الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نستدل من هذه الآية على عصمة الأنبياء فإن سيدنا موسى (عليه السلام) مع أنه عاش في بيت فرعون لم يتأثر بالجو الديني والأخلاقي الفاسد في داخل القصر، إن الله جل وعلا قد حماه منذ ولاته إلى أن بلغ، فنجاه من القتل، وحماه من الغرق، وحماه وهو في قصر فرعون من أن يصاب برذاذ الكفر والأخلاق الفاسدة، فلم يلج الكفر قلبه صغيراً كان أو كبيراً، وأنه رضع عقيدة التوحيد والإيمان بالله مع لبن أمه، كيف لا وقد تعهد الله بحفظه بقوله تعالى:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ((1)) . فقد كان مؤمناً بالله، منيباً إليه، وتبين ذلك من خلال ندمه وطلب المغفرة من الله حينما ضرب القبطي فقتله:{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} ((2)) . ومما هو معروف أن هذه الحادثة قد وقعت قبل نبوته.
المطلب الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) يقتل قبطياً خطأً
(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 39.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان 16 -17.
المناسبة
بعد أن أوضحت الآيات السابقات الإرهاصات التي تسبق نبوته (عليه السلام)، وذلك بإتيانه الحكم والعلم بقوله تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} . فقد أخبرت هذه الآيات سبب هجرته (عليه السلام) إلى مدين، وجملة {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ} عطف على جملة {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} ((2)) عطف جزء القصة على جزء أخر منها.
وقد علم موسى أنه من بني إسرائيل لعلمه بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون، وكانت تقصّ عليه نبأه كله ((3)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات 15 -19.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 7.
(3)
ينظر التحرير والتنوير: 20 /88.
فنلاحظ كيف أفاد العطف في الإجابة عن ما تبادر إلى الذهن من سؤال: هو كيف علم إنه إسرائيلي؟ وذلك عن طريق أمه التي جيء بها لإرضاعه في قصر فرعون، فمن ذلك يتبين لنا الإعجاز القرآني في استخدام الإشارات القرآنية للتعبير عن معاني كامنة اكتفى الَقُرْآن الكَرِيم بالإشارة إليها باستخدامه للعطف.
تحليل الألفاظ
1.
{الْمَدِينَةَ} :
مَدَنَ بالمكان أقام به، فِعْل، ومنه المَدِينَة وهي فَعِيلة وتجمع على مدائن بالهمز. ومُدْن ومُدُن بالتخفيف والتثقيل. وفيه قول آخر إنه مفعلة من دَنَت، أي: ملكت. قال ابن بري: لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مُدْن. وفلان مَدَّنَ المَدَائِن، كما يقال: مصّر الأمصار والمدينة الحصن، وكلّ أرض يبنى بها حصن فهي مدينة، والنسبة إليه مديني، والجمع مدائن ومدن ((1)) .
2.
{غَفْلَةٍ} :
غَفَل عنه يغَفْل غُفُولاً وغَفْلةً وأَغْفَلَه عنه: غيره. وأَغْفَلَه تركه وسها عنه ((2)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الغَفْلَة سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، يقال: غفل فهو غافل "((3)) .
3.
{فَاسْتَغَاثَهُ} :
غوث، أجاب الله غَوْثاه وغُواثَه وغَواثَه. وحكى ابن الإعرابي: أجاب الله غِياثَه. والغُواث بالضم الإغاثة، وغَوَّث الرجل واسْتَغَاث صاح واغَوْثَاه، والاسم الغَوْث الغُواث والغَواث بالفتح كالغِيّاث بالكسر من الإغاثة. وقال الراغب الأصفهاني:" الغَوْث يقال في النصرة، والغَيْث في المطر "((4)) .
4.
{فَوَكَزَهُ} :
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (مدن) 13 /402. وينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 485.
(2)
لِسَان العَرَب: مَادة (غفل) 11 /497.
(3)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 375.
(4)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 379.
