المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى - البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري - جـ ١

[زين الدين ابن نجيم - ابن عابدين]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة الْكتاب]

- ‌(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)

- ‌[سَبَبُ وُجُوب الطَّهَارَةُ]

- ‌[أَحْكَام الْوُضُوء]

- ‌[فَرَائِض الْوُضُوء]

- ‌[أَرْكَانُ الطَّهَارَة]

- ‌[سُنَن الْوُضُوءُ]

- ‌[نَوَاقِض الْوُضُوء]

- ‌[أَحْكَام الْغُسْل]

- ‌[فَرَائِض الْغُسْل]

- ‌[سُنَنُ الْغُسْل]

- ‌ آدَابُ الْغُسْلِ

- ‌[مُوجِبَات الْغُسْل]

- ‌[الْغُسْل الْمُسِنُّونَ]

- ‌[الْغُسْل الواجب]

- ‌[أَحْكَام الْمِيَاه]

- ‌[الْوُضُوء بِمَاءِ السَّمَاءِ]

- ‌[الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَلَوْ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ]

- ‌[مَوْتُ حَيَوَانٍ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ]

- ‌ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ

- ‌[صِفَةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ]

- ‌[حُكْم الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ]

- ‌[الطَّهَارَة بِالدِّبَاغِ]

- ‌[اسْتِعْمَال جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ بِالدِّبَاغِ]

- ‌[اسْتِعْمَال جِلْد الْفِيل إذَا دُبِغَ]

- ‌[التَّدَاوِي بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ]

- ‌[طَهَارَة سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ]

- ‌[سُؤْرُ الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ]

- ‌ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ

- ‌(بَابُ التَّيَمُّمِ)

- ‌[أَرْكَان التَّيَمُّم]

- ‌[شَرَائِط التَّيَمُّم]

- ‌كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ

- ‌سُنَنُ التَّيَمُّمِ

- ‌[نَوَاقِض التَّيَمُّم]

- ‌ التَّيَمُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ

- ‌ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ

- ‌ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ عِيدٍ

- ‌ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ

- ‌[رَجُلٌ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ]

- ‌[الْجَمْعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ]

- ‌ بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

- ‌[الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ]

- ‌[بَيَان مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]

- ‌[بَيَان مَحَلّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]

- ‌[بَيَان مِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ]

- ‌[مَا يَمْنَع الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]

- ‌[مَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ]

- ‌ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ

- ‌ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ

- ‌[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ]

- ‌[الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعُ وَالْقُفَّازُ]

- ‌[الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ]

- ‌[بَابُ الْحَيْضِ]

- ‌[كَيْفِيَّة الْحَيْض]

- ‌[أَقَلُّ الْحَيْضِ]

- ‌[مَا يَمْنَعهُ الْحَيْض]

- ‌[أَقَلُّ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْض]

- ‌[الْمُحَيِّرَةِ فِي الْحَيْض]

- ‌[الْحُكْمِ فِيمَا لَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ]

- ‌[حَيْض الْمُبْتَدَأَة وَنِفَاسهَا]

- ‌[أَحْكَام النِّفَاسُ]

- ‌ أَقَلَّ النِّفَاسِ

- ‌(بَابُ الْأَنْجَاسِ)

- ‌[التَّطْهِيرُ بِالدُّهْنِ]

- ‌جِلْدَةُ آدَمِيٍّ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ

- ‌[طَهَارَة دَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ]

- ‌النَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ

- ‌[الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ مُنْقٍ]

- ‌(كِتَابُ الصَّلَاةِ)

- ‌[آدَاب دُخُولَ الْخَلَاءِ]

- ‌[حُكْمُ الصَّلَاة]

- ‌[أَوْقَات الصَّلَاة]

- ‌[وَقْتُ صَلَاة الْفَجْرِ]

- ‌[وَقْت صَلَاة الْعَصْرُ]

- ‌[وَقْت صَلَاة الْمَغْرِبُ]

- ‌[وَقْت صَلَاة الظُّهْرُ]

- ‌[وَقْت صَلَاة الْعِشَاءُ]

- ‌[الْأَوْقَات المنهي عَنْ الصَّلَاة فِيهَا]

- ‌[التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ]

- ‌ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ بِعُذْرٍ)

- ‌[بَابُ الْأَذَانِ]

- ‌[التَّنَفُّلِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ]

- ‌[اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَة بِالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ]

- ‌إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ

- ‌[جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]

- ‌ الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ

- ‌[أَذَانُ الْجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ وَأَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ وَالسَّكْرَانِ]

- ‌ أَذَانُ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ)

- ‌(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ)

- ‌[تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]

- ‌[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

- ‌ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ

- ‌[الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي الصَّلَاة]

- ‌ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ

- ‌[الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[تَكْبِير الْعِيدَيْنِ]

- ‌[سُنَنُ الصَّلَاة]

- ‌[فَصْلٌ مَا يَفْعَلهُ مِنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[آدَابُ الصَّلَاة]

- ‌(بَابُ الْإِمَامَةِ)

- ‌[شَرَائِطِ صِحَّة الْإِمَامَة]

- ‌[صِفَة الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة]

- ‌[الْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاة]

- ‌[إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَالْأَعْمَى وَوَلَدِ الزِّنَا]

- ‌[جَمَاعَةُ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاة]

- ‌[وُقُوف الْمَأْمُومِينَ فِي الصَّلَاة خَلْف الْإِمَام]

- ‌[حُضُور النِّسَاء الْجَمَاعَاتِ ومَجَالِسِ الْوَعْظِ]

- ‌[اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فِي الصَّلَاة]

- ‌ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِإِمَامٍ مُتَنَفِّلٍ أَوْ بِإِمَامٍ يُصَلِّي فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِ الْمُقْتَدِي

- ‌ اقْتِدَاءُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ)

- ‌[اقْتِدَاء غَاسِلٍ بِمَاسِحٍ فِي الصَّلَاة]

- ‌[اقْتِدَاءُ مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضِ فِي الصَّلَاة]

- ‌ اقْتَدَى أُمِّيٌّ وَقَارِئٌ بِأُمِّيٍّ أَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ

- ‌(بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ)

- ‌[سَبَقَهُ حَدَثٌ وَكَانَ إمَامًا فِي الصَّلَاة]

- ‌[رَأَى الْإِمَام المُتَيَمِّمٌ مَاءً]

- ‌[اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ فِي الصَّلَاة]

الفصل: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى فَضِيلَةِ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَإِعَانَةً لِلْمُؤَذِّنِ عَلَى الشُّرُوعِ مَعَهُ، وَلَهُمَا: أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمِينٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ فَيَشْرَعُ عِنْدَهُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْكَذِبِ، وَفِيهِ مُسَارَعَةٌ إلَى الْمُنَاجَاةِ، وَقَدْ تَابَعَ الْمُؤَذِّنَ فِي الْأَكْثَرِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُتَابَعَةُ فِي الْأَذَانِ دُونَ الْإِقَامَةِ. كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ أَنَّ إجَابَةَ الْإِقَامَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ مَا يَفْعَلهُ مِنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ]

(فَصْلٌ) هُوَ فِي اللُّغَةِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ بِالْكِتَابِ وَالْبَابِ (قَوْلُهُ وَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) أَيْ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ قَائِمًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا بِهِ، وَأَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ النُّطْقِ لَا يَلْزَمُهُ تَحْرِيكُ اللِّسَانِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْ سُنَنِ التَّكْبِيرِ حَذْفُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَاهُ وَلِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ» وَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ حِينَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ الْأَكْسِيَةُ وَالْبَرَانِسُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ رضي الله عنه عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَوْ الْمُرَادُ بِمَا رَوَيْنَاهُ: رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَبِالثَّانِي الْأَكُفُّ وَالْأَرْسَاغُ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاعْتَمَدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، قَالُوا: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ رَفْعِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَفَّيْهَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ وَرَوَى ابْنُ مُقَاتِلٍ أَنَّهَا تَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحَاذَاةِ أَنْ يَمَسَّ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتِي أُذُنَيْهِ لِيَتَيَقَّنَ بِمُحَاذَاةِ يَدَيْهِ بِأُذُنَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النُّقَايَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ وَقْتَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَرْفَعُ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلًا وَالْمَحْكِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فِعْلًا وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ حَتَّى قَالَ الْبَقَّالِيُّ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَفَسَّرَ قَاضِي خَانْ الْمُقَارَنَةَ بِأَنْ تَكُونَ بُدَاءَتُهُ عِنْدَ بُدَاءَتِهِ وَخَتْمُهُ عِنْدَ خَتْمِهِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: وَقْتُهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ، وَنَسَبَهُ فِي الْمَجْمَعِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى عَامَّةِ عُلَمَائِنَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ إلَى أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ» .

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَقْتُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَيُكَبِّرُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ» وَرَجَّحَ فِي الْهِدَايَةِ مَا صَحَّحَهُ بِأَنَّ فِعْلَهُ نَفَى الْكِبْرِيَاءَ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِيجَابِ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ فَلَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ لُزُومَهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، فَفِي الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ رِوَايَةٌ عَنْهُ عليه السلام فَيُؤْنَسُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ مِنْ بَيْنِ أَفْعَالِهِ هَذِهِ تَقْدِيمُ الرَّفْعِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَتُحْمَلُ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ (ثُمَّ رَفَعَ) عَلَى الْوَاوِ (وَمَعَ) عَلَى مَعْنَى قَبْلُ

ــ

[منحة الخالق]

تَنْكِحُوهُنَّ لِحُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ أَوْ عَنْ: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِفَقْرِهِنَّ وَدَمَامَتِهِنَّ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَتَدَبَّرْ.

[آدَابُ الصَّلَاة]

(فَصْلٌ فِي بَيَانِ تَرْكِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ)(قَوْلُهُ وَمِنْ سُنَنِ التَّكْبِيرِ حَذْفُهُ) أَيْ عَدَمُ إطَالَةِ الْقَوْلِ بِهِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْقَامُوسِ وَفَسَّرَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْمَدِّ فِي هَمْزَةِ (اللَّهِ) وَلَا فِي بَاءِ (أَكْبَرَ) وَلَكِنَّهُ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ الْمَدَّ فِي ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَعَمْدُهُ كُفْرٌ بَلْ الْمُرَادُ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَبَّرَ بِلَا مَدٍّ وَرَكَعَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ حَذْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا وَرَدَ التَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَحَاصِلُهُ: الْإِمْسَاكُ عَنْ إشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ وَالْإِضْرَابُ عَنْ الْهَمْزَةِ الْمُفْرِطَةِ وَالْمَدِّ الْفَاحِشِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ لَا يَحْذِفَ الْهَاءَ أَوْ يَمُدَّ اللَّامَ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي دُرِّ الْكُنُوزِ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا حَذَفَ الْمُصَلِّي أَوْ الْحَالِفُ أَوْ الذَّابِحُ الْمَدَّ الَّذِي فِي اللَّامِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجَلَالَةِ أَوْ حَذَفَ الْهَاءَ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ تَحْرِيمَتِهِ، وَفِي انْعِقَادِ يَمِينِهِ وَحِلِّ ذَبِيحَتِهِ فَلَا يُتْرَكُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا اهـ.

(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْمَذْكُورُ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْأَمَةَ كَالرَّجُلِ فِي الرَّفْعِ وَكَالْحُرَّةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ.

أَقُولُ: عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْقُنْيَةِ بِقِيلَ فَقَالَ: تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي التَّكْبِيرِ إلَى مَنْكِبَيْهَا حِذَاءَ ثَدْيَيْهَا قِيلَ هُوَ السُّنَّةُ فِي الْحُرَّةِ فَأَمَّا الْأَمَةُ فَكَالرَّجُلِ لِأَنَّ كَفَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ اهـ.

قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كَفَّ الْحُرَّةِ أَيْضًا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ وَتُحْمَلُ ثُمَّ إلَخْ) الظَّاهِرُ التَّعْبِيرُ بِأَوْ لِيَكُونَ وَجْهًا آخَرَ

ص: 322

؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ تَقْدِيمَ النَّفْيِ فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكَلُّمُ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ: وَرِوَايَةُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ مَعَ التَّكْبِيرِ نَصٌّ مُحْكَمٌ فِي الْمُقَارَنَةِ، وَرِوَايَةُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَعَكْسُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْقُرْآنِ كَالتَّرْتِيبِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ الْمُحْكَمَ رَاجِحٌ عَلَى الْمُحْتَمِلِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ، (ثُمَّ) مَوْضُوعَةٌ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي وَاسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ مَجَازٌ فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي مَعْنَاهَا كَمَا أَنَّ (مَعَ) ظَاهِرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى بَعْدُ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ فَلَيْسَتْ مُحْكَمَةً كَمَا تَوَهَّمَهُ فَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ثَابِتَةٌ فَالتَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَا بِمَا ذَكَرَهُ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الْقِيَاسِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(قَوْلُهُ وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ بِالتَّهْلِيلِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ) شُرُوعٌ فِي الْمُرَادِ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا كُلُّ لَفْظٍ هُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ دَالٌ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إلَّا بِأَلْفَاظٍ مُشْتَقَّةٍ مِنْ التَّكْبِيرِ وَهِيَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ اللَّهُ الْكَبِيرُ اللَّهُ كَبِيرٌ اللَّهُ الْكِبَارُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ بِهِ لِلْحَدِيثِ «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ، وَلَهُمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ لُغَةً: التَّعْظِيمُ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةٌ لَهُ خُصُوصًا اللَّهُ أَعْظَمُ فَكَانَتْ تَكْبِيرًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَالرَّحْمَنُ أَكْبَرُ سَوَاءٌ قَوْله تَعَالَى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، وَلِهَذَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ بِاسْمِ الرَّحِيمِ فَكَذَا هَذَا، ثُمَّ غَايَةُ مَا هُنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُكْرَهَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهِ لِمَنْ يُحْسِنُهُ كَمَا قُلْنَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ التَّعْدِيلِ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَهَذَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِلْمُوَاظَبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِتَرْكٍ، فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالذَّخِيرَةِ وَالنِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِافْتِتَاحُ بِغَيْرِ اللَّهُ أَكْبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ التَّرْكِ فَعَلَى هَذَا يَضْعُفُ مَا صَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَنَبِيُّنَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالْمُرَادُ غَيْرُ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم بِدَلِيلِ نَقْلِ الْمُوَاظَبَةِ عَنْهُ عَلَى لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَيَضْعُفُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ أَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الِافْتِتَاحِ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْكُلِّ

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصْحِيحِ السَّرَخْسِيِّ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي الْكَافِي وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى التَّعْظِيمِ لَا خُصُوصَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ حَتَّى يَصِيرَ شَارِعًا بِ " الرَّحِيمُ أَكْبَرُ " أَوْ " أَجَلُّ " كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَأَفْتَى بِهِ الْمَرْغِينَانِيِّ فَمَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالرَّحِيمِ ضَعِيفٌ وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِأَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ

ــ

[منحة الخالق]

وَإِلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ الْحَمْلِ كَمَا لَا يَخْفَى

(قَوْلُهُ شُرُوعٌ فِي الْمُرَادِ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَبَّرَ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَإِلَّا لَأَتَى بِالْفَاءِ، وَقَالَ: فَلَوْ شَرَعَ، بَلْ مُرَادُهُ بِالتَّكْبِيرِ ظَاهِرُهُ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الشُّرُوعَ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَعَ بَيَانٌ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ بِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ لَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ ثُمَّ غَايَةُ مَا هُنَا إلَخْ) النَّصُّ هُوَ قَوْلُهُ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وَالذِّكْرُ يَشْمَلُ التَّكْبِيرَ وَغَيْرَهُ وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَارِّ، وَهُوَ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ لَا الْفَرْضِيَّةَ لِئَلَّا يَلْزَمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّهُمَا حَمَلَا التَّكْبِيرَ عَلَى التَّعْظِيمِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ لَفْظَ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَوْ عَلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ بِالْمُوَاظَبَةِ.

