الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينقل النفس الإنسانية لهذا الجعل الإلهي: (والذي هو أصدق جعل في الوعد) ، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} ((1)) .
لذلك كانت هذه الآية إحدى آيات اطمئنان النفس في القران الكريم ((2)) .
المطلب الأول: علو فرعون في الأرض
تحليل الألفاظ
1.
{آيَاتُ} :
قال الراغب الاصفهاني: " واشتقاق الآيات إما من أيٍّ فأنها هي التي تُبَيِّنُ أيّا من أيٍّ، والصحيح أنها مشتقة من التّأيّي الذي هوَ التثبت والإقامة على الشيء، يُقال: تأيَّ، أي: ارفُق، أو من قولِهِم: آوي إليه وقيل للبناء العالي ولِكلِّ جملة من القران دالة على حكم أو طغيان سورة كانت أو فصولاً أو فصلاً من سورة. وقد يقال لِكلِّ كلامٍ منه مُنفَصِل بفَصلِ لفظيٍ آية "((4)) .
وقال أبو بكر: سميت الآيات من القران لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويقال: سميت لأنها جماعة من حروف القرآن " ((5)) .
فهذا النص يدل على أن المعنى العام لا يرجعون وجمعها ذا دلالة واحدة.
2.
{الْكِتَاب} :
(1) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية 122.
(2)
السكينة النفسية في الَقُرْآن الكَرِيم. د. سلمان أحمد. الطبعة الأولى. المكتبة العلمية. القاهرة. 1998 م: ص88 وما بعدها.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات: 2 - 4.
(4)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص28.
(5)
لِسَان العَرَب: مَادة (ايي) 14 /62.
في الأصل مصدر ثم سُمِّيَ المكتُوُبُ فيه كتاباً، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب ((1)) . وقد وردت لفظة (الكتاب) في القران في مواضع عدة ولمعاني مختلفة، فقد جاءت بمعنى التوراة، كقوله تعالى:{نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ} ((2)) . وجاءت بمعنى اللوح المحفوظ قال تعالى: {إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ انْ نَبْرَأهَا} ((3)) إشارة إلى اللوح المحفوظ كما ذكر الخازن ((4)) .
والأرجح أن المراد به القران الكريم لان ما بعده يفسره: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} ، أي: نتلو عليك يا محمد في القران من نبأ موسى وفرعون.
بمعنى أن الكتاب (في معناه الذي يدل على المجموع) دال على الضم.
3.
{الْمُبِينِ} :
" من البيان، ما بُيِّنَ به الشيء من الدلالة وغيرها، وبان الشيءُ بياناً: اتضح، فهو بَيِّنٌ وأبَنْتُهُ: أي أوضحته، واستبانَ الشيءُ ظهرَ، وقيل: المبين الذي أبان طُرقَ الهُدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة. وقيل: معنى مبين خيره وبركته. وقيل: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام "((5)) .
فهذا يدل على استقلالية معنى كلمة (المبين) .
4.
{نَبَإِ} :
النَّبأ، هو " القراءة المجمع عليها طرح الهمز وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القران من هذا، واشتقاقه من نَبأَ وأنبأ، أي: أخبر. قال: والأجود ترك الهمز "((6)) .
(1) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 440.
(2)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 101.
(3)
سُوْرَة الحَدِيْد: الآية 22.
(4)
لُبَاب التَأَوْيِل: 3 /423.
(5)
لِسَان العَرَب: مَادة (بين) 13 /68.
(6)
لِسَان العَرَب: مَادة (نبأ) 15/ 303.
وقال الراغب الأصفهاني: " النَّبأ خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل بها علمٌ أو غَلَبهُ ظَنّ، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرَّى عن الكذب كالتواتر، وخَبرَ الله تعالى، وخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) "((1)) .
5.
{عَلَا} :
قال الراغب: (العُلوُ ضِدَّ السُّفلِ والعُلُوُّ الارتفاع، وقد عَلا يَعلُو عُلُوا وهو عالٍٍ. وقيل: إنَّ علا تقّال في المحمود والمذموم " ((2)) .