وَكَزَه وَكْزاً: دفعه وضربه، مثل نَكَزه. والتَّوْكز الطعن، ووَكَزَه أيضاً طعنه بجُمْعِ كفه. وقيل: وَكَزَه، أي: ضربه بجمع يده على ذقنه. وقال الكسائي: وَكَزته ونَكَزْتُه ونَهَزْتُه ولَهَزْتُه بمعنى واحد ((1)) . وقال الزمخشري: " الوَكْز الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجمع الكف "((2)) وقيل: الوَكْز الضرب في الصدر ((3)) . وقيل: الوَكز على القلب، واللَكْز في اللحى. وقال أبو زيد: في جميع الجسد وقال: هو بالجُمْع في اللهازم والرقبة ((4)) .
5.
{الشَّيْطَانِ} :
وهو البعيد عن الحق ومنه شَطَنَتْ الدابة شَطَنَت شُطُوناً، أي: بعدت، ومنه نوا شُطوناً بعيداً شاقة. والشَّطْن مصدر شَطَن بَشْطُنه شطاناً أي: خالفه عن
وجهه (5)) .
وذكر قسم من العلماء على وزن فيعال من شَطَن إذا بعد. وقال قسم من العلماء: إنها زائدة على وزن فعلان من شَاط يَشِيط إذا هلك واحترق مثل هيمان وغيمان من همام وغام ((6)) .
(1) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (وكز) 5 /430.
(2)
الكَشَّاف: 30 /186.
(3)
ينظر لُبَاب التَأَوْيِل: 3 /427.
(4)
ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /4976.
(5)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (شطن) 13/ 238 –239. وينظر تاج العروس من جواهر القاموس، الزَّبَيْدِيّ، محيي الدين أبو الفضل محمد مرتضى الحسيني الواسطي الحنفي، ت 1205 هـ، مطبعة حكومة الكويت. 1386 – 1396 هـ: مادة (شطن) 15/ 353.
(6)
ينظر تفسير القرآن العظيم: 1 /16.
والذي يبدو لي أن الكلمة تدلّ على المعنيين، فتدل على البعد، لأن الشيطان بعيد عن الحق والصواب، وتدلّ كذلك على الاحتراق لأن الشيطان محترق بذنوبه. فلفظ الشيطان يطلق على كل متمرد من الجن والإنس والحيوان. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} ((1)) . وركب سيدنا عمر (رضي الله عنه) برذوناً فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً، فنزل فقال:((ما حملتموني إلا على شيطان)) ((2)) .
6.
{ظَهِيرًا} :
التظاهر التعاون والتساعد، واسْتَظْهَر به، أي: استعان. وظَهَرتُ عليه: أعنته، وظَهَر عليّ أعانني كلاهما عن ثعلب. وتَظَاهَرُوا عليه تعاونوا. وظَاهَر بعضهم بعضاً أعانه. والظَّهِيْر العون الواحد والجمع في ذلك سواء، وإنما لم يجمع ظهير لأن فعيلاً وفعولاً قد يستوي فيها المذكر والمؤنث والجمع ((3)) .
7.
{لِلْمُجْرِمِينَ} :
(1) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية 31.
(2)
مسند الإمام أحمد: 5 /178. سُنَن النَّسَائي الكبرى. أحمد بن شُعَيب بن عَلِيّ بن عَبْد الرَّحْمَن النسائي أبو عَبْد. (215 ـ 303) . تحقيق: د. عَبْد الغفار سليمان البنداري. وسيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411 هـ ـ 1991م.: 8 /275. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. ضياء الدِّيْن نصر الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الموصلي أبو الفتح. ت 637 هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت. ط1. 1995 م.: 1 /160.
(3)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (ظهر) 4/ 525.
الجُرْم التَّعْدي، والجرم الذنب والجمع أجْرام وجُرُوم وهو الجَرِيمَة وقد جَرَم يَجْرِم جُرْمَاً واجْتَرَم وأَجْرَم، فهو مُجْرِم وجَرِيم وتَجَّرَم عليَّ فلان، أي: ادعى ذنباً لم أفعله. وجَرَم إليهم وعليهم جَرِيمَة وإِجْرَام جنى جناية، وجَرُم إذا عظم جُرْمُه، أي: أذنب، والجُرْم مصدر الجَارِم الذي يَجْرِم نفسه وقومه شرّاً. الجَارِم الجَانِي: المُجْرِم المُذْنِب ((1)) .
