الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهوة، فإذا قضى نهمته عند ذلك يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة.
* * *
4 - باب الكتابِ إلى الكُفَّارِ ودعائِهم إلى الإسلامِ
(باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
2973 -
عن ابن عبَّاسٍ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى قيصرَ يدعُوه إلى الإسلام، وبعثَ بكتابهِ إليه مع دِحْيَةَ الكلبيِّ، وأمَرَهُ أنْ يدفعَهُ إلى عظيمِ بُصْرَى ليدفَعه إلى قيصرَ، فإذا فيه:"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن محمدٍ عبدِ الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهدَى، أمَّا بعدُ: فإني أَدعُوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسْلَم، وأسلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرَّتينِ، فإنْ تَوَلَّيتَ فعليكَ إثمُ الأرِيسيَّينَ، و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ".
ويُروَى: "بدِعايةِ الإسلامِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى قيصر": هو لقب كلِّ منْ يملك الروم.
"يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه"؛ أي: مع كتابه إلى قيصر.
"دِحْيَةَ الكلبي": وهو اسم المبعوث.
"وأمره"؛ أي: النبيُّ صلى الله عليه وسلم دِحْيةَ الكلبي.
"أن يدفعه"؛ أي: الكتاب.
"إلى عظيم بُصْرَى"؛ أي: إلى من يُعَظِّمه أهل بُصْرى؛ أي: زعيمها وحاكمها، وبُصْرَى على وزن حبلى: موضع بالشام.
"ليدفعه"؛ أي: عظيمُ بصرى ذلك الكتاب.
"إلى قيصر، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد": يتعلق بمحذوف؛ أي: صَدَرَ من محمد.
"عبد الله": صفة، أو بدل منه، وليس عطف بيان؛ لأن محمداً أشهر منه.
"ورسوله": تقديم لفظ (العبد) على لفظ (الرسول) يدل على أن العبودية إليه تعالى أقرب طرق العباد إليه تعالى، وهذا يدلُّ على أنَّ مِنْ آداب المكاتبة تصدير المكتوب بالبسملة وباسم المكتوب منه.
"إلى هِرَقْل" بكسر الهاء وفتح الراء: اسم ملك الروم في ذلك الوقت، وقيصر اسم لجميع ملوك الروم، وقيل كلاهما واحد.
"عظيم الروم": وإنما لم يكتب: ملك الروم؛ لئلا يكون ذلك مقتضياً لتسليم الملك إليه، وهو بحكم الدِّين معزولٌ عنه، وفيه جواز إطلاق (العظيم) مضافاً إلى غيره تعالى كـ (الربِّ).
"سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى"؛ أي: طريق الحقِّ، وهو الإسلام.
"أما بعد: فإني أدْعُوك بداعية الإسلام": وهو مصدر بمعنى الدَّعوة كالعافية؛ أي: بكلمة الشهادة التي يُدْعَى إليها الناس كلهم.
"أسْلِمْ تَسْلَم": من السلامة.
"وأسْلِمْ يؤتِكَ الله أجرَكَ مرتين": أجرُّ النصرانية التي كنت عليها مُحِقًّا قبل بعثتي، وأجر الإيمان بي، ويجوز أن يتعلق قوله:(مرتين) بقوله: (تسلم) أيضاً تعلق التنارع؛ أي: تسلم مرةً في الدنيا من القتل وأخذ الجزية، ومرة من عقاب العقبى، وتكرير (أسلم) مبالغةٌ وإيذانٌ بشفقته صلى الله عليه وسلم بإسلامه.
"وإن تولَّيْتَ"؛ أي: أعرضْتَ عن الإسلام.
"فعليك إثم الأريْسِيين": جمع أَرِيْسيٍّ، وهو منسوب إلى الأَرِيس، وهو الزراع، والمراد بها: أتباعه من الرعايا؛ لأنه بإعراضه عن الإسلام يصدُّهم عنه فيكون إثم كُفْرِهم عليه.
