الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} ((2)) .
في هذه الآيات أخبر الباري سبحانه وتعالى أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين ولكن متى؟ إذا قاموا بنصر دينه، وإذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فقد وعد الله باستخلافهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى {يَاءيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ((3)) .
المبحث الثاني: سيدنا موسى (عليه السلام) في مرحلة البلوغ
المطلب الأول: سيدنا موسى (عليه السلام) يهبه الله الحكم والعلم
المناسبة
(1) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية 55.
(2)
سُوْرَة الرُّوْمِ: الآية 47.
(3)
سُوْرَة مُحَمَّد (صلى الله عليه وسلم) : الآية 7.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 14.
نلاحظ أن النص القرآني قد تحدث عن المرحلة التي سبقت ميلاد سيدنا موسى (عليه السلام) بصورة موجزة، ثم فترة ولادته وإرضاعه، ولم يتحدث عن الفترة التي هي ما بين إرضاعه إلى أن بلغ أشده واستوى. فمن الطبيعي أن أم موسى بعد أن أكملت إرضاعه عادت به إلى قصر فرعون وتربى فيه وهو صغير، بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون:{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} ((1)) .
قال البقاعي في هذا الصدد: " ولما استقر الحال على هذا المنوال عُلم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال وقال مخبراً عما بعد ذلك من الأحوال {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} "((2)) .
وقال ابن عاشور: " هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج، وهذا الاعتراض نشأ عن جملة {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ((3)) ، فأن وعد الله لها قد حُكي في قوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ} ((4)) ، فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} ((5)) إلى أخره كمّل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} ، وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} ((6)) "((7)) .
(1) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية 18.
(2)
نظم الدرر: 5 /470.
(3)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 14.
(4)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 7.
(5)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 13.
(6)
سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية 29.
(7)
التحرير والتنوير: 20 /87.
تحليل الألفاظ
1.
{بَلَغَ} :
بَلَغَ الشيء يَبلَغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصل وانتهى ((1)) .
2.
{أَشُدَّهُ} :
شدد الشّدّة: الصلابة، وهي نقيض اللين تكون في الجواهر والأعراض، والجمع شِدَدٌ. وعن سيبويه قال: جاء على الأصل لأنه لم يشبه الفعل وقد شَدَّه يَشُدَّه ويَشِدَّه شَدَّاً فَاشْتَدَّ، وكل ما أحكم فقد شُدَّ وشُدِّدَ.
والأشُدّ: مبلغ الرجل الحُنْكَةَ والمَعْرِفَة. قال الفراء: الأَشُدُّ واحدها شُدّ في القياس، قال: ولم أسمع لها بواحد. وقا أبو الهيثم: وواحدة الأَنْعُم نعْمَة وواحدة الأَشُدَّ شِدَّة. قال: والشِّدَّة القوة والجلادة، والشَّدِيد الرجل القوي.
وقال الأزهري: الأشُدّ في كتاب الله تعالى في ثلاثة معان يقرب اختلافها، فأما قوله تعالى في قصة يوسف (عليه السلام) :{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} ((2)) فمعناه الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه. وكذلك قوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} ((3)) ، قال الزجاج: معناه احفظوا عليه ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. قال: وبلوغه أشُدّه أن يؤنس منه الرُّشْد مع أن يكون بالغاً.
وأما قوله في قصة سيدنا موسى (عليه السلام) : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} ، فإنه قرن بلوغ الأشد بالاستواءِ، وهو أن يجتمع أمره وقوته ويكتهل وينتهي شبابه.
(1) لِسَان العَرَب: مَادة (بلغ) 8 /419.
(2)
سُوْرَة يُوْسُف: الآية 22.
(3)
سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية 152. سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية 34.
وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} ((1)) ، فهو أقصى نهاية بلوغ الأشد، وعند تمامها بعث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وقد اجتمعت حُنكته وتمام عقلهِ ((2)) .
3.
{وَاسْتَوَى} :
قال الليث: الاسْتِواء فعل لازم من قولك سَويْتُه فاستوى. قال أبو الهيثم: العرب تقول استوى الشيء مع كذا وكذا وبكذا، إلاّ قولهم للغلام إذا تمَّ شبابه: قد استوى. واستوى الشيء: اعتدل، والاسم السواء، يقال: سَوَاءُ عَليَّ قمتَ أو قعدت، واستوى الرجل بلغ أَشُدّه. وقيل: بلغ أربعين سنة ((3)) .
4.
{حُكْمًا} :
قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى الحَكَم والحَكِيمُ، وهما بمعنى الحَاكِم وهو القاضي، فهو فعيل بمعنى فاعِل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، والحُكم العلم والفقه قال الله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} ((4)) أي: علماً وفقهاً، هذا ليحيى بن زكريا. والحُكْم العِلْم والفِقْه والقَضَاء بالعَدْل، وهو مصدر من حَكَم يَحْكُم. والعرب تقول: حَكَمْت وأَحْكَمْت وحَكَمْت بمعنى مَنَعْت ورَدَدْتُ، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس: حَاكِم لأنه يمنع الظالم من الظلم ((5)) .
5.
{وَعِلْمًا} :
من صفات الله عز وجل العَلِيْم والعَالِم والعَلاّمُ. والعِلمُ نقيض الجهل عَلِم عِلْماً وعَلُمَ هو نفسه، ورجل عَالِم وعَلِيم من قوم عُلَمَاء فيهما جميعاً " ((6)) .
(1) سُوْرَة الأَحْقَافِ: الآية 15.
(2)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (شدد) 3 /232 –236.
(3)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (سوي) 14 / 410 – 414.
(4)
سُوْرَة مَرْيَمْ: الآية 12.
(5)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (حكم) 14 /141 –144.