8.
{يَتَرَقَّبُ} :
رَقَبَه يَرْقَبَه رِقْبَةً ورِقْبَاناً بالكسر فيها، ورُقُوباً وتَرَقَّبَه وارْتَقَبَه انتظره ورصده. والتَّرَقُّب الانتظار، وكذلك الارْتِقَاب، والتَّرَقُب تَنَظُّرُ وتَوَقُّع شيء ((2)) .
وتفسير الرقيب على وجهين:
الوجه الأول: يعني حفيظاً كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ((3)) يعني حفيظاً لأعمالكم.
الوجه الثاني: يعني الانتظار لقوله تعالى: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} ((4)) .
9.
{اسْتَنصَرَهُ} :
الاسْتِنْصار: اسْتِمْدَاد النَّصْر. واسْتَنْصَرَه على عَدُوّه، أَي: سأَله أَن ينصُره عليه. والتَّناصُر: التَّعاون على النَّصْر. وتَنَاصَرُوا نَصَر بعضُهم بعضاً. والنَّصِير فعيل بمعنى فاعِل أَو مفعول لأَن كل واحد من المتَناصِرَيْن ناصِر ومَنْصُور. وقد نصَره ينصُره نصْراً إِذا أَعانه على عدُوّه وشَدَّ منه ((5)) .
10.
{يَسْتَصْرِخُهُ} :
(1) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جرم) 12 /91.
(2)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (رقب) 1 /424.
(3)
سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية 1.
(4)
سُوْرَة الدُّخَانِ: الآية 59.
(5)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (نصر) 5 /210.
الصَّرْخَة: الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة. الصارخ والصريخ: المستغيث. وقيل: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث والمستصرخ المستغيث، والاستصراخ الاستغاثة، صرخ فلان يصرخ صراخاً إذا استغاث فقال: واغوثاه واصرختاه ((1)) .
11.
{يَبْطِشَ} :
البَطْش: التناول بشدة عند الصَّوْلة، والأَخذُ الشديدُ في كلّ شيء بطشٌ؛ بَطَشَ يَبْطُش ويَبْطِش بَطْشاً. والبَطْشُ: الأَخذ القويّ الشديد. والبَطْشة: السَّطْوة والأَخذُ بالعُنْف.
ووردت البطش في القرآن على وجهين:
الوجه الأول: العقوبة كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} ((2)) .
الوجه الثاني: البطش القوة {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا} ((3)) يعني قوة ((4)) .
القراءات القرآنية
1.
قرأ أبو طالب القارئ: (على حِينَ) بفتح النون، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها فبناه، كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض كقوله:(على حين عاتبت المشيب على الصبا) . وقال أبو حيان: هذا توجيه شذوذ ((5)) .
2.
{يَقْتَتِلَانِ} :
قرأ نعيم بن ميسرة (يقِّلان) بالإدغام، نقل فتحة الأولى إلى القاف وأدغم ((6)) .
2.
{فَاسْتَغَاثَهُ} :
(1) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (صرخ) 3 /33.
(2)
سُوْرَة الْقَمَرِ: الآية 36.
(3)
سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية 8.
(4)
الوجوه والنظائر في الَقُرْآن الكَرِيم عن هارون بن موسى. تحقيق: د. حاتم الضامن. سلسة خزانة دار صدام للمخطوطات. وزارة الثقافة والإعلام. العراق. 1988 م.: ص 370.
(5)
ينظر البَحْر المُحِيْط: 7 /109. الدُّرُّ المَصُون: 5 /334.
(6)
ينظر الدُّرُّ المَصُون: 5 /334.
هذه قراءة الجمهور من الغَوْث، أي: طلب غوثه ونصره. وقرأ سيبويه، وابن مقسم، والزعفراني بالعين المهملة والنون (فَاسْتَعَانَهُ) من الإعانة.
