الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والنص في سورة القصص يضيف المرآة المتزوجة إلى زوجها اكراماً لها بضمير الغائب، وهذا من بدائع الوصف القرآني للمرآة، كما في قوله تعالى:{فَسَارَ بِأَهْلِهِ} ، {قَالَ لأهْلِهِ} ، والمعنى القرآني الكامن في وصف المرأة المتزوجة، وإضافتها إلى موسى (عليه السلام) تقرّ بأن المرأة تبع لزوجها، وهذا من حكمة الله تعالى في خلقه، فإذا أدركنا مما تقدم صورة المرأة، والوصف القرآني في سورة القصص أدركنا إلى أي حد، وإلى أي مقدار كرم القرآن الكريم المرأة، وامتدحها وأثنى عليها ووصف ذكأها، وجعل لها أحكاماً خاصة بها دون مشقة ولا عسر.
المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص
يعد الزمن بعداً دلالياً خاضعاً لتغيرات فلسفية ـ ذات صيغة عامة في كونها تتميز بأبعاد لا يمكن وصفها إلا من خلال تعريف الزمن بأنه: " البعد الدال على تغير الوقت "((1)) .
أو هو " مرور الوقت في المكان الذي هو نقيض حركة الزمن "((2)) ، ويمكن ربط المفهوم الحديث للزمن بالمفهوم العربي الإسلامي لفكرة الزمن بأنه:" تلك المداولة الإلهية للساعات والثواني والدقائق واللحظات التي تتحكم بحركة الإنسان على الأرض من خلال تقرير إلهي لليل والنهار المرتبطين بالشمس والقمر في دورانهما حيث دارا "((3)) .
ونجد إضافة إلى ذلك كله ومقارنة به كله، أن للزمن بعداً لغوياً ـ بلاغياً يمكن تلمسه في قول بعض الباحثين:
(1) موجز تاريخ الزمن. هربرت رج. ترجمة: رضوان علي رضوان. الطبعة الثانية. دار الشؤون الأكاديمية. بيروت، لبنان 1989 م.: ص 47. وينظر الزمن في الفكر الحديث. ديفد رأي. ترجمة: أحمد عَبْد الله. الطبعة الأولى. دار الشؤون الأكاديمية. بيروت، لبنان 1992 م.: ص 115.
(2)
موجز تاريخ الزمن: ص48. وينظر الزمن في الفكر الحديث: ص 117.
(3)
الزمن في الفكر الحديث: ص 120.
" لم يختلف اللغويون والنحاة والبلاغيون والكتاب المنشؤون العرب اختلافهم في دلالة لفظة الزمن على معناها فهي في مقابل الوقت تدلّ على المداولة اليومية للساعات. وقد شرح القرآن الكريم شرحاً وافياً فكرة أن الأيام بليلها ونهارها من الله سبحانه وتعالى، وهي الفكرة التي تبناها العلماء العرب في الكلام وفي اللغة على حد سواء، فالزمن عندهم جميعاً آلة حركة الوقت "((1)) .
وقد حاول بعض المستشرقين أن ينفوا من اللغة العربية وجود دلالة زمنية في الأفعال (الماضية والحاضرة والمستقبلية) تدل على معنى زمني ((2)) ، وهذا الزعم باطل من أساسه لأن الدلالة الذاتية للفعل العربي تحمل الدلالة الزمنية في الماضي الذي ذهب، والحاضر الذي يضارع الكلام، والمستقبل المجرد عن سوف والسين، أو التصق بهما لفظاً وتقديراً في كون تلك الأفعال في معناها الفعلي وفي معناها البلاغي تدل على زمن ((3)) .
ولا ريب أن هذه الفرية بعض ما تعود المستشرقون على إلصاقه باللغة العربية منذ زمن طويل ((4)) .
(1) اللغة العربية وفكرة الزمن. د. علي دك الباب. الطبعة الأولى. الطبعة الأولى. دار الكتاب العربي. بيروت. دمشق. 1994 م.: ص 145.
(2)
اللغة العربية وفكرة الزمن: ص 217.
(3)
ينظر اللغة العربية وفكرة الزمن: ص 192.
(4)
أباطيل وأسحار. محمود مُحَمَّد شاكر. الطبعة الرابعة. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. 1988 م: ص 244.
ونحن في هذا المطلب سنحاول ـ إن شاء الله تعالى ـ دراسة البلاغة القرآنية المعجزة إلهياً في استخدام الزمن بصيغه الماضية، والحاضرة، والمستقبلية في سورة القصص تحديداً لما لاحظناه من هذا الإكثار الذي يكاد أن يعم في مدلولات الزمن، وكل ذلك إنما أتى لحكمة إلهية قد تكون غابت يوماً عن عصر المفسرين القدماء والبلاغيين القدماء وفق معارف عصرهم، أما اليوم فمن واجب المفسر المحدث إظهارها. وقد تنبه الرازي لبعض ذلك فقال في تفسير قوله تعالى:
{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} ((1)) ، " (ونريد) للاستقبال، ولكن أريد به حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالاً من يستضعف، أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم "((2)) ، فنحن واجدون في سورة القصص أن قوله تعالى:{نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} ((3)) يحمل دلالة زمنية في كون الخطاب الحاضر متعلقاً بحال ماضي يؤول في مجمله إلى المستقبل، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني في أسلوبه الفخم المتعدد الدلالات والمعاني.
