الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وللشريعة أن تَخصَّ، وعندنا: يبدأ بالمُدَّعَى عليه، على قضية سائر الدعاوي.
"قالوا: يا رسولَ الله أمر"؛ أي: صدورُ القتلِ أمرٌ.
"لم نَرَه، قال: فتُبرِئكم اليهود"؛ أي: من دعواكم "بأيمان خمسين منهم"، قيل: هذا يدل على ثبوت رد اليمبن إذا نكل مَن توجَّهت عليه، ولا يُقضَى عليه بالنُّكُول، بل يُرَدُّ على الآخر، وعلى أن الحكمَ بين أهل الذمَّة كهو بين المسلمين في تحليفهم عند توجُّه اليمين عليهم وبراءتهم بالحَلِف، ومالك: لا تُقبَل أيمانُهم على المسلمين كشهادتهم.
"قالوا: يا رسولَ الله! قومٌ"؛ أي: هم قومٌ. "كفارٌ"؛ فلا تُقبَل أيمانُهم، "ففداهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قِبَله"؛ أي: من عنده؛ لدفع الفتنة.
"وفي رواية: تَحْلِفون خمسين يمينًا وَتستحقُّون قاتلَكم، أو صاحبَكم، فوَداه"؛ أي: أعطاه الدِّيَةَ "رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عنده بمئة ناقة"، إذ كان من سُنَّته ألا يَتركَ دماً حراماً هَدَرًا، وكان قد أعطى اليهودَ عهداً، فلم يَرَ أن يُبطلَه، وإن كان سببُ النقض ظاهراً مِن قِبَلهم.
* * *
5 - باب قتلِ أهل الرِّدةِ والسّعاةِ بالفسادِ
" باب قتل أهل الردَّة والسُّعاة" - جمع: الساعي - "بالفساد".
مِنَ الصِّحَاحِ:
2658 -
عن عِكرِمةَ قال: أُتيَ علي بزنادِقةٍ فأَحرقَهم، فبلَغَ ذلكَ ابن عبَّاسٍ فقال: لو كنتُ أنا لَمْ أُحَرِّقهم لِنهيِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُعَذِّبُوا بعذابِ
الله"، وَلَقَتَلْتُهُم لقولِ رسولِ اللّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلُوه".
* * *
"من الصحاح":
" عن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: أتى عليٌّ بزنادقةٍ" جمع: زِنديق، وهو الذي يخفي الكفرَ، وقيل: هو الذي يقول بحياة الدنيا ولا يقول بحياة الآخرة.
والأصل: زناديق، فحُذفت الياء وعُوضت منها الهاء.
"فأَحرقَهم" بأن حفرَ لهم حُفراً وأشعل فيها النار ورماهم فيها، وكان ذلك منه رضي الله عنه على اجتهاد.
"فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم؛ لنهي رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقتلتُهم؛ لقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن بدَّل دِينَه فاقتلوه".
* * *
2659 -
وقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النَّارَ لا يُعذِّبُ بها أحدٌ إلا الله".
"وعن حمزة الأسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن النارَ لا يعذِّب بها أحدٌ إلا الله"، ولمَّا بلغَ علياً قولُ ابن عباس بذلك قال: ويحَ أمِّ ابن عباس! وهذا وَردَ مَوردَ المدح.
* * *
2660 -
عن عليٍّ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرجُ قوم في آخرِ الزَّمانِ حُدَّاثُ الأَسنانِ، سُفهاءُ الأحلامِ، يقُولونَ خَيْرَ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجِرَهم يَمرُقونَ من الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ،
فأينما لقيتُموهُم فاقتُلوهُم، فإنَّ في قَتْلِهم أجراً لِمَن قتَلَهم يومَ القيامَةِ".
"وعن عليِّ - كرَّم الله وجهه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدَّاثُ الأسنان"؛ أي: شبَّانٌ أحداثٌ.
"سُفهاء الأحلام"؛ أي: خِفَاف العقول.
