الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع: الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ
المبحث الأول: الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) في دعوته
المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (عليه السلام) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم
-)
المناسبة
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات 44 - 51.
بعد أن بين الله عز وجل وعلا قصة سيدنا موسى (عليه السلام) وما جرى فيها من أحداث عظام، ينتقل السياق القرآني ليوظف هذه القصة كأحد الأدلة على صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) في دعوته، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتلو هذه الأحداث بتفاصيلها كما يقصها شاهد عيان، وما كان حاضراً زمانها، ولم يكن يقرأ ويكتب، ولكن تنزيل العزيز الرحيم، فبعد أن بين في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ((1)) أنه تعالى أرسل سيدنا موسى بعد أن أهلك القرون الأولى، ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم أردف بقوله تعالى:
{وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} لبيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) لمثل تلك الدواعي، التي دعت إلى إرسال موسى (عليه السلام) ، لئلا يكون للناس حجة ((2)) بعد الرسل، قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} ((3)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 43.
(2)
ينظر تفسير المراغي: 20 /65.
(3)
سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 15.
وإن ذكر قصة سيدنا موسى (عليه السلام) وما جرى للمكذبين له من عقاب بشارة للرسول (صلى الله عليه وسلم) أن النصر هو حليف المؤمنين مهما عظمت قوة الكافرين. ومن هذا يتبين لنا الإعجاز القرآني في اختيار الآيات والكلمات والمعاني في مواقفها الخاصة بها، وجاء ذكر سيدنا موسى (عليه السلام) كدليل على صدق رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ولوجود توافق كبير بين حياة النبيين الكريمين ـ عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ وللتشابه في الظروف التي مرت بهم، وهذا ما سنبينه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
فمع وجود قصتين في السورة بينهما زمن طويل، إلَا أَن السورة جاءت بأحداث القصتين فيها ترابط، وبين آياتها تناسب في دلالتها بحيث وظفت قصة سيدنا موسى (عليه السلام) توظيفاً رائعاً للاستدلال بها على صدق الرَّسُول (صلى الله عليه وسلم) وصدق دعوته.
أسباب النزول
ذكر الطبري في سبب نزول قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} عن مجاهد، قال: اليهود تأمر قريشاً أن تسأل مُحَمَّداً مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد (صلى الله عليه وسلم) : قل لقريش يقولوا لهم: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ((1)) ؟
(1) جامع البيان: 10 /79.
ونقل القرطبي عن الكلبي: " بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث مُحَمَّد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الجواب إليهم
{قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} ، وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا: قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة، فهذا الاحتجاج وارد على اليهود، أي: أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران " ((1)) .
وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} نقل الطبري عن رفاعة القرظي، قال:" نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم "((2)) .
وقال الواحدي: " إن الآية مما اختلف العلماء في سبب نزولها "((3)) .
تحليل الألفاظ
1.
{قَضَيْنَا} :
القضاء، قال ابن منظور: " الحكم وأصله قضايّ، لأنه من قَضَيْت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت والجمع الأقضية، القضيّة مثله والجمع القضايا على فَعالى، وأصله فضائل. وقال أبو بكر: قال أهل الحجاز: القاضي معناه في اللغة القاطع للأمور المحكِم لها
…
والقضايا الأحكام واحدتها قضية.
قال ابن السيرافي: قضاهما فرغ من عملها، والقضاء الحكم والأمر، وقضى أي حكم، ومنه القضاء والقدر " ((4)) .
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5010.
(2)
جامع البيان: 10 /79.
(3)
أسباب النزول. أبو الحَسَن عَلِيّ بن أحمد الواحدي النيسابوري. ت 468 هـ. ط2. بإشراف لجنة تحقيق التراث. دار مَكْتَبَة الهلال. بيروت. لبنان. 1985 م.: ص 211 وما بعدها.
(4)
لِسَان العَرَب: مَادة (قضى) 15 /186.
وقال الراغب: " القضاء فصل الآمر قولاً كان ذلك أو فعلاً، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ إِيَّاهُ} ((1)) ، أي: أمر بذلك، ومن القول البشري نحو: قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفعل البشري:{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} ((2)) ، فالقضاء هو الحكم من أعلى إلى أدنى على ما قاله أهل اللغة ((3)) .
2.
{قُرُونًا} :
قال الراغب: " القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} ((4)) "((5)) .
