الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعاً. نستدل من سياق الآيات على الحاجة الماسة في حياتنا المعاصرة للأخذ بالوعي الإلهي المنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الدين والدنيا والنفس والمجتمع، لأن ذلك مما يعين على إدراك الاستقرار الروحي الذي نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه اليوم.
خامساً. إن تلك المعاني القديمة تدل فيما تدل عليه أن التواصل الحضاري لا زال قائماً بين الأمم، وأن الأمم تنسى بمرور الزمن أحداثاً ما كان لها أن تنساها بدلالة قوله تعالى:{فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} وأن للأمم كلها على اختلافها لهم سنن ثابتة في حياتها الحضارية.
المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (صلى الله عليه وسلم
-)
المناسبة
نلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صوراً مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي.
الصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وسلم) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مرّ في الآيات السابقة.
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات 52 - 55.
والصورة الثانية تقدم نموذجاً أخراً، وصوراً أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلاً للعباد الصالحين، فآمنوا بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالاً في الأخلاق الحميدة، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين
فأراد الَقُرْآن الكَرِيم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح الَقُرْآن الكَرِيم للذين آمنوا من قريش، بالمقارنة التي استخدمها الَقُرْآن.
أسباب النزول
ذكر في سبب نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن علي بن رفاعة، قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة ـ يعني أباه ـ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فآمنوا، فأوذوا، فنزلت:
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} قبل القرآن ((1)) .
ونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية:
أحدهما ـ نزلت في عَبْد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العنبري وسلمان الفارسي، أسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة.
(1) جامع البيان: 10 /85.
الآخر ـ إنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة، وغبرهة، والأرشف، وعامر، وايمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية، والتي بعدها إثر قوله:{أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} ((1)) .
ونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، ووجه باثني عشر رجلاً، فجلسوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم، فآمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، ولم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركباً أحمق منكم ولا أجهل، فقالوا:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} ، لم نأل أنفسنا رشداً.
{لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} ((2)) .
ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى، ولكن الذي أراه مناسباً أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) على دين سماوي ولما جاء المصطفى (صلى الله عليه وسلم) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا.
تحليل الألفاظ
1.
{يُؤْمِنُونَ} :
الإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال: آمن به قوم وكذب به قوم.
(1) ينظر النُّكَت والعُيون: 3 /232.
(2)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5012.
وقال الزجاج: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي
(صلى الله عليه وسلم) واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب (1) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الإيمان يستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويوصف بها كل من دخل في شريعته مقراً بالله وبنبوته قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ} ((2)) .
وتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعان النفس للحق على السبيل التصديق ((3)) .
2.
{مُسْلِمِينَ} :
الإسلام والاستلام الانقياد والإسلام من الشريعة إظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) وبذلك يحقن الدم. قال ثعلب: الإسلام باللسان، والإيمان بالقلب. قال الأزهري: الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وبه يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان ((4)) .
3.
{وَيَدْرَءُونَ} :
الدَرّءُ الدَفّعْ دَرَأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً وَدْرأهً دَفَعهُ وتدارَأ القومُ تدافعوا في الخصومة ونحوها ودرأت بالهمز دافَعْت، وكل من دَفْعتهُ عنك فقد دَرَأْتهُ
والمدارَأَةُ المخالفةُ المدافعة ((5)) .
قال الراغب الأصفهاني: " الدرْءُ المَيلُ إلى أحَدِ الجانبين يقال: قوّمتُ َدرْأهُ وَدَرأتُ عنه دَفعْتُ عن جانبه "((6)) .
4.
{اللَّغْوَ} :
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (أمن) 13/21.
(2)
سُوْرَة المَائِدَة: الآية 69.
(3)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 22.
(4)
لِسَان العَرَب: مَادة (سلم) 12/ 293-294.
(5)
لِسَان العَرَب: مَادة (درأ) 11/ 71.
(6)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 168.
