سنن أبي داود: 3 /350 رقم (3781) بلفظ (وسم في الذراع وكان يرى أن اليهود هم الذين سموه) . والحديث حسن.

(2)

مفاتيح الغيب: 12/ 245 أصول الدين: ص 65.

ص: 412

وقال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون: من كلّمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن من خصّه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته، يرى الله سبحانه وتعالى منزهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثيل له سبحانه في ذاته وصفاته.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: واتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى (عليه السلام) معنى من المعاني أدرك به كلامه، وكان اختصاصه في سماعه وانه قادر على مثله في جميع خلقه.

وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: " أن موسى (عليه السلام) فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام "((1)) .

ونقل الآلوسي رحمه الله عن الشيخ الأشعري، والإمام الغزالي أنه " سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، وهذا كما ترى ذاته عز وجل بلا كيف ولا كم. وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت، وكان ذلك بعد ظهوره عز وجل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة، وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق "((2)) .

قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي} . هل هو نداء الوحي أم نداء الكلام؟

نقل الرازي اختلاف أهل العلم في ذلك " قال الحسن أن موسى (عليه السلام) نودي نداء الوحي لا نداء الكلام، والدليل عليه قول تعالى:{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} ((3)) .

(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4998.

(2)

روح المعاني: 20/74.

(3)

سُوْرَة (طَه) : الآية 13.

ص: 413

وقال الجمهور: " إن الله تعالى كلّمه من غير واسطة بدليل قوله تعالى:

{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ((1)) ، وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف، لأن قوله تعالى:{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} ((2)) لم يكن بالوحي، لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى أخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي والإلزام المتسلسل، بل المراد من قوله تعالى:{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي " ((3)) .

{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ}

قال ابن عطية: " أمره الله تعالى بإلقاء العصا فألقاها، فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب الجان ـ وهو صغير الحيات ـ فجمعت هول الثعبان، ونشاط الجان. وهذا قول بعضهم. قالت فرقة: بل الجان يعمّ الكبير والصغير، وإنما شبه بالجان جملة العصا لاضطرابها فقط، وولى موسى (عليه السلام) فزعاً منها ولم يعقب معناه: لم يرجع على عقبه من توليه فقال الله تعالى: يا موسى اقبل، فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه "((4)) .

فانقلاب العصا حية أحد المعجزات التي أيد الله بها نبيه موسى (عليه السلام) .

وذكر الرازي عدة روايات في تبيان العصا سنذكر أهمها:

(1) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية 164.

(2)

سُوْرَة (طَه) : الآية 13.

(3)

مفاتيح الغيب: 12/ 245.

(4)

المحرر الوجيز: 12/ 165.

ص: 414

قالوا: إن شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء عليهم السلام فقال لموسى بالليل: إذا دخلت البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم (عليه السلام) من الجنة، ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقفت إلى شعيب (عليه السلام)، فقال: أرني العصا، فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال: خذ غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أن له معها شأناً.

وقال بعضهم: تلك العصا هي عصا آدم (عليه السلام) ، وأن جبريل (عليه السلام) أخذ تلك العصا بعد موت آدم (عليه السلام) ، فكانت معه حتى لقى بها موسى (عليه السلام) ربه ليلاً ((1)) .

وقال الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً، أي: أخذها من عرض الشجر، يقال: اعتراض، أي: لم يتخير. وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه ((2)) .

والذي أراه أنه لا يمكن ترجيح إحدى هذه الراويات على الأخرى، لأنه لم يرد نص صحيح صريح في بيان ذلك، إلا ما ورد في سورة طه قال تعالى:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ((3)) ، فقد نقل الرازي عدة روايات في معنى سؤال الله عن العصا التي مع سيدنا موسى منها " إنه تعالى لما عرف موسى كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا، فذكره بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر "((4))

(1) مفاتيح الغيب: 12/ 246- 247.

(2)

ينظر تفسير القُرْآن. عَبْد الرَّزَّاق بن هَمَّام الصَّنْعَانِي. (126 ـ 211) . تحقيق: د. مصطفى مسلم مُحَمَّد. مَكْتَبَة الرشد. الرياض. ط2. 1410 هـ.: 2/ 493. مفاتيح الغيب: 12/ 247.