وقيل: الأريس مخففاً: الخدم والخَوَل (1)، وقيل: هو نصراني مشهور بينهم (2)، قَتَلَ هو وأصحابه نبياً بُعِثَ إليهم، وقيل: الأريسون: الملوك، وقيل: العشارون، وقيل: جمع إرِّيس - بكسر الهمزة وتشديد الراء - وهو الملك، وهذا أولى بالقَبول.
" {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} ": بيان لقوله {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} .
{وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} ؛ أي: لا يتخذُ مخلوقٌ مخلوقاً إلهاً.
{مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: من غيره.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي: فإن أعرض أهل الكتاب عن الكلمة السواء.
{فَقُولُوا} : أيها المسلمون: {اشْهَدُوا} : يا أهل الكتاب" {بِأَنَّا
(1) في "غ""الخيل" وهو تصحيف، والمثبث من "النهاية في غريب الحديث"(1/ 38).
(2)
في "غ": "سهم".
{مُسْلِمُونَ الْكِتَابِ} ، ويروى: بدعاية الإسلام"؛ أي: بدعوته، مصدر أيضاً كالشِّكَاية، وقد جاء في بعض الأخبار الصحيحة: أنه لما وصل كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هِرَقْل سأل عن حاله صلى الله عليه وسلم مَن الذي جاء بكتابه؟ فقيل: محمد مِنْ أشرف قومه، أو مِنْ أوسطهم (1)، أو من أوضعهم (2)؟ فقال: من أوسطهم، فقال: هكذا كان الأنبياء فقال: أفقراء أتباعه أم أغنياء؟ فقال: بل فقراء، فقال هكذا أتباع الأنبياء، فقال: إذا حارب قوماً يكون الظَّفَرُ كلُّه له، أو يكون بعض الظَّفَرِ له وبعضه لخصمه، فقال: يكون بعض الظَّفَر له وبعضه لخصمه، فقال: هكذا كان الأنبياء، فقال هرقل: آمنت بمحمد، وأَمَرَ قومه بالإيمان به، فارتفعَتْ أصواتهم، وقالوا: لا ندَعُ دين آباءنا، فخافهم هرقل، وأغلَقَ باب قصره، وأمر منادياً ينادي على سطح قصره: أيها الناس، إن هرقل يمتحنكم بعرض دين محمد عليكم؛ ليعلم أنكم ثابتون على دين آباءكم، فإن هرقل ثابت على دينه القديم، وقال لمن جاء بالكتاب: قل لمحمد: إني أعلم أنك نبي، لكن إنما لم أظهر إيماني خوفاً من الرعية ومن ذهاب الملك.
* * *
2974 -
وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعثَ بكتابهِ إلى كِسرى مع عبدِ الله بن حُذافَةَ السَّهميِّ، فأمرَهُ أنْ يدفَعَه إلى عظيمِ البحرَيْنِ فدفعَهُ عظيمُ البحرينِ إلى كِسْرَى فلمَّا قرأهُ مَزَّقَه، قال ابن المسيبِ: فدعا عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُمَزَّقُوا كلَّ ممزَّقٍ.
"وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعَثَ بكتابه
(1) في "غ ": "أوساطهم".
(2)
في "غ": "أوضاعهم".
إلى كسرى" بفتح الكاف وقد تكسر، وهو أبرويز بن أنوشروان.
"مع عبد الله بن حُذَافة السَّهميِّ، فأمره"؛ أي: النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن حُذَافة.
"أن يدفعه"؛ أي: الكتاب.
"إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ"؛ أي: خرقه.
"قال ابن المسيب: فدعا عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أن يُمَزَّقوا كل مُمزَّق": مصدر كالتَّمزيق؛ أي: تفرقوا كلَّ أنواع من التفريق، يريد: زوال ملكهم، قيل: إن الذي مَزَّق كتابَ النبي صلى الله عليه وسلم أبرويز بن أنوشروان قتله ابنه شيرويه، فلما أيقَنَ أبرويز الهلاك، وكان مأخوذاً عليه فَتْحَ خزانة الأدوية، وكتب على حُقَّة السُّمِّ: الدواء النافع للجماع، فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى الحُقَّة فتناول منها فمات من ذلك السُّم، ولم يستقم أمرهم بعد دعائه صلى الله عليه وسلم بالتمزيق.