الّلغا الّسقط وما لا ُيعتّد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. اللّغو والّلغا والَلغوْي ما كان من الكلام غير معقود عليه. اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك (لا والله) . قال الشافعي: اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه ((1)) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} عبر الَقُرْآن الكَرِيم عنهم باسم الإشارة لتنبيه على أنهم جديرون بما سيذكر بعد اسم الإشارة من الأوصاف.
{لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها. وأما قوله: {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} فهو تتميم على حد {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ((2)) .
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} المقصود من السلام أنه سلام المباركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم. قال الحسن: كلمة (السلام عليكم) تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ولعل الَقُرْآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز، لأن تأخير الكلام الذي فيه المباركة إلى أخر الخطاب أولى ان يكون فيه براعة المقطع " ((3)) .
المقابلة في قوله تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد زادت بها الجملة جمالاً.
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (لغو) 15/250.
(2)
سُوْرَة الكَافِرُوْن: الآية 6.
(3)
ينظر التحرير والتنوير: 20 /146.
ونحن نرى أن القضايا البلاغية في هذه الآيات هو ما يتمثل في قوله تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} آفاق في الكلام تقديماً وتأخيراً إذ الأصل يدرءون السيئة بالحسنة، ولكن لما كان ذكر الحسنة مقدماً بلاغياً على ذكر السيئة قدمت الحسنة وأضيف لهما باء الجر.
المعنى العام للآيات
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ}
قال الماوردي: " في معناها وجهان:
أحدهما ـ يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل الَقُرْآن وهم بالقرآن يؤمنون قاله يحيى بن سلام.
الثاني ـ الذين آتيناهم التوراة والإنجيل هم بمحمد (صلى الله عليه وسلم) يؤمنون، قاله ابن شجرة " ((1)) .
وهاهنا يثور سؤال مهم: هل المقصود بالذين آتيناهم الكتاب اليهود وحدهم أم اليهود والنصارى؟
والذي أراه أن سياق الآيات يدلّ على أن المقصود جميع أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف مشاربهم، فكلهم يعرفون رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) كما يعرفون أبنائهم، ولكن كفر من كفر منهما حسداً وحقداً وغلاً " ((2)) .
{مِنْ قَبْلِهِ} ، أي: من قبل الَقُرْآن. وقيل: من قبل مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم){هُمْ بِهِ} ، أي: بالقرآن أو بمحمد (صلى الله عليه وسلم){يُؤْمِنُونَ} ((3)) .
(1) النُّكَت والعُيون: 3 /232.
(2)
ينظر مُحَمَّد في الكتاب المقدس. عبد الأحد داود. الطبعة الثالثة. قطر. الدار الإسلامية. 1404 هـ.: ص 115.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5013.
{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} ، أي: إذا قريء عليهم الَقُرْآن قالوا صدقنا بما فيه {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} . وقال الرازي: " قوله إنه الحق من ربنا يدلّ على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به. وقوله: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} بيان لقوله: {آمَنَّا بِهِ} لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيد، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه ((1)) . وهو ما تدلّ عليه المعاني الكامنة في الآية الكريمة:{أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} ، وذكروا في معناها عدة وجوه، وهي:
الأول ـ إنهم صبروا على الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يبعث ثُمَّ على إتباعه حين بعث، قاله الضحاك.
الثاني ـ يؤتون أجورهم مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) ومرة أخرى بإيمانهم بمُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) .
الثالث ـ قال مقاتل: هؤلاء لما آمنوا بمُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح، وأجر على الإيمان، فيروى أَنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
ويرجح الرازي القول الأول، ويستدل على ذلك بأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة، وبيّن أيضاً أنهم كانوا به مؤمنين قبل البعثة، ثُمَّ أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك " ((2)) .
(1) ينظر مفاتيح الغيب: 12 /262. البَحْر المُحِيْط: 7 /125.
(2)
ينظر زَاد المَسِيْر: 6 /230. مفاتيح الغيب: 12/ 162.
