الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذ لم ترسم الهمزة على كرسيها،، ولعل ذلك للإشارة إلى انتفاء الشركاء وكون الله سبحانه وتعالى فرداً، لأن إفراد الهمزة مشعر بذلك كما لا يخفى.
13.
ءامن:
إذ رسمت الهمزة منفردة دون رسم الألف وعليها علامة المد،، ولعل ذلك للإشارة إلى الثواب الموحد لمن آمن بجعل الهمزة مفردة، كما أن المؤمن مفرد في إيمانه.
إننا لا ندعي أن ما قدمناه من تأويلات للمعنى وفق ظواهر الرسم هو التأويل الوحيد، ولكن ما قدمناه هو تعليل استنتجناه من استقراء ظواهر الرسم المصحفي في سُوْرَة الْقَصَصِ، وهو في كلّ الأحوال اجتهاد مجتهد، ولسنا ممن يقول في الَقُرْآن الكَرِيم برأيه، فحاشى لله من ذلك، وإنما هو رأي أبديناه.
المبحث الثاني: الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ
المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص
أنزل الله جل جلاله القرآن هادياً للناس ومرشداً لهم، ووضع لهم فيه المنهج الأقوم، والمنهاج الأحكم، فكان كما وصفه في ملازمته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم){النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} ((1)) ، وتتضمن سور القرآن الكريم دلالات متعددة على التوحيد الإلهي الذي هو ذات (المعرفة الإلهية)((2)) ، ولذلك كانت سورة الإخلاص تعدل
(ثلث القرآن)((3)) .
(1) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 157.
(2)
حال أهل الحقيقة مع الله. السيد أحمد الرفاعي. (512 ـ 578 هـ) . تحقيق: مُحَمَّد علي مُحَمَّد. الدار الجماهيرية. ليبيا. 1975 م: ص111.
(3)
صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد 4 /1915 رقم (4726) . من حديث أبي سعيد الخدري عن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم قوله: والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن) . وصحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحد. رقم (1344) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) .
ولعل من السور التي تضمنت جوانب متعددة من دلالة التوحيد سورة القصص (المكية)((1)) ، التي وصفها بعض الباحثين، فقال:" إن سورة القصص قد احتوت في ذاتها على جوانب تشريعية في باطن النص، وفي نفس الوقت فقد احتوت على جوانب توحيدية في ظاهر النص بما لا يدع مجالاً للشك في أن سورة القصص تضمنت في مجملها روحاً إيمانياً يفيض على المؤمنين بوداعة وسكينة "((2)) .
(1) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: 1 /58.
(2)
قصص الَقُرْآن، دروس وعبر. سعد يوسف أبو عزيز. الطبعة الأولى. دار الفجر للتراث. القاهرة. 1420 هـ. ص224 وما بعدها.
وتلك هي ميزة النص في سورة القصص كونه يحتوي على أسلوب خطاب يقرر حقيقة التوحيد بأسلوب غير مباشر، كما في قوله تعالى فيها:{فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} ((1)) ، فمفهوم النص في هذه الآيات له ظاهر وباطن معنوي، فأما المفهوم الظاهر، فهو إن الله عز وجل هو الذي يصرف الكون ويقدر تصرفه فيه وما يجري فيه، أما المفهوم الداخلي ((2)) الإشاري، فيقرر حقيقة توحيدية أخرى، هي (أن إرجاع موسى (عليه السلام) إلى أمه كان لقدير إلهي ليكون فرعون وقومه الذين التقطوه في خانة المحاجة بكفرهم، وهو رسول الله تعالى لهم، ونحن نجد في سورة القصص أن آيات دلالة التوحيد ذات مبنى ومعنى صيغا بأسلوب يقرر حقيقة التوحيد حتى لدى أولئك الذين لا يؤمنون بالله جل جلاله ((3)) ، مثل قوله تعالى فيها:{إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ} ((4)) في بيان الوعد الإلهي، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} ((5)) في المشيئة الكلية، {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} ((6)
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 13.
(2)
لا ريب أننا لا نعني بالمفهوم الداخلي هاهنا ما كان يعنيه الباطنيون من ملاحدة القرامطة والإسماعيلية، بل إن مفهومنا لهذا التعبير هو (معرفة إشارات النص الكامنة فيه)، راجع فضائح الباطنية. مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغزالي أبو حامد. (450 ـ 505) . تحقيق: عَبْد الرَّحْمَن بدوي. مؤسسة دار الكتب الثقافية. الكويت. (د. ت) .: ص45.
(3)
ينظر التوحيد والمعرفة في الفكر الإسلامي. أحمد حسن الزين. الطبعة الثانية. دار العرفان. بيروت، لبنان. 1988 م.: ص 222-224.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 13.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 27.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 28.
) الوكالة الإلهية، {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ((1)) التوحيد الخاص بالربوبية، {بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} ((2)) معطي الهدى، {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} ((3)) .
وقد عرف العلماء التوحيد بأنه:
" إفراد الله تعالى بالعبودية، والإقرار له بالوحدانية "((4)) .