قال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم، لأن الإعانة أولى في هذا الباب. وقال ابن عطية: ذكرها الأخفش وهي تصحيف لا قراءة. وقال أبو حيان: ليست تصحيفاً فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن مقسم، والزعفراني ((1)) .
3.
{فَوَكَزَهُ} :
قرأ ابن مسعود: (فَلَكَزَهُ) و (فَنَكَزَهُ) باللام والنون ((2)) ، والفرق بين الوكز واللكز أن الأول بجمع الكف، والثاني بأطراف الأصابع. وقيل: بالعكس والنكز كاللكز ((3)) .
4.
وهنالك قراءة أخرى عند عبد الله بن مسعود: (فلا تجعلني ظهيراً) وعلى هذه القراءة دعا ربه ((4)) .
5.
{يَبْطِشَ} :
هذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن، وأبو جعفر بضمها:(يَبْطُش)((5)) .
القضايا البلاغة
استخدام صيغ المبالغة (جبار، غوي، مبين) لأن فعال، وفعيل من صيغ المبالغة.
الطباق المعنوي، وهو مقابلة الشي بضده في المعنى لا في اللفظ ((6)) ، {جَبَّارًا
…
وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ} ، لأن الجبار المفسد المخرب المكثر للقتل وسفك الدماء، ففيه طباق في المعنى ((7)) .
(1) ينظر المحرر الوجيز: 12 /151.البَحْر المُحِيْط: 7 /109. الدُّرُّ المَصُون: 5 /335.
(2)
ينظر البَحْر المُحِيْط: 7 /109.
(3)
ينظر الدُّرُّ المَصُون: 5 /335.
(4)
جامع البيان: 10 /46.
(5)
ينظر الكَشَّاف: 3 /169. البَحْر المُحِيْط: 7/ 110.
(6)
أنوار الربيع: 2 /39.
(7)
ينظر صفوة التفاسير: 2 /428.
الاستعطاف {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} ((1)) .
{عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} استخدم (على) للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: {عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} ((2)) ، أي: متمكناً من حين غفلة ((3)) .
وقال النحاس: " دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال على حين غفل أهلها. ودخلت (على) في هذه الآيات، لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، فكذا الآية "((4)) .
والذي يراه الباحث أن الَقُرْآن الكَرِيم أراد تخصيص دخول موسى (عليه السلام) إلى المدينة دون ظرفي الدخول زمانياً (حيناً) ومكانياً (المدينة) ، وهذا التخصيص المقصود منه إظهار معنى الدخول وحده، فجاءت الآية في صورتها البلاغية محتوية على الزمن (الفعل الماضي: دخل) والمكان (الاسم: المدينة) ، وإنما جاء وسط ذلك الظرف (حين) ليكون أبلغ في استشعار صيغة الدخول.
المعنى العام
من خلال هذه الآيات يتبادر مجموعة من الأسئلة:
أولا. ما المقصود بالمدينة في هذه الآيات؟
لقد اختلف العلماء في المراد بالمدينة:
(1) ينظر التبيان في إعراب القرآن: 2 /1018.
(2)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 5.
(3)
ينظر التحرير والتنوير: 20 /90.
(4)
إعراب القرآن (النَّحَّاس) : 2 /546.
ذكر الطبري إنما مدينة منف. ونقل أبو حيان الأندلسي هذا القول عن ابن عباس ((1)) .
وقال ابن إسحاق: المقصود بالمدينة (مصر) نفسها. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل (مصر) .
وقيل: هي مدينة عين شمس.
وقيل: قرية على بعد فرسخين من مصر يقال لها: (حابين) .
وقيل: الإسكندرية ((2)) .
ثانياً. ما السبب الذي دعا سيدنا موسى (عليه السلام) لدخول المدينة متخفياً؟ لقد نقل الطبري أقوال أهل العلم في ذلك:
قيل دخلها متتبعاً أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فما حضر علم بركوبه فركب واتبع أثره وأدركه المقيل في هذه المدينة.
وقال السدي: كان موسى حيث كبرَ يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون، ثم أن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فما جاء موسى. قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها:(منف) فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرفها أحد.
ونقل الطبري عن ابن إسحاق: بل دخلها مستخفياً من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه.
وقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا، فلم يدخلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشده ((3)) .
(1) ينظر جامع البيان: 10 /43. البَحْر المُحِيْط: 7/109.
(2)
ينظر مجمع البيان: 7 /243. البَحْر المُحِيْط: 7/109. لُبَاب التَأَوْيِل: 3 /241.
(3)
ينظر جامع البيان: 10 /42.
وأرى أن المقصود بالمدينة عاصمة ملكه، والتي يعيش فيها الأقباط، وبني إسرائيل المستضعفين. فسيدنا موسى (عليه السلام) لما بلغ أشده واستوى أتاه الله الحكم والعلم {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ((1)) ، ونوّر بصره بالحكم والعلم، وبدء ينكر على فرعون ظلمه لبني إسرائيل، وينكر عليه ادعاءه الألوهية وعبادة الأقباط له من دون الله، فأصبحت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون إليه، فسمع فرعون وقومه فأغضبهم ذلك حتى ناصبوه العداء، فخاف على نفسه منهم، فلا يدخل المدينة إلا متخفياً منهم.
ثالثاً. ما هو الوقت الذي دخل فيه موسى المدينة؟
قيل: وقت القيلولة، أو بين العشائين. وقيل: المقصود في وقت لا يعتاد دخولها أو ليتوقعونه. وقيل: كان يوم عيد، وهم مشغولون بلهوهم ((2)) .
وذكر ابن عاشور أن " المقصود من ذكر الوقت، الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيداً لقوله بعد: {قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} ، ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر "((3)) .
{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}
أحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط وإلا شارة على الحكاية ((4)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 14.
(2)
ينظر جامع البيان: 10 /42.
(3)
التحرير والتنوير: 20 /88.
(4)
ينظر حاشية الشهاب: 7 /286.
وقد أختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمراً دينياً. وقيل: كان أمراً دنيوياً، فقد روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، فأبي فاقتتلا لذلك، وكان القبطي خبازاً لفرعون كما ذكر ذلك سعيد بن جبير ((1)) .
وذكر الرازي قولاً غربياً لمقاتل بأن الرجلان كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط، واستدل بقول سيدنا موسى في اليوم التالي:{إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ((2)) .
ويمكن الجواب على ذلك: أن المشهور إن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقة إنه من شيعته فالمقصود بـ (مِنْ شِيْعَتِهِ)، أي: ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه، أو في الدين {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} ، أي:" فاستنصر الإسرائيلي موسى على القبطي "((3)) ، " فضربه بمجمع كفه فقتله "((4)) .
وذكر ابن عاشور " والاستغاثة طلب الغوث، وهو التخلص من شدة، أو العون على دفع مشقة، وإنما يكون هذا الطلب بالنداء، فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان مغلوباً، وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالماً "((5)) .
{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}
قال المراغي: " إن هذا الذي حدث من القتل هو من تزيين الشيطان ووسوسته، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه فقال:{إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} (6)، أي: إنه عدو فينبغي الحذر منه مضل لا يقود إلى خير بيّن العداوة والإضلال) .
(1) ينظر روح المعاني: 20 /53.
(2)
ينظر مفاتيح الغيب: 12 /239.
(3)
الوسيط: 3 /393.
(4)
محاسن التأويل: 13/ 4699.
(5)
التحرير والتنوير: 20/89.
(6)
تفسير المراغي: 20/44.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} ، أي: بوكزٍ ترتب عليه القتل {فَاغْفِرْ لِي} ذنبي، وإنما قال (عليه السلام) ما قال، لأنه فعل ما لم يؤذن له به، وليس من سنن آبائه الأنبياء (عليه السلام) في مثل هذه الحادثة التي شاهدها، وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع فيه شريعة من الشرائع قتلها ((1)) .
{فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} رأي المبالغ في مغفرة ذنوب عباده وصمتهم " ((2)) .