وقال ابن منظور: " الأُمَّة تأتى بعد الأَمَةِ. قيل: مدته عشر سنين وقيل: عشرون سنة. وقيل: ثلاثون. وقيل: ستون. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: القرن مائة سنة، والذي يقع عندي إن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي، أو كان فيها طبقة من أهل العلم. قلت السنون أو كثرت "((6)) .
3.
{فَتَطَاوَلَ} :
يقال: طويل وطوّال، وعريض وعراض للجمع طِوالُ. وقيل: طيال باعتبار الطول. قيل: للحبل المرخي على الدابة: طَول وطوّل فرسك أي أرخ طِوَلهُ. وقيل: طوال الدهر لمدته الطويلة، وتطاول فلان " إذا اظهر الطوّل أو الطْوّل قال تعالى:{فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} ((7)) " ((8)) .
4.
{ثَاوِيًا} :
(1) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 23.
(2)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 200.
(3)
ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 42.
(4)
سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية 13.
(5)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 417.
(6)
لِسَان العَرَب: مَادة (قرن) 13/ 333 –334.
(7)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 45.
(8)
لِسَان العَرَب: مَادة (طول) 11 / 412 –413.
الثوّاء " طولُ المقام ثَوَى يَثْوي ثَواءً، وَثوَيْتُ بالمكان وثَويَتهُ ثواءً وثوِايّاً مثل مضى يمضي مَضَاء وُمضاءً وُمضّياً، والأخيرة عند سيبويه، وثويت له أطلت الإقامة به وأثْوَيتْه أنا وَثّويْته ألزمته الثّواء فيه، وثَوَى بالمكان نزل فيه، وبه سمي المنزل مثوَى، والمثوَى الموضع الذي يقام به وجمعه المثاوي "((1)) .
وقال الراغب: " الثواء الإقامة مع الاستقرار "((2)) .
5.
{تَظَاهَرَا} :
" الظّهر الجارِحَةُ وجمعهُ ظهورُ رجل ُمظَهّرُ شديد الظهر. ويعبّر عن المركوب بالظهر ويستعار لمن يتقوى به ظهر عليه غلبه وظاهرته عاونته قال تعالى: {وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} ((3)) "((4)) .
قال الآلوسي: أي تعاوناً بتصديق كل واحد منهما الآخر تأييده إياه ((5)) .
6.
{وَصَّلْنَا} :
قال ابن منظور: " وصلت الشيء وصلاً وصلة، والوصل ضد الهجران. وقال ابن سيده: الوصل خلاف الفصل وفي التنزيل: {وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ} ، أي: وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص بعضها ببعض لعلهم يعتبرون "((6)) .
وقال الراغب: " أي أكثرنا لهم القول موصولاً بعضه البعض "((7)) .
7.
{وَيَدْرَءُونَ} :
" الدّرْءُ الدفع درأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً دَرْأ هُو درْأهُ دَفَعَهُ تداَرأ القوم تدافعوا في الخصومة "((8)) .
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (ثوى) 14 /125.
(2)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 81.
(3)
سُوْرَة المّمْتَحَنَةِ: الآية 9.
(4)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 328.
(5)
روح المعاني: 20/91.
(6)
لسان العرب: مادة (وصل) 11/726.
(7)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 562.
(8)
لسان العرب: مادة (درء) 1/71.
وقال الراغب: " الَدْرءُ الميل إلى أحد الجانبين يقال: قوّمتُ دَرْأه وَدَرَأتُ عنه َدفعتُ عن جانبه ودارَأتهُ دافعته "((1)) .
8.
{نُتَخَطَّفْ} :
الخَطْفُ: الاستلابُ. وقيل: الخَطْفُ الأخذ في سرعِة استلاب خطفِه بالكسر يْخطفهُ خَطفاً بالفتح " ((2)) . وقال الراغب: " الخطف والاختطاف الاختلاس بالسرعة يقال خَطَفَ يَخْطَفَ وخَطفَ يْخِطفْ وقرئ بهما جميعاً " ((3)) .
القراءات القرآنية
1.
{رَحْمَةً} :
قرأت رحمة في قوله تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بالنصب والرفع، فقد قرأ الجمهور:(رَحْمَةً) بالنصب بمعنى جعلناك رحمة وقدر: أعلمناك ونبأناك رحمة. وقرأ عيسى، وأبو حيوة بالرفع:(رَحْمَةٌ)، وقدر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة ((4)) .
2.
{سِحْرَانِ} :
واختلف القراء في قراءة (سِحْرَانِ)، فقرأ الجمهور:(سَاحِرَان) وقرأ عبد الله، وزيد بن علي، والكوفيين:(سِحْرَان)((5)) .
