الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دلّ قوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ} على أن الأمر كله بيد الله يرفع أقواماً ويضع آخرين. وهذا ما أكدته الآيات اللاحقة من سُوْرَة الْقَصَصِ كقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ((1)) وما ختم به سُوْرَة الْقَصَصِ بقوله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ((2)) ليؤكد للناس ولأمة هذا القرآن أن القوة لله، فهو المعزّ والمذلّ، وليؤكد مرة أخرى على الترابط القرآني بين أوله وآخره.
المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون
المناسبة
صورت الآيات السابقة مشهد الأم الحائرة الخائفة على ولدها من فرعون وجنوده، ثم يأتيها الإيحاء بالبشرى من الله، وبما يثبت فؤادها {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ} ((4)) ، ثم تبتدئ أولى الخطوات اللازمة في طريق إرجاعه إلى أمه، أن يلتقطه آل فرعون ويرجعونه إلى أمه بعد أن امتنع عن قبول الرضاعة من صدور المربيات والمرضعات، ليكون ذلك سبباً لإرجاعه لأمه لتحقق أولى البشارات.
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 70.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 88.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان 8 - 9.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 7.
قال البقاعي: " ولما كان الوحي إليها بهذا السبب لإلقائه في البحر وأن إلقاءه سبب لالتقاطه قال {فَالْتَقَطَهُ} "((1)) .
وقال الرازي: " لفاء فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة محذوفة. والمعنى: فعلت ما أمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليم لما خافت عليه. وحذف ما حذف تعويلاً على دلالة الحال، وإيذاناً بكمال سرعة الامتثال "((2)) .
فنلاحظ الترابط البديع بين الآيات القرآنية باستخدام الحروف المناسبة والمغنية عن استخدام الجمل العديدة.
تحليل الألفاظ
1.
{فَالْتَقَطَهُ} :
اللَّقْطُ: أَخْذُ الشي من الأرض لَقَطَه يَلْقُطَه لَقْطاً. وَالْتَقَطَه: أخذه من الأرض، يقال لكل ساقطة لاقِطة. الالتقاط أن تَعْثَرَ على الشي من غير قصد وطلب، وشيء لقيط وملقوط. واللقِّيط: إلى، يُلتقط لأنه يُلتقط والأنثى لقيطة ((3)) .
2.
{خَاطِئِينَ} :
الخَطَأ والخَطاء ضدُّ الصواب. وقد أخطأ وأخطأ الطريق عَدَل عنه وأخطأ الرَّامي الغرض: لم يُصِبه. وخَطِئَ الرجل يَخْطأ خِطْأ وخِطْأَةَ على فِعْلة: أذنب. وخَطّأه تَخطِئة وتَخْطِيئاً نسبة إلى الخطأ وقال أَخْطَأتَ والخَطَأ ما لم يُتَعَمَّد. والخِطء ما تُعُمِّد، والخَطِيْئَة الذَّنْب على عمد والخِطءَ الذنب ((4)) .
3.
(1) نظم الدرر: 5/ 446.
(2)
مفاتيح الغيب: 20 /45. وينظر تنوير الأذهان من تَفْسِير روح البَيَان. إسماعيل حقي البروسوي. ت 1137 هـ. تحقيق: مُحَمَّد عَلِيّ الصابوني. دار القلم. دمشق. ط2. 1409 هـ – 1989 م.: 3 /120.
(3)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (لقط) 7/ 392 –393.
(4)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (خطأ) 1 /65.
" قال ابن سيده: وقرَّت عينه تَقَرّ هذه أعلى عن ثعلب، أعني فَعِلْت تَفْعَل، وقَرَّت تَقَرُّ قَرَّةً وقُرَّةً، الأخيرة عن ثعلب، وقال: هي مصدر، وقُروراً وهي ضدّ سَخِنَت، قال: ولذلك اختار بعضهم أن يكون قرَّت فعلت ليجيء بها على بناء ضدها "((1)) .
وقول العرب قَرَّت عين فلان جاء من خلال استقرئنا لدلالة الكلمة على معنى رؤية المحبوب.
القراءات القرآنية
1.
{وَحَزَنًا} :
اختلف العلماء في قرائتها في فتح الحاء وضمها، فقرأ حمزة والكسائي (وحُزْناً) بضم الحاء وإسكان الزاي. وقرأ الباقون بفتحتين. وقال أبو علي الفارسي (الحُزْن)(والحَزَنُ) لغتان مثل العُجْم والعَجَم والعُرْب والعَرَب ((2)) .