(6)
ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (علم) 12 /416 –417.
وقال الراغب الأصفهاني: " العِلْمُ إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك الشيء. والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه. والعلم من وجه ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا عُلِمَ فقد كَمَلَ نحو: العِلْم بِمُوجُودَات العالم، والعملي مالا يتم إلا بأن يعمل كالعِلْم بالعبادات، ومن وجه آخر عقلي وسمعي "((1)) .
المعنى العام
1.
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} .
قد اختلف العلماء في مدة بلوغ الأشد إلى تسعة أقاويل:
إحداهما: أربعون سنة قاله الحسن.
الثاني: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان.
الثالث: ثلاث وثلاثون سنة، قاله ابن عباس.
الرابع: ثلاثون سنة، قاله السدي.
الخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.
السادس: عشرون سنة، حكاه يحيى بن سلام.
السابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير.
الثامن: خمس عشرة سنة، قاله محمد بن قيس.
التاسع: الحلم، قاله ربيعه، ومالك.
والذي نراه أن لا فائدة تذكر في ترجيح أي من هذه الآراء على الرأي الآخر، مما لا توجب علماً ولا عملاً على ما قاله الأقدمون، بل هي منصوصة بأية أخرى دالة على أن بلوغ الأشد يكون ببلوغ الأربعين سنة، وهي قوله:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} ((2)) .
2.
{وَاسْتَوَى} :
فيه كذلك أربعة أقوال:
أحدهما: اعتدال القوة.
الثاني: خروج اللحية.
الثالث: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم تكن فيه زيادة ((3))
الرابع. أربعون سنة ((4)) .
وقد اختلوا في مدة الاستواء إلى قولين:
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص 356.
(2)
سُوْرَة الأَحْقَافِ: الآية 15.
(3)
غريب القرآن (ابن قتيبة) : ص 329.
(4)
النُّكَت والعُيون: 3 /22.
أحدهما: إنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد.
والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير ((1)) .
والذي أراه أنه (أربعون سنة) بقرائن الآيات الأخرى، وهي من إرسال المرسلين ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ.
وقد ذكر الرازي اختلافاً آخر في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} ، فذكر فيها قولين:
أحدهما: إنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية.
الثاني: وهو الأصح إنما معنيان متغايران.
ثم اختلوا على وجوه:
الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية.
الأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة.
قال ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى الثلاثين، ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان ((2)) .
والذي يحسم الخلاف في ذلك كله هو قوله الآلوسي رحمه الله والذي أرى أنه الراجح، " بأن البلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقوه الجسمانية، وينتهي فيه نموه المعتد به. والاستواء اعتدال عقله وكماله، ولا ينبغي تعين وقت لذلك في حق موسى (عليه السلام) إلا بخبر يعول عليه، ولأن الوقت يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال "((3)) .
ومن المشهور أن الله لم يبعث نبياً قبل الأربعين، والسر في ذلك لأن قوى الإنسان الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قبل الأربعين قوية مستكملة، فيكون الإنسان منجذباً إليها، فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون ((4)) .
(1) زَاد المَسِيْر: 6 /207.
(2)
مفاتيح الغيب: 12/ 232.
(3)
روح المعاني: 20 /51.
(4)
ينظر مفاتيح الغيب: 12 /232.
3.
{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} :
وقد قيل في المراد بالحكم أربعة أقوال:
إنه العقل، قاله عكرمة.
النبوة، قاله السدي أو علماً على ما هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه.
القوة، قاله مجاهد.
الفقه، قاله ابن إسحاق.
ويحتمل أن يراد به علم الحكماء وأخلاقهم ((1)) .
وذكر الزمخشري " أن المراد بالحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم "((2)) ، قال تعالى:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ((3)) .
وقد ذكر الرازي أنه قد يعترض معترض على من قال إن معنى الحكمة: النبوة وما يقترن بها من العلوم والأخلاق، فتكون النبوة قبل قتل القبطي، فسياق الآيات يخالف ذلك، فإن الله قد أعطاه الحكم والعلم، ثم دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، قال تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} .
ويجيب: ليس في الآيات دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القطبي أو بعده، لأن الواو في قوله تعالى:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ} لا تفيد الترتيب ((4)) .
والذي أرجحه هو قول الشيخ زاده بأن المراد بالحكم علم الحكماء وأخلاقهم (5)، ولا يمكن أن يراد به النبوة لما يأتي:
أولاً: لقوله تعالى في نهاية الآيات {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ، فجعل الله إيتاء الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة اصطفاء من الله لا تأتي جزاء على عمل.
(1) ينظر النُّكَت والعُيون: 3 /220. حاشية الشيخ زاده: 2 /507.
(2)
الكَشَّاف: 3 /168.
(3)
سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية 34.
(4)
مفاتيح الغيب: 12 /232. وينظر حاشية الشيخ زاده: 2 /507.
(5)
حاشية الشيخ زاده: 2 /507.
ثانياً: لو كان المراد بالحلم والعلم النبوة لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين ((1)) لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .
وقد اختلف العلماء كذلك في المراد بالعلم إلى ثلاثة أوجه:
أحدهما: إنه الفهم.
الثاني: الفقه.
الثالث: العلم بما في دينه من شرائعه وحدوده ((2)) .
والرأي الراجح عندي إنه العلم بما في دينه لأنه مما أوحي إليه.
4.
{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} :
" أي: كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر وصدقت بوعد الله فرددنا ولدها إليها، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن "((3)) .
ما يستفاد من النصّ
(1) ينظر مفاتيح الغيب: 12/ 232.
(2)
ينظر النُّكَت والعُيون: 3 /220.
(3)
الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: 6 /4975.