وقال ابن منظور: " العُلُوُّ العَظمة والتجَبُّر والتكبر في الأرض، وقال الحسن: والفساد المعاصي، يقال: علا في الأرض استكبر "((3)) .
فجاء كلامهما دالاً على استلهام المعنى اللغوي والاصطلاحي.
6.
{شِيَعًا} :
قال ابن منظور: " الشَّيعُ مِقدارٌ من العدد، والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وقيل: الذين يتبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متفقين. وقيل: الشَّيَعُ الفِرًقُ "((4)) .
7.
{يَسْتَضْعِفُ} :
" من الضَّعفُ والضُعفُ خلاف القوة. وقيل: الضُعفُ في الجسد والضَّعف بالفتح في الرأي والعقل.
استَضعَفَه وتَضَعَّفَه وجده ضعيفاً فركبه بسوء. قال ابن الأثير: يقال تَضَعَفتُه واستَضعَفتُه بمعنى للذي يتضعفه الناس ويتجبَّرون عليه في الدنيا للفقر ورَثاثَةِ
الحال " ((5)) .
8.
{يُذَبِّح} :
" أصل الذبح شق حَلقِ الحيوانات، المراد هنا في هذه الآيات التكثير، أي: يَذبَح بَعضُهم اثَرَ بَعضٍ "((6)) .
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 500.
(2)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 357.
(3)
لِسَان العَرَب: مَادة (علا) 15/ 85.
(4)
المصدر نفسه: مادة (شيع) 18/ 188.
(5)
المصدر نفسه: مَادة (ضعف) 9/ 204.
(6)
المصدر نفسه: مَادة (ذبح) 2 /400.
فمجمل هذه الألفاظ تدل في اجتماعها على أن افتتاح السورة بها كان مقصوداً به تنبيه السامع وقرع سمعه على ما يراه ويسمعه فيما يتلوه من الآيات.
القراءات القرآنية
1.
{طسم} :
بإمالة فتحة الطاء. قرأ بها كل من (حمزة، والكسائي، وخلف وشعبة) .
بإمالة فتحة الطاء بين بين (نافع) .
بإظهار نون سين عند الميم، قرأ بها (حمزة، وأبو جعفر) .
بالسكت على الحروف، قرأ بها (أبو جعفر)((1)) .
2.
{الْمُبِينِ نَتْلُو} :
بالإدغام (الكبير)((2)) ، على ما قاله مجاهد بمعنى إدغام النون الأولى بالنون الثانية من دون أن يظهر ذلك بينهما.
3.
{مُوسَى} :
قرأ بالإمالة كل من (حمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف، وورش)((3)) .
4.
{فِرعَونَ} :
قُرأ (فُرعون) بضم الفاء وكسرها والكسر أحسن كالقُسطاس والقِسطاس ((4)) .
5.
{يُذَبِّحُ} :
قرأ الجهور يذبح مضعّفا، وأبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال (يَذْبَحُ)((5)) .
القضايا البلاغية
1.
{نَتْلُو} :
إسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي، لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه من الكلام، والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله، وجعلت التلاوة على النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه الذي يتلقى ذلك المتلوّ، وعبر عن هذا الخبر بالنبأ لإفادة إنه خبر ذو شأن وأهمية ((6)) .
2.
مجاز إسنادي، لأن فرعون لم يعل بل استعلى بكفره.
3.
{وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} :
(1) معجم القراءات القُرْآنية. د. أحمد مختار عمر. عَبْد العال سالم مكرم. الطبعة الثانية. مطبوعات جامعة الكويت. سنة 1988 م.: 5/5.
(2)
معجم القراءات القرآنية: 5 /5.
(3)
المصدر نفسه: 5 /5.
(4)
مفاتيح الغيب: 24 /225.
(5)
البَحْر المُحِيْط: 7 /104.
(6)
التحرير والتنوير: 2 /64.
