الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ودل قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} الآية، على الدعوة بالابتعاد عن اللغو، والابتعاد عن الدخول في المنافسات والجدال العقيم في مسائل أخلاقية غير مهمة والابتعاد عن مجادلة الجهلة لأن الجدل مع أهل اللغو لغو، والتركيز على كلّ ما يربط الإنسان بخالقه.
نستدل من الآيات على أن الكفر برسالة بمحمد (صلى الله عليه وسلم) يدخل اليهود والنصارى في الكفر {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} ((1)) ما دامت الدعوة قد بلغتهم على اختلاف مشاربهم المذهبية.
المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية
المناسبة
فيما مرّ من الآيات السابقات تم استعراض نموذجاً من الذين نزل عليهم الوحي، وبلغتهم دعوة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) النموذج الأول المتمثل في كفار قريش الذين كانوا يمارون بغير حقّ، ويأتون بالحجج لا ليؤمنوا كقولهم:{لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} ، فبين الَقُرْآن الكَرِيم أنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم بقوله تعالى:{أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} ، والنموذج الآخر هو فريق من الذين أوتوا الكتاب ممن استقام طبعهم، وخلصت نيتهم، فبين الَقُرْآن الكَرِيم طريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم، فقال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} .
(1) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية 19.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 56.
ثُمَّ أراد الَقُرْآن الكَرِيم في هذه الآيات أن يبين أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم الَقُرْآن ووراءه من قومه من جهده ليؤمن، ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام فلم يقدِّر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه، وما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) ليهدي من يحب، إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان ((1)) . فناسبت هذه الآية مكانها في سُوْرَة الْقَصَصِ، وناسبت أيضاً ما قبلها ليكتمل المعنى بأن الهداية التوفيقية هي بيد الله وحده، العالم بمن يستحقها، والهداية البيانية هي مهمة الرسل والأنبياء والدعاة أن يقوموا بها.
أسباب النزول
أخرج مسلم، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) لعمه:
((قل لا إله إلا الله أشهد لك يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقرت بها عينك، فأنزل الله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ} )) ((2)) .
وأخرج النسائي بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أفي أبي جهل، وأبي طالب؟ قال: نعم " ((3)) .
تحليل الألفاظ
1.
{تَهْدِي} :
(1) ينظر في ظلال القرآن: 6 /360.
(2)
صحيح مسلم: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت 1/55 رقم (25) .
(3)
السنن الكبرى (النسائي) : 6 /245. وينظر أسباب النزول (الواحدي) : ص 243. لباب النقول في أسباب النزول. عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي بكر بن مُحَمَّد السيوطي أبو الفضل. (849 ـ 911) . الطبعة الأولى. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. مصر. 1964 م.: ص 598 –599.
الهُدى ضدّ الضلال وهو الرَّشادُ، والهادي من أَسماء الله سبحانه وتعالى. وقد هَداه هُدىً وهَدْياً وهِدايةً وهِديةً وهَداه للدِّين هُدىً وهَداه يَهْدِيه في الدِّين هُدىً. وقال الليث: ومعنى هَدَيْتُ لك في معنى بَيَّنْتُ لك وهُدَى الله، أَي: الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ. وقال ابن بري: يقال هديته الطريق بمعنى عرفته.
وقال ابن الأَثير: والهادي هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبِيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده ((1)) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الهداية دلالة بلطف
…
وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه:
الأول: الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية.
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (2) .
الثالث: الهداية التوفيقية التي يختص بها من اهتدى، وهو المعني بقوله تعالى:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ((3)) . وقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ((4)) .
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدِّيْن بن أَبِي الكرم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الشيباني الجزري. المعروف بابن الأثير أبو السعادات. (544 ـ 606) . تحقيق: طاهر أحمد الزاوي – محمود مُحَمَّد الطناحي. المكتبة العلمية. بيروت. ط1. 1399هـ – 1979م.: 5 /525. لِسَان العَرَب: مَادة (هدى) 15 /535.
(2)
سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية 73. سُوْرَة السَّجْدَةِ: الآية 24.
(3)
سُوْرَة مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) : الآية 17.
(4)
سُوْرَة التَّغَابُن: الآية 11.
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} ((1)) .
وهذه الهدايات الأربع مرتبة؛ فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله.
أما بقية أنواع الهداية فهي لله وحده، قال تعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، وكل هداية ذكر الله عز وجل أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية التوفيقية، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنة.
قال تعالى: {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ((2)) وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ((3))
…
إذ طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من يتحرى طريق الظلال والكفر ((4)) .
فالهداية بذلك التي هي نقيض الضلال دالة في سياق تعريفها الاصطلاحي على كونها بنوعيها هي من هبات الله عز وجل.
القضايا البلاغية
1.
في الآية طباق سلب بين {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} وبين {إِنَّكَ لَا تَهْدِي وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
المعنى العام للآيات
(1) سُوْرَة مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) : الآية 5.
