المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي - سورة القصص دراسة تحليلية - جـ ١

[محمد مطني]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: التمهيدي

- ‌المبحث الأول: دراسة عامة عن السّورة

- ‌المطلب الأول: اسمها

- ‌المطلب الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص

- ‌المطلب الثالث ترتيب سورة القصص في المصحف

- ‌المطلب الرابع فضلها

- ‌المطلب الخامس: سورة القصص أمكية هي أم مدنية

- ‌المطلب السادس: الأغراض العامة لسورة القصص ومقاصدها

- ‌المطلب السابع: التناسب والتناسق بين سورة القصص وما قبلها وما بعدها

- ‌المطلب الثامن: التناسب بين بداية السورة وخاتمتها

- ‌المبحث الثاني: الحروف المقطعة في الَقُرْآن الكَرِيم وسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة

- ‌المطلب الثاني: إعراب الحروف المقطعة

- ‌المبحث الثالث: شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها

- ‌التمهيد

- ‌المطلب الأول: أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم

- ‌المطلب الثاني: قضية التكرار

- ‌المطلب الثالث: الحكمة من التكرار

- ‌المطلب الرابع: فوائد القصص القرآني

- ‌الفصل الثاني: وقفات بين يدي السّورة

- ‌المبحث الأول: نظرات توجيهية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: توجيه المعنى في ذاتية السورة

- ‌المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها

- ‌المطلب الثالث: التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته

- ‌المطلب الرابع: التوجيه البياني التفسيري في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الخامس: الصورة البلاغية في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السادس: الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب السابع: الرسم الَقُرْآني في سُوْرَة الْقَصَصِ وعلاقته بأداء المعنى

- ‌المبحث الثاني: الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص

- ‌المطلب الثاني: المرأة في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص

- ‌المطلب الرابع: التربية والسلوك في سورة القصص

- ‌المطلب الخامس: النظرة القرآنية لليهود في سورة القصص

- ‌المطلب السادس: المال مفهومه وغاياته في سورة القصص

- ‌المطلب السابع: أسلوب الدعوة في سورة القصص

- ‌المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص

- ‌المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص

- ‌الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: علو فرعون في الأرض

- ‌المطلب الثاني: نصرة المستضعَفين

- ‌المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال

- ‌المطلب الأول: قارون وكنوزه

- ‌المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره

- ‌المطلب الثالث: هلاك قارون وماله

- ‌الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى عليه السلام والظروف المحيطة به

- ‌المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى عليه السلام

- ‌المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (عليه السلام) في اليم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون

- ‌المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) في مرحلة البلوغ

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يهبه الله الحكم والعلم

- ‌المطلب الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) يقتل قبطياً خطأً

- ‌المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (عليه السلام) لقتله القبطي

- ‌الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المبحث الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) على ماء مدين

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يسقي الماء لبنات شعيب (عليه السلام

- ‌المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مدين

- ‌المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (عليه السلام) من ابنة شعيب (عليه السلام

- ‌أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله:

- ‌ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب ـ القبول)

- ‌ثالثاً ـ مسائله:

- ‌المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج

- ‌المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج

- ‌المسألة الثالثة - تعين الزوجة

- ‌المسألة الرابعة - المهر

- ‌المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد

- ‌المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه

- ‌المطلب الثاني: الإجارة

- ‌تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها

- ‌المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة

- ‌المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم

- ‌المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح

- ‌المسالة الرابعة: شبهات وردها

- ‌الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى مصر

- ‌المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌‌‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يرى ناراً في جانب الطور

- ‌المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (عليه السلام) بنبوة أخيه هارون (عليه السلام

- ‌المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص

- ‌المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام

- ‌المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر

- ‌المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض

- ‌المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى (عليه السلام

- ‌الفصل السابع: الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ

- ‌المبحث الأول: الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) في دعوته

- ‌المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (عليه السلام) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية

- ‌المبحث الثاني: موقف المشركين من دعوته (صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: أعذار المشركين والرد عليها

الفصل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي

{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ((1)) ، فهذه الآية تجعل الإيمان النبوي في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مقروناً بعلمه (صلى الله عليه وسلم) بأن الله عز وجل يرجعه بالنصر إلى مكة المكرمة، وهو ما تحقق يوم الفتح (ولنحن نعلم أن هذه الآيات نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة) فكانت بشارة إيمانية من الله عز وجل لتقرر حقيقة الإيمان في مقابل الكفر والشرك من خلال كون جملة {مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى} تعني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وجملة {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} تعني الكفرة والمشركين من قريش، وذلك يبرّز الإيمان في مقابل الكفر والشرك.

وبذلك يمكن لنا أن نبين كيف أن الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص برزت بروزاً واضح المعالم في كل الآيات الشريفة التي تقدم ذكرها.

‌الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

‌المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ

‌تمهيد

لازال البحث في المفاهيم القرآنية ميداناً فيه مجال عظيم السعة للسير فيه ما وسع الباحث السير.

ذلك أن جملة المفاهيم القرآنية تحتوي في ظاهرها وباطنها على دلالات عقلية ـ قلبية تعين على إدراك النص الكامن في ظواهر معاني الآيات والسور.

لذلك اهتم العلماء بهذه المفاهيم القرآنية، وأولوها الاهتمام كله سواء من درسها درساً لغوياً أو درساً بيانياً أو درساً تفسيرياً بالمأثور والمعقول من القدماء والمحدثين.

ولعل من تلك المفاهيم مفهوما (الطغيان) و (التكبر) اللذين وردا في جملة من آيات وسور القران الكريم، وكانا بدلالتهما معبرين عن المعنى المراد لهما إيضاحه للمؤمن المسلم ((2)) .

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 85.

(2)

ينظر الصورة الَقُرْآنيّة للإنسان: ص 133 -134.

ص: 196

وقد ورد هذان المفهومان في سورة القصص التي هي بإجماع المفسرين

(مكية) ، ونحن نعلم أن مجموعة السور المكية مما أنزل قبل هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) احتوت على إشارات من أخبار الأمم السابقة تقرع أسماع طغاة ومتكبري قريش من الكفرة الذين جحدوا رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان لزاماً عليهم التنبه لسبب أسماعهم أخبار الطغاة والمتكبرين لعلهم يتعظوا بها، ويرجعوا عن طغيانهم وتكبرهم في الأرض ((1)) .

وسوف نحاول فيما يأتي تحليل هاتين المادتين في سورة القصص بلفظهما ومعناها حسب ما يتضح من سياق السورة، وأهمية ذلك تكمن في أن الفهم الشمولي لمفاهيم المصطلحات القرآنية يعين على الإدراك الكلي للنص القرآني.

وسنحاول في البداية تبيين المعنى التعريفي للمادتين من خلال كتاب

(المفردات في غريب القران) للراغب الأصفهاني ((2)) ، ومقارنة ذلك بالتأويل المفهوم من نص سورة القصص إن شاء الله العلي العظيم.

(1) ينظر المصدر نفسه: ص 205 –207.

(2)

ص 121 وما بعدها.

ص: 197

قال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات: " طغى طغوت وطغيت طغواناً، وطغينا وطغاة، كذا حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحدّ في العصيان. قال تعالى:{إِنَّهُ طَغَى} ((1)) {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} ((2)) . وقال تعالى: {قَالا رَبَّنَا انَّنَا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَى} ((3)) ، {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ((4)) ، قال تعالى:{فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانا وَكُفْرا} ((5)) ، {فِي طُغْيَانِهِمْ

يَعْمَهُونَ} (6)) {إِلَاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} ((7)) ، {وَانَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} ((8)) ، {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ} ((9)) .

والطغوى الاسم منه، قال تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} ((10)) ، تنبيهاً أنهم لم يصدقوا إذ خوفوا بعقوبة طغيانهم.