ص: 323

أَمَّا إذَا قَرَنَ بِهِ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا اتِّفَاقًا كَقَوْلِهِ الْعَالِمُ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ أَوْ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِكُلِّ اسْمٍ مُشْتَرَكٍ مُقَيَّدٍ بِمَا إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَا يُزِيلُ اشْتِرَاكَهُ.

أَمَّا إذَا قُرِنَ بِمَا يُزِيلُهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَقَوْلِهِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ وَعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ شَارِعًا بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ اهـ.

وَأَشَارَ بِذِكْرِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إلَّا بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ كَاللَّهُ أَوْ أَكْبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّجْرِيدِ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ التَّعْظِيمَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى التَّكْبِيرِ حُكْمٌ عَلَى الْمُعَظَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخَبَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِيرُ شَارِعًا بِكُلِّ اسْمٍ مُفْرَدٍ أَوْ خَبَرٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَلَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، فَقَالَ: لَوْ قَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّبُّ وَلَمْ يَزِدْ يَصِيرُ شَارِعًا، وَلَوْ قَالَ التَّكْبِيرُ أَوْ الْأَكْبَرُ أَوْ قَالَ أَكْبَرُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَانَ الْفَرْقُ الِاخْتِصَاصَ فِي الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِهِ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ عَلَى عَشْرٍ، وَفِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الِاسْمَ الشَّرِيفَ فَقَطْ لَا تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَتَجِبُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إلَّا أَنَّ قَوْلَ اللَّهُ كَانَ فِي قِيَامِهِ، وَقَوْلَهُ أَكْبَرُ كَانَ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ لَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا وَلَمْ يَحْكِيَا غَيْرَهُ فَكَأَنَّهُمَا بَنَيَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ

وَمِنْهَا: مَا لَوْ وَقَعَ اللَّهُ مَعَ الْإِمَامِ وَأَكْبَرُ قَبْلَهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا إذَا شَرَعَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لِسَانٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَهُوَ كَالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ لَوْ آمَن بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ إجْمَاعًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَكَذَا التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ وَالسَّلَامُ وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ بِهَا يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى يَصِيرَ شَارِعًا بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِهَا حَيْثُ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخُطْبَةُ وَالْقُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ، وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ.

(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا عَاجِزًا) أَيْ لَوْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ حَالَةَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ قَيَّدَ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَادِرًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ بِالصِّحَّةِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ أَخْذِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَفْهُومِ الْقُرْآنِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا} [فصلت: 44] فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَتَهُ قُرْآنًا أَيْضًا لَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَوَافَقَهُمَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْقُرْآنِ بِاللَّازِمِ إنَّمَا هُوَ الْعَرَبِيُّ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَأَمَّا قُرْآنُ الْمُنْكِرِ فَلَمْ يُعْهَدْ فِيهِ نَقْلٌ عَنْ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَقْرُوءٍ وَمَا قِيلَ: النَّظْمُ مَقْصُودٌ لِلْإِعْجَازِ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهَا الْمُنَاجَاةُ لَا الْإِعْجَازُ فَلَا يَكُونُ النَّظْمُ لَازِمًا فِيهَا فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ النَّصَّ طَلَبٌ بِالْعَرَبِيِّ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُجِيزُهُ بِغَيْرِهَا وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرٌ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهَا فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْفَارِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ فَحِينَئِذٍ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ الْفَارِسِيَّةِ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بِالتَّفْسِيرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ النَّاسِ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ إذَا اكْتَفَى بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ لَا تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي عَقْدِ الْفَوَائِدِ الْفَتْوَى عَلَى الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ فَرَاغِهِ بِأَنْ مَدَّ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ (قَوْلُهُ وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفَ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّهُ فِي أَذَانِ السِّرَاجِ قَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ أَذَانٌ

(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا عَاجِزًا) قَالَ فِي النَّهْرِ: شَرْطُ الْعَجْزِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا تَجُوزُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ كَمَا رَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَالرَّازِيِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.

قُلْت: وَتَقْيِيدُهُ بِالْعَجْزِ هُنَا دُونَ الشَّرْعِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الشُّرُوعِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْفَارِسِيَّةِ بِدُونِ الْعَجْزِ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ جَعْلَهُ كَالتَّلْبِيَةِ يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا قَوْلُ الْعَيْنِيِّ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَبِهِ قَالَتْ الثَّلَاثَةُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَصَحَّ رُجُوعُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَوْلِهِمَا اهـ.

فَهُوَ اشْتِبَاهُ مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ بِمَسْأَلَةِ الشُّرُوعِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ رحمه الله فَقَالَ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ وَلَا سَنَدَ يُقَوِّيه بَلْ ظَاهِرُ التَّتَارْخَانِيَّة رُجُوعُهُمَا إلَيْهِ لَا هُوَ إلَيْهِمَا فَاحْفَظْهُ فَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْقَاصِرِينَ حَتَّى الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي كُلِّ كُتُبِهِ فَتَنَبَّهْ اهـ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشُّرُوعِ فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِيهَا بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهَا اتِّفَاقِيَّةٌ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الرُّجُوعُ مِنْهُمَا إلَيْهِ لَا مِنْهُ إلَيْهِمَا

ص: 324

الْفَسَادِ حَتَّى إذَا قَرَأَ مَعَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا وَيُحْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَقْرُوءُ مِنْ مَكَانِ الْقَصَصِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا وَلَا تَفْسُدُ وَفِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ ذِكْرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِلُبِّ الْأُصُولِ (قَوْلُهُ أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا) يَعْنِي يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ الذِّكْرُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ.

(قَوْلُهُ لَا بِاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَا مُسَمِّيًا عَلَى الذَّبِيحَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَنَاءٍ خَالِصٍ بَلْ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ، اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْنَاهُ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ مَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ، وَضَمَّةُ الْهَاءِ فِيهِ هِيَ الضَّمَّةُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْمُنَادَى وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ فِي آخِرِهِ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ الْمَحْذُوفِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرْفِ النِّدَاءِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَيَصِحُّ الشُّرُوعُ بِيَا أَلَّلَهُ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَكَذَا مَا كَانَ بِمَعْنَاهُ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مَعْنَاهُ: يَا أَلَّلَهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ أَيْ اقْصِدْنَا بِهِ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ وَالْجُمْلَةُ اخْتِصَارًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَأُبْقِيَتْ ضَمَّةُ الْهَاءِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَعُوِّضَتْ بِالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَالْمِيمِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ عَنْهُ، وَقَدْ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ} [الأنفال: 32] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ أَنْ يُقَالَ: يَا أَلَّلَهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدَك فَأَمْطِرْ. الْآيَةَ. . . فَلَا جَرَمَ إنْ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا ثَالِثًا: وَهُوَ أَنَّ الْمِيمَ الْمُشَدَّدَةَ كِنَايَةٌ عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ بِهِ أَيْضًا اهـ.

وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ: اُرْزُقْنِي أَوْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَوْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَفِي الْمُبْتَغَى وَالْمُجْتَبَى يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يَجُوزُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلتَّبَرُّكِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بَارِكْ لِي فِي هَذَا الْأَمْرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ تَرْجِيحُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ خَالِصٌ بِدَلِيلِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ مَعَ اشْتِرَاطِ الذِّكْرِ الْخَالِصِ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36] أَيْ خَالِصًا.

(قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَأْخُذُ رُسْغَهَا بِالْخِنْصَرِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: اخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمَقْرُوءَ إنْ كَانَ قَصَصًا أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا فَسَدَتْ، وَإِنْ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا لَا أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شِقَّيْ هَذَا الْقَوْلِ مَحْمُولًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الِاخْتِيَارِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ زَلَّةِ الْقَارِئِ لَوْ أَبْدَلَ كَلِمَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِأُخْرَى تُقَارِبُهَا فِي الْمَعْنَى إنْ مِنْ الْقَصَصِ وَنَحْوِهَا فَسَدَتْ، وَإِنْ حَمْدًا أَوْ تَنْزِيهًا أَوْ ذِكْرًا لَا اهـ كَلَامُ النَّهْرِ.

أَقُولُ: قَدْ مَرَّ آنِفًا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ تَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ اتِّفَاقًا فَلَوْ كَانَ الْقَصَصُ مُفْسِدًا اتِّفَاقًا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ بِهِ مُتَكَلِّمًا كَمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ لَلَزِمَ الْعَاجِزَ السُّكُوتُ إنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَ الْقَصَصِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَ الِاتِّفَاقِ بِغَيْرِ الْقَصَصِ (قَوْلُهُ كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ عِنْدِي بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسِيَّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيِّ لَيْسَ قُرْآنًا أَصْلًا لِانْصِرَافِهِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَى الْعَرَبِيِّ فَإِذَا قَرَأَ قِصَّةً صَارَ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ النَّاسِ بِخِلَافِ الشَّاذِّ فَإِنَّهُ قُرْآنٌ إلَّا أَنَّ فِي قُرْآنِيَّتِهِ شَكًّا فَلَا تَفْسُدُ بِهِ وَلَوْ قِصَّةً، وَحَكَوْا الِاتِّفَاقَ فِيهِ عَلَى عَدَمِهِ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَلَامَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ بِمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ اهـ.

أَيْ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشَّاذِّ تَفْسُدُ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ لَا أَنَّ الْفَسَادَ بِهِ

(قَوْلُهُ أَيْ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَا مُسَمِّيًا عَلَى الذَّبِيحَةِ) أَفَادَ أَنَّ النَّفْيَ رَاجِعٌ إلَيْهِمَا، وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِجُمْهُورِ الشَّارِحِينَ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ إنَّمَا هُوَ الشُّرُوعُ وَذِكْرُ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ إلَّا تَبَعًا، ثُمَّ قَالَ إنْ أُرِيدَ خُصُوصُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي اتَّجَهَ مَا فِي الْبَحْرِ أَوْ كُلُّ مَا كَانَ خَبَرًا اتَّجَهَ مَا فِي الشَّرْحِ وَلَا مَعْنَى لِإِرَادَةِ الْمُصَنِّفِ خُصُوصَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي بَلْ كُلَّ مَا كَانَ خَبَرًا عَلَى مَا عَلِمْت وَالرَّاجِحُ فِي الشُّرُوعِ بِالتَّسْمِيَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إجْزَائِهَا لِلذَّبْحِ فَرُجُوعُ النَّفْيِ إلَى الشُّرُوعِ أَظْهَرُ.

(قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ هُوَ الْأَشْبَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي السِّرَاجِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي فَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، ثُمَّ قَالَ فَالرَّاجِحُ فِي التَّسْمِيَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَالْأَرْجَحُ أَيْ فِي الْبَحْرِ الْإِجْزَاءُ

(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يَعْنِي الْكَفَّ عَلَى الْكَفِّ وَيُقَالُ عَلَى الْمِفْصَلِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَكَلَامُهُ يَحْتَمِلُهُمَا، وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَضْعِ فَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الظَّاهِرِ فِيهِ نَظَرٌ وَعَنْ الثَّانِي

ص: 325

وَالْإِبْهَامِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْأَخْذِ الْوَضْعُ وَلَا يَنْعَكِسُ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَخْبَارَ اخْتَلَفَتْ ذُكِرَ فِي بَعْضِهَا الْوَضْعُ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَخْذُ فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا وَقْتَ الْوَضْعِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقْتُهُ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَهُوَ سُنَّةُ قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَيَضَعُ حَالَةَ الثَّنَاءِ، وَفِي الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَقِيلَ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ فَلَا يَضَعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَضْعُ فِي الْقِيَامِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَرَارٌ لَهُ وَلَا قِرَاءَةَ فِيهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْإِرْسَالَ فِي الْقَوْمَةِ بِنَاءً عَلَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا قِيلَ بِأَنَّ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْمِيعَ لَيْسَ سُنَّةً فِيهَا بَلْ فِي نَفْسِ الِانْتِقَالِ إلَيْهَا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ قَلَّ مَا يَقَعُ التَّسْمِيعُ إلَّا فِي الْقِيَامِ حَالَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اهـ.

لِمَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ، وَفِي الْقُنْيَةِ، وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيعَ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَأْتِي كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ حَالَةَ الِانْحِطَاطِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَرَكَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ هَذَا وَيُرَاعِيَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ. اهـ.

وَهُوَ صَرِيحٌ

ــ

[منحة الخالق]

يَقْبِضُ بِالْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى وَاخْتَارَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَضَعُهُمَا كَذَلِكَ وَيَكُونُ الرُّسْغُ وَسَطَ الْكَفِّ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَخْذَ الرُّسْغِ بِالْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ وَوَضْعَ الْبَاقِيَ لِيَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْوَضْعِ الْمَرْوِيَّيْنِ فِي السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ.

وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ عَزْوِهِ هَذَا الْقَوْلَ لِلْمُجْتَبَى وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَبْسُوطِ بِزِيَادَةٍ لِيَكُونَ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ وَالْمَذَاهِبِ احْتِيَاطًا قَالَ وَقِيلَ هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَذَاهِبِ وَالْأَحَادِيثِ فَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ احْتِيَاطًا اهـ.

(قَوْلُهُ فَهُوَ سُنَّةُ قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى قَاعِدًا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَإِذَا لَمْ يُسَنَّ فِي حَقِّهِ كَيْفَ يَضَعُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَيَبْسُطُ أَصَابِعَهُ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْقُعُودِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الْمُسَمَّى بِتَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَيَضَعُ يَمِينَهُ إلَخْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: يَضَعُ الْمُصَلِّي كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقُ بِالْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ اهـ

فَقَوْلُهُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَالَةَ الْجُلُوسِ تَأَمَّلْ وَرَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْجُلُوسِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْقِيَامِ اهـ.

قُلْتُ: ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ، وَقَالَ لَمْ أَرَهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ الْمُرَادُ مِنْ الْقِيَام مَا هُوَ الْأَعَمُّ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَأَجْمَعُوا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ عَنْ النَّسَفِيِّ وَالْحَاكِمِ وَالْجُرْجَانِيِّ وَالْفَضْلِيِّ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِنَازَةِ وَزَوَائِدِ الْعِيدِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِكُلِّ قِيَامٍ وَحَكَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا يَمْسِكُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَخَصَّ قَوْلَهُمَا لِمَا أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلُهُمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِي حَقِّ الْمُؤْتَمِّ، وَالْإِمَامُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّسْمِيعَ أَوْ التَّحْمِيدَ إنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ حَالَةَ الِانْتِقَالِ نَعَمْ هُوَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مُسَلَّمٌ لِمَا أَنَّهُ يَقُولُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا فِي الْجَوَابِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا قِيَامٌ لَا قَرَارَ لَهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ مُصَلِّي النَّافِلَةِ وَلَوْ سُنَّةً يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ نَحْوَ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَى آخِرِهِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَاَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدَّادِيَّ قَيَّدَ الْإِرْسَالَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ بِمَا إذَا لَمْ يُطِلْ الْقِيَامَ أَمَّا إذَا أَطَالَهُ فَيَعْتَمِدُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَكَذَا يُرْسِلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ لَا ذِكْرَ فِيهِ وَلَا يُطَوِّلُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُزَادَ فِي الضَّابِطِ السَّابِقِ أَوْ يُطَوِّلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ.

قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ شَرْحِ مِسْكِينٍ التَّقْيِيدَ بِالطَّوِيلِ قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سُنَّةٌ فِي كُلِّ قِيَامٍ شُرِعَ فِيهِ ذِكْرٌ فَرْضًا كَانَ الذِّكْرُ أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً وَالْمُرَادُ بِالْمَسْنُونِ الْمَشْرُوعُ، وَفِي شَرْحِ ابْنِ مَالِكٍ فَيَضَعُ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي سُنَّةِ الْوَضْعِ عَامٌّ أَحْوَالَ الْقِيَامِ لَكِنْ خُصَّتْ الْقَوْمَةُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ لِعَدَمِ امْتِدَادِهَا فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْأَصْلِ وَمِثْلُهُ فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ وَالْمَنْبَعِ وَفِي الْأَوَّلِينَ أَيْضًا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ شَرْعَ الْوَضْعِ لِلصِّيَانَةِ عَنْ اجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُون فِي الْحَالَةِ الَّتِي السُّنَّةُ فِيهَا التَّطْوِيلُ وَهِيَ حَالَةُ الْقِرَاءَةِ. اهـ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِامْتِدَادَ وَالتَّطْوِيلَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْبَحْرِ لَهُ قَرَارٌ اهـ. كَلَامُهُ

ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى النَّهْرِ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْفَضْلِيِّ الِاعْتِمَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الَّذِي فِي السِّرَاجِ عَنْهُ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْمَذْكُورَاتِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ ذِكْرِهِ مَعَ النَّسَفِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ اهـ.

هَذَا وَاعْتِرَاضُهُ عَلَى التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا إلَخْ وَحَمْلُهُ لَهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ ذِكْرٌ بِأَوْ الَّتِي لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْمُنْفَرِدُ يَأْتِي بِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَلَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ فِي الْمُنْفَرِدِ أَيْضًا بَلْ الظَّاهِرُ مُوَافَقَتُهُ لِمَا بَحَثَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَيْ لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا وَقَوْلُهُ أَوْ التَّحْمِيدُ لَوْ كَانَ مُؤْتَمًّا أَوْ مُنْفَرِدًا كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ

ص: 326

فِي أَنَّ الْقَوْمَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ. اهـ.

وَهُوَ مُسَاعِدٌ لِمَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ آنِفًا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ اتِّفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا حَتَّى يَضَعَ فِي الْكُلِّ وَحُكِيَ فِي الْبَدَائِعِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِي الْوَضْعِ فِيمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ.

(قَوْلُهُ مُسْتَفْتِحًا) هُوَ حَالٌ مِنْ الْوَضْعِ أَيْ يَضَعُ قَائِلًا: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهُ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كُلُّ مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَكِنْ قَالُوا الْمَسْبُوقُ لَا يَأْتِي بِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِمَاعِ، وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ " سُبْحَانَ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ كَغُفْرَانِ، وَهُوَ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ وُجُوبًا فَمَعْنَى سُبْحَانَك أُسَبِّحُك تَسْبِيحًا أَيْ أُنَزِّهُك تَنْزِيهًا، وَقِيلَ أَعْتَقِدُ نَزَاهَتَك عَنْ كُلِّ صِفَةٍ لَا تَلِيقُ بِك " وَبِحَمْدِك " أَيْ نَحْمَدُك بِحَمْدِك فَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَحُذِفَتْ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى وَأَبْقَى حَرْفَ الْعَطْفِ دَاخِلًا عَلَى مُتَعَلِّقِهَا مُرَادًا بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ الْفَاعِلِ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَبْقَى لِيُشْعِرَ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ هُنَا جُمْلَةٌ طُوِيَ ذِكْرُهَا إيجَازًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِحَمْدِك بِلَا حَرْفِ الْعَطْفِ كَانَ جَائِزًا صَوَابًا كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ نَفَى بِقَوْلِهِ " سُبْحَانَك " صِفَاتِ النَّقْصِ وَأَثْبَتَ بِقَوْلِهِ " بِحَمْدِك " صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ إظْهَارُ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ تَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ عَلَى التَّحْمِيدِ " وَتَبَارَكَ " لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ وَلَعَلَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: تَكَاثَرَ خُيُورُ أَسْمَائِك الْحُسْنَى وَزَادَتْ عَلَى خُيُورِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ السُّبُّوحِيَّةِ الْقُدُّوسِيَّةِ الْعُظْمَى، وَالْأَفْعَالُ الْجَامِعَةُ لِكُلِّ مَعْنًى أَسْنَى " وَتَعَالَى جَدُّك " أَيْ ارْتَفَعَ عَظَمَتُك أَوْ سُلْطَانُك أَوْ غِنَاك عَمَّا سِوَاك " وَلَا إلَهَ غَيْرُك " فِي الْوُجُودِ فَأَنْتَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ فَبَدَأَ بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالتَّوْحِيدِ تَرَقِّيًا فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عز وجل مِنْ ذِكْرِ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ إلَى غَايَةِ الْكَمَالِ فِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحَدِيَّةِ وَالصَّمَدِيَّةِ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ، وَأَشَارَ.

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ إلَخْ) أَيْ قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَضْعُ فِي الْقِيَامِ إلَخْ وَبِهَذَا أُسْقِطَ اعْتِرَاضُ النَّهْرِ السَّابِقِ كَمَا لَا يَخْفَى.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، وَالِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَوْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ كَيْفَ يُسَوَّغُ لِلْمَشَايِخِ النِّزَاعُ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ لَكِنْ قَالُوا الْمَسْبُوقُ لَا يَأْتِي لَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إلَّا إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ مُدْرِكًا، جَهَرَ أَوْ لَا لِمَا فِي الصُّغْرَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ يُثْنِي مَا لَمْ يَبْدَأْ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَقِيلَ فِي الْمُخَافَتَةِ يُثْنِي، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ اهـ.

فَقَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ أَفَادَ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْ الثَّنَاءِ فِي صُورَةِ الْجَهْرِ فَقَطْ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْ الثَّنَاءِ مَتَى شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ سِرًّا، فَالْمَفْهُومُ مِنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ يُثْنِي وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الصُّغْرَى بِقِيلَ فَأَفَادَ ضَعْفَهُ، وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ الْجَهْرِ فَأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الثَّنَاءِ بِلَا خِلَافٍ لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا أَيْضًا، وَكَذَا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْخُلَاصَةِ وَيَسْكُتُ الْمُؤْتَمُّ عَنْ الثَّنَاءِ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ.

وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الْمُدْرِكَ وَالْمَسْبُوقَ، وَقَدْ رَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ التَّصْرِيحَ بِالْخِلَافِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يُثْنِي بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ فِي الْمُخَافَتَةِ يُثْنِي لِأَنَّ الثَّنَاءَ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَالْإِنْصَاتُ إنَّمَا يَجِبُ حَالَةَ الِاسْتِمَاعِ فَيُسَنُّ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ فَكَانَ سُنَّةً تَبَعًا لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الثَّنَاءِ فَمُرَاعَاةُ السُّنَّةِ الْمَقْصُودَةِ أَهَمُّ، فَإِنْ قِيلَ الْإِنْصَاتُ فَرْضٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَمِعُ حَتَّى سَقَطَتْ التِّلَاوَةُ عَنْ الْمُقْتَدِي قُلْنَا إنَّمَا سَقَطَتْ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ لَا لِلْإِنْصَاتِ وَلَيْسَ ثَنَاءُ الْإِمَامِ ثَنَاءً لِلْمُقْتَدِي فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ يَفُوتُهُ اهـ.

مُلَخَّصًا. وَظَاهِرُهُ اعْتِمَادُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ فِي الْمُخَافَتَةِ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الدُّرَرِ أَيْضًا، وَكَذَا فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ، وَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ لَا يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُسِرُّ يَأْتِي بِهِ اهـ. وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْيَةِ أَيْضًا.

ص: 327

الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الِاسْتِفْتَاحِ فَلَا يَأْتِي بِدُعَاءِ التَّوَجُّهِ، وَهُوَ وَجَّهْت وَجْهِي لَا قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا بَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَنَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَنَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَيْنِ: فِي رِوَايَةٍ يُقَدِّمُ التَّسْبِيحَ عَلَى التَّوَجُّهِ وَصَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: إنْ شَاءَ قَدَّمَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ وَيَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «كَانَ إذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» وَمِنْهُمْ مِنْ أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه جَهَرَ بِالتَّسْبِيحِ فَقَطْ لِتَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِ وَيَتَعَلَّمُوهُ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم آخِرَ الْأَمْرِ فِي الْفَرَائِضِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِذَا زَادَ " وَجَلَّ ثَنَاؤُك " لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ سَكَتَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَفِي الْكَافِي أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمَشَاهِيرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَشْهُودِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ نَظَرًا إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَإِنْ كَانَ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّهُ يَقُولُ فِي دُعَاءِ التَّوَجُّهِ:" وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ "، وَلَوْ قَالَ " وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَسَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتَعْلِيلُ الْفَسَادِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا إذَا كَانَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ لَا تَالِيًا وَإِذَا كَانَ مُخْبِرًا فَالْفَسَادُ عِنْدَ الْكُلِّ.

(قَوْلُهُ وَتَعَوَّذَ سِرًّا) أَيْ قَالَ الْمُصَلِّي: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ مِنْ اسْتِعَاذَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ يَعْنِي؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ {فَاسْتَعِذْ} [الأعراف: 200] بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَأَسْتَعِيذُ مُضَارِعُهَا فَيَتَوَافَقَانِ بِخِلَافِ أَعُوذُ فَإِنَّهُ مِنْ الْعَوْذِ لَا مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَجَوَابُهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ لَفْظَ اسْتَعِذْ طَلَبُ الْعَوْذِ، وَقَوْلُهُ أَعُوذُ مِثَالٌ مُطَابِقٌ لِمُقْتَضَاهُ أَمَّا قُرْبُهُ مِنْ لَفْظِهِ فَمُهْدَرٌ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يَعْنِي كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ بَابِ الثَّنَاءِ وَمَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا مَحَلُّ الثَّنَاءِ، وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَيْ إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَأَطْلَقَ الْمُسَبَّبَ عَلَى السَّبَبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى سُنِّيَّتِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَلَمْ يُعَيِّنْ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَنَدٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَسْتَفِيدُونَ بِهِ الْحُكْمَ فَلَا إشْكَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ التَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ وَآمِينَ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فَقَوْلُهُ سِرًّا عَائِدٌ إلَى الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ

(قَوْلُهُ لِلْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ لَا الْمُقْتَدِي وَيُؤَخِّرُ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ التَّعَوُّذَ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي بِهِ كُلُّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا صِيَانَةً عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فَكَانَ تَبَعًا لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ وَيَأْتِي بِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ، ثَانِيهَا: أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عِنْدَهُمَا وَيَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ وَالْمُقْتَدِي بَعْدَ الثَّنَاءِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَهُ، ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يَأْتِي بِهِ لِلْحَالِ وَيَأْتِي بِهِ إذَا قَامَ إلَى

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ إجْمَاعَ الْقُرَّاءَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَنَ إنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ دَلَالَةً عَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَاذَةِ، فَالْقَائِلُ أَعُوذُ مُمْتَثِلٌ لَا أَسْتَعِيذُ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِلِاسْتِعَاذَةِ لَا مُتَعَوِّذٌ وَلِذَا كَانَ أَعُوذُ هُوَ الْمَنْقُولُ مِنْ اسْتِعَاذَتِهِ عليه الصلاة والسلام وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ عُذْت بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْت بِهِ الْتَجَأْت إلَيْهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ كَذَا فِي النَّشْرِ لِابْنِ الْجَزَرِيِّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى سُنِّيَّتِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نِزَاعٌ فَقَدْ رُوِيَ الْوُجُوبُ عَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَقَوْلُهُ سِرًّا عَائِدٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَوْنُهُ قَيْدًا فِي الِاسْتِفْتَاحِ أَيْضًا بَعِيدٌ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ التَّنَازُعِ بَلْ هُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تَعَوَّذَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِأَنَّ مَجِيءَ الْمَصْدَرِ الْمُنَكَّرِ حَالًا وَإِنْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ. اهـ.

وَفِي قَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ التَّنَازُعِ نَظَرٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ هَمْعِ الْهَوَامِعِ مِنْ أَنَّ التَّنَازُعَ يَقَعُ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ إلَّا الْمَفْعُولَ وَالتَّمْيِيزَ، وَكَذَا الْحَالُ خِلَافًا لِابْنِ مُعْطِي وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فَهُوَ كَالتَّنَازُعِ أَيْ شَبِيهٌ بِالتَّنَازُعِ الَّذِي هُوَ تَعَلُّقُ عَامِلَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ شِبْهِهِ بِاسْمٍ فَأَكْثَرَ (قَوْلُهُ الرِّوَايَةُ) لَعَلَّهُ الدِّرَايَةُ تَأَمَّلْ اهـ مِنْهُ.

ص: 328

الْقَضَاءِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَأْتِي بِهِ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ الدُّخُولِ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَجَمَاعَةٌ الْخِلَافَ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي عَامَّةِ النُّسَخِ كَالْمَبْسُوطِ وَالْمَنْظُومَةِ وَشُرُوحِهَا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ صَحَّحَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّعَوُّذِ بَعْدَ الثَّنَاءِ

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَ الثَّنَاءِ أَعَادَهُ بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ لَا يَتَعَوَّذُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ وَقَيَّدَنَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ لَا يَتَعَوَّذُ إذَا قَرَأَ عَلَى أُسْتَاذِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ إلَّا إذَا كَانَ إمَامُهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَأْتِي بِهِ أَيْضًا إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يَتَحَرَّى إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرُّكُوعِ يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَإِلَّا يُتَابِعُ الْإِمَامَ وَلَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ فِي الرُّكُوعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ التَّسْبِيحَاتِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِيهِ دُونَ تَسْبِيحَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ دُونَهَا، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ فَهُوَ كَالرُّكُوعِ وَإِذَا لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَأْتِي بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ عَنْ الْإِمَامِ بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ بِزِيَادَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لِمَا أَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ غَيْرُ مُفْسِدٍ، وَإِنْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي الْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَلْ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، ثُمَّ لِلِانْحِطَاطِ، ثُمَّ يَقْعُدُ، وَقِيلَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ كَمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.

(قَوْلُهُ وَسَمَّى سِرًّا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أَيْ، ثُمَّ يُسَمِّي الْمُصَلِّي بِأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ هُنَا، وَأَمَّا فِي الْوُضُوءِ وَالذَّبِيحَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي هُنَا الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ أَمَّا الْمُقْتَدِي فَلَا دَخْلَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ، وَقَدْ عَدَّهَا الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ السُّنَنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَحَّحَ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ وُجُوبَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَصَرَّحَ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ قَالَ وَإِنَّ الْوُجُوبَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَالشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِمَا يُفِيدُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ إنْ لَمْ تُجْعَلْ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَطْعًا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَصَارَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ عَمَلًا فَمَتَى لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ احْتِيَاطًا اهـ.

وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ وَالْمُوَاظَبَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّعَوُّذِ بَعْدَ الثَّنَاءِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى بُعْدُ هَذِهِ الْإِشَارَةِ إذْ الْوَاوُ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا اهـ.

قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: التَّرْتِيبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ صَنِيعِهِ لَا مِنْ الْوَاوِ فَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ: وَسَمَّى وَقَرَأَ إلَخْ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ) وَجْهُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مَعْلُولٌ بِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ فَيَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي جَمِيعِ مَا يُخْشَى فِيهِ الْوَسْوَسَةُ. اهـ.

وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ لَيْسَ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا بَلْ فِي الِاسْتِنَانِ وَعَدَمِهِ اهـ.

