المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام - سورة القصص دراسة تحليلية - جـ ١

[محمد مطني]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: التمهيدي

- ‌المبحث الأول: دراسة عامة عن السّورة

- ‌المطلب الأول: اسمها

- ‌المطلب الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص

- ‌المطلب الثالث ترتيب سورة القصص في المصحف

- ‌المطلب الرابع فضلها

- ‌المطلب الخامس: سورة القصص أمكية هي أم مدنية

- ‌المطلب السادس: الأغراض العامة لسورة القصص ومقاصدها

- ‌المطلب السابع: التناسب والتناسق بين سورة القصص وما قبلها وما بعدها

- ‌المطلب الثامن: التناسب بين بداية السورة وخاتمتها

- ‌المبحث الثاني: الحروف المقطعة في الَقُرْآن الكَرِيم وسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة

- ‌المطلب الثاني: إعراب الحروف المقطعة

- ‌المبحث الثالث: شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها

- ‌التمهيد

- ‌المطلب الأول: أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم

- ‌المطلب الثاني: قضية التكرار

- ‌المطلب الثالث: الحكمة من التكرار

- ‌المطلب الرابع: فوائد القصص القرآني

- ‌الفصل الثاني: وقفات بين يدي السّورة

- ‌المبحث الأول: نظرات توجيهية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: توجيه المعنى في ذاتية السورة

- ‌المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها

- ‌المطلب الثالث: التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته

- ‌المطلب الرابع: التوجيه البياني التفسيري في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الخامس: الصورة البلاغية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السادس: الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السابع: الرسم الَقُرْآني في سُوْرَة الْقَصَصِ وعلاقته بأداء المعنى

- ‌المبحث الثاني: الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص

- ‌المطلب الثاني: المرأة في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص

- ‌المطلب الرابع: التربية والسلوك في سورة القصص

- ‌المطلب الخامس: النظرة القرآنية لليهود في سورة القصص

- ‌المطلب السادس: المال مفهومه وغاياته في سورة القصص

- ‌المطلب السابع: أسلوب الدعوة في سورة القصص

- ‌المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص

- ‌المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص

- ‌الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: علو فرعون في الأرض

- ‌المطلب الثاني: نصرة المستضعَفين

- ‌المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال

- ‌المطلب الأول: قارون وكنوزه

- ‌المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره

- ‌المطلب الثالث: هلاك قارون وماله

- ‌الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى عليه السلام والظروف المحيطة به

- ‌المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى عليه السلام

- ‌المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (عليه السلام) في اليم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون

- ‌المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) في مرحلة البلوغ

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يهبه الله الحكم والعلم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) يقتل قبطياً خطأً

- ‌المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (عليه السلام) لقتله القبطي

- ‌الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المبحث الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) على ماء مدين

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يسقي الماء لبنات شعيب (عليه السلام

- ‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله:

- ‌ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب ـ القبول)

- ‌ثالثاً ـ مسائله:

- ‌المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج

- ‌المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج

- ‌المسألة الثالثة - تعين الزوجة

- ‌المسألة الرابعة - المهر

- ‌المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد

- ‌المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه

- ‌المطلب الثاني: الإجارة

- ‌تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها

- ‌المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة

- ‌المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم

- ‌المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح

- ‌المسالة الرابعة: شبهات وردها

- ‌الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مصر

- ‌المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌‌‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (عليه السلام) بنبوة أخيه هارون (عليه السلام

- ‌المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص

- ‌المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر

- ‌المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض

- ‌المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى (عليه السلام

- ‌الفصل السابع: الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) في دعوته

- ‌المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (عليه السلام) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية

- ‌المبحث الثاني: موقف المشركين من دعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: أعذار المشركين والرد عليها

الفصل: ‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

فماذا يفعل شخص مثله مطارد وحيد مجرد من كل قوى الأرض الظاهرة جميعاً لا يعلم إلى أين يتوجه، أي الطرق تخرجه من أرض الخطر، فقد سدت في وجهه كل طرق النجاة إلا طريقاً واحداً هو طريق الله، فاتجه إلى ربه داعياً أن يهديه سبيل النجاة فهداه الله جل وعلا إلى مدين، ومن هذا نتعلم درساً مهما هو أن على المسلم أن يلتجأ إلى الله في يسره وعسره.