"يقولون من قول خير البَرِبَّة"؛ أي: الخَلق، وهو النبي عليه الصلاة والسلام.
"لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم" جمع: حَنْجَرة، وهي الحُلقوم؛ أي: لا يتعدَّى منها إلى الخارج، فيرفعه الله ويثبت عليه.
"يَمْرُقُون"؛ أي: يخرجون "من الدِّين"، والمراد منه الطاعة للإمام.
"كما يَمْرُق"؛ أي: كما يخرج "السَّهم من الرَّمِيَّة"؛ أي: من الدابة المَرْمِيَّة، لم يتعلق به منها شيءٌ، وهذا نعتُ الخوارج الذين لا يَدِينون للأئمة، ويستعرضون الناسَ بالسيف.
"فأينما لقيتُمُوهم فاقتلوهم"، وأولُ ما ظهر من ذلك في زمن عليٍّ، فقاتَلَهم حتى قَتلَ كثيراً منهم.
وسُئل عليٌّ رضي الله عنه: أكَفَّارٌ هم؛ فقال: مِنَ الكفرِ فرُّوا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون بُكرةً وأصيلاً، فقيل: ما هم؛ قال: قومٌ أصابتْهم فتنةٌ، فعَمُوا وصمُّوا.
"فإن في قتلِهم أجراً لمن قتلَهم يومَ القيامة".
* * *
2661 -
وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تكونُ
أُمَّتي فِرْقتينِ، فيخرجُ مِن بينهما مارِقةٌ، يَلي قَتْلَهم أَوْلاهم بالحقِّ".
"وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تكون أمتي فرقتَين، فيخرج من بينهما مارقة"؛ أي: فرقةٌ خارجةٌ؛ يعني بهم: الخوارج؛ لمروقهم من الدّين.
"يلي قتلَهم أَولاهم"؛ أي: أَولى أمتي "بالحق"؛ يعني: مَن قتلَهم فهو أَولى الأمة؛ أي: أقربُهم إلى الحق.
* * *
2662 -
عن جَرِيرٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوداعِ: "لا تَرْجِعُنَّ بعدي كُفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ".
"عن جرير - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حَجَّة الوداع: لا تَرجِعُنَّ بعدي كفاراً يضرب بعضُكم رقابَ بعض" جمع: رقبة.
قلنا: هذا على سبيل الزجر والوعيد، معناه: لا تَشَبُّهُوا بالكفار في قتل بعضهم بعضاً، وقيل: هم أهل الردَّة، قاتَلَهم الصدِّيقُ.
[و] تأوَّل الخوارجُ هذا الحديثَ على الكفر الذي هو الخروج عن الدِّين، ويكفّرون مرتكبَ الكبيرة.
* * *
2663 -
عن أبي بَكْرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا التقى المُسلمانِ فحَمَلَ أحدُهما على أخيهِ بالسّلاح فهُما في جُرُفِ جَهنَّمَ، فإذا قتلَ أحدُهما صاحِبَهُ دَخلاها جميعاً".
"وعن أبي بَكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إذا التقى المسلمانِ، فحملَ أحدُهما على أخيه السلاحَ، فهما في جُرفِ جهنمَ"؛ أي: متعرّضان للهلاك، كأنهما وَقَفَا في حرف جنهم؛ أي: في طرفها.
"فإذا قتلَ أحدُهما صاحبَه دخلاها"؛ أي: جهنمَ "جميعاً".
* * *
2664 -
عن أبي بَكْرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا التَقَى المُسلِمانِ بسَيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ"، قلت: هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال:"إنه كانَ حَريصاً عَلى قتلِ صاحبهِ".
"عن أبي بَكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار، قلت: هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً عَلى قتل صاحبه". فيه: دلالة على أن الحرصَ على الفعل المُحرَّم مما يُؤاخَذ به، وعلى أن كلاً منهما كان قصدُه قتلَ الآخر لا الدفعَ عن نفسه، حتى لو كان قصدُ أحدِهما الدفعَ ولم يجد بُدًّا منه إلا بقتله، فقتله، لم يُؤاخَذ به؛ لكونه مأذوناً فيه شرعاً.