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}
الباء في {بِمَا أَنْعَمْتَ} للقسم والتقدير: أقسم بما أنعمت به عليّ من المغفرة والجواب محذوف، أي: لأتوبن فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف، أي: لاتوبنّ فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف تقديره: " اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وقيل:(فلن أكون) دعاء لا خبر،
و (لن) بمعنى لا في الدعاء. وذكر أبو حيان أن (لن) لا تكون في الدعاء ((3)) .
وذكر الزمخشري أنه أراد بمظاهرة المجرمين:
أما صحبة فرعون وانتظامه في حملته وتكثيره سواده حيث كان يركب ركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون.
أما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له ((4)) .
(1) ينظر روح المعاني: 20 /54 –55.
(2)
إرْشَاد العَقل السَّلِيم: 7 /7.
(3)
ينظر التبيان في إعراب القرآن: 2 /177. البَحْر المُحِيْط: 7/ 109.
(4)
الكَشَّاف: 3 /169.
قال ابن عطية: " فأصبح عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيداً عالماً. ويترقب معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس. قال ابن عباس: فمرّ وهو بحالة الترقب، وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قتل القبطي بالأمس يقاتل أخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم، فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثاً، فلما رأى موسى قتاله لأخر أعظم ذلك وقال له معاتباً ومؤنباً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ، وكانت إرادة مع موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي، فما دنا منهما خشى الإسرائيلي وفزع منه، وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول "((1)) .
" وظاهر قوله: {عَدُوٌّ لَهُمَا} أنه قبطي، وربما جعل عدّواً لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط، وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلاً، والظلم عدّو لنفس موسى، لأنه نشأ على زكاء نفسي هيأها الله للرسالة "((2)) .
واختلف العلماء فيمن قال: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} هل هو الإسرائيلي أم القبطي؟
الرأي الأول ـ قال قسم من العلماء: هذا القول للإسرائيلي لما خاطبه سيدنا موسى
(عليه السلام) : {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ، ورآه غضبان وقد همُ موسى أن يبطش بالفرعوني، فظن أنه يريده، فخاف على نفسه، فقال {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ} الآية.
(1) المحرر الوجيز: 12 /158.
(2)
التحرير والتنوير: 20 /94.
الرأي الثاني ـ قال آخرون: بل هو قول القبطي، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي ((1)) .
والرازي يرجح هذا الرأي ويستدل بقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى} ، " فهذا القول من القبطي. وقوله:{إِنْ تُرِيدُ إِلَا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ} لا يليق إلا أن يكون من كافر " ((2)) .
والذي نرجحه أن القول للإسرائيلي وليس للقبطي لسببين:
أولاً ـ إن حادث القتل لا يعلم به إلا موسى، وهذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس وكان لقول الإسرائيلي:{أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} سبباً لظهور قاتل القبطي.
ثانياً ـ وقوله: {إِنْ تُرِيدُ إِلَا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ} يدلّ على أنه قول الإسرائيلي لمعرفته بأخلاق موسى (عليه السلام) بأنه رجل صالح مصلح لا يحب البغي والتجبر، فأراد أن يذكره بهذا لأنه يخالف ما عرف عنه.
قال أبو حيان: " وشأن الجبّار أن يقتل بغير حق. وقال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار ـ يعني بغير حق ـ ولما أثبت له الجبروتية نفى عنه الصلاح "((3)) .
" فما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، فأوصل الخبر إلى فرعون فوقع الأمر بقتل موسى (عليه السلام) "((4)) .
وذكر الرازي إنه احتج بهذه الآيات من طعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه:
(1) ينظر مفاتيح الغيب: 12/ 234.
(2)
مفاتيح الغيب: 12 / 234.
(3)
البَحْر المُحِيْط: 7 /110.
(4)
نظم الدرر: 5 /474.
أحدهما ـ إن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل، أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال:{هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، ولم قال:{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} ، ولم قال في سورة أخرى:{فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ} ((1)) . وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل، وكان قتله معصية وذنب.
ثانياً ـ إن قوله: {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} يدلّ على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً ((2)) ؟
ورد على هذه الطعونات بعدة أجوبة:
الجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان لكفره مباح الدم.
