الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14 - باب العِدَّة
مِنَ الصِّحَاحِ:
2481 -
عن أبي سلمةَ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: أن أبا عمروِ بن حفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأَرسلَ إليها وكيلَه بشعيرٍ، فتَسَخَّطَتْهُ، فقال: والله ما لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكرَتْ ذلكَ له، فقال:"ليسَ لكِ نفقةٌ"، فأَمَرَها أنْ تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال:"تلكَ امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابن أُمِّ مكتومٍ فإنه رجلٌ أعمى، تَضعِينَ ثيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لهُ أن مُعاوِيَةَ بن أبي سفيانَ، وأبا جَهْمٍ خَطَباني؟ فقال:"أمَّا أبو جَهْمٍ: فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيةُ: فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أُسامةَ بن زيدٍ"، فَكَرِهْتُهُ ثم قال:"انكِحي أُسامةَ ابن زيدٍ"، فَنَكَحتُه فجعلَ الله فيهِ خيرًا واغتبَطْتُ".
وفي روايةٍ: "فأمَّا أبو جَهْمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساءِ".
ورُوي: أن زوجَها طلَّقَها ثلاثًا، فأتَتْ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:"لا نفقةَ لكِ إلا أنْ تكوني حامِلًا".
(باب العدة)
"من الصحاح":
" عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة" المراد بها هنا: الطلقات الثلاث "وهو غائب، فأرسل إليها وكيله"؛ أي: إلى فاطمة وكيل أبي عمرو "الشعير للنفقة فسخطته"؛ أي: استقلته وعدَّته قليلًا ولم ترض به.
"فقال"؛ أي: الوكيل: "والله ما لك علينا من شيء"؛ لأنك مطلقة بائنة، "فجاءت" فاطمة "رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله: ليس لك نفقة" قال الشافعي ومالك: لا نفقة للمطلقة البائنة إلا أن تكون حاملًا لكن لها السُّكنى، وعندنا: تجب لها النفقة والسكنى في العدة كالمطلقة الرجعية.
معنى قوله: (ليس لك نفقة)؛ أي: النفقة التي تريدينها لأنها لم ترض بالشعير وأرادت أجود منه.
"فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك"؛ يعني: أم شريك "امرأة يغشاها أصحابي"؛ أي: يدخلون إليها فلا يصلُح بيتها للمعتدة، "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك" خبر في معنى الطلب بملازمة المسكن، والنهي عن الخروج، ووضع ثياب الزينة إلى انقضاء العدة؛ أي: لا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة.
"فإذا حللت"؛ أي: من العدة بانقضائها "فآذنيني"؛ أي: فأعلميني، "قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، هذا كناية أنه كثير الضرب والتأديب للنساء فلا تطيق ضربه.
"وأما معاوية فصعلوك"؛ أي: فقير "لا مال له" فلا تستريحين منه، وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة والإرشاد إلى ما فيه لم يكن غيبة موجبة للإثم، وأن المال معتبر في الكفاءة.
"انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، واغتبطت"؛ أي: صرت بحيث تغبطني النساء بحظ كان لي منه بحيث يتمنى النساء مثل أحوالي.
"وفي رواية: فأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وروي: أن زوجها طلقها ثلاثًا فأتت النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا".
* * *
2482 -
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: إنَّ فاطمةَ كانتْ في مكان وَحْشٍ فخيفَ على ناحيَتِها، فلذلكَ رَخَّصَ لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، تَعني في النُّقْلَة.
"وقالت عائشة: إن فاطمة" بنت قيس "كانت في مكان وحش"؛ أي: خال لا ساكن به، "فخيف على ناحيتها"؛ أي: جانبها؛ يعني: نفسها، "فلذلك رخص لها النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ تعني" الضمير لعائشة "في النقلة" بضم النون؛ أي: في الانتقال من موضعها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ لأنه لا سكنى لها على الزوج.
* * *
2483 -
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: ما لِفاطمةَ أنْ لا تَتَّقي الله - يعني في قولها: لا سُكنَى ولا نفقةَ.