استعارة مكنية، لأن استحياء النساء وضع لغة للترك، فاستعير في الآيات لنبذ النساء وامتهانهن، وهذا من بليغ إعجاز النص القرآني في بلاغته ((1)) .
المعنى العام
{تِلْكَ} : أي هذه {آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} . قال ابن كثير: " أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن "((2)) .
{نَتْلُو عَلَيْكَ} قال البيضاوي: " نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازاً "((3)) . {نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} قال القرطبي: " نتلو عليك بعض خبرهما "((4)) . {بِالْحَقِّ} ، قال البقاعي:" الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولي الإذعان بقوله "((5)) . {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} قال الزمخشري: " لمن سبق في علمنا أنه يؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم "((6)) .
{إِنَّ فِرْعَوْنَ ((7)
(1) معجم المصطلحات البلاغية: 3 /154.
(2)
تفسير القرآن العظيم3: /379.
(3)
أَنْوَارُ التَّنْزِيْل وأسرار التَّأؤيِل المعروف بتفسير البَيُضَاوي. نَاصِر الدِّيْن عَبْد الله بن عمر بن مُحَمَّد الشِّيُرَازي البَيُضَاوِي الشافعي أبو سعيد. المُتَوَّفَىَ 685 هـ. تحقيق: عَبْد القادر عرفات العشا حسونة. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. 1416 هـ – 1996 م.: 2/209.
(4)
الجامع لأحكام القرآن: 6/4964.
(5)
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 5/461.
(6)
الكشاف: 3/164.
(7)
فرعون: اسم أعجمي، قيل: إنه اسم ذلك الملك بعينه، وقيل: لقبه. إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة. وقد قيل في اسمه أقوال:
أولا ـ قابوس في قول أهل الكتاب.
ثانياً ـ الوليد بن مصعب بن الريان، ويكنى أبا مرة، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام.
ثالثاً ـ قال السهيلي: كلّ ولي القبط ومصر فهو فرعون.
رابعاً ـ قال الجوهري: لقب لكل عاتٍ وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء ومكر.
خامساً ـ قيل: هو فيطوس قاله مقاتل. سادساً ـ قيل: اسمه مغيث، والفراعنة هم ملوك القبط بالديار المصرية.
ينظر: زَاد المَسِيْر: 1 /77. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 1/327. والمختصر في أخبار البشر. عماد الدين إسماعيل بن كثير. ت 774 هـ. الطبعة الأولى. المطبعة الحسينية المصرية. (د. ت) .: 1/56.
) عَلَا فِي الأَرْضِ} قال المفسرون:
" استكبر وتجبر وبغى وتعاظم في أرض مصر "((1)) .
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} قال الزمخشري: " فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته، أو أصنافاً في استخدامه يسخر صنفاً في بناء، وصنفاً في حرث، وصنفاً في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة، قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط "((2)) .
(1) الوَسِيْط في تَفْسِير القُرْآن المجيد. النيسابوري. الإِمَام أبو الحَسَن عَلِيّ بن أحمد الواحدي. ت 468 هـ. تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عَبْد الموجود. وآخرون عَلِيّ مُحَمَّد معوض. مَكْتَبَة الباز. مَكْتَبَة المدينة المنورة. (د. ت.) .: 3/389.
(2)
الكَشَّاف: 3 /156.
{يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} قال المراغي: " أي يجعلهم أذلاء مقهورين وهم بنو إسرائيل "((1)) . {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ} ، قال ابن عطية:" يذبِّح مضعف للمبالغة، والعبارة عن تكرار الفعل وقال قتادة: كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماءه: إن غلاماً لبني إسرائيل يفسد ملكه. وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحيي عاماً، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. وقال وهب بن منبه: إن فرعون ذبح سبعين ألفاً من الأطفال. وقال النقاش: جميع ما قتل ستة عشر طفلاً "((2)) . والذي يبدو من اختلاف الروايات أنه لا يوجد نص ثابت يبين عدد الأطفال، لذا لا يمكن الجزم بعدد معين، أو ترجيح قول على أخر، ولكن ما جاء في رأي النقاش بعيد عن الحقيقة، وذلك لأن الَقُرْآن الكَرِيم استخدم صيغة المبالغة (يذّبح) للدلالة على المبالغة في الذبح.
{وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ} قال ابن عاشور: " يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهنَّ اسم النساء باعتبار المال إيماء إلى أنه يستحيهن ليصرنَ نساء، فتصلحن لما تصلح له النساء، وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج، وإذا كان احتقارهن بصدّ قومه عن التزوج بهنَّ لم يبق لهنَّ حظّ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء، إذ كل ذلك اعتداء على الحق "((3)) .
(1) تفسير المراغي. أحمد مصطفى المراغي. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. (د. ت) .: 20/33.
(2)
المحرر الوجيز: 12/142.
(3)
التحرير والتنوير: 20 /70.
{إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ} قال أبو السعود: " أي الراسخين في الفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ "((1)) .
ما يستفاد من النصّ
أشارت الآيات التي مرت إلى جانب من حياة مصر في حقبة حكم الفراعنة إلى فرعون موسى على وجه الخصوص بقوله تعالى: {انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، فمن هذه الآيات يمكن لنا أن نستنتج صورة للحياة في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ مصر.
أولاً ـ الحالة الاجتماعية:
لنتكلم أولاً عن الحالة الاجتماعية في تلك الفترة حتى تكتمل الصورة. " فان أهل مصر كانوا أهل ملك عظيم ما بين قبطي ويوناني وعمليقي، إلا أن جمهرتهم قبط، وأكثر ما يملك مصر الغرباء، وقد تعاقب على مصر ملوك كاليونان، ثم ملوك الروم والفراعنة الذين هم ملوك القبط "((2)) .
(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القُرْآن الكَرِيْم. مُحَمَّد بن مُحَمَّد العِمَادي أبو السعود. ت 982 هـ. دار إحياء التراث العربي. بيروت. (د. ت) : 7 /2 – 3.
(2)
المختصر في أخبار البشر: 1/56.
ولقد كان العبرانيون الذين كانوا يدعون (بني إسرائيل) أصحاب شرف وأموال سكنوا الديار المصرية برضى ملكها، واستملكوا الأراضي وساهموا في بناء مصر، فكان سبب مجيئهم إلى هذه الديار هو أن عزيز مصر اشترى سيدنا يوسف (عليه السلام) صغيراً حينما وجده السقاة في غيابة الجُبِّ، وعاش وكبر في قصره، إلا أن مُلِّك إدارة شؤون مصر ثم نقل سكن والديه وأخوته إلى مصر، وهكذا تناسلوا وتكاثروا مع من آمن بنبوة سيدنا موسى (عليه السلام) فأصبحوا عدد لا يستهان به. ولكن بعد أن توفي سيدنا يوسف (عليه السلام) تغيرت الأحوال بعد ذلك، فقد فسدت أخلاق معظمهم وتركوا الدعوة إلى الله ودعاء الخلق إلى الله وسقطوا على الدنيا وتغير لهم الناس أيضاً، وصاروا ينظرون إليهم بغير ما كانوا ينظرون إلى آبائهم، وصاروا كسائر الناس لا يمتازون عن الناس إلا بالنسب، وصار الناس يحسدون الغني منهم ويحتقرون الفقير منهم، وصار أهل مصر ينظرون إليهم كغريب جاء من بلد آخر، وليس له حق في مصر، وكان أهل مصر يعتقدون أنهم أهل البلاد وهم أحق بها، ونسي كثير منهم فضل يوسف (عليه السلام) وتدبيره اللذان أنقذا مصر من الموت جوعاً (1) .
(1) ينظر: قصص النبيين. أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي. الطبعة الثالثة. دار القلم. دمشق. 1988 م.: ص140.
" وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، شرعوا فيهم من الإسلام، حتَّى كان فرعون موسى، وكان أعتاهم على الله، وأعظم قولاً وأطولهم عمراً، واسمه فيما ذكر الوليد بن مصعب، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل، يعذبهم ويجعلهم خولاً ويسومهم سوء العذاب "((1)) .