أَيْ فَتُسَنُّ لِلْقِرَاءَةِ وَلَا تُسَنُّ لِغَيْرِهَا وَنَفْيُ السُّنِّيَّةِ لَا يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ وَنَصُّ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا: إذَا قَالَ الرَّجُلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ يَتَعَوَّذُ قَبْلَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] ، وَإِنْ أَرَادَ افْتِتَاحَ الْكَلَامِ كَمَا يَقْرَأُ التِّلْمِيذُ عَلَى الْأُسْتَاذِ لَا يَتَعَوَّذُ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَلَا يُرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ فَيَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَوُّذِ قَبْلَهُ فَعَلَى هَذَا الْجُنُبُ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَرَادَ افْتِتَاحَ الْكَلَامِ أَوْ التَّسْمِيَةَ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ قَبْلَهَا إلَّا إذَا أَرَادَ بِهَا الْقِرَاءَةَ، أَمَّا إذَا أَرَادَ بِهَا افْتِتَاحَ الْكَلَامِ كَمَا يَأْتِي بِهَا التِّلْمِيذُ فِي أَوَّلِ دَرْسِهِ لِلْعِلْمِ لَا يَتَعَوَّذُ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ تَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ الذِّكْرِ حَتَّى يَجُوزَ لِلْجُنُبِ الْإِتْيَانُ بِهَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقُرْآنِيَّةَ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَهُ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ أَوْ بِالْحَمْدَلَةِ لِقَصْدِ الشُّكْرِ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَا يُسَنُّ التَّعَوُّذُ، وَكَذَا إذَا تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْأَوْلَى، نَعَمْ تُطْلَبُ الِاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِكَلَامٍ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فَغَيْرُ الْقُرْآنِ لَا تُسَنُّ لَهُ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ إلَّا أَنَّ الْمُتُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجَّهَ الثَّانِيَ بِمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ، ثُمَّ قَالَ أَقُولُ: فِي إيجَابِ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا مُنَافَاةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِ أَقَلِّ الْفَاتِحَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ.

أَقُولُ: تَنْدَفِعُ الْمُنَافَاةُ بِمَا مَرَّ لَنَا فِي الْوَاجِبَاتِ عَنْ الْحَصْكَفِيِّ عَنْ الْمُجْتَبَى مِنْ وُجُوبِ السُّجُودِ بِتَرْكِ آيَةٍ مِنْهَا

ص: 329

- صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْقِرَاءَةِ بَلْ السَّمَاعَ لِلْإِخْفَاءِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى الْإِخْفَاءِ بِهَا، وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ بِلُزُومِ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا لَقُلْتُ: إنَّ الْوُجُوبَ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ، أَطْلَقَ فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسَّرِيَّةَ فَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ لَا يَأْتِي بِهَا وَإِذَا خَافَتَ يَأْتِي بِهَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مُخَالِفٌ لِكُلِّ الرِّوَايَاتِ، وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ رَكْعَةٍ فَلَا تُسَنُّ التَّسْمِيَةُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ مُطْلَقًا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُسَنُّ إذَا خَافَتَ لَا إنْ جَهَرَ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلَهُمَا، وَالْخِلَافُ فِي الِاسْتِنَانِ أَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى بِأَنَّهُ إنْ سَمَّى بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ كَانَ حَسَنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ السُّورَةِ مَقْرُوءَةً سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذُهُ الْحَلَبِيُّ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِي ذَلِكَ دُونَ الشُّبْهَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ فَبَعِيدٌ جِدًّا، كَمَا أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَا يُسَمِّي إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ قَالَ الزَّاهِدِيُّ إنَّهُ غَلَطٌ عَلَى أَصْحَابِنَا غَلَطًا فَاحِشًا، وَفِي ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ إشَارَةٌ إلَى مَحَلِّهَا فَلَوْ سَمَّى قَبْلَ التَّعَوُّذِ أَعَادَهَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي مَحَلِّهَا، لَوْ نَسِيَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِ فَوَاتِ مَحِلِّهَا.

(قَوْلُهُ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ) بَيَانٌ لِلْأَصَحِّ مِنْ الْأَقْوَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَرَدٌّ لِلْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَخْبَارِ فِيهَا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، ثَانِيهِمَا: أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَوَجْهُ الْأَصَحِّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابَتِهَا مَعَ الْأَمْرِ بِتَجْرِيدِ الْمُصْحَفِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ فِيهِ، وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَبِهِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ لِلِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِ مُنْكِرِهَا؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْقَطْعِيِّ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكُ جَوَابٍ عَمَّا يَرِدُ أَنَّ مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ السُّنِّيَّةِ أَيْضًا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ فَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَوَّلَهَا شَارِحُهَا الْحَلَبِيُّ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا يَأْتِي بِهَا جَهْرًا بَلْ يَأْتِي بِهَا سِرًّا اهـ.

وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُسَنُّ إنْ خَافَتَ) أَيْ تُسَنُّ فِي السِّرِّيَّةِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَعَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ رِوَايَةَ الثَّانِي عَنْ الْإِمَامِ، وَفِي الْمُسْتَصْفَى وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْبَدَائِعِ الصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَالْمُحِيطِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُخْتَارُ وَنَقَلَ ابْنُ الضِّيَاءِ فِي شَرْحِ الْغَزْنَوِيَّةِ عَنْ شَرْحِ عُمْدَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ إنَّمَا اُخْتِيرَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هَذَا لِأَنَّ لَفْظَةَ الْفَتْوَى آكَدُ وَأَبْلَغُ مِنْ لَفْظَةِ الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِ فَوَاتِ مَحَلِّهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِهَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا

(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ أَوْضَحُ مِمَّا هُنَا، وَنَصُّهَا: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْبَسْمَلَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَكِنْ لَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهَا مَعَ إنْكَارِ الْقَطْعِيِّ لِلشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بِهَا كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حَيِّزِ الْوُضُوحِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ فَهِيَ قُرْآنٌ لِتَوَاتُرِهَا فِي مَحَلِّهَا وَلَا كُفْرَ لِعَدَمِ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا فِي الْأَوَائِلِ قُرْآنًا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِتَكْفِيرِ جَاحِدِهِ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ فِي مَحَلِّهِ وَمَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي إثْبَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْأَوَّلُ فَقَطْ، انْتَهَتْ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا بِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا صَوَابُهُ بِعَدَمِ تَوَاتُرِ إلَخْ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ رَأَيْته مُلْحَقًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ. هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِهِ فِي الْبَحْرِ اضْطِرَابًا وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا فِي وَجْهِ الْأَصَحِّ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي الْمُصْحَفِ دَلِيلُ تَوَاتُرِ قُرْآنِيَّتِهَا، وَأَنَّ بِذَلِكَ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ فِي قُرْآنِيَّتِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَدْ حَكَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ قُرْآنِيَّتِهَا، وَاللَّازِمُ مِنْ ذَلِكَ تَوَاتُرُ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةً فَنَاقَضَ صَدْرَ كَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَالْمُوجِبُ لِتَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ الْقُرْآنَ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ إثْبَاتِ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا إلَخْ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ: فَالْمُوجِبُ إلَخْ وَعَلَى نُسْخَةٍ وَبِعَدَمِ تَوَاتُرِ مُنَاقِضٍ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا كَمَا لَا يَخْفَى وَالصَّوَابُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَطْعِيَّ إنَّمَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ كَإِنْكَارِ رُكْنٍ وَهُنَا قَدْ وُجِدَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا كَمَالِكٍ ادَّعَى عَدَمَ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ وَأَنَّ كِتَابَتَهَا فِيهَا لِشُهْرَةِ اسْتِنَانِ الِافْتِتَاحِ بِهَا فِي الشَّرْعِ وَالْآخَرُ يَقُولُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابَتِهَا مَعَ أَمْرِهِمْ بِتَجْرِيدِ الْمَصَاحِفِ يُوجِبُ كَوْنَهَا قُرْآنًا وَالِاسْتِنَانُ لَا يُسَوِّغُ الْإِجْمَاعَ لِتَحَقُّقِهِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، وَالْأَحَقُّ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لِتَوَاتُرِهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَهُوَ دَلِيلُ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَلَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ ثُبُوتِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا بَلْ الشَّرْطُ فِيمَا هُوَ قُرْآنٌ تَوَاتُرُهُ فِي مَحَلِّهِ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَوْنُهُ فِي مَحَلِّهِ مِنْ الْقُرْآنِ اهـ.

وَقَوْلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ رَدٌّ لِمَا

ص: 330

لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ إلَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَلَا، كَمَا فِي الْبَسْمَلَةِ فَالْمُوجِبُ لِتَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ الْقُرْآنَ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا، وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَبِمَا تَوَاتَرَتْ فِي الْمُصْحَفِ ثَبَتَتْ قُرْآنِيَّتُهَا وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ لَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهَا، فَالتَّوَاتُرُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْقُرْآنِ تَوَاتُرُهُ فِي مَحَلِّهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ تَوَاتُرُ كَوْنِهِ قُرْآنًا، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً لَزِمَ تَكْفِيرُ مُنْكِرِهَا وَلَمْ يَتَكَافَرُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَاتِرَةً فَلَيْسَتْ قُرْآنًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (آيَةٌ) إلَى أَنَّهَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يُفْتَحُ بِهَا كُلُّ سُورَةٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ آيَاتٌ فِي السُّورَةِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْبَسْمَلَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ أَمَّا هِيَ فَبَعْضُ آيَةٍ اتِّفَاقًا وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَذْهَبِنَا حَدِيثُ «قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ» إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْبَسْمَلَةَ فَدَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَحَدِيثُ عَدَّ سُورَةَ الْمُلْكِ ثَلَاثِينَ آيَةً وَهِيَ ثَلَاثُونَ دُونَهَا وَالْكَلَامُ فِي الْبَسْمَلَةِ طَوِيلٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ، وَمُقْتَضَى كَوْنِهَا قُرْآنًا أَنْ تَحْرُمَ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ أَوْ التَّيَمُّنَ، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّهَا آيَةٌ فِي حَقِّ حُرْمَتِهَا عَلَى الْجُنُبِ لَا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا فَإِنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ.

(قَوْلُهُ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ) أَيْ قَرَأَ الْمُصَلِّي إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ مَا ذُكِرَ وَهُمَا وَاجِبَتَانِ لِلْمُوَاظَبَةِ، لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوْجَبُ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالْإِعَادَةِ بِتَرْكِهَا دُونَ السُّورَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدْ تَبِعَ فِيهِ الْفَقِيهَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَبِتَرْكِ الْوَاجِبِ تَثْبُتُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ قَالُوا كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ يَجِبُ إعَادَتُهَا فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ تَرْكِ السُّورَةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا كَتَرْكِ الْفَاتِحَةِ، نَعَمْ الْفَاتِحَةُ آكَدُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ السُّورَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي رُكْنِيَّتِهَا دُونَ السُّورَةِ وَالْآكَدِيَّةُ لَا تَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا إلَّا الْوَاجِبَ الْمُتَأَكِّدَ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالثَّلَاثُ آيَاتٍ الْقِصَارُ تَقُومُ مَقَامَ السُّورَةِ فِي الْإِعْجَازِ فَكَذَا هُنَا، وَكَذَا الْآيَةُ الطَّوِيلَةُ تَقُومُ مَقَامَهَا فَإِذَا نَقَصَ عَنْ ثَلَاثٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فَقَدْ ارْتَكَبَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَإِذَا أَتَى بِهَا خَرَجَ عَنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، فَإِنْ قَرَأَ الْقَدْرَ الْمَسْنُونَ كَمَا سَيَأْتِي فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا وَإِلَّا فَقَدْ ارْتَكَبَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَمَنْ قَالَ: خَرَجَ عَنْ الْكَرَاهَةِ إذَا قَرَأَ الْوَاجِبَ، أَرَادَ التَّحْرِيمِيَّةَ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ عَنْهَا، أَرَادَ التَّنْزِيهِيَّةَ.

(قَوْلُهُ وَأَمَّنَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ سِرًّا) لِلْحَدِيثِ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ يُفِيدُ تَأْمِينَهُمَا لَكِنْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْ النَّصَّ لَهُ، وَفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ بِالْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهُ سِيقَ لِأَجْلِهِ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «قَالَ آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ» لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّنَ " الْمُصَلِّي " أَوْ " الْجَمِيعُ " كَمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْمُنْفَرِدَ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ أَيْضًا لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ» الْحَدِيثَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ انْدَرَجَ الْمُنْفَرِدُ، وَأَطْلَقَ فِي إخْفَائِهَا فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسِّرِّيَّةَ وَكُلَّ مُصَلٍّ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي السِّرِّيَّةِ وَسَمِعَ الْمَأْمُومُ تَأْمِينَهُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَقُولُهُ هُوَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَهْرَ لَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُهَا إلَّا إذَا

ــ

[منحة الخالق]

تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْمُنْكِرِ مِنْ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي مَحَلِّهَا لَا يَسْتَلْزِمُ قُرْآنِيَّتَهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي مَحَلِّهَا أَثْبَتَ أَصْلَ قُرْآنِيَّتِهَا، وَأَمَّا كَوْنُهَا قُرْآنًا مُتَوَاتِرًا فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِقُرْآنِيَّتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ الشَّافِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ هُنَا فَلَا لِمَا عَلِمْت وَتَصْحِيحُهُ بِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ " تَوَاتُرِ " مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَبِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ وَبِهِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَبِزِيَادَةِ لَفْظَةِ " عَدَمِ " فِي قَوْلِهِ وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ

(قَوْلُهُ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ تَأْمِينِهِ لِمَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ الْمَارِّ وَالْعِلْمُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ آمِينَ يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ عَنْ الْفَاتِحَةِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ بِالْقَوْلِ الْمَعْلُومِ وُجُودُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا اهـ.

لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي التَّأْمِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُؤَمِّنُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى اهـ.

قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهِمَا بَلْ الْحُكْمُ فِي الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ كَذَلِكَ اهـ.

أَيْ: لِأَنَّ

ص: 331

سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَا مُطْلَقًا، فَلَيْسَ هُوَ كَالْإِمَامِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ، وَفِي آمِينَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: أَفْصَحُهُنَّ وَأَشْهُرُهُنَّ آمِينَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ، وَالثَّانِيَةُ: بِالْقَصْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَمَعْنَاهُ اسْتَجِبْ، وَالثَّالِثَةُ: بِالْإِمَالَةِ، وَالرَّابِعَةُ: بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ فَالْأُولَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْأَخِيرَتَانِ حَكَاهُمَا الْوَاحِدِيُّ فِي أَوَّلِ الْبَسِيطِ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ آمِينَ بِالتَّشْدِيدِ لَا تَفْسُدُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا لُغَةٌ وَلِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ مَعْنَاهُ: نَدْعُوك قَاصِدِينَ إجَابَتَك؛ لِأَنَّ مَعْنَى آمِينَ قَاصِدِينَ، وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا كَوْنَهَا لُغَةً وَحَكَمَ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْخَطَأِ فِي اسْتِعْمَالِهَا أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا وَلَا يَبْعُدُ فَسَادُ الصَّلَاةِ فِيهِمَا.

