الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ((1)) ، فهذه الآية تجعل الإيمان النبوي في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مقروناً بعلمه (صلى الله عليه وسلم) بأن الله عز وجل يرجعه بالنصر إلى مكة المكرمة، وهو ما تحقق يوم الفتح (ولنحن نعلم أن هذه الآيات نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة) فكانت بشارة إيمانية من الله عز وجل لتقرر حقيقة الإيمان في مقابل الكفر والشرك من خلال كون جملة {مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى} تعني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وجملة {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} تعني الكفرة والمشركين من قريش، وذلك يبرّز الإيمان في مقابل الكفر والشرك.
وبذلك يمكن لنا أن نبين كيف أن الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص برزت بروزاً واضح المعالم في كل الآيات الشريفة التي تقدم ذكرها.
الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ
المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ
تمهيد
لازال البحث في المفاهيم القرآنية ميداناً فيه مجال عظيم السعة للسير فيه ما وسع الباحث السير.
ذلك أن جملة المفاهيم القرآنية تحتوي في ظاهرها وباطنها على دلالات عقلية ـ قلبية تعين على إدراك النص الكامن في ظواهر معاني الآيات والسور.
لذلك اهتم العلماء بهذه المفاهيم القرآنية، وأولوها الاهتمام كله سواء من درسها درساً لغوياً أو درساً بيانياً أو درساً تفسيرياً بالمأثور والمعقول من القدماء والمحدثين.
ولعل من تلك المفاهيم مفهوما (الطغيان) و (التكبر) اللذين وردا في جملة من آيات وسور القران الكريم، وكانا بدلالتهما معبرين عن المعنى المراد لهما إيضاحه للمؤمن المسلم ((2)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 85.
(2)
ينظر الصورة الَقُرْآنيّة للإنسان: ص 133 -134.
وقد ورد هذان المفهومان في سورة القصص التي هي بإجماع المفسرين
(مكية) ، ونحن نعلم أن مجموعة السور المكية مما أنزل قبل هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) احتوت على إشارات من أخبار الأمم السابقة تقرع أسماع طغاة ومتكبري قريش من الكفرة الذين جحدوا رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان لزاماً عليهم التنبه لسبب أسماعهم أخبار الطغاة والمتكبرين لعلهم يتعظوا بها، ويرجعوا عن طغيانهم وتكبرهم في الأرض ((1)) .
وسوف نحاول فيما يأتي تحليل هاتين المادتين في سورة القصص بلفظهما ومعناها حسب ما يتضح من سياق السورة، وأهمية ذلك تكمن في أن الفهم الشمولي لمفاهيم المصطلحات القرآنية يعين على الإدراك الكلي للنص القرآني.
وسنحاول في البداية تبيين المعنى التعريفي للمادتين من خلال كتاب
(المفردات في غريب القران) للراغب الأصفهاني ((2)) ، ومقارنة ذلك بالتأويل المفهوم من نص سورة القصص إن شاء الله العلي العظيم.
(1) ينظر المصدر نفسه: ص 205 –207.
(2)
ص 121 وما بعدها.
قال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات: " طغى طغوت وطغيت طغواناً، وطغينا وطغاة، كذا حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحدّ في العصيان. قال تعالى:{إِنَّهُ طَغَى} ((1)) {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} ((2)) . وقال تعالى: {قَالا رَبَّنَا انَّنَا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَى} ((3)) ، {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ((4)) ، قال تعالى:{فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانا وَكُفْرا} ((5)) ، {فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ} (6)) {إِلَاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} ((7)) ، {وَانَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} ((8)) ، {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ} ((9)) .
والطغوى الاسم منه، قال تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} ((10)) ، تنبيهاً أنهم لم يصدقوا إذ خوفوا بعقوبة طغيانهم.
وقوله تعالى: {هُمْ أظْلَمَ وَأطْغَى} ((11)) .
(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 24. والآية: 43. وسُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية 17.