2.
{خَاطِئِينَ} :
قرئت بغير همز بتخفيف، أي: خاطين الصواب ((3)) ، فاحتمال أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر. وقيل: من خطا بخطو ((4)) .
3.
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (وقر) 5 /86.
(2)
النشر في القراءات العشر: 2 /141. الحجة في القراءات السبع. الحسين بن أحمد بن خالويه أبو عَبْد الله. (314 ـ 370) . تحقيق: د. عَبْد العال سالم مكرم. دار الشروق. بيروت. ط4. 1401 هـ.: 5 /412. الكشف عَنْ وجوه القراءات السبع. وعللها وحججها. القيسي. مُحَمَّد بن أَبِي طالب. ت 437 هـ. تحقيق: د. محيي الدِّيْن رمضان. بيروت. لبنان. 1394. 1974.: 2 /172.
(3)
الكَشَّاف: 3/ 166.
(4)
البَحْر المُحِيْط: 7 /106.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب:(قُرَّةْ) وقفا. وقرأ ابن مسعود بتقديم لا تقتلوه: (لا تقتلوه قرة عين لي ولك)((1)) .
وروي عن ابن مسعود انه قرأها: (قرة عين لي وله) . وقرأ: (قرة عين لي ولك لا تقتلونه)((2)) .
القضايا البلاغية
الاستعارة في قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا} لام التعليل، وهي المعروفة بلام كي. وقد استعملت في الآية استعمالاً وارداً على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدواً وحزناً، ولكنهم التقطوه رأفة به، وحباً له لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه. ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدواً في الله، وموجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشان العلة غالباً، فاستعير لترتب العاقبة المشبّه الحرف الذي يدل على ترتب العلة تبعاً لاستعارة معنى الحرف إلى معنى أخر، استعارة تبعية، أي: استعير الحرف تبعاً لاستعارة معناه ((3)) .
والذي اعتقده أن في الآية تأويلاً بما سيكون خلافاً لما قال الشهاب الخفاجي، وابن عاشور، لأن موسى حينما كان طفلاً لا يعلم أنه عدو لفرعون، ولا فرعون يعلم أن هذا الطفل بعينه هو الذي سيقتله.
(1) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر المسمى (منتهى الأماني والمسرات في علوم القراءات) ، أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي، الشهير بالبناء ت 1117 هـ الطبعة الأولى، تحقيق: د. شعبان محمّد إسماعيل، عالم الكتب، بيروت، 1407 هـ، 1987 م.: ص 341.
(2)
الكَشَّاف: 3 /166.
(3)
ينظر حاشية الشهاب: 7 /64. التحرير والتنوير: 20 /76.
المجاز العقلي في قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} والمعنى هذا ليكون لهم حزناً، والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزناً ((1)) .
وهنالك إشارة بلاغية أشار إليها أبو حيان في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} ، وهي أنه أضيف الجند وفيما قبل إلى فرعون وهامان، وإن كان هامان لا جنود له، لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير، إذ بالوزير تحصل الأموال، وبالملك وقهره يتوصل إلى تحصيلها، ولا يكون قوام الجند إلا بالأموال ((2)) .
ذكر الآلوسي " إن امرأة فرعون قالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} ، وعدلت عن قولها (لنا) لتفخيم شأن القرّة وقدمت نفسها عليه لما تعلم من مزيد حب فرعون إياها، وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه، فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتلة "((3)) . وفيه استعارة، فإن قرة العين بردها واستقرارها، فجعل استعارة عن الولد.
المجاز بليغ الخطاب في {لَا تَقْتُلُوهُ} قيل لفرعون. وإسناد الفعل إليه مجازي لأنه الآمر. والجمع للتعظيم. قال أبو علي الفارسي: من سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري. وهو مجاز بليغ ((4)) . وقال الطباطبائي في الميزان: إنما خاطب بالجمع لأن شركاء العقل كانوا كثيرين من مسبب ومباشر، وآمر ومأمور ((5)) .
المعنى العام
1.
{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}
لقد اختلف المفسرون في المقصود بآل فرعون:
(1) ينظر التحرير والتنوير: 20 /76.
(2)
البَحْر المُحِيْط: 7 /106.
(3)
روح المعاني: 20 /48.
(4)
ينظر روح المعاني: 20 /48.
(5)
ينظر الميزان: 16/ 11.