* * *
2665 -
عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم نفرٌ من عُكْل فأَسْلَمُوا، فاجتَوَوْا المدينةَ فأمَرهم أنْ يأتُوا إبلَ الصَّدقةِ فيشربُوا مِن أَبوالِها وأَلبَانَها، فَفَعلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتلُوا رُعاتَها واستاقُوا الإبلَ، فبَعثَ في آثارِهم فأُتيَ بهم، فقطعَ أيديَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، ثُمَّ لم يَحْسِمْهم حتى ماتوا. ويروى:"فسَمِّروا أعينَهم". ويروى: فَأَمَرَ بمساميرَ فأُحمِيَتْ فَكَحَّلَهم بها، وطرَحهم بالحرَّة يَستسقونَ فما يُسْقَونَ حتَّى ماتوا.
"عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نفرٌ من عُكْلٍ"، كانوا ثمانيةَ أَنفسٍ، وعُكْل: قبيلة.
"فأسلَموا، فاجتَوَوا المدينةَ"؛ أي: استَوخَمُوها، فما وافقهم ماؤُها وهواها، فمرضوا وكرهوا الإقامة بها.
"فأمرَهم أن يأْتوا إبلَ الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها"، فيه: دليل على أن إبلَ الصدقة قد يجوز لأبناء السبيل الشربُ من ألبانها، وعلى جواز التداوي بالمُحرَّم عند الضرورة، وقاس بعضٌ التداويَ بالخَمر عليه، ومنعَه الأكثر؛ لميل الطِّبَاع إليها دونَ غيرها من النجاسات.
"ففعلوا، فصحُّوا، فارتدُّوا وقتلوا رُعاتَها"؛ أي: رُعاةَ الإبل، جمع: الراعي.
"واستاقوا الإبلَ"؛ أي: ساقوها.
"فبعث"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم "في آثارهم"؛ أي: في عقبهم، قيل: المبعوثُ عليّ رضي الله عنه.
"فأتي بهم، فقطعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسَمَلَ أعينَهم"؛ أي: فَقَأها بحديدة مُحمَّاة.
"ثم لم يَحسِمْهم"، الحَسْم: كيُّ العروق بالنار لينقطعَ الدمُ.
"حتى ماتوا، ويروى: فسَمَرَ أعينَهم"؛ أي: أَحْمَى لها مسامير الحديد، ثم كحلهم بها.
"ويروى: أَمَر بمسامير فأُحميت، فكحلَهم بها، وطرحَهم"؛ أي: ألقاهم "بالحَرَّة" بالفتح: مَحْجِر بالمدينة.
"يستسقون، فما يُسقَون، حتى ماتوا"، وإنما فعل صلى الله عليه وسلم بهم هذا مع نهيه عن المُثْلة؛ إما لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، كما رُوي عن أنس رضي الله تعالى
عنه: أن يساراً راعي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قتلوه، وقطعوا يدَيه ورِجلَيه، وغمزوا شوكةً في لسانه وعينيه، فعاقبهم بمثل ذلك، وإما لعِظَم جرمهم؛ فإنهم ارتدُّوا، وسَفَكُوا الدمَ المُحرَّمَ، وقطعوا الطريقَ، وأخذوا الأموالَ، وللإمام أن يجمعَ بين العقوبات في مِثلِه سياسةً.
* * *
مِنَ الحِسَان:
2666 -
عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحُثُّنا على الصَّدقةِ وينهانا عَن المُثْلَةِ.
"من الحسان":
" عن عِمران بن حُصين رضي الله عنه أنه قال: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحثُّنا"؛ أي: يحرِّضنا.