(قَوْلُهُ وَكَبَّرَ بِلَا مَدٍّ وَرَكَعَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ» مَعْنَى قَوْلِهِ بِلَا مَدٍّ: حَذْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا وَرَدَ التَّكْبِيرُ جَزَمَ بِهِ وَحَاصِلُهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ إشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهَا وَالْإِضْرَابِ عَنْ الْهَمْزَةِ الْمُفْرِطَةِ وَالْمَدِّ الْفَاحِشِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ مَدَّ أَلِفَ " اللَّهِ " لَا يَصِيرُ شَارِعًا وَخِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ كَانَ قَاصِدًا، وَكَذَا لَوْ مَدَّ أَلِفَ " أَكْبَرَ " أَوْ بَاءَهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّ أَكْبَارَ جَمْعُ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ وَقِيلَ اسْمٌ لِلشَّيْطَانِ، وَلَوْ مَدَّ هَاءَ " اللَّهِ " فَهُوَ خَطَأٌ لُغَةً، وَكَذَا لَوْ مَدَّ رَاءَهُ وَمَدَّ لَامَ " اللَّهِ " صَوَابٌ وَجَزْمُ الْهَاءِ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَقَدْ بَحَثَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ إذَا مَدَّ الْهَمْزَةَ مِنْ " اللَّهِ " تَفْسُدُ وَيَكْفُرْ إنْ تَعَمَّدَهُ لِلشَّكِّ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ لَا كُفْرٌ وَلَا فَسَادٌ اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي قَالَ: وَالرَّابِعُ التَّقْرِيرُ وَمَعْنَاهُ حَمْلُك الْمُخَاطَبَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ ثُبُوتُهُ أَوْ نَفْيُهُ وَيَجِبُ أَنْ يَلِيَهَا الشَّيْءُ الَّذِي يُقَرَّرُ بِهِ تَقُولُ فِي التَّقْرِيرِ بِالْفِعْلِ أَضْرَبْت زَيْدًا أَوْ بِالْفَاعِلِ أَأَنْتَ ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ بِالْمَفْعُولِ أَزَيْدًا ضَرَبْت كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اهـ.

وَلَيْسَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إذْ لَيْسَ هُنَا مُخَاطَبٌ كَمَا لَا يَخْفَى

ــ

[منحة الخالق]

الْمَقْصُودَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَلَكِنْ سَمِعَ تَأْمِينَ الْمُقْتَدِي مَعَهُ السَّامِعِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ تَأْمِينِ الْإِمَامِ

(قَوْلُهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ مَدَّ أَلِفَ " اللَّهِ " إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَدَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي " اللَّهِ " أَوْ فِي " أَكْبَرَ "، وَإِنْ كَانَ فِي " اللَّهِ " فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْإِكْفَارَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ شَاكٌّ فِي مَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَحَيْثُ كَانَ جَازِمًا فَلَا إكْفَارَ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ فَهُوَ صَوَابٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَالِغُ فِيهِ، فَإِنْ بَالَغَ حَتَّى حَدَثَ مِنْ إشْبَاعِهِ أَلِفٌ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، قِيلَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ وَلَا تَفْسُدُ أَيْضًا وَعَلَى قِيَاسِ عَدَمِ الْفَسَادِ فِيهِمَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْمَدُّ فِي " أَكْبَرَ " فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَهُوَ خَطَأٌ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَهَلْ يَكْفُرُ إذَا تَعَمَّدَهُ؟ قِيلَ نَعَمْ لِلشَّكِّ وَقِيلَ لَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ حَتَّى صَارَ " أَكْبَارَ " لَا يَصِيرُ شَارِعًا، وَإِنْ قَالَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَفْسُدُ، وَفِي زَلَّةِ الْقَارِئِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ يَصِيرُ شَارِعًا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَيَّدًا بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمُخَالَفَةَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَقَدْ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشُّرُوعُ بِهِ أَيْضًا كَذَا فِي شَرْحِ الْأُسْتَاذِ عَلَى الْهِدَايَةِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ

(قَوْلُهُ وَخِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ كَانَ قَاصِدًا) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَصْدِ مَدِّ الْهَمْزَةِ لَا يُوجِبُ كُفْرًا بَلْ إذَا قَصَدَ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ الْمُقْتَضِي سَبْقَ الشَّكِّ اهـ.

تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمِعْرَاجِ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَدَّ أَلِفَ " أَكْبَرُ " تَكَلَّمُوا فِي كُفْرِهِ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَا نَصُّهُ: لِأَنَّهُ إنْ لَزِمَ الْكُفْرُ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا كَانَ كَلَامًا فِيهِ احْتِمَالُ الْكُفْرِ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا شَرْعًا لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى كَلَامٍ مَنْفِيٍّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] تَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ لَا فِي كَلَامِ مُثْبَتٍ ظَاهِرٍ كَذَا قِيلَ وَأَيْضًا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَا يَحْتَمِلُ الْمَدَّ اهـ.

قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُ هَذَا الْقِيلِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّقْرِيرِ دُخُولُهُ عَلَى مَنْفِيٍّ لِمَا أَنَّهُ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَمْرٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ ثُبُوتُهُ أَوْ نَفْيُهُ بَلْ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ دُخُولُهُ عَلَى الْمُثْبَتِ وَلِذَا أَوَّلُو التَّقْرِيرَ فِي {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ وَالْهَمْزَةُ فِيهَا لَيْسَتْ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا لِلْإِنْكَارِ الْإِبْطَالِيِّ، وَإِنْكَارُ النَّفْيِ نَفْيٌ لَهُ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]

(قَوْلُهُ أَوْ بَاءَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي الْقُنْيَةِ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ إشْبَاعٌ، وَهُوَ لُغَةُ قَوْمٍ، وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الشِّعْرِ وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ كَبِيرٍ، وَفِي الْمُبْتَغَى لَا تَفْسُدُ وَقِيلَ تَفْسُدُ قَالَ الْحَلَبِيُّ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْفَسَادِ وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ صِحَّةُ الشُّرُوعِ بِهِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى زَلَّةِ الْقَارِئِ لِلشَّهِيدِ لَوْ قَالَ " اللَّهُ أَكْبَارٌ " يَصِيرُ شَارِعًا قُلْتُ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُخَالَفَةَ اهـ.

أَقُولُ: إذَا كَانَ جَمْعًا لِلْكَبِيرِ فَلَا أَثَرَ لِإِرَادَتِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي اللَّفْظِ فَقَطْ

ص: 332

لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُطَوَّلِ أَنَّ التَّقْرِيرَ يُقَالُ عَلَى التَّحَقُّقِ وَالثُّبُوتِ وَيُقَالُ عَلَى حَمْلِك الْمُخَاطَبَ. . . إلَى آخِرِهِ، وَلَعَلَّ الْأَكْمَلَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ الْقُدُورِيَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْوَاوِ، وَفِي قَوْلِهِ وَرَكَعَ الْمُحْتَمِلُ لِلْمُقَارَنَةِ وَضِدِّهَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَهْوِي وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ.

قَالُوا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِئَلَّا تَخْلُوَ حَالَةُ الِانْحِنَاءِ عَنْ الذِّكْرِ وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْخُرُورِ وَابْتِدَاؤُهُ عِنْدَ أَوَّلِ الْخُرُورِ وَفَرَاغُهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ هُوَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْجَامِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَرَاغُهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ يَرْكَعُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مُنْتَصِبٌ يُصَلِّي هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ اهـ.

وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا حَكَاهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ الْقِرَاءَةَ حَالَةَ الْخُرُورِ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَا بَقِيَ مِنْ الْقِرَاءَةِ حَرْفًا أَوْ كَلِمَةً لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ أَنَّ مِنْهَا أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ.

(قَوْلُهُ وَرَكَعَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ) لِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ مِنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ عليه السلام أَشَارَ إلَى أَنَّ التَّطْبِيقَ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخٌ، وَهُوَ أَنْ يَضُمَّ إحْدَى الْكَفَّيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَإِحْنَاؤُهُمَا شَبَهَ الْقَوْسِ كَمَا يَفْعَلُ عَامَّةُ النَّاسِ مَكْرُوهٌ، ذَكَرَهُ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُفَرِّجُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ الْأَخْذِ بِالرُّكَبِ وَلَا يُنْدَبُ إلَى التَّفْرِيجِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَا إلَى الضَّمِّ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى الْعَادَةِ (قَوْلُهُ وَبَسَطَ ظَهْرَهُ وَسَوَّى رَأْسَهُ بِعَجُزِهِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَلِهَذَا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالسُّنَّةُ فِي الرُّكُوعِ إلْصَاقُ الْكَعْبَيْنِ وَاسْتِقْبَالُ الْأَصَابِعِ لِلْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ وَسَبَّحَ فِيهِ ثَلَاثًا) أَيْ فِي رُكُوعِهِ بِأَنْ يَقُولَ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " ثَلَاثًا لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ»

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» .

، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» وَظَاهِرُ هَذَا الْأَمْرِ الْوُجُوبُ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ رُكْنٌ لَوْ تَرَكَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْبَدَائِعِ عَنْهُ: أَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْ الثَّلَاثِ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ قَالَ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ التَّسْبِيحِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ مَعَ كَوْنِ التَّسْبِيحِ سُنَّةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ اهـ.

وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ فِي جَعْلِ التَّسْبِيحِ سُنَّةً بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي جَعْلِهِ وَاجِبًا وَالْمُوَاظَبَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ حَالِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْأَمْرُ بِهِ مُتَظَافِرَانِ عَلَى الْوُجُوبِ فَيَنْبَغِي إذَا تَرَكَهُ سَهْوًا أَنْ يَجِبَ السُّجُودُ وَإِذَا تَرَكَهُ عَمْدًا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ وَنَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَالتَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ وَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَاجِبٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَحْمَدَ إلَّا أَنَّهُ إنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَسَهْوًا لَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. اهـ.

وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عِنْدَنَا لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَهُوَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ، وَالْمُوَاظَبَةُ لَمْ تُنْقَلْ صَرِيحًا وَهَذَا الصَّارِفُ مَنَعَ مِنْ الْقَوْلِ بِهَا ظَاهِرًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ تَرَكَ التَّسْبِيحَاتِ أَصْلًا أَوْ نَقَصَ عَنْ الثَّلَاثِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمُسْتَحَبِّ

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» فَقِيلَ: كَمَالُ السُّنَّةِ، وَقِيلَ أَدْنَى كَمَالِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَلَعَلَّ الْأَكْمَلَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا اهـ.

يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَنْزِيلِ مُخَاطَبٍ يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَاصِلَ مَا مَرَّ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ حَقِيقِيٌّ وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ تَقْرِيرًا أَنْ يَصِحَّ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ هُوَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْجَامِعِ) أَيْ لَيْسَ مُوَافِقًا فِي اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُنَافَاةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ الْجَامِعِ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ) أَقُولُ: هُوَ مِنْ عُلَمَاءُ الْحَنَابِلَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّهُ عليه السلام لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْأَعْرَابِيِّ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ عليه السلام عَلَّمَهُ الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ كُلِّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

ص: 333

التَّسْبِيحِ، وَقِيلَ: أَدْنَى الْقَوْلِ الْمَسْنُونِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَعَلَى كُلٍّ فَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ أَفْضَلُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى وِتْرٍ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُطِيلَ عَلَى وَجْهٍ يَمَلُّ الْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّنْفِيرِ وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَوْ كَانَ إمَامًا يَقُولُهَا ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُهَا أَرْبَعًا حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُقْتَدِي مِنْ الثَّلَاثِ، وَلَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي لَا تَقَرُّبًا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا: قَالَ أَبُو يُوسُفَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخْشَى عَلَيْهِ أَمْرًا عَظِيمًا يَعْنِي الشِّرْكَ

وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُهُمْ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَاعْتَقَدَ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْمُنْتَظِرُ مُشْرِكًا يُبَاحُ دَمُهُ فَأَفْتَى بِإِبَاحَةِ دَمِهِ وَهَكَذَا ظَنَّ صَاحِبُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَلَا يَكْفُرُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَلِطَ وَلَمْ يُرِدْهُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرَادَ أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الشِّرْكَ فِي عَمَلِهِ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْطَعْ بِالرِّيَاءِ فِي عَمَلِهِ لِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا بَاسَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ الْإِشْرَاكِ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] الْآيَةَ وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَكْفُرُ، ثُمَّ نَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ أَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ حَسَنٌ وَعَنْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَعْرِفَ الْجَائِيَّ فَلَا أَوْ لَا فَنَعَمْ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِغَيْرِ التَّسْبِيحَاتِ وَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّوَافِلِ تَهَجُّدًا أَوْ غَيْرَهُ، لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّسْبِيحَاتِ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمُقْتَدِي التَّشَهُّدَ فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.

(قَوْلُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا الرَّفْعِ فِي عَدِّ الْوَاجِبَاتِ (قَوْلُهُ وَاكْتَفَى الْإِمَامُ بِالتَّسْمِيعِ وَالْمُؤْتَمُّ وَالْمُنْفَرِدُ بِالتَّحْمِيدِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» فَقَسَمَ بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَحُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْمُقْتَدِي يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ أَيْضًا وَحَكَاهُ الْأَقْطَعُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ نَقَلَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَوَّلَ عَلَيْهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرُ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ حَثٌّ لِمَنْ خَلْفَهُ عَلَى التَّحْمِيدِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ لِيَحُثَّهُ عَلَيْهِ فَلَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ.

الثَّالِثُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا مَحْمَلَ لَهُ سِوَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَقَيَّدَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِانْفِرَادِهِ بِصَلَاةِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْفَرْضِ، وَحَيْثُ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا رَأَيْت فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ فَالْمُرَجِّحُ مِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ مَا فِي الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ أَمَّا الْمُنْفَرِدُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فِي الْجَوَابِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.

وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّسْمِيعِ حَالَةَ الرَّفْعِ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ، وَقَدْ قِيلَ: يَأْتِي بِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّسْمِيعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَمَعْنَاهُ قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ

وَقِيلَ أَجَابَ، وَقِيلَ غَفَرَ لَهُ وَالْهَاءُ فِي حَمِدَهُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: قَدْ رَأَيْت ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ فَفِي السِّرَاجِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا الْأَصَحُّ عَلَى قَوْلِ الرَّازِيّ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَنْ يَقْتَصِرَ الْمُنْفَرِدُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَتَصْحِيحُ الْهِدَايَةِ أَوْلَى. اهـ.

وَسَيَأْتِي أَنَّهُ الْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَإِنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ قَالُوا مَا عَدَا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا.

ص: 334

لِلْكِنَايَةِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الْحَمِيدِيَّةِ أَنَّهَا لِلسَّكْتَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْمِيدِ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ: أَفْضَلُهَا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَيَلِيه: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَيَلِيه: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَيَلِيه الْمَعْرُوفُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، فَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ لَا عَلَى الْكُلِّ كَمَا لَا يَخْفَى لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ تُوجِبُ الْأَفْضَلِيَّةَ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا: فَقِيلَ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: عَاطِفَةٌ تَقْدِيرُهُ رَبَّنَا حَمِدْنَاك وَلَك الْحَمْدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَالَ الِارْتِفَاعِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذُكِرَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الرَّفْعِ تَكْبِيرٌ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ وَرَوْضَةٍ النَّاطِفِيِّ أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَةَ الِارْتِفَاعِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا كَانُوا يُكَبِّرُونَ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» كَمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ الذِّكْرُ الَّذِي فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْفِيقًا، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى.

(قَوْلُهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ بِعَكْسِ النُّهُوضِ) كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ عليه السلام كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ عليه السلام إذَا سَجَدَ وَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ» وَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ يَضَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَنْفَهُ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَإِذَا أَرَادَ الرَّفْعَ يَرْفَعُ أَوَّلًا جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أَنْفَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَمَّا إذَا كَانَ مُتَخَفِّفًا فَإِنَّهُ يَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى (قَوْلُهُ وَسَجَدَ بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) أَيْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا لِتَحْصِيلِ الْأَكْمَلِ وَالْأَنْفُ اسْمٌ لِمَا صَلُبَ

، وَأَمَّا مَا لَانَ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِهِمْ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْجَبْهَةُ اسْمٌ لِمَا يُصِيبُ الْأَرْضَ مِمَّا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ حَالَةَ السُّجُودِ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا مَا اكْتَنَفَهُ الْجَبِينَانِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ السُّجُودُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ لِطَأْطَأَةِ الرَّأْسِ وَالِانْحِنَاءِ وَلِلْخُضُوعِ وَلِلتَّوَاضُعِ وَلِلْمَيْلِ كَسَجَدَتْ النَّخْلَةُ: مَالَتْ، وَلِلتَّحِيَّةِ كَالسُّجُودِ لِآدَمَ تَكْرِمَةً لَهُ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: وَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ فَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ وَالصَّدْغُ وَمُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَيْهَا

وَإِنْ كَانَ مِنْ عُذْرٍ بَلْ مَعَهُ يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ تَعَالَى {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] مَعَ أَنَّ الذَّقَنَ لَيْسَ مَحَلَّ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ السَّاجِدَ أَوَّلَ مَا يَلْقَى بِهِ الْأَرْضَ مِنْ وَجْهِهِ الذَّقَنُ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَوَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ يَتَحَقَّقُ بِالْأَنْفِ كَمَا فِي الْجَبْهَةِ فَيَجُوزُ بِالْجَبْهَةِ وَحْدَهَا اتِّفَاقًا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ: مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عِنْدَهُمَا إلَّا بِوَضْعِهِمَا فَخِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ بِالْجَبْهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ لِلْإِمَامِ رحمه الله؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السُّجُودُ، وَهُوَ مَا قُلْنَا

وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلَا يَكُفُّ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ» فَلَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعًا وَظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَ " أُمِرْت " مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبُ هُوَ الْأَعَمُّ بِمَعْنَى طُلِبَ مِنِّي ذَلِكَ أَوْ فِي النَّدْبِ أَوْ فِي الْوُجُوبِ فَقَوْلُهُمَا بِالِافْتِرَاضِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُمَا يَمْنَعَانِهِ فِي الْأُصُولِ كَأَبِي حَنِيفَةَ فَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْفَتْوَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِهِمَا، لَمْ يُوَافِقْهُ دِرَايَةٌ وَلَا الْقَوِيُّ مِنْ الرِّوَايَةِ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمَا " لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ " عَلَى وُجُوبِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ فَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا، وَالْأَصَحُّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ بِلَا عُذْرٍ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ اهـ.

وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، ثُمَّ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ قَوْلَهُمَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْمَجْمَعِ: وَرُوِيَ عَنْهُ قَوْلُهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْحَقَائِقِ وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِهِمَا، قَالَ فِي الْعُيُونِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي دُرَرِ الْبِحَارِ: وَالْفَتْوَى رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ اهـ.

وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْحَصْكَفِيِّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَشُرُوحِهِ وَالْوِقَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَالْجَوْهَرَةِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْعُيُونِ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ رِوَايَةُ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ " غَيْرُ ضَائِرَةٍ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ وَالْإِشَارَةُ إلَى الْجَبْهَةِ تَقَعُ بِتَقْرِيبِ الْيَدِ إلَى جِهَةِ الْأَنْفِ لِلتَّقَارُبِ (وَقَوْلُهُ لَمْ يُوَافِقْهُ دِرَايَةٌ إلَخْ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا لِمَا عَلِمْت مِمَّا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ بِأَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ السُّجُودُ الشَّرْعِيُّ فَيَكُونُ مُجْمَلًا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَمُجْمَلُ الْكِتَابِ إذَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ يَكُونُ الْمُبَيَّنُ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السُّجُودَ اللُّغَوِيَّ أَيْضًا مُجْمَلٌ لِتَعَدُّدِ مَعَانِيهِ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ هَذَا لَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمَا لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُتُبَ الْمَذْهَبِ مَشْحُونَةٌ

ص: 335

الْجَمْعِ كَانَ أَحْسَنَ إذْ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِنَاءً عَلَى مَا حَمَلْنَا الْكَرَاهَةَ مِنْهُ عَلَيْهِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَخْرُجَا عَنْ الْأُصُولِ اهـ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فَقَوْلُ الْإِمَامِ بِكَرَاهَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ الْمُرَادُ بِهَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ فِي مُقَابَلَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَقَوْلُهُمَا لِعَدَمِ الْجَوَازِ الْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْحِلِّ، وَهُوَ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَالْمُوَاظَبَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ بِالْأَرْضِ» ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ كَالْجَبْهَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمَنْقُولَةَ تَعُمُّهُمَا مَعَ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَالِاخْتِيَارِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ بِتَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَكُرِهَ أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْجَبْهَةَ أَوْ الْأَنْفَ وَهِيَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُنْصَرِفَةٌ إلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَهَكَذَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِنَا:" مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ " مَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ مَعَ رَفْعِهِمَا بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَيَكْفِيه وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَلَوْ لَمْ يَضَعْ الْأَصَابِعَ أَصْلًا وَوَضَعَ ظَهْرَ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْقَدَمِ بِوَضْعِ الْأُصْبُعِ وَإِذَا وَضَعَ قَدَمًا وَرَفَعَ آخَرَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا أَفَادَهُ قَاضِي خَانْ وَذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ وَضْعَهُمَا سُنَّةٌ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةً وَالْأَوْجَهُ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ هُوَ الْوُجُوبُ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً لِمَا سَبَقَ مِنْ الْحَدِيثِ

وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ وَضْعَهُمَا فَرْضٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ افْتِرَاضِ وَضْعِهِمَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ فَتْوَى مَشَايِخِنَا، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الِافْتِرَاضَ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ إنَّمَا أَفَادَ وَضْعَ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالظَّنِّيُّ الْمُتَقَدِّمُ لَا يُفِيدُهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَاهُ وَمُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ الْوُجُوبُ، وَقَدْ اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِمُوَافَقَتِهِ الْأُصُولَ، وَإِنْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا بِالسُّنِّيَّةِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى: سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ يَجُوزُ اهـ.

وَظَاهِرُ مَا فِي التَّجْنِيسِ

ــ

[منحة الخالق]

بِنَصْبِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، وَهُوَ يُبْعِدُ الْحَمْلَ عَلَى الِاتِّفَاقِ بِمَا ذُكِرَ بِمَرَاحِلَ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَتَبِّعِ، كَيْفَ وَلَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَيُكْرَهُ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رحمه الله، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ.

(قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ) أَيْ عَدَمُ كَرَاهَةِ تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ، قَالَ فِي النَّهْرِ: لَوْ حُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ فِي رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَهَا عَلَى التَّنْزِيهِ وَمَنْ نَفَاهَا عَلَى التَّحْرِيمِيَّةِ لَارْتَفَعَ التَّنَافِي، وَعِبَارَتُهُ فِي السِّرَاجِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهُمَا اهـ.

لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَفِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْجَبْهَةِ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَنْفِ عُذْرٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ فِي مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَأَنَّهُ بِهِ يُفْتَى، وَفِي الِاخْتِيَارِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى جَبْهَتِهِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إسَاءَةَ بَعْدَ أَنْ قَالَ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَنْفِ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ اهـ كَلَامُهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ.

وَيُبْعِدُ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ قَوْلُ الْمَتْنِ وَكُرِهَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ نَظَرًا إلَى تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ لَكِنْ سَيَأْتِي حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى طَلَبِ الْكَفِّ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِنَا " مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ " مَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ وَضْعَ الْقَدَمَيْنِ مِنْ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُهُ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِهِ بِالْجَبْهَةِ أَوْ الْأَنْفِ وَإِذَا كَانَ مِنْ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَسَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ وَعَلَى أَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ يَجْرِي فِي الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَمَا وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ؟ وَفِي الْعِنَايَةِ ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ اهـ.

قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ ذِكْرِ صَاحِبِ الدُّرَرِ ذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُصَفَّى وَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السُّجُودُ عَلَى الْوَجْهِ، وَهُوَ بِكُلِّهِ مُتَعَذِّرٌ فَكَانَ الْمُرَادُ بَعْضَهُ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى مُقَابِلِهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ، ثُمَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ آنِفًا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِأَنَّ عَدَمَ الْفَرْضِيَّةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَازِ الْحِلُّ اهـ.

لَكِنَّ الْعَلَّامَةَ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيَّ قَدْ رَدَّ مَا قَالَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَحَقَّقَ فَرْضِيَّةَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا تَبَعًا لِلْمُنْيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ الْقَدَمِ وَضْعُ أَصَابِعِهِ مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ فَرَاجِعِهِ مُتَأَمِّلًا، وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ: أَنْ يُحَرِّفَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي السُّجُودِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ الْإِجْمَالِ فِي الْآيَةِ مَعَ بَيَانِ السُّنَّةِ لَهَا (قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَى قَوْلِهِ كَمَا لَا يَخْفَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا الْحَمْلُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الطَّرَفَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ مُنْتَهَى كُلِّ شَيْءٍ كَذَا ذَكَرَهُ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ التُّمُرْتَاشِيُّ قَالَ فَيُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَقُولُ: الَّذِي فِي الْقَامُوسِ وَالطَّرَفُ مُحَرَّكًا النَّاحِيَةُ وَالطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ

ص: 336

يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا وَضَعَ مِنْ الْجَبْهَةِ مِقْدَارَ الْأَنْفِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ عُضْوٌ كَامِلٌ وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْجَبْهَةِ لَيْسَ بِعُضْوٍ كَامِلٍ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا اهـ

إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الطَّرَفُ عَلَى الْأَكْثَرِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا أَوْ بِكَوْرِ عِمَامَتِهِ) أَيْ كُرِهَ السُّجُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ دَوْرُهَا يُقَالُ كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا دَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَهَذِهِ الْعِمَامَةُ عَشَرَةُ أَكْوَارٍ وَعِشْرُونَ كَوْرًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ» وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَسَنُ كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، وَمَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ رَاجِعٌ إلَيْهِ وَإِلَّا فَتَرْكُ التَّعْظِيمِ أَصْلًا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ هُنَا تَنْبِيهًا حَسَنًا، وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ إذَا كَانَ الْكَوْرُ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْيِينِهَا وَلَا أَنْفُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْيِينِهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ لِعَدَمِ السُّجُودِ عَلَى مَحَلِّهِ

وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يَتَسَاهَلُ فِي ذَلِكَ وَيَظُنُّ الْجَوَازَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِنَقْلِ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ فَلَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَوَانَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسْجُدُ، وَقَدْ اعْتَمَّ عَلَى جَبْهَتِهِ فَحَسَرَ عَنْ جَبْهَتِهِ» إرْشَادًا لِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَمَّا مَعَهُ فَلَا، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اشْتِبَاهٌ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْكَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَفِي السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ وَاحِدَةً، وَقَدْ حَقَّقْنَا أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الْأَوَّلِ تَنْزِيهِيَّةٌ فِي الثَّانِي فَيُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ فِعْلِهَا طَلَبًا غَيْرُ جَازِمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْفِعْلِ إثْمٌ أَوْ لَا، وَأَشَارَ بِالْكَوْرِ إلَى أَنَّ كُلَّ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ مُتَّصِلٌ بِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ يَعْنِي الصِّحَّةَ كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى فَاضِلِ ثَوْبِهِ أَوْ كُمِّهِ عَلَى مَكَان ظَاهِرٍ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ إذَا بَسَطَ كُمَّهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ إنْ بَسَطَ لِيَقِيَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ تَكَبُّرٌ

وَإِنْ بَسَطَ لِيَقِيَ التُّرَابَ عَنْ عِمَامَتِهِ أَوْ ثِيَابِهِ لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِهِ وَنَصَّ قَاضِي خَانْ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةً، وَفِي الزَّادِ: وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كُمِّهِ إنْ كَانَ ثَمَّةَ تُرَابٌ أَوْ حَصَاةٌ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَقَصَدَ التَّرَفُّعَ فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا وَيُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَرَفُّعًا وَلَمْ يَخَفْ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى خِلَافِ الْأُولَى وَكَلِمَةُ لَا بَأْسَ فِيمَا تَرَكَهُ أَوْلَى وَيُحْمَلُ مَا فِي الزَّادِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَرَفُّعًا وَخَافَ الْأَذَى فَيَكُونُ مُبَاحًا، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ مَا تَحْتَهُ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَسَطَ كُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْأَوْلَى كَالسَّجَّادَةِ وَالْحَصِيرِ، وَذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ كَالْمُفْتِي تَرْكُ السَّجَّادَةِ حَتَّى لَا يَحْمِلَ الْعَوَامَّ عَلَى مَا فِيهِ حَرَجٌ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَحَمَلَهُ الْبَزَّازِيُّ عَلَى زَمَانِهِمْ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْأَوْلَى الصَّلَاةُ عَلَيْهَا لِمَا أَنَّ النَّاسَ تَهَاوَنُوا فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالْأَصْلُ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ عَلَى مَا هُوَ بِمَعْنَى الْأَرْضِ مِمَّا تَجِدُ جَبْهَتُهُ حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ وَتَفْسِيرُ وِجْدَانِ الْحَجْمِ أَنَّ السَّاجِدَ لَوْ بَالَغَ لَا يَتَسَفَّلُ رَأْسُهُ أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ فَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَالْحَصِيرَةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسَّرِيرِ وَالْعَجَلَةِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ حَجْمَ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ قَرَارَهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْحَيَوَانِ كَالْبِسَاطِ الْمَشْدُودِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ

وَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ إنْ كَانَ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ

ــ

[منحة الخالق]

وَمِثْلُهُ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ الطَّرَفُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَالْحَمْلُ حُجَّةٌ وَالتَّوْفِيقُ مُمْكِنٌ لَا بُعْدَ فِيهِ إذْ مِثْلُهُ وَقَعَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ

ص: 337

مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَالْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الصَّلَاةِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ وَجَدَ فُرْجَةً لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَقَيَّدَ فِي الْوَاقِعَاتِ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمَا مُتَّحِدَةً حَتَّى لَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَشَرَطَ فِي الْمُجْتَبَى شَرْطًا آخَرَ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ سَاجِدًا عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ سَاجِدٍ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ لَا يَجُوزُ فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ لِبَدٌ إنْ وَجَدَ حَجْمَ الْمَيِّتِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَجِدُ حَجْمَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى اللِّبَدِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْأَرُزِّ أَوْ الْجَاوْرَسِ أَوْ الذُّرَةِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَرُزُّ فِي الْجَوَالِقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ الْحَجْمَ بِوَاسِطَةِ انْكِبَاسِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي

وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الثَّلْجِ إنْ لَمْ يُلَبِّدْهُ وَكَانَ يُغَيِّبُ وَجْهَهُ وَلَا يَجِدُ حَجْمَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَبَّدَ جَازَ، وَكَذَا إذَا أَلْقَى الْحَشِيشَ فَسَجَدَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ عَلَيْهِ حَجْمَهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا فِي التِّبْنِ وَالْقُطْنِ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ جَوَازُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الطَّرَّاحَةِ الْقُطْنِ، فَإِنْ وَجَدَ الْحَجْمَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ وَطَرَفِ الْقَلَنْسُوَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ أَرْفَعُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ مِقْدَارَ لَبِنَتَيْنِ مَنْصُوبَتَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ أَرَادَ لَبِنَةَ بُخَارَى، وَهُوَ رُبْعُ ذِرَاعٍ. اهـ.