أما قوله: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ففيه وجوه:
أحدهما ـ لعل الله وإن أباح قتل الكافر، إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان أخ، فلما قتل ترك ذلك المندوب، فقوله:{هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} معناه: قدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان.
وثانيا ـ إن قوله هذا إثارة عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، فقوله {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، أي: عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل.
وثالثاَ ـ إن يكون قوله هذا إشارة إلى المقتول، يعني إنه من جند الشيطان وحزبه يقال: فلان من عمل الشيطان، أي: من أحزابه ((3)) .
(1) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية 20.
(2)
ينظر مفاتيح الغيب: 12/ 235.
(3)
ينظر مفاتيح الغيب: 12/ 234 –235.
وهذا بعيد جداً عن المعنى الحقيقي لأن سيدنا موسى (عليه السلام) في الآية الأخرى استغفر لتسرعه في قتل هذا القبطي، وطلب المغفرة من الله تدلّ على أن المراد بقوله تعالى:{هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، أي: العجلة وإطاعة النفس، والانسياق وراء الغضب من عمل الشيطان.
ويتابع الرازي رده على هذه الطعونات:
أما قوله: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} فعلى نهج قول أدم (عليه السلام) : {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} ((1)) . والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط. أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله: {فَاغْفِرْ لِي} ، أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه أخر وهو أن يكون المراد {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به {فَاغْفِرْ لِي} ، أي: فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون. ويدلّ على هذا التأويل أنه على عقبه قال: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} ، ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سبباً للمعصية لما قال ذلك.
أما قوله: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ} ((2)) ، المقصود بكونه ضالاً، أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه أن يفعله.
أما قوله: إن كان كافراً حربياً فلم استغفر عن قتله، قلنا: كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع ((3)) .
(1) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 23.
(2)
سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية 20.
(3)
ينظر مفاتيح الغيب: 12 /235.
والذي أراه أنه لا حاجة إلى هذا التكلف في التفسير، لأن القتل كان خطأً، ولأن الوكز ـ وهو الضرب بمجمع اليد ـ لا يقتل عادةً، إضافة إلى ذلك فإن هذه الحادثة وقعت له قبل النبوة.
فقد روى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول:
((إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال عز وجل {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} ((1)) )) ((2)) .
ما يستفاد من النصّ
يمكن أن نستخلص المعاني الآتية من خلال قراءتنا للآيات القرآنية التي مرّ شرحها.
(1) سُوْرَة (طَه) : الآية 40.
(2)
الحديث بتمامه في مسند أَبِي يعلى. أحمد بن عَلِيّ بن المثنى الموصلي التميمي أبو يعلى. (210 ـ 307) . تحقيق: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث. دمشق. ط1. 1404هـ ـ 1984 م.: 9 /383 رقم (5511) . وشطر الحديث الأول إلى قوله (قرنا الشيطان) أخرجه مسلم في صحيحه: باب الفتنة من المشرق 4 /2229 رقم (2905) . وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /4977.
أولا. نصرة المظلوم واجبة. فسيدنا موسى (عليه السلام) انتصر للذي استغاثة ضد ظالمه، لأن نصرة المظلوم واجبة، ولكنها ينبغي أن تكون بقدر ما يندفع به ظلم الظالم وبغيه، ولهذا لما وكز موسى الرجل المعتدي فقضى عليه قال عن فعله هذا إنه من عمل الشيطان، لتجاوز موسى (عليه السلام) حدّ الدفاع الشرعي عن المظلوم، وإن كان هذا التجاوز دون قصد ولا عمد من موسى (عليه السلام) ((1)) . لذلك قال موسى (عليه السلام) :{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .
وجعل الله القتال لنصره المظلومين واجب شرعي في نص القرآن الكريم قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} ((2)) .
وقال (صلى الله عليه وسلم) : ((المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)) ((3))
(1) ينظر المستفاد من قصص القرآن: 1 /364.
(2)
سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية 75.
(3)
متفق عليه من حديث عبدُ الله بْن عمر رضي الله عنهما. صحيح البخاري: باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه 2 /862 رقم (2310) . صحيح مسلم باب تحريم الظلم 4/ 1996 رقم (2580) .