"على الصدقة، وينهانا عن المُثْلة"، قيل: المراد بالمُثْلة: قطع الأعضاء الصغار كالأنف والأذن والشفة والأصابع، ويقال: أَمثلَ السلطانُ فلاناً: إذا قتلَه، أو أَسْوَدَ الوجهَ.
* * *
2667 -
عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، عن أبيه رضي الله عنه قال: كنَّا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأينا حُمَّرَةً معها فَرخانِ فأخذنا فرخَيْها، فجاءتْ الحُمَّرةُ فجعلَتْ تُفَرِّشُ، فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:"مَنْ فَجَّعَ هذه بولدِها؟ رُدُّوا ولدَها إليها"، ورَأَى قريةَ نملٍ قد حرَّقناها قال:"مَن حرَّقَ هذه؟ " فقلنا: نحن، قال:"إنَّه لا ينبغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ، إلا رَبُّ النَّارِ".
"عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنهم أنه قال: كنا مع رسول الله
صلى الله تعالى في سفر، فانطلق إلى حاجته"؛ أي: ذهبَ صلى الله عليه وسلم إلى قضاء حاجته من البَرَاز.
"فرأينا حُمَّرَةً": نوع من الطائر كالعصفور.
"معها فرخانِ"، الفَرخ: ولد الطائر.
"فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحُمَّرَةُ فجعلتْ"؛ أي: طفقتْ "تَفرُش": - بفتح التاء وضم الراء - من (فَرَشَ الطائرُ): إذا بسطَ جناحَيه، وبفتحهما وتشديد الراء؛ أي: تتفرَّش، حذفت إحدى التائين؛ أي: ترفرف بجناحيها وتَقرُب من الأرض.
"فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: مَن فجعَ هذه"؛ أي: مَن آذَى هذا الطائر "بولدها؟ "؛ أي: بأخذ ولدها.
"رُدُّوا ولدها إليها"، والأمر للاستحباب؛ لأن اصطيادَ فرخِ الطائرِ جائزٌ.
"ورأى قريةَ نملٍ"؛ أي: موضعَها ومحلَّها، جمع: نَملة.
"قد حرقناها، قال: مَن حرقَ هذه؟ فقلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذِّبَ بالنار إلا ربُّ النار"، وفيه: نهى عن التعذيب بالنار.
* * *
2668 -
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأنسِ بن مالكٍ رضي الله عنهما، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:"سيكونُ في أُمتي اختلافٌ وفُرْقةٌ، قوم يحسِنُونَ القِيلَ ويُسيؤون الفِعلَ، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم، يَمرُقونَ مِن الدِّينِ مُرُوقَ السَّهم مِن الرميَّة، لا يَرجِعونَ حتى يرتدَّ السَّهمُ على فُوقه، هم شرُّ الخلقِ والخليقةِ، طُوبَى لمن قتَلهم وقتلُوه، يَدْعونَ إلى كتابِ الله ولَيْسوا مِنا في شيءٍ، مَنْ قاتَلَهم كانَ أَوْلَى بالله مِنهم، قالوا: يا رسولَ الله ما سِيماهُم؟ قال: التَّحْلِيقُ".
"عن أبي سعيد الخُدري وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: سيكون في أمتي اختلاف وفرقة"؛ أي: أهلُهما، أو المراد نفسُهما.
"قوم يُحسِنون القِيلَ" بكسر القاف: مصدر، مثل: القَول.
"ويُسِيئون الفعلَ، يقرؤون القرآنَ لا يجاوز تراقيَهم" جمع: تَرْقُوَة، وهو عظم بين ثغرة النحر والعاتق.
"يَمْرُقون من الدِّين مُروقَ السَّهم من الرميَّة"؛ أي: كمروقه منها.