(2)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 258 وغيرها.
(3)
سُوْرَة النَّحْلِ: الآية 107.
(4)
ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 536.
" هداية متواصلة إلى البغية لا محالة "((1)) . وقال الزَّمَخْشَرِيّ: " لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره "((2)) .
وقال النسفي: " يخلف فعل الاهتداء فيمن يشاء "((3)) .
وقال الشيخ أحمد الصاوي: " أي فسلّم أمرك لله، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاء ولا يبالي بأحد "((4)) .
{وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
" بالمستعدين لذلك "((5)) .
وقال البقاعي: " أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عرقيين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد "((6)) .
وقال الشيخ زاده: " وهذه الآية حجة لنا على المعتزلة في قولهم إن الهدى هو البيان، وقد هدى الناس جميعاً، ولكن لم يهتد البعض منهم بسوء اختيارهم، فهذه الآية دلت على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة التي هي داعية اكتساب الخير والاجتناب عن الشر إذ يفعل ما يشاء بحكمته لا يسئل عما يفعل "((7)) .
ما يستفاد من النصّ
1ـ كثيراً ما يعتذر المخلّ بواجب الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الآية، ويتشبث بظاهرها ليرفع اللوم عنه بسبب تكاسله بحجة أن الهداية بيد الله، ونفاها عن حبيبه (صلى الله عليه وسلم) ، وكذلك يعتذر بهذه الآية المنهمكون في الشهوات والمعاصي بحجة أن الله لم يهده، والجواب عن ذلك في شقين:
(1) روح المعاني: 20 /96.
(2)
الكَشَّاف: 3 /185.
(3)
مَدَارِك التَّنْزِيل: 3 /240.
(4)
حاشية الصاوي: 3 /221.
(5)
إرْشَاد العَقل السَّلِيم: 7 /19.
(6)
نظم الدرر: 5 /501.
(7)
حاشية الشيخ زاده: 2 /518.
إِنْ الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل رسله وأنبياءه ليهدون الناس إلى طريق مستقيم، طريق الهداية، وهو ما يسمى بالهداية الإرشادية، لكي لا يكون للناس حجة بعد الرسل، فمن واجب الأنبياء والرسل والدعاة أن يقوموا ما باستطاعتهم ويؤدوا واجبهم في التبليغ، وتبيين شرع الله، وهذا الواجب الذي عليهم، وليس بمقدورهم ولا من واجبهم أن يجعلوا كلّ الناس مهتدين، فهذا بيد الله وحده.
إِنْ هداية الله جَلَّ وَعَلا لبعض عباده دون آخرين بما يسمى (الهداية التوفيقية) تسبقها مقدمات مستندة إلى الهدايات الأخرى وهذه المقدمات هي عبارة عن صلاحيات اكتسبها أصحابها بالهداية الأولى العامة، وأتبعها أعمال صالحة، بمعنى أن المعنيين بالهداية الخاصة أصبحوا مستحقين لنزول تلك الرحمة، إما بإنابتهم إلى الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ((1)) ، أو بجهادهم في سبيل الله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ((2)) ، أو بأعمالهم الصالحة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} ((3)) ، فإن الله لا يهدي الوقم الكافرين، ولا الظالمين، قال تعالى:{وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ((4)) ، وقوله:{وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (5) . فالظلم والفسوق تكون حجباً تمنع نفوذ الهداية الإلهية (التوفيقية) .
(1) سُوْرَة مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) : الآية 7.
(2)
سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية 69.
(3)
سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية 9.
(4)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 264 وغيرها.
(5)
سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية 37 وغيرها.
2 ـ اختلف المفسرون في إسلام (أبي طالب) استناداً إلى مدلولات هذه الآية
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، ومن الأحاديث الواردة في سبب نزول هذه الآية. قال قسم من المفسرين: إنه لم يسلم. وقال آخرون إنه الأسلم. قال الرازي: " وهذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ". وذكر الطباطبائي أن الروايات المستفيضة عن أهل البيت دلت على إيمانه " والمنقول من أشعاره بالإقرار على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وحقية دينه، وهو الذي آوى النبي (صلى الله عليه وسلم) صغيراً وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان آثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريف "((1)) .
الذي أراه أن الثابت في الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذه الآية أنه مات على غير الإسلام، أما ما استدل به الطباطبائي من أشعار أبي طالب على إسلامه فليس بحجة، فليس فيها دلائل على إسلامه وإنما فيها دلالة على نصرته، ولم ينكره أحد، كقوله:
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه
…
ولما نطاعن عن حوله ونقاتل
ونسلمه حتَّى نصرع حوله
…
ونذهل عن أبنائنا والحلائل ((2))
(1) ينظر تفسير الميزان: 16/ 57.
(2)
ينظر حاشية الشيخ زاده: 2 /518.