وقيل: هو خسرو زوج شيرين، قام ابنه شيرويه فشقَّ بطن أبيه لغلبة عشقه بها، فلما دفنه وطلب من شيرين أن يتزوج بها قالت: أمهلني حتى أودع أباك فدخلَتِ القبر، ووضعَتْ مقبض السَّيف على جرح خسرو ورأسه على بطنها، واعتمدَتْ عليه حتى دخل في بطنها وخرَّتْ عليه ميتة.
وكان فتح بلاد العجم في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وكان ملكهم في ذلك الوقت يزدجرد شهريار بن شيرويه بن أبرويز، وتزوج الحسن بن علي رضي الله عنه شهربانو بنت يزدجرد.
* * *
2975 -
وقال أنسٌ: إنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى كسْرَى وإلى قيصرَ وإلى النَّجاشيِّ وإلى كلِّ جبَّارٍ يدعُوهم إلى الله، وليسَ بالنَّجاشيِّ الذي صلَّى عليهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
"وقال أنس - رضي الله تعالى عنه - إن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النَّجاشي" بتخفيف الياء وسكونها، قيل: هو الصواب، اسم ملوك الحبشة.
"وإلى كل جبَّار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
2976 -
عن سليمانَ بن بُرَيْدةَ، عن أبيه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريَّةٍ، أَوْصَاهُ في خاصَّتِه بتقوَى الله، ومَن معَهُ مِن المسلمينَ خيراً ثم قال: "اُغزُوا بسمِ الله في سبيلِ الله، قاتِلوا مَن كَفَر بالله، اُغزُوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدُوَّكَ مِن المُشركينَ فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ، أو خِلالٍ، فأَيَّتُهنَّ ما أَجَابُوكَ فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم: ثمَّ ادعُهم إلى الإسلام، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ، وأخبرْهم أَنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ فلهم ما للمُهاجرينَ، وعليهم ما على المُهاجرينَ، فإن أَبَوا أَنْ يَتَحوَّلُوا منها فَأَخْبرْهم أنهم يكونُونَ كأعرَابِ المسلمينَ، يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ والفيءَ شيءٌ إلا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المسلمينَ، فإن هُم أَبَوا فسَلْهم الجزْيَةَ، فإنْ هُم أَجَابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ هم أَبَوا فاستَعِنْ بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ فَأَرادُوكَ أنْ تجعلَ لهم ذِمَّةَ الله وذِمَّةَ نبَيهِ فلا تَجعلْ لهم ذِمَّةَ الله ولا ذِمَّةَ
نَبيهِ، ولكنْ اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وذمَّة أصحابكَ، فإنكم أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمِكُمْ وَذِمَم أصحابكم، أهونُ مِن أنْ تَخْفِرُوا ذِمَةَ الله وذمةَ رسولِهِ، وإنْ حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تُنْزِلَهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلْهم على حُكْمِ الله، ولكنْ أَنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدرِي أَتُصيبُ حكمَ الله فيهمْ أم لا".
"عن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سَرِيَّة أَوْصَاهُ في خاصَّته"؛ أي: في أمر نفسه.
"بتقوى الله": بأن يقول له: اتق الله.
"ومن معه من المسلمين خيراً"؛ يعني: أوصاه في أمرهم بحفظ مصالحهم، وأمره إيَّاهم بما فيه خير.
"ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تَغُلُّوا"؛ أي: لا تسرقوا شيئاً من الغنيمة ولا تخونوا فيها.
"ولا تَغْدِرُوا"؛ أي: لا تحاربوا الكفار قبل أن تدعوهم إلى الإسلام.