وقوله تعالى: {هُمْ أظْلَمَ وَأطْغَى} ((11)) .

(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 24. والآية: 43. وسُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية 17.

(2)

سُوْرَة الْعَلَق: الآية 6.

(3)

سُوْرَة (طَه) : الآية 45.

(4)

سُوْرَة (طَه) : الآية 81.

(5)

سُوْرَة الكَهْفِ: الآية 80.

(6)

سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 15.

(7)

سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 60.

(8)

سُوْرَة (ص) : الآية 55.

(9)

سُوْرَة (ق) : الآية 27.

(10)

سُوْرَة الشَّمْسِ: الآية 11.

(11)

سُوْرَة النَّجْم: الآية 53.

ص: 198

تنبيهاً على أن الطغيان لا ينجي الإنسان، فقد كان قوم نوح أطغى منهم فاهلكوا وقوله:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} ((1)) ، فاستعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحد. وقوله:{فَاهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} ((2)) ، فإشارة إلى الطوفان المعبر عنه بقوله:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} .

والطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع قال:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} ((3)) " ((4)) .

وقال رحمه الله في المادة الأخرى:

" كبير

فالكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان في إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم. والتكبر على الله تعالى بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار

أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيراً

وأن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له" (5) .

(1) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية 11.

(2)

سُوْرَة الحَاقَّة: الآية 5.

(3)

سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 256.

(4)

ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 121.

(5)

ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص80 وما بعدها. وينظر معجم المفردات والألفاظ والأعلام الَقُرْآنيّة. د. شفيق حسن. الطبعة الثانية. دار المعرفة للتوزيع والنشر. القاهرة. 1984 م.: 2/156.

ص: 199

فإذا جئنا إلى سورة القصص الكريمة وجدنا أن مادة (طغى) وردت فيها

(معنى) ، وإن مادة (تكبر) وردة فيها لفظاً ومعنى من خلال مفهوم النص، والمزج بين الوارد لفظاً ومعنى يدلنا على اقتضاء معرفة السياق القرآني. فقوله تعالى فيها:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ((1)) ، فيه دلالة التكبر العام. وفي ذلك يقول مصلح رافع:

" والقارئ للآية الرابعة من سورة القصص يجد أن إفساد فرعون في الأرض كان بسبب طغيانه وكفره وتكبره وعتوه لأمارة في نفسه (الحمقاء) من أن الملك الأرضي معادل للملك الإلهي العام، لذلك ظن أنه صار الرب، فعاث في الأرض فساداً، ولكن العلو في الأرض بالنسبة له مفهوم مجازي، فهو يرى نفسه الأعلى ـ وحاش لله ـ كما في قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} ((2)) ، وقوله لهامان: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إله مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ((3)) ، لذلك كان ما ورد عنه في سورة القصص مشعراً بحمقه، في عين الوقت المشعر بطغيانه "((4)) .

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 4.

(2)

سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية 51.

(3)

سُوْرَة غَافِرِ: الآيتان 36 –37.

(4)

آيات الإفساد في الَقُرْآن الكَرِيم. د. رشدي أحمد. الطبعة الأولى. دار المعارف الجامعية. الإسكندرية. 1984 م.: ص 11.

ص: 200

ونحن نوافق الباحث الفاضل فيما ذهب إليه، ونزيد عليه أن فرعون لم يميز في ادعائه الألوهية بين ذاته الفانية، وبين الذات الإلهية الخالدة. وهذا الطغيان والتكبر برأينا عائد إلى أن المصريين (الفراعنة) كانوا يؤمنون بأنهم هم الآلهة. وحتى (إخناتون) و (توت عنخ آمون) كانا يؤمنان بإله واحد هو (إله القمر الساري فيهما) خلافاً لبعض المتعصبين المصرين الذين يزعمون أنهما كانا

موحدين!!!