3.
{تَظَاهَرَا} :
أصلها تتظاهران ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي ضمير الخطاب، ولو قريء يظاهرا بالياء حملاً على مراعاة ساحران لكان له أوجه، أو على تقديرهما ساحران تظاهرا ((6)) .
4.
{أَتَّبِعْهُ} :
قرأ زيد بن علي، والفرّاء بالرفع (اتَّبِعُهُ) لأنه صفة لكتاب وكتاب نكرة ((7)) .
5.
{وَصَّلْنَا} :
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 168.
(2)
لسان العرب: مادة (خطف) 9/75.
(3)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 152.
(4)
الكَشَّاف: 3 /182. البَحْر المُحِيْط: 7/123.
(5)
البَحْر المُحِيْط: 7 /124.
(6)
البحر المحيط 7/124. معجم القراءات القرآنية: 5/27.
(7)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5011.
قرأ الحسن (وَصَلْنا) بالتخفيف ((1)) .
القضايا البلاغية
المجاز العقلي: {أَنشَأْنَا قُرُونًا} المراد به الأمم، لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة، فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي ((2)) .
{تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ} جناس الاشتقاق، ويسمّى أيضاً جناساً ناقصاً ((3)) ((4)) .
{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} مجاز مرسل ((5)) . قال الزَّمَخْشَرِيّ: " لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كلّ عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعاً للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل "((6)) ، أي: من باب إطلاق الجزء على الكل، فالمجاز المرسل بذلك تعلق بما قدمته أيديهم، والأيدي لا تقدم العمل لأن العمل لا يمسك باليد، فكان التعبير القرآني {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} دالاً على عظم الصيغة القرآنية في تصوير القضايا البلاغية.
(1) الكَشَّاف: 3 /184. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5011. معجم القراءات القرآنية: 5 /28.
(2)
صفوة التفاسير: 2 /443.
(3)
الجناس الناقص، هو التجنيس الناقص، أي غير التام والكامل، وذلك أن يكون نقص في إحدى الكلمتين، وذلك بأن يكون الاختلاف واقعاً في هيئة الحروف. معجم المصطلحات البلاغية: 2/108.
(4)
البلاغة الَقُرْآنية. د. عَبْد الله أدهم. الطبعة الثانية. القاهرة. 1990م.: ص 115.
(5)
المجاز المرسل: هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة غير المتشابه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ينظر تنبيه الوسنان إلى علم البَيَان. د. عَبْد الرَّزَّاق عَبْد الرَّحْمَن السَّعْدِي. دار الأنبار للطابعة والنشر. بغداد. 1997 م: ص 29.
(6)
الكَشَّاف: 3/ 184.
قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ} فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز ((1)) ، وهذا من أساليب الَقُرْآن الكَرِيم البليغة أن يأمر الله تعَاَلىَ بشيء هو سبحانه وتعالى يعلم أنهم لا يقدرون عليه كقوله تعالى:{قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} ((2)) ، وهو تعالى يعلم أنهم لا يستطيعون ذلك.
المعنى العام للآيات
وما كنت يا محمد بجانب غربي الجبل ((3)) . وقال البقاعي " أي: الوادي من الطور الذي رأى موسى (عليه السلام) فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة، ومن ناحية مصر، فناداه منه العزيز الجبار وهو ذو طوى "((4)) .
والمعنى أنك على ما أخبرتك لم تكن موجوداً وقت ذاك {إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ} .
قال أبو حيان: " والأمر. قيل: النبوة والحكم الذي أتاه الله موسى وقيل: الأمر أمر مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) أن يكون من أمته، وهذا التأويل يستقيم معه مما بعده من قوله تعالى: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا} . وقيل: الأمر هلاك فرعون بالماء، ويحمل الغربي على اليم، وبدأ أولا بنفي شئ خاص، وهو أنه لم يحضر ومعه وقت قضاء الله لموسى الأمر، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به، ونفي لشهادة جميع ما جرى لموسى، فكان عموماً بعد خصوص "((5)) .
(1) ينظر روح المعاني: 20 /90.
(2)
سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 50.
(3)
جامع البيان: 10/ 76.
(4)
نظم الدرر: 5/494.
(5)
البَحْر المُحِيْط: 7/120-121.
ويجيب الرازي رحمه الله عن سؤال مهم ربما يخطر في البال وهو: أنه تعالى لما قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد أن يكون معه حاضراً، فما الفائدة إذاً من إعادة قوله تعالى:{وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ} بقوله: " قال ابن عباس رضي الله عنهما التقدير: لم تحضر الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ويرى "((1)) .