"وقالت عائشة ما لفاطمة"، (ما) استفهامية بمعنى الإنكار "ألا تتقي الله"؛ أي: أما تخشي الله في نسبة هذا القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
"يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة"، وما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم هذا، بل تجب للمطلقة النفقة والسكنى، وإنما أمرها بالخروج من منزلها لكون مكانها وحشًا.
روى الجعفي: أن عمر رضي الله عنه رفع إليه حديث فاطمة، فقال: لسنا نترك
كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة، وذلك بمحضر من الصحابة.
* * *
2484 -
وقال سعيدُ بن المُسيبِ: إنما نُقِلَتْ فاطمةُ لطولِ لسانِها على أحمائها.
"قال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها": جمع حمو: قريب الزوج؛ يعني: كانت سليطة تؤذي أقارب زوجها.
* * *
2485 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا، فَأرادَتْ أنْ تَجُدَّ نخلَها فزجرَها رجُل أنْ تَخْرُجَ، فأتَت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ:"بلى فَجُدِّي نخلَكِ، فإنه عَسَى أنْ تَصَدَّقي أو تَفْعلي معروفًا".
"عن جابر رضي الله عنه قال: طلقت خالتي ثلاثًا فأرادت أن تجد نخلها"؛ أي: تقطع ثمرة نخلها، "فزجرها رجل"؛ أي: منعها "أن تخرج، فأتت النبي عليه الصلاة والسلام فقال: بلى، فجدي نخلك"؛ أي: اقطعي ثمرة نخلك، وهذا يدل على أن للمعتدة الخروج نهارًا للعذر، فلعل خالة جابر لم تكن لها من يصلح نخلها، فرخص عليه الصلاة والسلام في الخروج.
"فإنه عسى أن تصدقي" أصله: أن تتصدقي؛ أي: تؤدي زكاة ثمرتك إن بلغت نصابًا، "أو تفعلي معروفًا" بأن تصدقي صدقة التطوع إن لم يبلغ نصابًا.
* * *
2486 -
وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة: أن سُبَيْعةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وفاةِ زوجها بليالٍ - ويُروَى: وضعَتْ بأربعينَ ليلةً - فجاءَتْ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنَتْه أنْ
تَنكِحَ فأذِنَ لها فَنَكَحَتْ.
"عن المسور بن مخرمة: أن سبيعة" بضم السين المهملة وفتح الباء "الأسلمية نفست" بضم النون؛ أي: ولدت بعد وفاة زوجها "بليال، ويروى: وضعت بأربعين ليلة، فجاءت النبي عليه الصلاة والسلام فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت" يدل على عدة الحامل بوضع الحمل.
* * *
2487 -
عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها قالت: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ ابنتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وقد اشتكَتْ عينَها أَفَنَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا"، مرتينِ أو ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ:"لا"، ثم قال:"إنما هي أربعةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي بالبَعرةِ على رأسِ الحولِ".
"وعن أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها"؟ أي: مات "وقد اشتكت عينها"؛ أي: وجعت "أفنكحلها؟ فقال رسول الله عليه السلام: لا، مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "كل ذلك يقول: لا" وفيه حجة لأحمد على أنه لا يجوز الاكتحال بالإثمد للمتوفى عنها زوجها لا في رَمَد ولا في غيره، وعندنا ومالك: يجوز الاكتحال به في الرمد.
وقال الشافعي: تكتحل للرمد ليلًا وتمسحه نهارًا.
"ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"؛ يعني: كانت عدة المتوفى عنها زوجها في الجاهلية حولًا كاملًا، فنسخ بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن المرأة إذا توفي عنها
زوجها دخلت بيتًا ضيقًا ولبست شرَّ ثيابها ولا تمس شيئًا فيه زينة من طيب وغيره حتى تمضي عليها سنة، ثم يؤتى بدابة من حمار أو شاة أو طير فتكسر بها عدتها، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، تريد انقضاء العدة بهذا الفعل المحسوس.
* * *
2488 -
عن أمِّ حبيبةَ، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ إلا على زوجٍ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا".
"عن أم حبيبة وزينب بنت جحش، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت" بترك الزينة والطيب والكحل والدهن "فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" وفيه دليل على وجوب الحداد على معتدة الوفاة.