فالتوحيد بمعنى توحيد الله عز وجل لم يكن في يوم من الأيام دين قدامى المصريين أبداً. ودليلنا في ذلك ما قاله أحد المستشرقين، إذ ذكر في ذلك:" لقد كان معظم الفراعنة يرون أنفسهم أعظم وأطهر وأسمى وأقدس من عامة الناس، لذلك كانوا يتصورون أنهم هم (الآلهة) ، وتظهر البرديات أن (رمسيس) الذي يراه البعض الفرعون المذكور في القران كان أشدهم إحساساً بنفسه في علوه على الناس، حتى إنه أمر بطمس كل ذكر للفراعنة الذين سبقوه ليحظى بذكر أنه هو الإله الأوحد، وقد أساء السيرة في الناس، وفي الإسرائيليين الذين سكنوا أرض مصر في عصره حتى زمن الخروج "((1)) .

(1) عصر الفراعنة. لويس توبريان. ترجمة: مُحَمَّد كمال مُحَمَّد. الطبعة الأولى. القاهرة. 1992 م: ص99-101.

ص: 201

فهذا النص يدلنا على هذا التكبر والطغيان. ونجد في سورة القصص تكبراً لعامة الناس عن مساعدة النساء، وهو ما ورد في قوله تعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ((1)) ، فهذا النص دال على أن هؤلاء الناس في (مدين) كانوا على درجة عالية من قلة الأدب، ومن العلو ومن التكبر الواضح في سقي رعائهم لأنفسهم، وفي منعهم النساء من السقي، (والنص يشعر بأن هذا الفعل يومي متجدد) . وفي ذلك يقول بعض الباحثين:" تشعر هذه الآية ((2)) إن موسى (عليه السلام) كان يحمل من التواضع الشيء العظيم، وإن شعب مدين كان يحمل من التكبر والتجبر الشيء العظيم، ويبدو أنهم كانوا من تلك الشعوب التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية "((3)) .

ويعود السياق القرآني ليرينا صورة أخرى من صور تكبر وطغيان فرعون: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} ((4)) ، فالآية الشريفة مشعرة بان فرعون كان إذ يستكبر في الأرض يظن الخلود، وأنه لا يرجع إلى الله تعالى، ويبدو أنها كانت عقيدة جنوده كذلك على ما يوحي به السياق.

ويقول تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} ((5)) .

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 23.

(2)

أي الآية 23 من سُوْرَة الْقَصَصِ.

(3)

ينظر الصفة الإنسانية في الَقُرْآن الكَرِيم. أحمد عَبْد الله. مكتبة الناشر العربي. دمشق. 1988 م.: ص119 – 120.

(4)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 39.

(5)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 58.

ص: 202

فتجد في مفهوم النص الطغيان المادي لتلك القرى التي بطرت فاستكبرت وطغت، ويقول تعالى في الطغيان البشري والتكبر الروحي:{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} ((1)) .

ثم يقول تعالى في ذلك السياق: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} ((2)) .

ثم يقول تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} ((3)) .

فتجد أن البغي القاروني كان بسبب تكبره وطغيانه في الأرض بماله الذي هو رزق الله عز وجل والذي ليس له منه مقدار شعرة.

والنص القرآني واضح كل الوضوح في أن هذا التكبر لا عاقبه له إلا أن يخسف بالمتكبر وبداره الأرض {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} ((4)) .

ويذكر الله تعالى في نقض مفهومي التكبر والطغيان على حد سواء في السورة نفسها {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا ً} ((5)) ، فتجد أن السياق القرآني يتواصل معك في استقرار نفسي يجعلك تنبذ في ذاتك (إن كان فيك ذرة من كبر، أو طغيان) . وهذا من بدائع إعجاز النص القرآني في سورة القصص. وذلك لأن سياق بعض الآيات في سورة القصص ـ وخاصة ما ورد منها في شان مادتي الطغيان (مفهوماً) والتكبر (لفظاً) على حد سواء ـ يجعل القارئ والسامع والمخاطب بها يستشعر في نفسه أن كلّ ذلك التكبر والطغيان مما يستحي منه لا مما يتفاخر به لان قوله تعالى فيها: {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً} ((6)) .

(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 76.

(2)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 78.

(3)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 79.

(4)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 81.

(5)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 83.

(6)

سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 83.

ص: 203