ثانياً. على المسلم أن يقدم المساعدة للمحتاج ولو لم يطلبها، وهذا ما فعله سيدنا موسى (عليه السلام) مع بنات سيدنا شعيب (عليه السلام) .

‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

-)

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} ((1))

المناسبة

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات 25 - 28.

ص: 349

قال تعالى قبل هذه الآيات: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ((1)) " ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سبباً لدعاء شعيب (عليه السلام) قال بانياً على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه، قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ} ، أي: بسبب قول الأب، وعلى الفور "((2)) . فجاءت فاء التعقيب في قوله تعالى:

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} مشعرةً باستجابة الله له بأن ألهم شعيباً أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ابنته ((3)) .

فنلاحظ مرة أخرى الإعجاز القرآني في استخدام الحروف في مواضعها بحيث تغني عن جمل كثيرة، ونلاحظ كذلك التناسب في موارد مجيء الحروف في الجمل القرآنية، ونرى كيف أن هذه الآية جاءت متناسقة متناسبة مع الآية التي سبقتها في كمال المعنى واكتماله.

تحليل الألفاظ

1.

{اسْتِحْيَاءٍ} :

الحياء التوبة والحِشْمَة، وقد حَيَي منه حَيَاء واسْتحيا واسْتَحَى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف يقولون: اسْتَحياء منك واسْتَحْياك، واسْتَحَى منك واسْتَحَاك قال ابن بري: شاهد الحياء بمعنى الاسْتحياء ((4)) . وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها

((5)) .

2.

{لِيَجْزِيَكَ} :

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 24.

(2)

نظم الدر: 5/ 475.

(3)

ينظر التحرير والتنوير: 20/ 103.

(4)

ينظر لسان العرب: مادة (حيي) 14/ 217.

(5)

معجم مفردات ألفاظ القران: 140.

ص: 350

الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء. قال أبو الهيثم: الجزاء يكون ثواباً ويكون عقاباً ((1)) .

3.

{حِجَجٍ} :

الحجّ: القصد حجّ إلينا فلان، أي: قَدِم. وحَجَّه يُحِجَّه حَجّاً قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل. والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول: الحَجّ حَجّ البيت. والحِجّ عمل السُّنَّة. والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج ((2)) .

وقال ابن عاشور: الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية

((3)) .

القراءات الَقُرْآنيّة

1.

{فَسَقَى} :

قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.

2.

{تَوَلَّى} :

قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((4)) .

3.

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} :

قرأ ابن محيصن: (فجاءتهُ احْداهما) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان ((5)) .

4.

{يَا أَبَتِ} :

قرأ ابن عامر (يا أبتَ) .

وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر (يا أَبَهْ) وقفاً ((6))

5.

{أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى} :

(1) ينظر لسان العرب: مادة (جزى) 14/ 143.

(2)

لسان العرب: مادة (حجج) 2/ 277.

(3)

التحرير والتنوير: 20/ 107.

(4)

غيث النفع: ص 316. معجم القراءات القرآنية: 5/ 14.

(5)

المحتسب: 2/150. البَحْر المُحِيْط: 7/114. الدُّرُّ المَصُون: 5/ 338.

(6)

النشر في القراءات العشر: 2/ 131. التيسير في القراءات السبع. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني. ت 444 هـ. تحقيق: أوتو برترزل. طبع دار الكتب العلمية. بيروت. 1996.: ص 127. إتحاف فضلاء البشر: ص 342.