ثانياً ـ الحالة الأخلاقية:
إن الذي يقرأ قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ} ، تتجسد أمامه أخلاقية فرعون الفاسدة، والتي كانت سبباً في هلاكه وهلاك ملكه، فقد بينت الآيات جملة من الصفات الفاسدة التي كان يتصف بها فرعون والتي كانت السبب في هلاك ملكة وهي:
1.
الكِبرُ:
قال تعالى: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ} ، والكِبرُ " والتَكبُّرُ والاستكبار تتقارب، فالكِبرُ الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره "((2)) .
(1) الكامل في التاريخ. عز الدِّيْن أبو الحَسَن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن الأثير الجزري. ت 630 هـ. تحقيق: أَبِي الفداء عَبْد الله القاضي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط2. 1415 هـ – 1995 م: 1/96.
(2)
مفردات ألفاظ القران: ص438. وينظر: لِسَان العَرَب: مَادة (كبر) 5/129.
والكبر مولوداً من (العُجبِ) وذلك " إنَّ ذا العُجب إذا مرّ نظره إلى أدنى منه تبين له أنه ممتاز عنه بما سما به في نظرة نفسه، فيرى ذلك الغير في درجة منحطة عن درجته، فيعتقد أن مستواه فوق مستوى غيره، فالمتكبر يعتقد في قرارة نفسه أنه أكبر وأعظم من غيره، فيرى غيره بعين الصغر والحقارة ويرى نفسه بعين العظمة والفخامة "((1)) .
ومعنى العُلوّ في الآيات الكِبْر، وهو المذموم من العُلو المعنوي ((2)) كالذي في قوله تعالى:{تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً} ((3)) .
وللكبر آثار تظهر على الجوارح فتراه إذا مشى مع الناس يريد التقدم عليهم، وتراه إن جالسهم يصدر نفسه في المجلس، يسره أن يتكلم ويسمعوا له، وأن لا ينطق غيره بحرف، ثم هو ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق.
كقولة تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} ((4)) .
فالمتكبر يحتقر الناس ويستضعف حقوقهم، ويسيء معاشرتهم، ويبث عدوانه فيهم، ويزداد الأمر سوءً إن كان ذلك المتكبر ولي أمرهم وراعيهم، فتنتج صفة الكبر في الحالة سوء رعايته لهم، والاعتداء على حقوقهم، وينظر إليهم بعين الاحتقار، ويرى دائماً أنه صاحب الفضل عليهم.
2.
العُجبُ:
وهو الزَّهُوَّ ورجل مُعجَبٌ مزهُوّ بما يكون منة حسناً أو قبيحاً.
(1) أمراض القلوب وشفاؤها. أحمد بن تيمية. (661 ـ 728) . المطبعة السلفية. القاهرة. ط2. 1399هـ.: ص 568.
(2)
التحرير والتنوير: 2 /66.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 83.
(4)
سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 123.
وقيل: العُجب فضلةٌ من الحمق صَرَفَتهَا إلى العُجب ((1)) ، وقيل لمن يروقه نفسه فلان مُعجبٌ بنفسه ((2)) .
وهو من أمراض القلوب المهلكة أعاذنا الله منها.
وأيضاً هو " نظر الإنسان إلى ما حباه الله به من كمال نظر استعظام وتفخيم وفرحة به باعتباره أثراً من آثاره ونتيجة من نتائج ما بذل من مجهود في تحصيله، ولا يخطر على باله أنه يزول عنه يوماً من الأيام "((3)) .
وهذا ما يتضح من قول فرعون إلى قومه: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} ((4)) ، فقد وهم فرعون بوحدانيته بملكه وقصوره وعبيده، فظن أن هذه النعم هي ملكه وحده، وهو أحق بها ن فقد أضاف إلى نفسه ملك مصر وأنهارها، وظن أنها لن تبيد، فأداه عُجبُه بنفسه ومُلكه أن أدعى الربوبية لنفسه.