وأرى أن ذلك قمة البلاغة في الوصف القرآني، فيزول بذلك سؤال فخر الدين الرازي، والإشكال الذي افترضه في تفسيره {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} " أي: ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قروناً كثيرة، فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه، فدرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر " ((2)) .
ونحن نوافق ما أورده القرطبي في الذي ذهب إليه من أن ذكر رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) جاء على لسان كل الأنبياء " ظاهراً هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا (عليه السلام) ذكر في ذلك الوقت وان الله سيبعثه، ولكن طالت المدة وغلبت القسوة فنسى القوم ذلك "((3)) .
(1) مفاتيح الغيب: 12/ 257.
(2)
تفسير المراغي: 20/ 65.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5007.
ويشير الزملكاني في البرهان عن إشارة لطيفة في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ
…
} ، فيقول: " فإن مثل هذا يقال لمن جرى له ذكر. وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ} ، وهو من الشهادة على الشيء، لا أنه بمعنى الحضور، إذ قوله تعالى:{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} قد أفاده. وقوله تعالى:
{وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} ، من باب {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} ((1)) ، وطول العهد منسيٍ ومؤدٍ إلى الإهمال، أي: فأهملوا وصيتنا بالإيمان بك، وهو إشارة إلى ما أوحي إليهم في التوراة من أمر نبينا (صلى الله عليه وسلم) " ((2)) .
وفي الآية نكتة بلاغية جديرة بالالتفات إليها هي أن الصيغة القرآنية للخطاب ذكرت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنه رسول صادق كصدق موسى الرسول (عليه السلام) باقتضاء الدلالة المفهومة بمقابلة (بجانب الغربي) برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مكة المكرمة.
(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 86.
(2)
البرهان الكاشف عن وجوه إعجاز القرآن: ص 76.
وقال أبو حيان في البَحْر المُحِيْط، والرازي في مفاتيح الغيب:" فإن قلت كيف يتصل قوله: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا} بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكاً؟ قلت: اتصاله به وكونه استدراكاً من حيث أن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قروناً كثيرة، فتطاول على أخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم. واندرست العلوم، فوجب إرسالك، فأرسلناك وكسبنّاك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة، ودلّ به على المسبب على عادة الله في اختصاره "((1)) .
" أي: وما كنت مقيماً في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك {تَتْلُوا عَلَيْهِمْ} ، أي: تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم {آيَاتِنَا} الناطقة بالقصة
{وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} إياك وموحين إليك تلك الآيات " ((2)) .
ونقل الرازي وجهين في قوله تعالى: {تَتْلُوا عَلَيْهِمْ} " الوجه الأول ـ قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. الوجه الثاني ـ قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب، وإنما كان غيرك، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً "((3)) .
ونحن نرجح الوجه الأول.
(1) البَحْر المُحِيْط: 7 /122. وينظر مفاتيح الغيب: 12 /257.
(2)
تنوير الأذهان: 3 /149.
(3)
مفاتيح الغيب: 12 /257.
" أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات "((1)) .
{وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} " أي: لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس "((2)) .
وذكر الرازي لطيفة من لطائف القرآن الكريم الكثيرة، وهي " إنه تعالى لما بين قصة موسى (عليه السلام) قال لرسوله:{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} ، و {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا} ، و {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} ، فجمع تعالى بين كل ذلك، لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى (عليه السلام)، إذ المراد بقوله:{وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا} أول أمره، والمراد ناديناه وسط أمره، وهو ليلة المناجاة لما بين تعالى أنه (عليه السلام) لم يكن في هذه الأحوال حاضراً، بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين، ثم فسر تلك الرحمة بأن قال:{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ} " ((3)) .
{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
" أي: لم يأتيهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة "((4)) .
وفي الآية اقتضاء لرسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) بتذكيره (عليه السلام) بإنذاره كفار قريش الذين لم يأتهم نذير ليتذكروا ذلك، وهذا من بديع الأسلوب القرآني.
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5008.
(2)
تنوير الأذهان: 3 /149.
(3)
مفاتيح الغيب: 12 / 258.
(4)
تنوير الأذهان: 3 /149.
قال الطبري في تأويل هذه الآية: " لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك يا محمد إليهم، لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك والمصيبة في هذا الموضع العذاب والنقمة "((1)) .
وذكر القرطبي أنه تعالى " خص الأيدي بالذكر في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها "((2)) .