* * *
2489 -
وعن أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُحِدُّ امرأةٌ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكتحلُ، ولا تَمَسُّ طِيْبًا إلا إذا طَهُرت نبُذةً مِن قُسْطٍ، أو أَظفارٍ"، ويروى:"ولا تَختضبْ".
"وعن أم عطية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تحد امرأة على ميت فوق الثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، نوع من البرود اليمنية يعصب غزلها؛ أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فلا بأس بلبسه.
"ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة"؛ أي: قطعة يسيرة "من قسط" بضم القاف عود يحمل من الهند يجعل في الأدوية، وقيل: هو عقاقير البحر طيب الريح تتبخر به النفساء.
"أو أظفار" بفتح الهمزة جنس من الطيب أسود يجعل في الدخنة لا واحد له من لفظه، والتقدير: ولا تمس طيبًا إلا نبذة منهما إذا طهرت بعد الحيض الذي يعتبر بها في العدة، فإنه يباح لها ذلك، ويروى:(ولا تختضب).
* * *
مِنَ الحِسَان:
2490 -
عن زينبَ بنتِ كعبٍ: أن الفُرَيعةَ بنتَ مالكِ بن سِنانٍ، وهي أختُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنها، أخبرَتْها أنها جاءَتْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تسألُه أنْ تَرجِعَ إلى أهلِها في بني خُدْرةَ، فإنَّ زوجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ له أَبَقُوا فقتلُوه، قالت: فسألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أَرجِعَ إلى أهلي، فإنَّ زوجي لم يترُكْني في منزلٍ يملِكُهُ ولا نفقةٍ، فقالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، فانصرَفْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرةِ أو في المسجدِ دَعاني، فقال:"اُمْكُثي في بيتِكِ حتى يبلغَ الكتابُ أجلَهُ"، قالت: فاعتدَدْتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا.
"من الحسان":
" عن زينب بنت كعب: أن الفريعة" بضم الفاء وفتح الراء المهملة "بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة" بضم الخاء المعجمة حي من الأنصار، "فإن زوجها خرج في طلب أعبد له" جمع عبد "أبقوا"؛ أي: هربوا "فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة"؛ أي: ولا في نفقة، "فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نعم، فانصرفت"؛ أي: فرجعت من عنده عليه الصلاة والسلام، "حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"؛ أي: حتى تنقضي العدة، سميت العدة كتابًا؛ لأنها فريضة من الله تعالى كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ} أي: فرض.
"قالت: فاعتددت"؛ أي: قضيت عدتي "فيه أربعة أشهر وعشرًا" وهذا يدل على أن المعتدة تعتد في المنزل الذي وجبت فيه العدة إلا أن تنتقل منه بعذر.
* * *
2491 -
عن أمِّ سَلَمةَ قالت: "دخلَ عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ توفي أبو سلَمةَ وقد جعلتُ على عَينيَّ صَبرًا فقال: "ما هذا يا أُمَّ سلمةَ؟ "، فقلتُ: إنما هو صَبرٌ ليسَ فيه طِيبٌ، فقال: "إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تجعَليهِ إلا بالليلِ وَتَنْزَعِيهِ بالنَّهارِ، ولا تَمْتَشِطي بالطِّيبِ، ولا بالحِنَّاء فإنه خِضابٌ"، قلتُ: بأيِّ شيءٍ أَمْتَشِطُ يا رسولَ الله؟ قال: "بالسِّدر تُغَلِّفينَ به رأسَكِ".
"عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا" بفتح الصاد وكسر الباء: الدواء المر، "فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه"؛ أي: يوقده ويلونه ويلينه ويحسنه، "فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب": الباء فيه للحال؛ أي: حال كون المشط مطيبًا "ولا بالحناء فإنه خضاب قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين" بفتح التاء، أصله؛ تتغلفين "به رأسك": من قولهم تغلف؛ إذا تلطخ بها؛ يعني: لا تكثرين منه على شعرك حتى يصير غلافًا له، فتغطيه كتغطية الغلاف المغلوف، وروي بضم التاء فمعناه: لا تمكني أن يفعل بك ذلك.
* * *