ولكن شاءت إرادة الله تعالى وسنته في خلقه بهلاك المتكبرين من الأمم والأفراد أن ينزع عنهم النعمة التي لم يشكروها، قال تعالى:{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ} ((5)) .
إن العاقل هو الذي إذا ما انعم الله عليه أن يبادر بشكرها، والمجنون هو من إذا ما حباه الله بنعمة تخيل إنها جاءته بجهده وعقله وذكائه، فالنعم كلها لا يمكن أن تكون إلا من بعد أن يهبها الله لمن شاء من عباده كما يقول عز وجل:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه} ((6)) .
3.
التفرقة العنصرية:
ويتبين ذلك من خلال:
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (عجب) 1 /582.
(2)
معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 334.
(3)
أمراض القلوب: ص 598.
(4)
سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية 51.
(5)
سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآيات 57 –59.
(6)
سُوْرَة النَّحْلِ: الآية 52.
أ. قوله تعالى: {وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعًا} ، أي:" فرقاً. قال قتادة: فرّق بين بني إسرائيل والقبط، والمعنى يكرم قوماً ويذل آخرين بالاستبعاد والأعمال الشاقة. وقيل: جعل إسرائيل أصنافاً في الخدمة والتسخير "((1)) ، فهذه التفرقة العنصرية كانت سبباً أيضاً في هلاك دولته فجعل هناك تمايز طبقي بين الأقباط وبين بني إسرائيل، فكان يرى ويرى الأقباط معه أن مصر هي ملك لهم، وما وجود بني إسرائيل إلا لخدمتهم في هذه الحياة، فجعل من مملكته فرقاً مختلفة، وجعل منهم شيعاً مقربين منه، والقسم الآخر ناصبهم العداء، وجعل بين الطائفتين العداوة والبغضاء ليسهل له السيطرة عليهم جميعاً.
ب. {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} ، يعني بني إسرائيل بالاستبعاد والأعمال القذرة، فجعل من هذه الطائفة محقّرة مهتضمة الحقوق لا مساواة بينها وبين الأقباط مع أنهما يسكنان في أرض واحدة وتحت سماء واحدة. والسبب في ذلك لأنه يرى أنهم غرباء عنه في النسب والدين، لأنهم كانوا يعتقدون بعقيدة تختلف عن عقيدته هو وقومه، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب عليهما السلام، فهم يعتقدون بإله واحد هو الله، وينكرون ألوهية فرعون، وكذلك أحسَّ فرعون أن هناك خطراً على عرشه من وجود هذه الطائفة في مصر، ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها، فهم جماعة كبيرة قد يتحالفون مع أعدائه من دول الجوار الذين كانت تقوم بينهم وبين فرعون حروباً. فاحتقرهم ولم يجعل لهم دوراً في الحياة السياسية والإدارية في مصر، فجعل منهم خدماً، وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وكلفهم بالأعمال الشاقة.
4.
التصفية الجسدية:
{يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}
(1) مجمع البيان: 7/ 239.
يُذَبِّحُ على التكثير، أي: يَذبح بعضهم إثر بعض ((1)) ، وذكر الرازي ((2)) في سبب ذبح الأبناء وجوه:
أحدهما ـ إن كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب بملكه على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى (عليه السلام) تسعين ألفاً من بني إسرائيل. قال بعضهم: " العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل "((3)) .
ثانياً ـ وهو قول السدي: إن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس، واشتملت على مصر، فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور.
ثالثاً ـ إن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى (عليه السلام) بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الذي يرجحه الرازي ((4)) .
ومن صور التصفية الجسدية ما توعده للسحرة الذين آمنوا برب موسى (عليه السلام){قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأَقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أجْمَعِينَ} ((5)) ، وهذا أبشع أنواع الظلم ألا وهو مصادرة الحرية الدينية والاعتقادية والفكرية، ففرعون قام بذلك لأنه أحس بالخطر على ملكه من إيمان أقرب الناس إليه وهم سحرته.
ثالثاً ـ الحالة الدينية:
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 180.