ص: 351

روى عن أبي عمرو (أنكحك حْدى) بحذف همزة إحدى ((1)) .

6.

{هَاتَيْنِ} :

قرأ ابن كثير (هَاتَّيْنِ) بتشديد النون ((2)) .

7.

{سَتَجِدُنِي} :

قرأ نافع، وأبو جعفر:(سَتَجِدْنيَ)((3)) .

8.

{أَيَّمَا} :

قرأ أبو عمرو، والعباس، والحسن بسكون الباء (أَيْمَا) . وقرأ ابن مسعود (أيَّ الأجلين ما قضيت) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت، فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي: زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال، أيّ: القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له ((4)) .

9.

{عُدْوَانَ} :

قرأ أبو حيوة، وابن قطيب:(عِدْوَان)((5)) .

القضايا البلاغية

1.

قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} :

(1) البحر المحيط: 7/ 115. مختصر في شواذ القُرْآن (كتاب القراءات الشاذة) من كتاب البديع. لابن خالويه. ت 370 هـ. تحقيق: برجستراسر. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان 1986 م.:112.

(2)

النشر في القراءات العشر 1/ 312-313. التيسير في القراءات السبع: ص 95. الدر المصون: 5/ 339.

(3)

التيسير في القراءات السبع: ص 172. إتحاف فضلاء البشر: ص 342. معجم القراءات القرآنية 5/ 16

(4)

الكشاف: 3/ 174. البحر المحيط: 7/ 115.

(5)

البحر المحيط 7/ 115.

ص: 352

هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ، فذكر الفعل المضارع

(تمشي) ليبني عليه قوله: {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ، وإلا فان فعل (جاءته) مغن عن ذكر (تمشي) ، واستخدم (على) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف، والمعنى أنها مستحية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية، ولا مظهرة زينة، ولكنها مبالغة في الحياء و (الاستحياء) مبالغة في الحياء ((1)) .

" فان المتبع لقوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} لا يجد له نظيراً في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني "

((2)) .

2.

الكلام الجامع المانع:

(1) التحرير والتنوير: 20/ 103

(2)

الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف: 424

ص: 353

في قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} في هذه الآية فنون عديدة، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلاً يتداوله الناس على مر العصور، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه، وهذا الإبهام من ابنة شعيب (عليه السلام) قد سلكته زليخا مع يوسف (عليه السلام)، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها:{مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ((1)) ، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه، أو تعذبه عذاباً أليماً، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوباً إليها الخنا إيذاناً بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى. إذاً هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام ((2)) .

(1) سُوْرَة يُوْسُف: الآية 25.

(2)

ينظر الكشاف: 3/ 172، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال. نَاصِر الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن المنير الإسكندري المالكي. ت 683 هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: 3/ 172.

ص: 354

3.

الإيجاز ((1)) في قوله تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} إيجاز بليغ:

فان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالاً تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل ((2)) .

المعنى العام

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}

ذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها، وعن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال:

((مستترة بكم درعها، أو بكم قميصها)) ((3)) .

{قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} قال الآلوسي: " وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. فقام معها موسى (عليه السلام) ، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك "((4)) .

{فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

قال ابن عطية: " فوصل موسى (عليه السلام) إلى داعيه، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره، فآنسه بقوله: لا تخف من القوم الظالمين، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون "((5)) .

شبه وردها

(1) الإيجاز: أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به، وإلا كان إخلالاً يفسد الكلام. معجم المصطلحات البلاغية: 1 /344.

(2)

إعراب القران وبيانه وصرفه: 5/ 310.

(3)

جامع البيان: 10/ 58.

(4)

روح المعاني: 20 /59.

(5)

المحرر الوجيز: 12/ 160.

ص: 355

ذكر الزمخشري، والرازي ((1)) مجموعة افتراضات لشبه أجابا عنها مدارهما على قول ابنة الشيخ الكبير:{إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} .