"لا يرجعون"؛ أي: إلى طاعة الله ورسوله "حتى يرتدَّ السهمُ على فُوقهِ" بضم الفاء: موضع الوَتَر من السَّهم؛ يعني: لا يرجعون إلى الدّين وإلى الطاعة أبداً كما لا يرجع السهم إلى فُوقِه حين رُمِيَ، علَّق صلى الله عليه وسلم رجوعَهم إليه على مُحالٍ؛ مبالغةً في إصرارهم على ما هم عليه، وقطعاً لطمع رجوعهم إلى صلاح، والمراد بهؤلاء القوم: الخوارج.
"هم شرَّ الخَلق والخليقة": وهما بمعنى، كرَّر مبالغةً للمعنى الذي أراده، وهو استيعاب أصناف الخلق، نحو: زيدٌ خيرُ الناسِ والبشرِ.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزَلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين.
"طُوبَى لمن قتلَهم"؛ لأنه غازٍ.
"وقتلوه"؛ لأنه شهيدٌ.
"يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شيء"، وفيه: تنبيه على شدة العلاقة بينه صلى الله عليه وسلم وبين كتاب الله تعالى.
"مَن قاتَلَهم"؛ أي: مِن أمتي.
"كان أَولى بالله منهم"؛ أي: من باقي أمتي.
"قالوا: يا رسولَ الله! ما سِيَماهم؟ "؛ أي: ما علامتُهم؟
"قال: التحليق": وهو الحلق والاستئصال للشَّعر، ذُكر بصيغة التفعيل؛ لتعريف مبالغتهم في حلق رؤوسهم وإكثارهم منه، ولا يَلزَم منه مَذمَّة في نفس الحلق؛ فإنه من شعائرِ الله وأنساكِه، وسَمْتِ عباده الصالحين.
وقيل: المراد: تحليق القوم وإجلاسهم حِلقاً حولَهم.
* * *
2669 -
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: زناً بعدَ إحصانٍ فإنَّه يُرجَمُ، ورجلٌ خرجَ مُحارِباً للهِ ورسوله فإنَّه يُقتَلُ أو يصلَبُ أو يُنفَى من الأرضِ، أو يَقتلُ نفسا فيُقتَلُ بها".
"عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زناً بعدَ إحصانٍ"؛ يعني: مَن زَنىَ بعد ما حصل له الإحصانُ.
"فإنه يُرجَم"؛ أي: يُرمَى بالحجارة معتدلةً حتى يموتَ.
"ورجل خرج محارباً لله ورسوله" يريد به: قاطع الطريق.
"فإنه يُقتَل" إذا قتل نفسًا ولم يأخذ المالَ.
"أو يُصلَب" إن قتلَ وأخذَ المالَ، والمختار: أن يُقتَلَ أولاً، ثم يُصلَبَ مكفَّناً، ويُتركَ ثلاثةَ أيام؛ نكالاً وعِبرةً، وإن لم يصدر منه سوى التخويفُ وسدُّ الطريق عُزِّر بالحبس وغيره.
"أو يُنفَى من الأرض"، معناه: يُنفَى من بلدِ إلى بلدٍ، لا يزال يُطلَب وهو هاربٌ فزعًا، وقيل: يُنفَى من بلده.
"أو يَقتُل نفسًا، فيُقتَل بها".
* * *
2670 -
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ لمسلم أنْ يُرَوَّعَ مسلمًا".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلُّ لمسلم أن يُروِّعَ مسلمًا"؛ أي: يخوّفَه بقطع الطريق ونحوه.
* * *
2671 -
عن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:"مَن أَخَذَ أرضًا بجزْيَتِها فقد استقالَ هِجْرَتَه، ومَن نزَعَ صَغارَ كافرٍ مِن عُنُقِهِ فجعلَه في عُنُقِه فقد ولَّى الإِسلامَ ظهرَهُ".
"عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال: مَن أَخذَ أرضًا بجزيتها"، الجِزية في الأصل: المالُ الذي يُؤخَذ من أهل الذمَّة عن رؤوسهم، والمراد بها هنا: الخَراج المؤدَّى عن أرضٍ ما، كأنه لازمٌ لصاحبها لزومَ الجِزية للذمِّي، فأُجري مَجرى المأخوذ عن الرؤوس.