فقد ذكر الطبري أن قسماً من أهل التأويل قال: المراد به (جواري امرأة فرعون) . ثم ساق رواية عن السدي قوله: " أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويحفظه مرة، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيا امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت فأخذنه إلى آسيا، فلما نظرت إليه آسيا، وقعت عليها رحمته، فأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسيا تكلمه حتى تركه لها ((1)) .
وذكر عن قسم آخر أن المراد به ابنة فرعون حيث كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل، فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته بنت فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي بصبي، فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص، فجاءت به إلى أمها فقالت: إن هذا الصبي مبارك لما نظرت إليه برئت، فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل هلم حتى أقتله فقالت امرأته: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ} ((2)) .
عني به أعوان فرعون لأن فرعون أصبح في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس إذ مر بالنيل تابوت يقذف به، وآسيا بنت مزاحم جالسة إلى جنبه فقالت: إن هذا لشيء في البحر فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته ولطّف عليه نفسه فقالت امرأته آسيا ((3)) :{لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} ((4)) .
والذي نرجحه: إن المراد بـ (آل فرعون) هم أتباع فرعون وأعوانه لعدة أسباب:
أولا ـ إن ابنة فرعون تعيش في قصر أبيها وخدمه وأعوانه، فليس من المعقول أن تلتقط بنفسها التابوت من النيل المتلاطم الأمواج، وهذا يحتاج إلى جهد كبير لا يقوم به إلا الرجال.
(1) ينظر جامع البيان: 10 /31.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 9.
(3)
ينظر جامع البيان: 10 /31.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 9.
ثانيا ـ إن ما بعد كلمة (آل فرعون) يدلّ على أن من قام بالتقاطه هم أتباع فرعون من جنوه أو خدام قصره. قال تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} ، فكلمة (لهم) تدلّ على أن من قام بالالتقاط اكثر من واحد. وقد يسال سائل ويقول: إن كلمة (الآل) لا تستعمل إلا فيما فيه شرف.
والجواب عن ذلك: " إنه مبني على الغالب، أو الشرف فيه أعم من الشرف الحقيقي والصوري. ومعنى التقاطهم إياه (عليه السلام) أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع "((1)) .
2.
{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} :
قال ابن كثير: " إن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدواً لهم وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} "((2)) .
وقال القاسمي: " إنهم مجرمون، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديه "((3)) .
ومن النكت البديعة في الآية أنه دلت على ما يكون عليه آل فرعون من غرقهم في البحر من طرف خفي، فهم قد التقطوه ليكون لهم مغرقاً في البحر، فلا يلتقطه أحد، وهو من شواهد الإعجاز القرآني.
3.
{وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} :
{امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} وهي " آسيا بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمان يوسف الصديق (عليه السلام) ، وعلى هذا الرأي لم تكن من بني إسرائيل "((4)) .
(1) مفاتيح الغيب: 20 /46.
(2)
تفسير القرآن العظيم: 3 /380.
(3)
محاسن التأويل: 13 /4697.
(4)
روح المعاني: 20 /47.
وقيل: " إن آسيا كانت امرأة قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، ويقال: إن الوليد تزوج آسيا ابنة مزاحم بعد أخيه "((1)) .
وقيل: " كانت من بني إسرائيل. وقيل: كانت من سبط موسى "((2)) .
وحكى السهيلي أنها عمته. وقال الآلوسي: " هذا القول غريب "، ويرجح الآلوسي أنها لم تكن من بني إسرائيل ((3)) .
وقد امتدحها القران الكريم في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ((4)) .
وأثنى عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد أخرج الإمام احمد عن أنس بن مالك قوله: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)) ((5)) .
4.
(1) تاريخ الرُّسُل والملوك: 1 /386. الكامل في التاريخ: 1 /95 –96.
(2)
السبط: هو ولد الولد كأنه امتداد الفروع. ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 227.
(3)
ينظر روح المعاني: 20 /47.
(4)
سُوْرَة التَّحْرِيمِ: الآية 11.
(5)
مسند أحمد بن حنبل (241 هـ) شرحه ووضع فهارسه: أحمد مُحَمَّد شاكر. دار المعارف للطباعة والنشر بمصر. 1368 هـ – 1949 م.: 14 /147. صحيح ابن حبان. مُحَمَّد بن حبان بن أحمد أبوحَاتِم التميمي البستي. ت 354 هـ. ضبط وتحقيق: عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد عثمان. المكتبة السلفية. المدينة المنورة. ط1. 1970م.: 15 /401. المستدرك على الصحيحين: 3 /171.