(3)

سُوْرَة (طَه) : الآيتان 17 – 18.

(4)

مفاتيح الغيب: 12 /25.

ص: 415

يرى الباحث أن سؤال الله سيدنا موسى (عليه السلام) عنها فيه دلالة على أن هذه العصا لم تكن عصا عادية، وأن الله قد أودع فيها مكنونات أسراره.

وقد كانت المعجزة في العصا من عدة وجوه:

أولا ـ تحولها إلى حية تسعى قال تعالى: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ((1)) . وقال تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} ((2)) . وقول تعالى:

{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} ((3)) .

ثانياً ـ في تلقفها لحيات السحرة. قال تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} ((4)) . وقال تعالى: {أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} ((5)) .

ثالثاً ـ ضرب بها البحر فشق طريقاً له ولقومه. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى} ((6)) .

رابعاً ـ استخدم العصا في ضرب الحجر. قال تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} ((7)) .

ونقل الرازي عن الشيخ أبي القاسم الأنصاري رحمه الله " وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة "((8)) .

والمعجزة الثانية بياض اليد من غير سوء:

(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 20.

(2)

سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 107.

(3)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 31.

(4)

سُوْرَة (طَه) : الآية 69.

(5)

سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 117.

(6)

سُوْرَة (طَه) : الآية 117.

(7)

سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 77.

(8)

مفاتيح الغيب: 11/ 29.

ص: 416

قال تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} وقد جاء هذا الأمر في القرآن الكريم بثلاث عبارات:

أولها ـ في سورة طه: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} (1) .

ثانيهما ـ في سورة النمل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} ((2)) .

ثالثهما ـ الذي في سورة القصص، والذي نحن بصدد تفسيره:{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} .

" قال قتادة: في جيب قميصك، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها.

وقال ابن عباس، ومجاهد: كان كمها إلى بعض يده. وقال السدي: في جيبك، أي: تحت إبطك " ((3)) .

{مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} من غير برص. ونقل الطبري رواية عن الحسن قال: " خرجت كأنها المصباح فأيقن موسى أنه لقى ربه "((4)) .

قال سيد قطب: " أطاع موسى الأمر وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره، ثم أخرجها، فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة إنها إشارة إلى إشراق الحق، ووضوح الآية، ونصاعة الدليل، وأدركت موسى طبيعة، فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة، ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة، ذلك أن يضم يده في على قلبه فتخفض من دقاته وتطامن من خفقاته"(5) .

{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}

(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 22.

(2)

سُوْرَة النَّمْلِ: الآية 12.

(3)

البحر المحيط: 7/ 58.

(4)

جامع البيان: 10/70.

(5)

في ضلال القرآن: 6/ 346.

ص: 417

" والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها، فأدخلها في جيبك وأرددها إليك تعد كما كانت. وقيل: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. قال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى (عليه السلام) ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن كاتباً كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرغ روعك، فإني ما سمعتها من أحد اكثر مما سمعتها من نفسي. وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف "((1)) .

ما يستفاد من النصّ

دلت الآيات السابقات على جملة من المعاني التي يمكن تلخيصها بما يأتي:

دلت الآيات على أن سيدنا موسى (عليه السلام) تلقى نداءً من الله عز وجل بقوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وهذه الآية من الآيات المتشابهات التي اختلف العلماء في المراد منها مما فتحت الباب واسعاً للعلماء لجملة من التساؤلات التي أثارتها الآية، هل الكلام قديم أم حادث؟ وكيفية تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام) مما بينا آنفاً؟

دلت الآية كذلك على تأييد الله لرسله وأنبياءه بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأن الله كذلك يعين الدعاة بالوسائل والأسباب التي تساعدهم على تنفيذ مهمتهم.

كذلك دلت على صفات فرعون وجنوده وهي (الفسق) ، والتي كانت سبب من أسباب إرسال سيدنا موسى (عليه السلام) إلى فرعون.

(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5000.

ص: 418