(2)
سُوْرَة الْعَلَق: الآية 6.
(3)
سُوْرَة (طَه) : الآية 45.
(4)
سُوْرَة (طَه) : الآية 81.
(5)
سُوْرَة الكَهْفِ: الآية 80.
(6)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 15.
(7)
سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 60.
(8)
سُوْرَة (ص) : الآية 55.
(9)
سُوْرَة (ق) : الآية 27.
(10)
سُوْرَة الشَّمْسِ: الآية 11.
(11)
سُوْرَة النَّجْم: الآية 53.
تنبيهاً على أن الطغيان لا ينجي الإنسان، فقد كان قوم نوح أطغى منهم فاهلكوا وقوله:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} ((1)) ، فاستعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحد. وقوله:{فَاهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} ((2)) ، فإشارة إلى الطوفان المعبر عنه بقوله:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} .
والطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع قال:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} ((3)) " ((4)) .
وقال رحمه الله في المادة الأخرى:
" كبير
…
فالكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان في إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم. والتكبر على الله تعالى بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار
…
أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيراً
…
وأن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له" (5) .
(1) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية 11.
(2)
سُوْرَة الحَاقَّة: الآية 5.
(3)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 256.
(4)
ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 121.
(5)
ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص80 وما بعدها. وينظر معجم المفردات والألفاظ والأعلام الَقُرْآنيّة. د. شفيق حسن. الطبعة الثانية. دار المعرفة للتوزيع والنشر. القاهرة. 1984 م.: 2/156.
فإذا جئنا إلى سورة القصص الكريمة وجدنا أن مادة (طغى) وردت فيها
(معنى) ، وإن مادة (تكبر) وردة فيها لفظاً ومعنى من خلال مفهوم النص، والمزج بين الوارد لفظاً ومعنى يدلنا على اقتضاء معرفة السياق القرآني. فقوله تعالى فيها:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ((1)) ، فيه دلالة التكبر العام. وفي ذلك يقول مصلح رافع:
" والقارئ للآية الرابعة من سورة القصص يجد أن إفساد فرعون في الأرض كان بسبب طغيانه وكفره وتكبره وعتوه لأمارة في نفسه (الحمقاء) من أن الملك الأرضي معادل للملك الإلهي العام، لذلك ظن أنه صار الرب، فعاث في الأرض فساداً، ولكن العلو في الأرض بالنسبة له مفهوم مجازي، فهو يرى نفسه الأعلى ـ وحاش لله ـ كما في قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} ((2)) ، وقوله لهامان: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إله مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ((3)) ، لذلك كان ما ورد عنه في سورة القصص مشعراً بحمقه، في عين الوقت المشعر بطغيانه "((4)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 4.
(2)
سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية 51.
(3)
سُوْرَة غَافِرِ: الآيتان 36 –37.
(4)
آيات الإفساد في الَقُرْآن الكَرِيم. د. رشدي أحمد. الطبعة الأولى. دار المعارف الجامعية. الإسكندرية. 1984 م.: ص 11.
ونحن نوافق الباحث الفاضل فيما ذهب إليه، ونزيد عليه أن فرعون لم يميز في ادعائه الألوهية بين ذاته الفانية، وبين الذات الإلهية الخالدة. وهذا الطغيان والتكبر برأينا عائد إلى أن المصريين (الفراعنة) كانوا يؤمنون بأنهم هم الآلهة. وحتى (إخناتون) و (توت عنخ آمون) كانا يؤمنان بإله واحد هو (إله القمر الساري فيهما) خلافاً لبعض المتعصبين المصرين الذين يزعمون أنهما كانا
موحدين!!!