"ولا تُمَثِّلُوا"؛ أي: لا تجعلوا المُثْلَةَ، وهي قطع الأعضاء، وقيل: المراد: التصوير والتمثيل بخلق الله؛ أي: لا تشبهوا بخلقه تعالى وتصوِّروا.
"ولا تقتلوا وَلِيْداً"؛ أي: طفلاً.
"وإذا لقيْتَ": الخطاب مع أمير الجيش.
"عدوَّكَ مِنَ المشركين فادْعُهُمْ إلى ثَلَاثِ خِصَال": جمع خصْلَة.
"أو خِلَال": جمع خَلَّة - بفتح الخاء -، وهي الخصلة، شكٌّ من الراوي.
"فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك": (ما) هذه زائدة؛ أي: أيَّة واحدة من هذه الخِصَال الثلاث أجابوك.
"فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام": هذا هو الخصلة
الأولى، وفيه دليل لمالك على عدم مقاتلتهم قبل دعوتهم.
"فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التَّحول"؛ أي: الانتقال" من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين" من الثَّواب واستحقاق مال الفيء، قيل: ذلك الاستحقاق كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم "؛ فإنه يُنْفِقُ على المهاجرين مما آتاه الله من الفيء.
"وعليهم ما على المهاجرين": من الخروج إلى الجهاد؛ أي: في أيِّ وقت أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو، أو لم يكن، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بإزاء العدو مَنْ به الكفاية.
"فإن أَبَوْا أن يتحوَّلوا منها"؛ أي: من دار الكفار، هذا هو الخصلة الثانية.
"فأخبرهم أنهم يكونون كأَعْرَاب المسلمين"؛ أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية، لا في دار الكفر، ولم يهاجروا.
"يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنين": من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص أو الدية إن قتلوا أحداً عدواناً.
"ولا يكونون لهم في الغنيمة والفَيْءِ شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوْا"؛ أي: عن قَبول الإسلام.
"فسَلْهُم الجزية": هذا هو الخصلة الثالثة، ظاهره يوجِبُ قَبُول الجزية مِنْ كلِّ مشرك كتابيًّا كان أو غيره كعبدة الأوثان والنيران، وإليه ذهب الأوزاعي.
وعن الشافعي: أنها لا تُقبل إلا مِنْ كِتَابي، أو مجوسي عربياً كان أو غيره.
وعن أبي حنيفة: قبولها من الكتابي عموماً، ومن مشركي العجم.
وعن أبي يوسف: عدم قبولها من العربي مطلقاً، وتُقْبَل مِنْ غيره مطلقاً.
"فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبَوْا"؛ أي: عن قَبول الجزية.
"فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصَرْتَ أهل حِصْنٍ" من الكفار، "فأرادوك"؛ أي: طلبوا منك.
"أن تجعل لهم ذِمَّة الله وذِمَّة نبيه"؛ أي: عهدهما.
"فلا تجعل لهم ذِمَّة الله ولا ذِمَّة نبيه، ولكن اجعل لهم ذِمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابك"؛ أي: قل لهم جعلت لكم ذِمَّتي وذِمَّة أصحابي.
"فإنهم إن يخفروا ذممكم"؛ أي: إن ينقضوا عهدكم.
"وذمم أصحابكم أهون مِنْ أن يخفروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله"؛ أي: من أن ينقضوا عهدهما، إذ لو نقضوا عهدهما لم تدرِ ما تصنع حتى يُؤْذَنَ لكم فيهم بوحي ونحوه، وقد يتعذر ذلك عليك بسبب غيبتك عن مهبط الوحي، بخلاف ما إذا نقضوا عهدك؛ لأنك إذا أنزلتهم على حكمك فيهم باجتهادك كنت قادراً عليهم من قتلهم، أو ضرب الجزية عليهم، أو استرقاقهم، أو المن أو الفداء بحسب ما ترى من المصلحة بحسبك.
"وإذا حاصَرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادوك أن تُنْزِلْهُمْ على حُكْم الله، فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ الله، ولكن أنزلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدري أَتُصِيْبُ حُكْمَ الله فيهم أم لا".