"فقد استقالَ هجرتَه"، قيل: معنى الحديث: أن مَن أَخَذَ أرضًا وضعَ عليها الخراجَ وتركَها في يد ذمِّي ليحمله عنه، فكأنه استقالَ هجرتَه؛ أي: إسلامَه.
وقيل: معناه: أن المسلمَ إذا اشترى أرضًا خراجيةَ من كافرِ فإن الخراجَ لا يسقط عنه، وإنما قال:(استقالَ هجرتَه)؛ لأن المهاجرَ له الحظُ الأوفرُ من مال الفيء، يُؤخَذ من أهل الذمَّة ويُردُّ عليه، فإذا أقام نفسَه مقامَ الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج باشترائه أرضًا خراجيةً صار كالمستقيل عن هجرته.
"ومَن نَزعَ"؛ أي: جَذَبَ.
"صَغارَ كافرٍ"، الصَّغار - بالفتح -: الذلُّ والهَوان، ويُطلَق على الجِزية؛ للذلِّ فيها.
"مِن عنقِه، فجعله في عنقه، فقد ولَّى الإِسلامَ ظَهرَه" من وَلِيَ: إذا قَرُبَ؛ أي: فقد جعلَ الإِسلامَ في جانب ظَهره، وهذا كالمبين لما قبلَه؛ يعني: مَن تكفَّل جِزيةَ كافرِ وتحمَّل عنه ذلَّه فكأنما بدَل الإِسلامَ بالكفر؛ لأنه بدَّل إعزازَه بذلَّه.
وفي الحديث: حُجة للمانعِ صحةَ ضمانِ المسلمِ عن الذمِّي الجِزيةَ.
* * *
2672 -
عن جرِير بن عبدِ الله قال: بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيةً إلى خثعم، فاعتصمَ ناسٌ منهم بالسُّجودِ، فأسرعَ فيهم القتلُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمرَ لهم بنصفِ العَقْلِ وقال:"أنا بريءٌ مِن كل مسلم مُقيمٍ بينَ أَظْهُرِ المشركينَ"، قالوا: يَا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: "لا تتَراءى ناراهُما".
"وعن جرير بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: بَعثَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أَرسلَ.
"سريةً"؛ أي: قطعةً من الجيش.
"إلى خَثْعَم" بفتح الخاء المعجمة: قبيلة من اليمن.
"فاعتَصمَ"؛ أي: تمسَّك.
"ناسٌ منهم"؛ أي: جماعةٌ من تلك القبيلة.
"بالسُّجود"؛ يعني: إذا رَأَوا الجيشَ أسرعوا بالسجود.
"فأَسرعَ فيهم القتلُ"؛ أي: الجيشُ قتلُوهم ولم يبالوا سجودَهم، ظانيّن أنَّهم يستعيذون من القتل بالسجود.
"فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأَمرَ لهم بنصف العقل"؛ أي: الدِّيَة، وإنما لم يُكمل صلى الله عليه وسلم لهم الدِّيَةَ بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفار، فكانوا كمَن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، فتسقط حصة جنايته من الدِّيَة.
"وقال: أنا بريء من كل مسلم"، المراد منه: البراءة في الذمة، أو البراءة من الموالاة.
"مقيمٍ بين أَظهُر المشركين": وهذا يدل على أن المسلمَ إن كان أسيرًا في أيديهم، وأَمكنَه الخلاصُ والانفلَاتُ منهم لم يحلَّ له المقام معهم، وإن حلَّفوه ألا يخرجَ، لكن إن أُكرِه على اليمين فلا كفارةَ.
"قالوا: يَا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: لا تتَراءَى ناراهما": تفاعل من: الرؤية، يقال: تراءى القومُ؛ أي: رأى بعضُهم بعضًا، وإسناد الترائي إلى النَّار مجاز، فمعناه: ليتباعد منزلاهما، بحيث إذا أُوقدت فيهما ناران لم يَلُحْ إحداهما للأخرى، كأنه كَرهَ القرارَ في جوار الكفار؛ لأنه لا عهدَ لهم ولا أمانَ.