الشبهة الأولى:

فان قيل: كيف ساغ لموسى (عليه السلام) أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبية؟

الجواب عنها: أما العمل بقول امرأة، فكما يعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا باس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع.

الشبهة الثانية:

إنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يلق به أخذ الأجرة عليه، فان ذلك غير جائز في المروءة ولا في الشريعة؟

الجواب: إن المرأة وإن قالت ذلك، فَلعَلَّ موسى (عليه السلام) ما ذهب إليهم طلباً للأجرة، بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ. وروي أنها لما قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: (إنا أهل البيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً) . حتَّى قال شعيب هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك على سبيل الاضطرار.

الشبه الثالثة:

كيف يليق بشعيب النبي (عليه السلام) أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟

الجواب: لعله (عليه السلام) كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.

(1) الكشاف: 3/171. مفاتيح الغيب: 12 /241.

ص: 356

والذي يظهرا من خلال قراءة متفحصة للآية أن المسافة كانت قصيرة جداً بدليل سرعة رجوعها إلى سيدنا موسى (عليه السلام) ، فالذي يبدو أنهم كانوا ساكنين بقرب بئر الماء على عادة أهل البادية بالتجمع قرب مصادر المياه بحيث يرى ابنته حينما ذهبت لدعوة موسى، فهي قريبة منه، فلا خوف عليها، وإنه حسن الظن به بسبب مدح بناته له لأنه سقى لهما، فهو يحمل صفة المروءة والمساعدة.

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}

قال أبو حيان: إن القائلة هي التي ذهبت إلى موسى والتي تزوجها فيما بعد

((1)) . وجاء لفظ استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

وعن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: " أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا} ((2)) ، وأبو بكر في عمر.

فقد عرفت قوته من رفعه الصخرة ولا يطيقه إلا عشر رجال. وقيل: أكثر، وأمانته من قوله لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق ((3)) .

{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}

يفهم من قوله: (هاتين) على أنه كان له غيرهما، وأراد بهاتين الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملها، فينظر من يقع اختياره عليها منها ليعقد له عليها ((4)) . وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها، وكانت التي اختارها موسى (صفّورة) وهي الصغرى وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها، فكان ذلك ترجيحاً لها عنده ((5)) .

(1) الكشاف: 3/172.

(2)

سُوْرَة يُوْسُف: الآية 21.

(3)

ينظر المحرر الوجيز: 12/16. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: 6/405.

(4)

ينظر المحرر الوجيز: 12/160. روح المعاني: 20/67.

(5)

التحرير والتنوير: 20/106.

ص: 357

{عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ}

أي: " قال أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتيّ على أن تكون أجيراً لي ثماني سنوات ترعى لنا فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشراً فإحسان من عندك، وما احب أن أشاقك بمناقشة، أو مراعاة أوقات، أو أكلفك ما فيه مشقة، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا "((1)) .

{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ

وَكِيلٌ}

أي: " ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه، أيما الأجلين أطولهما أو أقصرهما وفيتك إياه، فلا يتعدى عليّ بطلب الزيادة، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على ثماني، أو فلا أكون معتدياً بترك الزيادة عليه كقولك: لا إثم علي، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي ((2)) . والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا ويعلم ما تعاقدنا عليه "((3)) .

ما يستفاد من النصّ

يمكن أن نستنتج المعاني الآتية من الآيات القرآنية الخاصة بزواج سيدنا موسى:

فقد رأينا الحياء والعفة المتمثلتين في ابنة سيدنا شعيب (عليه السلام) وهو ما ينبغي لكل امرأة أن لا ترفع عنها هذه النعمة العظيمة التي يريد أعداء الله أن ينتزعوه عنها بدعوى الثقافة والانفتاح.

(1) تفسير المراغي: 20/52.

(2)

أنوار التنزيل: 2/214.

(3)

تفسير الكريم الرحمن: 4/ 14.

ص: 358