فمن خذلان المسلم أن لا تدفع الظلم عنه وأنت قادر على ذلك، فينبغي أن يؤكد الدعاة ويحثوا المسلمين على نصرة المظلومين، ولاسيما في هذه المرحلة التي تخلى الكثير من المسلمين عن هذا الواجب الشرعي فيرى المسلمون من على شاشات التلفاز ويسمعوا عن قتل للمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي كل مكان من قبل أعداء الله اليهود والنصارى ولا يتحركوا لرفع الظلم عنهم.
ثانيا. دلت الآيات كذلك على حرمة معونة (المجرمين) ، ولفظة المجرمين جاءت في القرآن الكريم وصفاً لعدة معاني.
جاءت وصفاً للكفار قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} ((1)) .
وللمنافقين قال تعالى في وصف حال المنافقين في المدينة {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} ((2)) .
وجاءت وصفاً للمكذبين لله ورسوله قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} ((3)) .
(1) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآيتان 12 –13.
(2)
سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية 66.
(3)
سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية 147.
وكذلك جاءت وصفاً للظلمة قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَاّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} ((1)) . فعلى هذا يحرم مناصرة ومعاونة كل مجرم وكل من ينطبق عليه لفظ المجرم من المعاني سالفة الذكر. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} ((2)) .
قال سلمة بن ثُبَيْط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعظهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقيل: له ما عليك أن تعظهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ قال لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.
(1) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية 123.
(2)
سُوْرَة هُوْد: الآية 113.
وقال عبد الله بن الوليد الوصّافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه وإنما بحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج وآدَّانَ؟ فقال من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري. قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} . قال ابن عباس: فلم يستثن فأبتلى به ثانية فأعانه الله فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه ((1)) . وفي الحديث: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياه الظلمة، حتى من لاق لهم دواة وبراً لهم، فلما يتجمعون في تابوت واحد، ثم سيق بهم على رؤوس الخلائق إلى نار جهنم)) ((2)) .
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /4979.
(2)
الفردوس بمأثور الخطاب. أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني. (445 ـ 509) . تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول. دار الكتب العلمية. بيروت ط1. 1986 م.: 1 /255 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورواه الديلمي دون ذكر سند الحديث. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 13 /263. والذي أراه أنه حديث ضعيف.
وقال (صلى الله عليه وسلم) : ((من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام)) ((1)) .
وقال ابن عطية وهو يفسر هذه الآية: " احتجّ أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم، ورأوا أن هذه الآية تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح "((2)) .
وتدل الآية كذلك ـ كما قلنا ـ على حرمة معونة الظالمين سواء أكانوا دولاً أو حكام، فينبغي للدعاة أن يبصِّروا الناس بحرمة وخطورة نصرة الظلمة من الحكام والدول.
ويحرم معاونتهم بأي شكل من أشكال المعاونة، فقد جاء النهي عن معونة الظالم بقوله تعالى:{وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} ((3)) . وجاء في تفسيرها: الركون هو الميل اليسير إلى الشيء والنهي متناول لانحطاط في هوى الذين ظلموا والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ((4)) .
(1) حِلْيَة الأولياء وطبقات الأصفياء. أحمد بن عَبْد الله الأَصْبَهاني أبو نعيم. ت 430 هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. ط4. 1405 هـ.: 6 /348. وأصل الحديث عند الشيخين: ((المسلم أخو المسلم
…
)) الحديث وقال المنذري وهذه زيادة رزين العبدري وهي من رواية ابن أبي الدنيا والأصبهاني. الترغيب والترهيب من الحديث الشريف. عَبْد العَظِيْم بن عَبْد القوي المنذري أبو مُحَمَّد. (581 ـ656) . تحقيق: إبراهيم شمس الدِّيْن. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1417 هـ: 3 /262.
(2)
المحرر الوجيز: 12 /153.
(3)
سُوْرَة هُوْد: الآية 113.
(4)
ينظر الكَشَّاف: 2 /433. المستفاد من قصص القرآن: 1 /366.