وَفِي التَّجْنِيسِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ إنْ كَانَ أَكْثَرَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَعْزِيًّا إلَى نُصَيْرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَصْدُقُ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَكْثَرِهَا كَمَا قَالُوا: يَكْفِي فِي الْقَدَمَيْنِ وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ جَازَ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ نُصَيْرٍ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ، نَعَمْ، وَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَرْضِ

وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَكْثَرَ شَرْطٌ فَيَجِبُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا أَصَابَ الْحَجَرَ وَالْأَرْضَ يَبْلُغُ أَكْثَرَهَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا أَصَابَ الْحَجَرَ أَصْلًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَائِلِ تَبَعًا؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ لَوْ كَانَ بَعْضَهُ فَإِنْ كَانَ كَفَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ فَخِذَهُ يَجُوزُ بِعُذْرٍ لَا بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ رُكْبَتَهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْلَمُ لَكِنْ إنْ كَانَ بِعُذْرٍ كَفَاهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْإِيمَاءِ وَكَانَ عَدَمُ الْخِلَافِ فِيهِ لِكَوْنِ السُّجُودِ يَقَعُ عَلَى حَرْفِ الرُّكْبَةِ، وَهُوَ لَا يَأْخُذُ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْفَسَادِ عَلَى الْكَفِّ وَالْفَخِذِ (قَوْلُهُ وَأَبْدَى ضَبْعَيْهِ) أَيْ أَظْهَرَ عَضُدَيْهِ وَالضَّبُعُ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ: الْعَضُدُ وَقِيلَ وَسَطُهُ بَاطِنُهُ كَذَا فِي الْمُغَرِّبِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الثَّانِي لِلدَّلِيلِ الْآتِي وَلِأَنَّهُ الْمَسْنُونُ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ: سُكُونُ الْبَاءِ وَضَمُّهَا وَذَكَرَ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ أَنَّ الضَّبُعَ بِالسُّكُونِ الْعَضُدُ وَالضَّبُعُ بِالضَّمِّ الْأُنْثَى مِنْ الضِّبَاعِ وَيُقَالُ لِلسَّنَةِ الْمُجْدِبَةِ

، وَإِنَّمَا يُظْهِرُهُمَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك وَارْفَعْ مَرْفِقَيْك» ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يُبْدِيهِمَا حَذَرًا مِنْ إيذَاءِ جَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِيذَاءِ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّفِّ زِحَامٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَتَابَعَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُمَا الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ لَا يَحْصُلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْمُجَافَاةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ إظْهَارِ الْعَضُدَيْنِ (قَوْلُهُ وَجَافَى.

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالْجَاوَرْسُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَوَاوٌ مَفْتُوحَةٌ وَرَاءٌ سَاكِنَةٌ قِيلَ هُوَ الدُّخْنُ وَقِيلَ هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ صِغَارُ الْحَبِّ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ يَنْبُتُ بِالْغَرْبِ وَبِلَادِ الْهِنْدِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلشَّافِعِيَّةِ.

(قَوْلُهُ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَضْعُ جَمِيعِ أَطْرَافِ الْجَبْهَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْجَبْهَةِ جَازَ وَإِنْ قَلَّ، كَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَائِلِ تَبَعًا) أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ كَوْرَ الْعِمَامَةِ مِمَّا هُوَ لَيْسَ بَعْضًا مِنْ السَّاجِدِ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْلَمُ) يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ذَكَرَ الْبَزْدَوِيُّ لَوْ سَجَدَ عَلَى إحْدَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ كُمَّيْهِ جَازَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَقَالَ الْحَسَنُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ عَلَى فَخْذَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ بِعُذْرٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ وَكَأَنَّ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنْ عَنَى بِالْوَاجِبِ الْفَرْضَ نَافَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ يُوجَدُ بِوَضْعٍ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ اقْتَضَى أَنَّهُ يَصِحُّ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُؤَيَّدَةٌ بِمَا مَرَّ عَنْ نُصَيْرٍ اهـ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ فَلَوْ عَزَاهُ إلَيْهِ لَتَخَلَّصَ مِنْ رِبْقَةِ الْإِشْكَالِ.

(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ظَاهِرُ مَا فِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ فِي الْعَضُدِ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ وَفِي الْحَيَوَانِ بِهِ وَبِالضَّمِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجَافَى

ص: 338

بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ)

أَيْ بَاعَدَهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بُهَيْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّتْ» وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ عليه الصلاة والسلام «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخْذَيْهِ» وَبُهَيْمَةٌ تَصْغِيرُ بَهْمَةٍ وَلَدُ الشَّاةِ بَعْدَ السَّخْلَةِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا تَضَعُهُ أُمُّهُ يَكُونُ سَخْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ بَهْمَةً وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمُكَبَّرِ

فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّصْغِيرُ، قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِبْدَاءِ وَالْمُجَافَاةِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ فَلَا تَعْتَمِدُ الْأَعْضَاءُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا ضِدُّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنْ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ الِاتِّحَادُ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ وَلِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَبْعَدُ مِنْ هَيْئَاتِ الْكَسَالَى فَإِنَّ الْمُنْبَسِطَ يُشْبِهُ الْكَلْبَ وَيُشْعِرُ بِالتَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا (قَوْلُهُ وَوَجَّهَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضَهُمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» وَنَصَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَجِّهْ الْأَصَابِعَ نَحْوَهَا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَلَا قَابِضَهُمَا» أَنَّهُ نَاشِرٌ أَصَابِعَهُ عَنْ بَاطِنِ كَفَّيْهِ بِدَلِيلِ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ فَنَشَرَ أَصَابِعَهُ مِنْ الطَّيِّ ضَامًّا بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ» وَمِنْ هُنَا نَصَّ مَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كُلَّ الضَّمِّ فِي السُّجُودِ.

قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي السُّجُودِ فَبِالضَّمِّ يَنَالُ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ وَسَبَّحَ فِيهِ ثَلَاثًا) أَيْ فِي السُّجُودِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ وَتَلْزَقُ بَطْنَهَا بِفَخْذَيْهَا) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي عَشْرِ خِصَالٍ تَرْفَعُ يَدَيْهَا إلَى مَنْكِبَيْهَا وَتَضَعُ يَمِينَهَا عَلَى شِمَالِهَا تَحْتَ ثَدْيَيْهَا وَلَا تُجَافِي بَطْنَهَا عَنْ فَخْذَيْهَا وَتَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى فَخْذَيْهَا تَبْلُغُ رُءُوسُ أَصَابِعِهَا رُكْبَتَيْهَا وَلَا تَفْتَحُ إبْطَيْهَا فِي السُّجُودِ وَتَجْلِسُ مُتَوَرِّكَةً وَلَا تُفَرِّجُ أَصَابِعَهَا فِي الرُّكُوعِ وَلَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَتُكْرَهُ جَمَاعَتُهُنَّ وَتَقُومُ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ اهـ.

وَيُزَادُ عَلَى الْعَشْرِ أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ أَصَابِعَ الْقَدَمَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهَا الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهَا الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّة بَلْ قَدَّمْنَاهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالْفَسَادِ إذَا جَهَرَتْ لَأَمْكَنَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَالتَّتَبُّعُ يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ الْحَصْرِ.

(قَوْلُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا وَجَلَسَ مُطْمَئِنًّا) يَعْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ مَسْنُونٌ

ــ

[منحة الخالق]

بَطْنَهُ إلَخْ) قَالَ الْفَاضِلُ الْبُرْجَنْدِيُّ فَلَعَلَّهُ أَيْ صَاحِبَ الْكَافِي أَرَادَ بِعَدَمِ الْمُجَافَاةِ عَدَمَ إبْدَاءِ الضَّبُعَيْنِ اهـ.

قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي أَقُولُ: هَذِهِ الْإِرَادَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فَلَا تَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَقَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ بَيْنَهُمَا تَلَازُمًا عَادِيًّا قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي أَقُولُ: دَعْوَى الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ كَانَ «إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ» الَّذِي فِي الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ بِدُونِ زِيَادَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوَجَّهَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فِي سُجُودِهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ كَمَا عَدَّهُ فِي زَادِ الْفَقِيرِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي عَنْ التَّجْنِيسِ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ تَوْجِيهُ الْأَصَابِعِ كَذَلِكَ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَجِّهْ يُكْرَهُ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي فِي سُنَنِ السُّجُودِ: وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَنَامِلِ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ اهـ.

وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ انْحِرَافُ أَصَابِعِهِمَا عَنْ الْقِبْلَةِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ فَتَوْجِيهُهَا نَحْوَهَا سُنَّةٌ كَمَا فِي الْجَلَّابِيِّ اهـ.

أَقُولُ: وَصَرَّحَ بِالسُّنِّيَّةِ فِي الضِّيَاءِ أَيْضًا وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ وَضْعَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي السُّجُودِ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا فِي تَوْجِيهِ الْأَصَابِعِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَنَا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَمِنْهَا أَيْ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ: السُّجُودُ وَيَكْفِي فِيهِ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا الْأَنْفُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا: تَوْجِيهُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَوَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقَدَمَيْنِ اهـ.

فَانْظُرْ حَيْثُ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْقَدَمَيْنِ أَيْ فِي وَضْعِهِمَا دُونَ تَوْجِيهِ الْأَصَابِعِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا، وَكَذَا اخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ كَوْنَ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَاجِبًا، ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا مِنْ سُنَنِ السُّجُودِ تَوْجِيهَ الْأَصَابِعِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَ هُنَا فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ أَيْضًا فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ الْجَلِيلَةَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

(قَوْلُهُ وَتَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى فَخْذَيْهَا إلَخْ) أَيْ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الرَّجُلِ كَمَا سَيَأْتِي وَحَمَلَهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَالَ

ص: 339

وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا وُجُوبُهَا لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا إنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الدِّرَايَةِ فَمُسَلَّمٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْمُوَاظَبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَلَا، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُونَ بِالسُّنِّيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، وَكَذَا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَمَا وَرَدَ فِيهِمَا مِنْ الدُّعَاءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجُّدِ، قَالَ يَعْقُوبُ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الْفَرِيضَةِ أَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي قَالَ يَقُولُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَسَكَتَ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَقَدْ أَحْسَنَ حَيْثُ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ صَرِيحًا مِنْ قُوَّةِ احْتِرَازِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِقْدَارَ الرَّفْعِ الَّذِي يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَإِنَّ فِيهِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، صَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُشْكِلُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ رَفْعٌ يَجُوزُ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّفْعِ، وَالرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِقْدَارَ مَا يَمُرُّ الرِّيحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَازَ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي أَنَّهَا تَعُودُ إلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ الْمُصَحَّحَةِ فِي الْمُحِيطِ وَاخْتَارَهَا فِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا الْقِيَاسُ لِتَعَلُّقِ الرُّكْنِيَّةِ بِالْأَدْنَى فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ

(قَوْلُهُ وَكَبَّرَ وَسَجَدَ مُطْمَئِنًّا) وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الطُّمَأْنِينَةِ (قَوْلُهُ وَكَبَّرَ لِلنُّهُوضِ بِلَا اعْتِمَادٍ وَقُعُودٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخْذَيْهِ» وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ «قَالَ عليه الصلاة والسلام لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُفَصِّلْ فَكَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ فَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا اهـ.

وَكَذَا تَرْكُ الِاعْتِمَادِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْوَبَرِيُّ لَا بَأْسَ يَعْتَمِدُ بِرَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْمُحِيطِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ شَيْخًا كَانَ أَوْ شَابًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ

ــ

[منحة الخالق]

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ يَضَعَانِ عَلَى الْفَخْذِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ

(قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وُجُوبُهَا) قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ الْأَرْكَانِ نَقْلُهُ عَنْ شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ وَالْمُحِيطِ وَالْفَتْحِ وَابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَأَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ فَقَدْ أَحْسَنَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ إلَخْ) أَقُولُ: وَفِي عَدَمِ نَهْيِهِ عَنْهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ لَمْ يُكْرَهْ إذْ لَوْ كُرِهَ لَكَانَ الْأَوْلَى النَّهْيُ كَمَا نَهَى عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهَذَا نَظِيرُ التَّسْمِيَةِ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ فَإِنَّهَا لَا تُسَنُّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَتَى لَا يُكْرَهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَيَنْبَغِي بِغَيْرِ حَالَةِ الْجَمَاعَةِ إذَا لَزِمَ مِنْهُ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنْ يُنْدَبَ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله لِإِبْطَالِهِ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ عَامِدًا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، لَكِنْ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَهَذَا مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى، نَعَمْ، لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ مَنْهِيًّا عَنْهُ عِنْدَنَا لَا تُسْتَحَبُّ الْمُرَاعَاةُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْمَذْهَبِ لَكِنَّ ثُبُوتَ الْكَرَاهَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ.

(قَوْلُهُ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ تَعُودُ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى إذْ بِكَوْنِهِ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ، يَزُولُ الْإِشْكَالُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ رَفَعَ فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَقَطْ، وَقَدْ اقْتَصَرَ مَثَلًا مِسْكِينٌ عَلَى نَقْلِ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ فَقَطْ فَفِيهِ إيمَاءٌ لِمَا قُلْنَا تَأَمَّلْ اهـ.

وَفِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى قُرْبُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ فَالَأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ) قَدْ يُقَالُ: يُنَافِي ذَلِكَ الْحَمْلَ «قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ صَلُّوا» إلَخْ، وَفِي النَّهْرِ: أَقُولُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ بِوَجْهٍ إذْ الْمُدَّعَى طَلَبُ النُّهُوضِ وَتَرْكُهُ يُوجِبُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَرْجِعٌ لَا بَأْسَ بِهِ فِي أَغْلَبِ اسْتِعْمَالِهِ وَلَا يُنَافِيه مَا فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا إذْ الْمُرَادُ بِهَا التَّنْزِيهُ، وَكَذَا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ إلَخْ فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ الْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ مَمْنُوعٌ اهـ.

وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: أَوْ بِكَوْرِ عِمَامَتِهِ، مِنْ أَنَّ مَرْجِعَ خِلَافِ الَأَوْلَى كَلَا بَأْسَ إلَى التَّنْزِيهِ.

ص: 340

اهـ.

وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَتَرْكُهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ النُّهُوضِ وَيُسْتَحَبُّ الْهُبُوطُ بِالْيُمْنَى وَالنُّهُوضُ بِالشِّمَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا وَذَكَرَهَا فِي الْمُجْتَبَى مَرْوِيَّةً عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(قَوْلُهُ وَالثَّانِيَةُ كَالْأُولَى) أَيْ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْآدَابِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُثْنِي) أَيْ لَا يَأْتِي بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ دُونَ أَثْنَائِهَا وَلِذَا سُمِّيَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَعَوَّذُ) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ فَلَا يَتَكَرَّرُ إلَّا بِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ كَمَا لَوْ تَعَوَّذَ وَقَرَأَ، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا وَقَرَأَ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يَتَعَوَّذَ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي فقعس صمعج) أَيْ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ النَّفْيَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْأَيْدِي وَقْتَ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَلَا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ وَلَا تَكْبِيرَاتِ الْجَنَائِزِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُمَا حَتَّى انْصَرَفَ» وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» وَشُمْسٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعُ شَمُوسٍ بِفَتْحِهَا وَضَمِّ الْمِيمِ أَيْ صَعْبٍ وَاعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْعَ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا، رُدَّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَالَ التَّسْلِيمِ لَا يُقَالُ لَهُ اُسْكُنْ فِي الصَّلَاةِ وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْإِيمَاءُ حَالَ التَّسْلِيمِ

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ، أَنَّ الْآثَارَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالطُّرُقَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم كَثِيرَةٌ جِدًّا وَالْكَلَامُ فِيهَا وَاسِعٌ مِنْ جِهَةِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْقَدْرُ الْمُتَحَقِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُبُوتُ رِوَايَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام الرَّفْعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَدَمُهُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ لِقِيَامِ التَّعَارُضِ، وَيَتَرَجَّحُ مَا صِرْنَا إلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ أَقْوَالٌ مُبَاحَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَأَفْعَالٌ مِنْ جِنْسِ هَذَا الرَّفْعِ، وَقَدْ عُلِمَ نَسْخُهَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا مَشْمُولًا بِالنَّسْخِ خُصُوصًا، وَقَدْ ثَبَتَ مَا يُعَارِضُهُ ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ بِخِلَافِ عَدَمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ عَدَمِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا عُهِدَ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ مِنْ جِنْسِ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ مَا أُجْمِعَ عَلَى طَلَبِهِ فِي الصَّلَاةِ أَعْنِي الْخُشُوعَ، وَكَذَا بِأَفْضَلِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْأَوْزَاعِيِّ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمَا وَأَفَادَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ سُنِّيَّةَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: ثَلَاثَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَالْفَاءُ لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالْقَافُ لِلْقُنُوتِ وَالْعَيْنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَخَمْسَةٌ فِي الْحَجِّ: فَالسِّينُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَالصَّادُ عِنْدَ الصُّعُودِ عَلَى الصَّفَا وَالْمِيمُ لِلْمَرْوَةِ وَالْعَيْنُ لِعَرَفَاتٍ وَالْجِيمُ لِلْجَمَرَاتِ وَالرَّفْعُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بِحِذَاءِ الْأُذُنَيْنِ، وَفِي الْخَمْسَةِ تَفْصِيلٌ فَفِي اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالْوُسْطَى يَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَجْعَلُ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَ) بِعَرَفَاتٍ يَرْفَعُهُمَا كَالدُّعَاءِ بَاسِطًا يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْمَنَاسِكِ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمَا) ، وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ بِمَكَّةَ فِي دَارِ الْحَنَّاطِينَ كَمَا حَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا بَالُكُمْ لَا تَرْفَعُونَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ؟ فَقَالَ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَيْفَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ» فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَرْفَعُ إلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ» فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أُحَدِّثُك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَتَقُولُ حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَتْ لِابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ وَلَهُ فَضْلٌ فَالْأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ فَرَجَّحَ بِفِقْهِ الرُّوَاةِ لَمَّا رَجَّحَ الْأَوْزَاعِيُّ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَنَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.