وقيل: معناه: لا يتَّسم المسلمُ بسِمَة المُشرِك، ولا يتشبَّه به في هَدْيه وشكله وأخلاقه، من قولك: ما نارُ نعَمِك؟ أي: ما سمتها.
وقيل: (النَّار) هنا الرأي؛ أي: لا يتفق رأياهما، ومنه:"لا تستضيئوا بنار المشركين"؛ أي: لا تُشاوروهم ولا تعملوا برأيهم.
وقيل: أراد بـ (النَّار): نار الحرب؛ أي: هما على طرفين متباعدين؛ فإن المسلمَ يحارب لله ولرسوله ويدعو إلى الرَّحْمَن، والكافرَ يحاربهما ويدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان ويجتمعان؟! * * *
2673 -
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمانُ قيَّدَ الفتْكَ، لا يفتِكُ مؤمنٌ".
"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: الإيمانُ قيدُ الفَتك"، وفي "الصحاح": الفَتك: أن يأتي الرَّجل صاحبَه وهو غارٌّ غافلٌ حتَّى يشدَّ عليه فيقتله؛ يعني: إن الإيمانَ يمنعَ صاحَبه عن قتلِ أحدِ بغتةً، حتَّى يَسألَ عن إيمانه، كما يمنع المُقَّيدَ قيدُه عن التصرُّف والمقصود.
"لا يَفتِك مؤمنٌ" على بناء الفاعل: خبر في معنى النهي؛ أي: لا ينبغي للمؤمن أن يفعله لمنع الإيمان منه؛ لأن المقصودَ إن كان مسلمًا امتنع قتلُه، وإن كان كافرًا فلا بد من تقديم إنذار واستتابة، وكان الصحابةُ - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - إذا مروا بكافرِ غافلٍ نبَّهوه، فإن أَبَى بعد الإنذار والدعاء إلى الإِسلام قتلُوه.
* * *
2674 -
عن جرير، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أَبَقَ العبدُ إلى الشّركِ فقد حَلَّ دمُه".
"وعن جرير رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: إذا أَبَقَ العبدُ إلى الشِّرك"؛ يعني: إلى دار الحرب.
"فقد حلَّ دمُه"؛ يعني: إذا قتلَه أحدٌ لا شيءَ على قاتله.
* * *
2675 -
عن عليٍّ رضي الله عنه: أن يهوديةً كانتْ تشتُمُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وتقعُ فيه، فخنقَها رجل حتَّى ماتَتْ، فأبطلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم دمَها.
"عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه -: أن يهوديةً كانت تشتمُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وتقع فيه"؛ أي: تغتابه.
"فخنقها رجلٌ حتَّى ماتت، فأبطلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم دمَها"؛ لأنها أبطلت ذمَّتَها بشتمه صلى الله عليه وسلم.
وفيه: دليل على أن الذمِّيَّ إذا لم يُكفَّ لسانَه عن الله تعالى ورسوله ودين الإِسلام فهو حربيٌّ مباحُ الدمِ، وعليه الشَّافعيّ.
* * *
2676 -
عن جُنْدُبٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حدُّ السَّاحرِ ضربةٌ بالسَّيفِ".
"عن جُندب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حدُّ الساحرِ ضربة بالسيف" ذهب جمع من الصَّحَابَة وغيرهم إلى قتل الساحر، رُوي: أن حفصةَ زوجةَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَمرتْ بقتل جاريةٍ لها سحرتْها.
وأن عمر: - رضي الله تعالى عنه - كتب: أن اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ، قال الراوي: فقتلْنا ثلاثَ سواحرَ، وهو قول مالك، وتعلُّمه كفرٌ عندنا، خلافًا للشافعي.
* * *