* * *
2977 -
عن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بعضِ أيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انتظرَ حتى مالَتْ الشمسُ ثم قامَ في الناسِ فقالَ: "يا أيُّها الناسُ، لا تتَمَنَّوْا لقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتمُوهم فاصْبرُوا، واعلَمُوا أن الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ، ثم قال: اللهمَّ مُنزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السحابِ، وهازِمَ الأحزابِ، اهْزِمْهُمْ، وانُصْرَنا عليهم".
"عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أيامه"؛ أي: غزواته.
"التي لَقِيَ فيها"؛ أي: قاتل في تلك الأيام.
"العدو انتظر"؛ أي: لم يحارب معهم لفرط الحرارة.
"حتى مالَت الشَّمس" ودخل وقت الظُّهر، وانكسر بعض الحرِّ.
"ثم قام في الناس"؛ أي: وعظ الناس وحرَّضهم على القتال.
"فقال: يا أيها الناس! لا تتمنَّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية"، إنما نهى عن تمنِّي لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة، ولأنه يتضمَّن قِلَّةَ الاهتمام بالعدو وتحقيرهم، وهذا يخالف الاحتياط.
"فإذا لقيتموهم"؛ أي: العدو، يستوي فيه الواحد والجمع.
"فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظِلال السيوف"؛ يعني: كون المجاهد في القتال بحيث تعلوه سيوف الأعداء سببٌ للجنة، أو المراد بالسيوف: سيوف المجاهد، هذا كناية عن الدُّنَوِّ من العدو في الضراب، وإنما ذكر السيوف لأنها أكثر سلاح العرب.
"ثم قال: اللهم مُنْزِلَ الكتاب ومُجْرِيَ السَّحاب وهازِمَ الأحزاب اهْزِمْهُمْ وانْصُرْنَا عليهم".
* * *
2978 -
عن أنسٍ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا غزَا بنا قوماً لم يكنْ يَغْزُو بنا حتى يُصْبحَ وينظرَ، فإنْ سمعَ أذَاناً كَفَّ عنهمْ وإنْ لم يَسْمَعَ أذَاناً أغارَ عليهم، قال: فخرجْنَا إلى خيبرَ فانتهَيْنَا إليهم ليلاً، فلمَّا أصبَحَ ولم يسمعْ أذاناً ركبَ وركبتُ خلفَ أبي طلحةَ وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُّ قدمَ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجُوا إلينا بِمَكَاتِلِهم
ومَسَاحِيهم، فلمَّا رَأَوْا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالوا: مُحَّمدٌ والله، محمدٌ والجيشُ، فَلَجَأوا إلى الحصنِ، فلمَّا رآهمُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال:"الله أكبرُ الله أكبرُ، خَرِبَتْ خيبرُ، إنَّا إذا نزَلْنَا بساحةِ قومٍ فَسَاءَ صباحُ المُنْذَرِينَ".
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غَزَا بنا قوماً": الباء بمعنى المصاحبة؛ أي: غزونا وهو معنا، أو ملتبسا بنا، أو خرج بنا للغزو إلى قوم.
"لم يكن يغزُ بنا": بدون الواو، من الغَزْوِ، وقيل: كذا هو في كتب الحديث، وفي بعض بالواو، وفي:(يغير بنا) من الإغارة؛ أي: لم يدعنا أن نغير عليهم ليلاً.
"حتى يُصْبحَ وينظرَ، فإن سمع أذاناً كَفَّ عنهم"؛ أي: امتنع عن إغارتهم.
"وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم"؛ يعني: يعرف بلد المسلمين من الكفار بالأذان، فيه بيان أن الأذان شِعَار لدين الإسلام لا يجوز تركه، ولا يُستَدَلُّ به على جواز الإغارة إذا لم يسمع أذاناً، بل يُحمَل الأمر فيه على الاحتياط في مغرة.
"قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهَيْنَا إليهم ليلاً، فلمَّا أصبح ولم يسمَعْ أذاناً ركب"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم.
"وركبت خَلْفَ أبي طلحة، وإنَّ قَدَمِيْ لَتَمَسُّ قَدَمَ نبي الله صلى الله عليه وسلم "؛ يعني: كنت أنا وأبو طلحة والنبي صلى الله عليه وسلم راكبين على بعير واحد.
"قال: فخرجوا"؛ أي: الكفار من القلعة.
"إلينا بِمَكَاتِلِهِمْ": جمع مِكْتَل - بكسر الميم -، وهو الزَّنبيل الكبير، يسع خمسة عشر صاعاً كأن فيه كُتَلاً من التمر؛ أي: قطعاً.
"ومَسَاحِيْهم" بفتح الميم: جمع مِسْحَاة، وهي المجرفة من حديد، قاصدين عمارة نخلهم، ولم يعلموا بدخولنا إليهم.
"فلمَّا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمَّد"؛ أي: هذا محمد، أو أتانا محمد.
"والله، محمَّد والخَمِيسُ"؛ أي: الجيش، سُمّي به لانقسامه خمسةَ أقسامٍ: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لأنه يخمس الغنائم.
"فلجؤوا"؛ أي: التجؤوا.
"إلى الحصن، فلمَّا رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر الله أكبر، خَرِبَتْ خيبر": دعاء، أو خبر.
{فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} ؛ أي: أرضهم.
{فَسَاءَ} ؛ أي: بِئْسَ.
{صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} ؛ لنزول عذاب الله بالقتل والإغارة عليهم إن لم يؤمنوا.
* * *
2979 -
وعن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهدتُ القتالَ مَع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَكانَ إذا لم يُقاتِلْ أولَ النهارِ انتظرَ حتى تهبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلاةُ.
"عن النُّعمان بن مُقَرِّن" بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة "قال: شهدْتُ"؛ أي: حضرْتُ.
"القتالَ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تَهْبَّ الأرواح": جمع ريح؛ لأن أصلها الواو، ويجمع على أرياح قليلاً، وعلى رياح كثيراً؛ أي: حتى تجيء الرياح، وتكسر حرارة النهار في وقت الزوال.
"وتحضر الصلاة"؛ أي: صلاة الظهر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
2980 -
عن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهِدْتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فكانَ إذا لم يقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ انتظرَ حتى تزولَ الشمسُ وتَهُبَّ الرياحُ وينزِلَ النصرُ.
"من الحسان":
" عن النعمان [بن] مُقَرِّن قال: شهدْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا لم يقاتل أوَّل النهار انتظر حتى تزول الشَّمس"، انتظاره صلى الله عليه وسلم زوال الشَّمس ليطيب الوقت ويؤدي الصلاة.
"وتَهُبَّ الرياح وينزل النَّصر"؛ أي: النصرة ببركة دعاء المسلمين عُقيب صلاتهم لجيوشهم.
* * *
2981 -
وعن قَتادَةَ عن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: غزوتُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فكانَ إذا طلَعَ الفجرُ أمْسَكَ حتى تطلعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ قاتَلَ، فإذا انْتَصَف النهارُ أمسكَ حتى تزولَ الشَّمسُ، فإذا زالَتْ الشمسُ قاتَلَ حتى العصرِ، ثم أمسكَ حتى يُصلِّيَ العصرَ ثم يقاتلُ، قال قتادةُ: كانَ يقالُ: عندَ ذلكَ تَهِيجُ رياحُ النصرِ، ويدعو المؤمنونَ لجيوشِهم في صلاتِهم.
"عن قتادة عن النعمان بن مُقَرِّن قال: غزوْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا طَلَعَ الفجْرُ أَمْسَكَ"؛ أي: امتنع عن الإغارة والقتال.
"حتى تطلع الشمس، فإذا طَلَعَتْ قاتل، فإذا انتصف النَّهار أَمْسَكَ حتى