فالتوحيد بمعنى توحيد الله عز وجل لم يكن في يوم من الأيام دين قدامى المصريين أبداً. ودليلنا في ذلك ما قاله أحد المستشرقين، إذ ذكر في ذلك:" لقد كان معظم الفراعنة يرون أنفسهم أعظم وأطهر وأسمى وأقدس من عامة الناس، لذلك كانوا يتصورون أنهم هم (الآلهة) ، وتظهر البرديات أن (رمسيس) الذي يراه البعض الفرعون المذكور في القران كان أشدهم إحساساً بنفسه في علوه على الناس، حتى إنه أمر بطمس كل ذكر للفراعنة الذين سبقوه ليحظى بذكر أنه هو الإله الأوحد، وقد أساء السيرة في الناس، وفي الإسرائيليين الذين سكنوا أرض مصر في عصره حتى زمن الخروج "((1)) .
(1) عصر الفراعنة. لويس توبريان. ترجمة: مُحَمَّد كمال مُحَمَّد. الطبعة الأولى. القاهرة. 1992 م: ص99-101.
فهذا النص يدلنا على هذا التكبر والطغيان. ونجد في سورة القصص تكبراً لعامة الناس عن مساعدة النساء، وهو ما ورد في قوله تعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ((1)) ، فهذا النص دال على أن هؤلاء الناس في (مدين) كانوا على درجة عالية من قلة الأدب، ومن العلو ومن التكبر الواضح في سقي رعائهم لأنفسهم، وفي منعهم النساء من السقي، (والنص يشعر بأن هذا الفعل يومي متجدد) . وفي ذلك يقول بعض الباحثين:" تشعر هذه الآية ((2)) إن موسى (عليه السلام) كان يحمل من التواضع الشيء العظيم، وإن شعب مدين كان يحمل من التكبر والتجبر الشيء العظيم، ويبدو أنهم كانوا من تلك الشعوب التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية "((3)) .
ويعود السياق القرآني ليرينا صورة أخرى من صور تكبر وطغيان فرعون: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} ((4)) ، فالآية الشريفة مشعرة بان فرعون كان إذ يستكبر في الأرض يظن الخلود، وأنه لا يرجع إلى الله تعالى، ويبدو أنها كانت عقيدة جنوده كذلك على ما يوحي به السياق.
ويقول تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} ((5)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 23.
(2)
أي الآية 23 من سُوْرَة الْقَصَصِ.
(3)
ينظر الصفة الإنسانية في الَقُرْآن الكَرِيم. أحمد عَبْد الله. مكتبة الناشر العربي. دمشق. 1988 م.: ص119 – 120.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 39.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 58.
فتجد في مفهوم النص الطغيان المادي لتلك القرى التي بطرت فاستكبرت وطغت، ويقول تعالى في الطغيان البشري والتكبر الروحي:{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} ((1)) .
ثم يقول تعالى في ذلك السياق: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} ((2)) .
ثم يقول تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} ((3)) .
فتجد أن البغي القاروني كان بسبب تكبره وطغيانه في الأرض بماله الذي هو رزق الله عز وجل والذي ليس له منه مقدار شعرة.
والنص القرآني واضح كل الوضوح في أن هذا التكبر لا عاقبه له إلا أن يخسف بالمتكبر وبداره الأرض {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} ((4)) .
ويذكر الله تعالى في نقض مفهومي التكبر والطغيان على حد سواء في السورة نفسها {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا ً} ((5)) ، فتجد أن السياق القرآني يتواصل معك في استقرار نفسي يجعلك تنبذ في ذاتك (إن كان فيك ذرة من كبر، أو طغيان) . وهذا من بدائع إعجاز النص القرآني في سورة القصص. وذلك لأن سياق بعض الآيات في سورة القصص ـ وخاصة ما ورد منها في شان مادتي الطغيان (مفهوماً) والتكبر (لفظاً) على حد سواء ـ يجعل القارئ والسامع والمخاطب بها يستشعر في نفسه أن كلّ ذلك التكبر والطغيان مما يستحي منه لا مما يتفاخر به لان قوله تعالى فيها: {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً} ((6)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 76.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 78.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 79.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 81.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 83.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 83.