(2)
مفاتيح الغيب: 24/ 225.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6/ 4964.
(4)
ينظر مفاتيح الغيب: 24 /225.
(5)
سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآيتان 123 –124.
خلال الفترة ما بين وفاة سيدنا يوسف (عليه السلام) إلى الفترة التي بُعث فيها سيدنا موسى (عليه السلام) يبدو أن المصريين لم يستقروا على عبادة إله واحد، فكان الناس غالباً على دين ملوكهم إلا القلة القليلة من أحفاد نبي الله يعقوب (عليه السلام) ومن آمن معهم كانوا موحدين " مع أن كثيراً منهم فسدت أخلاقهم وسقطوا على الدنيا وتركوا دعوة الناس إلى الله "((1)) ، فكانوا يعبدون الأصنام ((2)) ، ويعبدون الشمس فلقد " أخذت عبادة الشمس تنتشر منذ عصر الدولة القديمة، ولعّل السبب في ذلك أن ملوك الآسرة الخامسة الذين حكموا مصر من عام (2560) إلى (2420) قبل الميلاد كانوا ينتمون إلى هذا الإله، فأصبح هذا المعبود أكثر المعبودات تقديساً عندهم، فقد أخذ الناس على مدى الألف سنة التالية يضيفون في كلّ مكان اسم (رع) الشمس على أسماء الآلهة القديمة، وقد أرادوا بذلك أن يضيفوا إلى الآلهة الأخرى نصيباً من القوة التي تتمتع بها إله الشمس "((3)) .
وحينما جاء إخناتون دعا إلى عبادة إله واحد خالق كل شيء (الشمس) ، وقد تصور المصريون إله الشمس على صورة آدمي، أو على هيئة صقر، ونستطيع أن نستشف صورة الوضع الديني من خلال الآيات القرآنية التي تحدثت عن فرعون وقومه، وتتميز هذه الفترة بما يأتي:
(1) قصص النبيين: ص 140.
(2)
المختصر في أخبار البشر: 1 /56.
(3)
ديانة مصر القديمة. أدولف إرمان. ترجمة: د. عبد المنعم أبو بكر. ورفيقه. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. (د. ت) .: ص 19 –21. والعرب واليهود في التاريخ. د. أحمد سوسة. الطبعة السادسة. دمشق. 1987 م.: ص 389.
تنقسم عبادة المجتمع في فترة حكم فرعون موسى إلى قسمين: الفئة القليلة كانوا يعبدون الله، وهم من بقي على دينه من أحفاد نبي الله يعقوب (عليه السلام) ، فكانوا يلاقون ألواناً من العذاب والتصفية الجسدية لرفضهم عبادة غير الله، والقسم الأكبر كانوا يعبدون فرعون. لقد وصل الكبر والطغيان والجبروت بفرعون أن ادّعى الألوهية، وأجبر رعيته وسكان مصر على ذلك " فجعل من نفسه إلهاً وأنه ابن الشمس "((1)) .
فقال فرعون في خطابه لسيدنا موسى (عليه السلام) : {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلها غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين} ((2)) .
وقال تعالى أيضاً على لسان فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا ايُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي} ((3)) .
وكلّ هذِهِ الآيات نؤكد بما لا يقبل الشك أن فرعون ادّعى الألوهية. وقد قص القران الكريم أنه ادّعى الإيمان لحظة موته: {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ} ((4)) .
وهناك تأويلات لألوهية فرعون وعبادته هو، نورد بعضها:
قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام فكان يعْبدُ ويُعْبدَ. وقال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر.
وقيلَ معنى: {وَآلِهَتِكَ} ، أي: وطاعتك كما قيل في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ((5)) ، فإنهم ما عبدوهم، ولكن أطاعوهم فصار تمثيلاً.
على قراءة انس بن مالك: (ونذرُك) بالرفع والنون، أي: نذر عبادتك إن تركت موسى حياً.
(1) التحرير والتنوير: 20 / 66.
(2)
سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية 30.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 38.
(4)
سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية 90.
(5)
سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية 31.