أختلف الأقوال في هذه الآية، فقيل: أي قالت تخاصم عنه وتحببه إلى فرعون: إنه مما تقر به العيون، وتفرح لرؤيته القلوب، فلا تقتلوه. ثم ذكرت العلة التي قالت لأجلها ما قالت {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} ، أي: لعلنا نصيب منه خيراً لأني أرى فيه مخايل اليمن ودلائل النجابة، أو نتخذه ولداً لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلا لتبني الملوك له، وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها " ((1)) .
أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: " قال امرأة فرعون: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه} قال فرعون: قرة عين لك أمّا لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ((لو قال فرعون قرة عين لي ولك لكان لهما جميعاً)) "((2)) .
5.
" أي: بإلقائه هو الذي يفسد ملك فرعون على يده قاله قتادة، وغيره "((3)) .
ما يستفاد من النصّ
يمكن إن نفيد من هذه الآيات العبر والعضات الآتية:
(1) تفسير المراغي: 20/39.
(2)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 13 / 254. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: 6 /394. والحديث لم أقف عليه في كتب الحديث.
(3)
الجواهر الحسان في تَفْسِير القُرْآن. عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مخلوف الثعالبي. ت 876 هـ. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت. (د. ت) .: 4 /265.
أولا ـ إن الحذر لا ينفع من القدر، ويتبين ذلك في التحدي الإلهي الكبير لقوة فرعون الغاشمة من طفل رضيع لا حول له ولا قوة، إلا من قوة الله وحمايته. فيتحدى الله به جبروت فرعون وعظمته، فقد قتل فرعون مئات الأطفال من أجل العثور على هذا الطفل الموعود الذي سيكون على يديه هلاك ملكه، فيتحدى الله كلّ حصونه، ويفشل كلّ تدابيره، ويجعل هذا الطفل الموعود في متناول يده وبين جنده وحراسه وفي قصره، ولا يستطيع أن يؤذيه. فقد زود الباري عز وجل هذا المولود الرضيع بسلاح لم يعهده الناس من قبل كسلاح لدفع الخطر عنه، وهو سلاح (الحب) قال تعالى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ((1)) ، فملأ الله قلب امرأة فرعون (آسيا) المؤمنة بالحب لهذا الطفل، فاستخدمت ذكائها وفطرتها في منع فرعون من أن تناله، فقدمت عذر المنفعة {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا} ، وأردفته بعذر آخر وهو {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} لأن فرعون كان بحاجة إلى الولد.
ثانيا ـ إن وجود الصالحين في المجتمعات الفاسدة يخفف من أذى المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سبباً في إنقاذ سيدنا موسى (عليه السلام)، فقالت امرأة فرعون:{لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} ، وهذا من المعاني الكامنة في سياق النص.
(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 39.
ثالثا ـ الاستفادة من منهج القران في تناول الأحداث في ربط الماضي بالحاضر، فإن ما حدث لأمريكا في 11 أيلول من ضربات شبيهة بما حدث لفرعون ودولته، ويعيد المسلمين إلى القران ودراسة منهجه في تحليل الأحداث والأزمات. والقرآن يؤكد دائماً على أن الأمر كله لله. وهذه حقيقة ينبغي لكل مسلم أن يعتقد فيها. ففي ظل الهيمنة الأمريكية التي بلغت ذروة عنفوانها بعد دمار الاتحاد السوفيتي وتفكك معسكره، ظن كثير ممن يضع يده في يد أمريكا، وخُدع بالإعلام الأمريكي الذي طبل وزمر وروج لأمريكا، فأدخل الرعب في قلوبهم، إنها وأجهزة مخابراتها تعلم دقائق الأمور وجلائلها. ولسان حاله يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة فجاء هذا الحادث ليرد على مثل هذه الأراجيف والخور الذي يخالط أفئدة من في قلوبهم مرض، والسامعين لهم، والمتأثرين بما يبثون من أفكار لتخضع الأمة، ليقول الجميع: إن الأمر كله لله من قبل 11 أيلول، ومن بعده، وما أمريكا أو غيرها من قوى الظلم والطغيان مهما بلغت في تكبرها وتجبرها، إلا منفذة لأمر الله العزيز الجبار، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك لتؤكد هذه الأحداث أن الحذر لا ينفع من القدر فأمريكا لم تنفعها كل استحكاماتها وقوة مخابراتها من قدر الله شيئاً، كما لم تنفع فرعون من قبل كل استحكاماته وحذره من قدر الله في شيء.