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 5.
(2)
مفاتيح الغيب: 12 / 226.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 3.
واستخدام صيغ الماضي بكثرة في سورة القصص مثلما ورد في قصة موسى (عليه السلام) مثلاً: {علَا فِي الأَرْضِ} ((1)) ، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} ((2)) ،
{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} ((3)) ، {وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} ((4)) {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ} ((5)) ، {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} ((6)) ، {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ} ((7)) ، مشعر في حد ذاته بأن الزمن الماضي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمن الحاضر لا يكاد ينفصل عنه أبداً، لأن ذلك الاستخدام لا يكاد يفارق ما مضى إلا لدلالة أخرى بقرينة أخرى، فقوله تعالى:{علَا فِي الأَرْضِ} هو نفسه (يعلو) و (سيعلو) لما ضارع ولما استقبل في دلالته، وكذلك تنبه لهذه الدلالة الماضية الإمام الآلوسي رحمه الله برحمته ـ فقال في تفسير قوله تعالى:{وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} ((8)) ، " (بالأمس) منذ زمان قريب، وهو مجاز شائع، وجوز حمله على الحقيقة، والجار والمجرور متعلق بـ (تمنوا) أو بمكانه، قيل: والعطف بالفاء التي تقتضي التعقيب في (فخسفنا) يدل عليه "((9)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 4.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 4.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 8.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 9.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 12.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 14.
(7)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 15.
(8)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 82.
(9)
روح المعاني في تَفْسِير القُرْآن العَظِيْم والسبع المثاني. لأبي الفضل شهاب الدِّيْن السيد محمود الآلوسي البغدادي. ت 1307 هـ. إدارة الطباعة المنيرية بمصر (د. ت) : 20 / 124.
ونحن نوافق الآلوسي في ذلك، فإن دلالة الفعل الماضي الناقص (وأصبح) مقترنة (بالأمس) أصبحت تظهر استمرارية الزمن الماضي ودلالات الماضي في هذه السورة بلاغياً توجب الانبهار لبديع الأسلوب القرآني المعجز فقوله تعالى فيها:{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} ((1)) ، يدلّ على اقتران الفعل الماضي (عما) بالظرف الزماني (يومئذ) يصلح في استخدامه لوصف حال أولئك القوم الذين مضوا، مثلما يصلح في استخدامه لوصف حال كل قوم عميت عليهم الأنباء، فهم لا يتساءلون عن أي شيء لأنهم لا يستفيدون من سؤالهم بعد أن ذهب عنهم الزمن الذي هم فيه.
وقد تنبه على ذلك الزمخشري رحمه الله برحمته ـ فقال في قوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ} : " فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدي إليهم، {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} لا يسال بعضهم بعضاً كما يتساءل الناس في المشكلات، لأنهم يتساوون جميعاً في عمى الأنباء عليهم "((2)) .
أما دلالات الفعل المضارع على الحاضر في سورة القصص، فهي ذات صيغة خاصة تجعل قارئ النص القرآني في سورة القصص يشعر بكونه مشاهداً لما يقرأون في خياله الذي يتصور به الأشياء.
فقوله تعالى: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ} ((3)) يدلّ فيما يدلّ عليه على أن توالي الأفعال المضارعة (يستضعف) ، (يذبح) ،
(يستحي) خاص بهذه الصيغة الزمنية التي تجعل النص ليس خاصاً ببني إسرائيل وفرعون فحسب، بل خاصاً بكل من استضعف في الأرض.
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 66.
(2)
الكَشَّاف: 3/188.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 4.
وقوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ((1)) ، يدلّ في
(تمشي) وهو فعل مضارع تام على أن المشي استمر في النص، وهذه دلالة زمنية بليغة كل البلاغة تشعر بإعجاز النص القرآني.
وكذلك قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ} ((2)) ، فقد توالت الأفعال المضارعة توالياً جعلها سنة إلهية خاصة بكل مجموعة من الناس في الماضي، والحاضر، والمستقبل.
وهذه الدلالات المضارعة تنبه لها الزمخشري رحمه الله فقال: " وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا "((3)) ، فجعل الزمخشري هذه الآية دالة على الزمن بكل دلالاته.
فقد قدمنا فيما مضى استعراضاً موجزاً يبرز مكامن دلالات الزمن في سورة القصص، لنبرهن على جمالية (الاستخدام القرآني) ليجعل منه نصاً متحركاً قابلاً للعمل به في كل زمان ومكان.
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 25.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 47.
(3)
الكشاف الزمخشري: 3 / 183.