وهذا التعريف الذي يراه الباحث جامعاً مانعاً يرينا كيف أن سورة القصص قد تضمنت ما يمكن أن يكون بحق (كل دلائل التوحيد ودلالاتها) استناداً إلى ما ذهب إليه أحد الباحثين إذ قال: " إن آيات التوحيد الخالص في سورة القصص تنطق في حد ذاتها بمعنى (لا إله إلَاّ الله) على سبيل الإيضاح، أو الإشارة على حد سواء، لا بل يكاد أن يكون السياق العام للسورة في خطها البياني التصاعدي المتصاعد نحو الذروة ناطقاً بإفراد التوحيد. فسورة القصص في هذا الباب شارحة للصفات الالهية التوحيدية "((5)) .
ولقد لاحظنا أن سورة القصص فيها عشرة مطالب توحيدية نوجزها في النقاط الآتية:
1-
المنّ على المؤمنين: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ} ((6)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 30.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 32.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 37.
(4)
علم الكلام نظرة تحليلية. د. عبد الكريم راجي. الطبعة الثانية. دار ذات السلاسل. الكويت. 1988 م.: ص93.
(5)
القصص القرآني: ص307 وما بعدها.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 5.
2-
صدق وعد الله عز وجل: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ((1)) .
3-
الجزاء الصالح: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ((2)) .
4-
غفران الله لعبادة المؤمنين: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ((3)) .
5-
الهداية الإلهية: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} ((4)) .
6-
إشهاد الله عز وجل: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} ((5)) .
7-
8-
الحق والهداية من الله تعالى: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} ((7)) ، و {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ((8))
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 13.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 14.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 16.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 22.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 28.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 30.
(7)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 53.
(8)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 56.
9-
عدم إهلاك القرى إلا بإنذار: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} ((1)) .
10-
التوحيد بإسناد الصفات: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ((2)) .
فهذه المطالب العشرة تبين لنا أن آيات التوحيد في سورة القصص تجري في نظام قرآني إعجازي لا يدانيه بحق أي نظام لغوي آخر. وفي ذلك يقول الدكتور ناصر الحسن:
" والذي يحلل ما جاء في سورة القصص الشريفة يلاحظ كيف أن مجرى آيات وحدانية الله عز وجل فيها تسير في طريق مستقيم فتأخذ بالعقول والقلوب كمثل قوله تعالى فيها: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} ((3)) ، فإن دلالته على أن الله عز وجل يتكفل برسله، ويصطفيهم منذ طفولتهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فالآية هنا تجعل تحريم المراضع على موسى (عليه السلام) في قصر فرعون فعلاً من أفعال الله عز وجل، وفي ذلك دلالة عظمى على وحدانيته تعالى "((4)) .
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 59.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 88.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 12.
(4)
مباحث في إعجاز الَقُرْآن. د. سليمان علي. الطبعة الثانية. دار المعارف بمصر. 1986 م.: ص 158.
وإذا ما حاول الباحث ـ استناداً إلى ما تقدم ـ إعادة صياغة معنى الآيات التوحيدية في سورة القصص، فإنه يخرج بما يمكن أن نوجزه من صفات الله عز وجل في النص الآتي المستخلص من السورة نفسها على ما قدمنا نقله من سوابق الآيات:(إن وعد الله حق يلحق بالصالحين وهو وكيلهم، رب العالمين ببراهينه، وهو العليم بمن جاء بالهدى، وإن الهدى هو هداه الذي هو الحق من عنده وبيده وحده الهداية، الذي لا يعذب قرية إلا بعد أن يقيم عليها الحجة، وما عنده هو الخير الباقي الذي يخلق، والذي يعلم الخوافي، لا إله إلا هو رب الليل والنهار، وهو الذي لا يحب الفرحين ولا المفسدين، مهلك القرون الماضية الذي ثوابه الثواب لمن آمن وما من احد يشعر امراً من دونه الذي يرد الناس إلى معاد، كلّ شيء هالك إلاّ وجه جل جلالة) .
وهذه الإشارات لاقت هوى من العارفين، فتحققوا بها، وبخاصة ما ورد منها على الاجمال ((1)) . وقد كان لآية {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَا وَجْهَهُ} ((2)) دلالة توحيدية تنزيهية تشبه دلالة قوله تعالى:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} ((3)) ، أو دلالة قوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ((4)) ، فإثبات الوجه لله تعالى دون كيفية هو قمة من قمم التوحيد. وفي ذلك يقول الدكتور محمد عياش الكبيسي: " وصفات لا يدل ظاهرها على علاقة معنوية مع هذه الاسماء بل إن ظاهرها ولّد نوع إشكال في فهم المدارس الكلامية
…
كإبعاض وأعضاء أضيفت إلى الله تعالى مثل الوجه في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} " ((5)) . ثم يعود الدكتور ليقرر ذلك، فيقول: " إن العقيدة القرآنية عقيدة عامة تناسب جميع المكلفين، لأنها جاءت لهم جميعاً
…
وعلى هذا نرى كيف استطاعت عقيدة القرآن أن تقنع مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية وغيرها ودفعت بالجميع إلى الغاية
العظيمة " ((6)) .
(1) النظام الخاص لأهل الاختصاص. السيد أحمد الرفاعي (512 ـ 578 هـ) تحقيق: مُحَمَّد علي مُحَمَّد. الدار الجماهيرية. ليبيا. 1978 م.: ص85.
(2)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 88.
(3)
سُوْرَة الرَّحْمَنِ: الآية 27.
(4)
سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية 115.
(5)
العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين. مُحَمَّد عباس الكبيسي. الطبعة الأولى. بغداد. 1992 م.: ص121.
(6)
المصدر نفسه: ص 32.