وأرى أن الآية دالة في عمومها على معنى المنة على الكفار من أهل مكة بإرسال رسول الله مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ، إذ لو لم يرسل لهم لاحتجوا بأنهم لم يعرفوا رسلاً، وهذه بعض مواطن رحمة الله تعالى بعباده، وإقامة الحجة عليهم.
(1) جامع البيان: 10 /79.
(2)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5009.
قال أبو حيان " والحق هو الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم. وقيل: القرآن. {مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} أي: من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة، وانقلاب العصا حية، وفلق البحر وغيرها من الآيات، اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد، كما قالوا: لولا أنزل عليه كنز، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم، وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش قالوا لهم ألَا يأتي بآية باهرة كآيات موسى، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول "((1)) .
{قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} نقل الطبري عن قتادة في قوله تعالى: {قَالُوا سِحْرَانِ} : قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان فمن قال: (ساحران) فيقول (محمد وعيسى)((2)) .
وقيل: المراد به " أن موسى ومحمد ـ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ تعاونا على السحر "((3)) .
وقيل: المراد به " موسى وهارون قاله مجاهد، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة "((4)) .
والذي يبدو لي أن المراد به سيدنا موسى (عليه السلام) ، وسيدنا مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم)، وذلك بدلالة قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} وهو القرآن، ومن جاء به هو سيدنا مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) . وقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} هذا على قراءة (ساحران) أو على قراءة (سحران) يكون المقصود القرآن والتوراة.
(1) البَحْر المُحِيْط: 7 /123.
(2)
جامع البيان: 10 /81.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 5010.
(4)
زَاد المَسِيْر: 6 /227.
أي " قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا أتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد {أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ
صَادِقِينَ} في زعمكم أن هذين الكتابين سحران، وأن الحق في غيرهما " ((1)) .
وذكر أبو حيان " أن تعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين "((2)) . وهذا من آرائه البليغة.
قال الآلوسي رحمه الله: " فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنه (صلى الله عليه وسلم) على كمال أمن من أمره، كان أمره (صلى الله عليه وسلم) لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه. وقيل: المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم، فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد (صلى الله عليه وسلم) حقيقة وقوعه منهم بمعنى الإجابة ونتصدى إلى الداعي باللام "((3)) .
والذي يتوجه عندي في ذلك أنهم خوطبوا بذلك لعجزهم الكلي عن الآتيان بكتاب أهدى من الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني.
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
(1) جامع البيان: 10 / 82.
(2)
البَحْر المُحِيْط: 7 /124.
(3)
روح المعاني: 20 /93.وينظر البَحْر المُحِيْط: 7 /124.
قال الفراء: " أنزلنا عليهم الَقُرْآن يتبع بعضه بعضاً "((1)) .
وقال ابن عاشور: " للتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه ووصلِّ بعضه ببعض، ولم ينزل جملة واحدة، وباعتبار معانيه، ووصلّ أصنافاً من الكلام وعداً ووعيداً، وترغيباً وترهيباً، وقصصاً ومواعظ، وعبراً ونصائح، يعقب بعضه بعضاً "((2)) .
ما يستفاد من النصّ
بعد تحلينا للنص والوقوف على معانيه يمكن لنا أن نستخلص المعاني والعبر الآتية:
أولا. استدل القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن بتفاصيل أحداثها على صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيما جاء به فالقرآن الكريم تحدث عن قصة سيدنا موسى (عليه السلام) مع فرعون وقومه بتفاصيل دقيقة ربما لا يعرفها حتى أهل الكتاب أنفسهم، وتحدث كذلك عن قصص للأنبياء مع أممهم مما لا علم للنبي (صلى الله عليه وسلم) ولا لأهل جزيرة العرب بها، مما يؤكد كون القرآن وحياً من عند الله بصدقه في الخطاب التاريخي خلافاً لمن زعم أن قصصه للعظة وليست للأخبار التاريخية.
ثانياً. دلت هذه الآيات على حاجة البشرية إلى هدي النبوة في عهد سيدنا موسى
(عليه السلام) بعد أن أهلك القرون الأولى ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى صلاحهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ((3)) .
ثالثاً. نستدل من قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} على تاريخ اليهود المريب تكذيبهم ومحاربتهم لرسل الله عليهم السلام على مرّ العصور وقتلهم الأنبياء بغير حق.
(1) معاني القرآن (الفراء) : 2 /307.
(2)
التحرير والتنوير: 20 /142.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 34.