والذي أرجحه هو القول الثاني بأنهم يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم بأنبيائهم الذين كانوا قبل النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ومرة لإيمانهم بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، فعن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) :((أن رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعَاَلىَ وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثُمَّ أدبها فأحسن أدبها، ثُمَّ أعتقها وتزوجها فلها أجران " ((1)) .
{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} " فيه عدة وجوه:
أحدهما ـ (يدفعون) بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب، قاله ابن شجرة.
الثاني ـ يدفعون بالحلم جهل الجاهل.
الثالث ـ يدفعون بالسلام قبح اللقاء، وهذا معنى قول النقاش.
الرابع ـ يدفعون بالمعروف المنكر، قاله ابن جبير.
الخامس ـ يدفعون بالخير الشر، قاله ابن زيد.
السادس ـ يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية " ((2)) .
وأغلب هذه الأقوال يدلّ على مكارم الأخلاق وذات معنى متقارب ولا نجد فيها خلافاً كبيراً.
يقول القرطبي: " فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة ((3)) .
(1) متفق عليه. صحيح البخاري: كتاب العلم، باب العلم 1 /229. . صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان 241 –245.
(2)
النُّكَت والعُيون: 3 /232.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /5014.
ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) لأبي ذر: ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) ((1)) .
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} في سبيل الخير {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} فيه ثلاثة أقوال:
قال مجاهد: السبّ والأذى.
وقال الضحاك: الشرك.
وقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرَّسُول (صلى الله عليه وسلم)
{أَعْرَضُوا عَنْهُ} وتركوه تكرماً ((2)) .
والراجح أنهم إذا سمعوا ما قال المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به كقوله تعالى:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} ((3)) .
أما قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} فقال الطبرسي: " أي: لا نسأل نحن عن أعمالكم ولا تسألوا عن أعمالنا، بل كلّ منا يجازى على عمله "((4)) .
وهذه الآية نظير قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} ((5)) .
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} قال صاحب الخازن: " ليس المراد من (سلام) تحية، ولكن سلام المشاركة، والمعنى: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم "((6)) .
{لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} " لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم "((7)) .
ما يستفاد من النصّ
(1) سنن الترمذي: 4 /335 وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. المستدرك على الصحيحين: 1 /121 من حديث أبي ذر قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2)
ينظر روح المعاني: 20 /95.
(3)
سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية 72.
(4)
مجمع البيان: 7 /258.
(5)
سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية 63.
(6)
لُبَاب التَأَوْيِل: 3 /436.
(7)
إرْشَاد العَقل السَّلِيم: 7 /19.
نستدل من إيمان هؤلاء النفر من أهل الكتاب بنبوة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن جميع رسالات الله ذات أصل واحد فيما يتعلق بالعقائد ومكارم الأخلاق، فهي قاطبة تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى فعل الخير، وتنهى عن فعل الشر، وتأمر بطاعة الله. والَقُرْآن الكَرِيم قد احتوى على تلك الأسس جميعاً من حلال وحرام، وترغيب وترهيب، ومواعظ وقصص، فجاء مصدقاً للأنبياء من قبله، قال تعالى:{وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ((1)) وكذلك تضمن الَقُرْآن فضلاً عن ذلك أحكام وتشريعات جديدة تتناسب ورسالة الله الخاتمة.
لما كان الَقُرْآن الكَرِيم مشتملاً على أصول كتبهم ومصدقاً لنبوة أنبيائهم ودعا الناس للإيمان بهم، فصار كفر أهل الكتاب بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو بكتابه كفراً بكتبهم ورسلهم، فإن التوراة قد بشرت بنبوته (صلى الله عليه وسلم) في عدة أسفار ((2)) ، وكذلك الإنجيل، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ((3)) .
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ودلت هذه الآية كذلك على صفة أخرى من صفات الأتقياء، وهي بذل المال في سبيل الله.
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 101.
(2)
إظهار الحق. رحمة الله الهندي. الطبعة الرابعة. دار جدة. السعودية. 1388 هـ: 12/ 145.
(3)
سُوْرَة الصَّفِ: الآية 6.