ص: 341

عَلَيْهَا وَنَصَبَ يُمْنَاهُ وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَكَانَ يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» وَهَذَا بَيَانُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ تَوَرَّكَ جَازَ، أَطْلَقَ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ فَيَقْعُدُ فِيهِمَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، فَمَا فِي الْمُجْتَبَى نَاقِلًا عَنْ صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ أَنَّ هَذَا فِي الْفَرْضِ، وَفِي النَّفْلِ يَقْعُدُ كَيْفَ شَاءَ كَالْمَرِيضِ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُورَةِ، نَعَمْ النَّفَلُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَا يَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَكِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي السُّنِّيَّةِ.

(قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ) يَعْنِي وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ أَشَارَ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَحَالَةِ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَرَجَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ الْكَيْفِيَّةَ الْأُولَى، فَقَالَ: وَلَا يَأْخُذُ الرُّكْبَةَ، هُوَ الْأَصَحُّ فَتُحْمَلُ الْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأُولَى عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِيَّةِ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى تَكُونُ الْأَصَابِعُ مُتَوَجِّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ إلَى الْأَرْضِ لَكِنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ عُطِفَتْ عَلَى الرُّكْبَةِ أَمَّا إذَا كَانَتْ رُءُوسُهَا عِنْدَ رَأْسِ الرُّكْبَةِ فَلَا يَتِمَّ التَّرْجِيحُ، وَعَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الثَّالِثَةِ مَا فِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ عِنْدَ الرُّكْبَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَأَشَارَ بِبَسْطِ الْأَصَابِعِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السُّكُونِ، وَكَرِهَهَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَوْلَ بِالْإِشَارَةِ وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِهَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ وَرَوَاهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْمُجْتَبَى لَمَّا اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا فِي كَوْنِهَا سُنَّةً، وَكَذَا عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَكَثْرَةُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ كَانَ الْعَمَلُ بِهَا أَوْلَى.

(قَوْلُهُ وَقَرَأَ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه) ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِأَنْ يَضَعَ الْإِبْهَامَ تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي تَبَعًا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَاعْتُرِضَ فِي الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُمْ كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنَّ شَرْطَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ أَنْ يَضَعَ الْخِنْصَرَ عَلَى الْبِنْصِرَ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ هُوَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى الرَّاحَةِ كَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ وَلَمْ يَنْطِقُوا بِهَا تَبَعًا لِلْخَبَرِ وَأَجَابَ فِي الْإِقْلِيدِ بِأَنَّ عِبْرَةَ وَضْعِ الْخِنْصَرَ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ هِيَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرُهُمْ فِيهَا ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ اهـ.

وَقَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ إنَّ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْحُسَّابِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ هَيْئَةً أُخْرَى أَوْ تَكُونُ الْهَيْئَةُ الْوَاحِدَةُ تَشْتَرِكُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ اهـ.

قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصِفَتُهَا أَنْ يُحَلِّقَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى عِنْدَ الشَّهَادَةِ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَيَقْبِضَ الْبِنْصِرَ وَالْخِنْصَرَ وَيَضَعَ رَأْسَ إبْهَامِهِ عَلَى حَرْفِ الْمِفْصَلِ الْأَوْسَطِ وَيَرْفَعَ الْأُصْبُعَ عِنْدَ النَّفْيِ وَيَضَعَهَا عِنْدَ الْإِثْبَاتِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُشِيرَ بِكِلْتَا مُسَبِّحَتَيْهِ.

(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَا يُتِمُّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُهُ (وَقَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَوْلَ بِالْإِشَارَةِ) أَيْ مَعَ قَبْضِ الْأَصَابِعِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ أَشَارَ يَعْقِدُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَيُحَلِّقُ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ وَيُقِيمُ السَّبَّابَةَ اهـ.

فَالْإِشَارَةُ إنَّمَا هِيَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ عِنْدَنَا وَهِيَ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ كَالْبَدَائِعِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَشُرُوحِ الْمُنْيَةِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَالنَّهْرِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْبُرْهَانِ مِنْ أَنَّهُ يُشِيرُ وَلَا يَعْقِدُ فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ أَرَ مَنْ عَوَّلَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ نَقَلَهُ سِوَاهُ فَالْعَمَلُ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا،: وَهُوَ الْمَشْهُورُ بَسْطُ الْأَصَابِعِ بِلَا إشَارَةٍ وَالثَّانِي الَّذِي رَجَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَقْدُ الْأَصَابِعِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ دُرَرِ الْبِحَارِ وَشَرْحِهِ مُوَافِقًا لِمَا نَقَلَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَنْ الْبُرْهَانِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنِّي رَاجَعْت دُرَرَ الْبِحَارِ وَشَرْحَهُ الْمُسَمَّى غُرَرَ الْأَفْكَارِ فَرَأَيْت فِيهِمَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْإِشَارَةِ مَعَ الْعَقْدِ، وَقَدْ أَوْضَحْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنُقُولِهَا الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا رَفْعُ التَّرَدُّدِ فِي عَقْدِ الْأَصَابِعِ عِنْدَ التَّشَهُّدِ فَرَاجِعْهَا فَإِنَّهَا فَرِيدَةٌ فِي بَابِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

ص: 342

وَرَسُولُهُ فَسُمِّيَ تَشَهُّدًا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ أَشْرَفُ أَذْكَارِهِ، ثُمَّ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظِهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، أَحْسَنُهَا: أَنَّ التَّحِيَّاتِ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ وَالطَّيِّبَاتِ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ فَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ وَلَا يَتَقَرَّبُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَى مَا سِوَاهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى مِثَالِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ فَيُقَدِّمُ الثَّنَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ الْخِدْمَةَ ثَانِيًا، ثُمَّ بَذْلَ الْمَالِ ثَالِثًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام فَهِيَ ثَلَاثَةٌ بِمُقَابَلَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَثْنَى بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَبِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالسَّلَامُ مِنْ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَوْ مِنْ تَسْلِيمِهِ مِنْ الْآفَاتِ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا نَفْسُ الْإِحْسَانِ مِنْهُ تَعَالَى لَا إرَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ بِهَا وَالدُّعَاءُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ وَالْإِرَادَةُ قَدِيمَةٌ بِخِلَافِ نَفْسِ الْإِحْسَانِ، وَالْبَرَكَةُ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْخَيْرِ

وَيُقَالُ: الْبَرَكَةُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ إنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى سَهْمًا مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ لِإِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّهُمْ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ، وَمُرَادُهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِلَّا فَهِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْ النَّقْصِ لِدَلَاتِهَا عَلَى الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَعَرَّفَهَا النَّسَفِيُّ بِأَنَّهَا الرِّضَا بِمَا يَفْعَلُهُ الرَّبُّ، وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَقْوَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ فِي الْعُقْبَى بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَلِذَا وَصَفَ الْأَنْبِيَاءُ نَبِيَّنَا عليه الصلاة والسلام بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَلِذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الشَّارِعِ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ صَالِحٌ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِي ظَنِّي خَوْفًا مِنْ الشَّهَادَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَأَشْهَدُ مَعْنَاهُ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعُبُودِيَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ صلى الله عليه وسلم وَقُدِّمَتْ الْعُبُودِيَّةُ عَلَى الرِّسَالَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا أَشْرَفُ صِفَاتِهِ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] وَفِي قَوْله تَعَالَى {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَاخْتِيرَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ دُونَهُمَا؛ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي مَعْنَاهَا وَأَظْهَرُ مِنْهُمَا لِكَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا، بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ غَالِبًا فِي الْبَوَاطِنِ فَقَطْ، وَلِذَا لَوْ أَتَى الشَّاهِدُ بِلَفْظِ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ مَكَانَ أَشْهَدُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ

وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا بَعْضَ مَعَانِي التَّشَهُّدِ لِمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْصِدُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيَهَا مُرَادَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ: وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ بِأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ مَعْنَاهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا مِنْ عِنْدِهِ كَأَنَّهُ يُحَيِّ اللَّهَ وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلِيَائِهِ اهـ.

وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا عَائِدٌ إلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمَلَائِكَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ قَوْلَهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ مِنْ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ وَاحْتَرَزَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ غَيْرِهِ لِيُخْرِجَ تَشَهُّدَ عُمَرَ رضي الله عنه، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَعَمِلَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) الثَّابِتُ فِي تَشَهُّدِ عَائِشَةَ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ أَيْضًا وَبِهِ عُلِمَ تَشَهُّدُهَا وَخَرَجَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الْمَرْوِيِّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّن.

ص: 343

إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ سَلَامٌ عَلَيْك بِالتَّنْكِيرِ وَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ

وَقَالَ: إنَّهُ أَكْمَلُ التَّشَهُّدِ وَرَجَّحَ مَشَايِخُنَا تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِوُجُوهٍ عَشْرَةٍ ذَكَرَهَا الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَحْسَنُهَا: أَنَّ حَدِيثَهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّ أَحَادِيثِ التَّشَهُّدِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَتَّى قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمِمَّنْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه وَكَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَالْقُرْآنِ، ثُمَّ وَقَعَ لِبَعْضِ الشَّارِحِينَ أَنَّهُ قَالَ وَالْأَخْذُ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى فَيُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى لَوْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ كَانَ آتِيًا بِالْوَاجِبِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّشَهُّدَ وَاجِبًا وَعَيَّنُوهُ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ وَاجِبًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّشَهُّدِ حَرْفًا أَوْ يَبْتَدِئَ بِحَرْفٍ قَبْلَ حَرْفٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَوْ نَقَصَ مِنْ تَشَهُّدِهِ أَوْ زَادَ فِيهِ كَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ أَذْكَارَ الصَّلَاةِ مَحْصُورَةٌ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا اهـ.

وَإِذَا قُلْنَا بِتَعَيُّنِهِ لِلْوُجُوبِ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً وَهِيَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْقَعْدَةِ الْأَوْلَى فَلَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا، لِلْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ إنْ «كَانَ صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تَشَهُّدِهِ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، فَإِنْ زَادَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَخْفَى وُجُوبُ إعَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ وَالْمَشَايِخُ وَالْمُخْتَارُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ إذَا قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا لِأَجْلِ خُصُوصِ الصَّلَاةِ بَلْ لِتَأْخِيرِ الْقِيَامِ الْمَفْرُوضِ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ إذَا زَادَ حَرْفًا وَاحِدًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ أَوْ الْكَلِمَةَ يَسِيرٌ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حَتَّى يُؤَخِّرَ مُقَدَّرَ مَا يُؤَدِّي رُكْنًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ وَفِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ اكْتَفَى بِالْفَاتِحَةِ) يَعْنِي فِي الْفَرَائِضِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ إذْ لَا تَشْمَلُ الْمَغْرِبَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَةَ الْقِرَاءَةِ فِيمَا بَعْدَهُمَا لِلِاخْتِلَافِ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَهَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَالسُّكُوتِ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ كَمَا فِي

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ أَيْ التَّشَهُّدُ الْمَرْوِيُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ وَمَنْ صَبَغَ يَدَهُ فِي الْفِقْهِ وَعَلِمَ حَقِيقَةَ اصْطِلَاحِهِمْ رَضِيَهُ، تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّهْرِ قَرِيبًا مِمَّا قُلْتُ: فَإِنَّهُ قَالَ وَأَقُولُ: عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ سَبْرِ وُجُوهِ تَرْجِيحَاتِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ لَهُ إنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَعَلَيْهِ فَالْكَرَاهَةُ السَّابِقَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ اهـ.

وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. وَأَقُولُ: لَوْ قُلْنَا تَحْرِيمِيَّةٌ فَالْمُرَادُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَلَى الْمَرْوِيِّ بِمُطْلَقِهِ تَأَمَّلْ. اهـ.

(وَقَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ) أَيْ وَظَهَرَ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالْأَوَّلُ وَهُوَ زِيَادَةُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ تَأَمَّلْ اهـ.

وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ مَا رَجَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ كَمَا نَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ) أَقُولُ: مَا فِي الذَّخِيرَةِ لَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمِقْدَارِ أَدَاءِ الرُّكْنِ مِقْدَارُ أَدَاءِ أَقْصَرِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ قَدْرُ تَسْبِيحَةٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَدْرَ زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي جِنْسِ مَا يَجِبُ بِهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مِقْدَارُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ فِي الْجَهْرِ فِيمَا يُخَافِتُ وَعَكْسُهُ وَكَمَا فِي التَّفَكُّرِ حَالَ الشَّكِّ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ يَشْغَلُ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ لِأَنَّهُ زَمَنٌ قَلِيلٌ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. اهـ.

(قَوْلُهُ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّسْبِيحِ أَوْ السُّكُوتِ اهـ.

كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ) عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَوْ سَبَّحَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ مَكَانَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ سَكَتَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا إنْ كَانَ عَامِدًا وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ سَاهِيًا، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ

ص: 344

النِّهَايَةِ أَوْ ثَلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَصَحَّحَ التَّخْيِيرَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَفِي الْمُحِيطِ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَلَوْ سَبَّحَ فِيهِمَا وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا شُرِعَتْ عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ حَتَّى قَالُوا: يَنْوِي بِهَا الذِّكْرَ وَالثَّنَاءَ دُونَ الْقِرَاءَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَتْ الْمُخَافَتَةُ فِيهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْأَذْكَارِ وَلِذَا تَعَيَّنَتْ الْفَاتِحَةُ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا ذِكْرٌ وَثَنَاءٌ، وَإِنْ سَكَتَ فِيهِمَا عَمْدًا يَكُونُ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَفِي الْبَدَائِعِ إنَّ التَّخْيِيرَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَهُوَ كَالْمَرْفُوعِ، وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْمُوَاظَبَةِ عَنْ الْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا لَكِنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِالسُّكُوتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَلَى خِلَافِهِ، وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ وَلَيْسَ بِمُنَافٍ لِلتَّخْيِيرِ كَالْحَلْقِ مَعَ التَّقْصِيرِ وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يَنْوِي الذِّكْرَ وَالثَّنَاءَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَتْ: لِيَكُنْ عَلَى وَجْهِ الثَّنَاءِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَيْضِ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرَى بِهِ فِي الْفَاتِحَةِ فَيَنْبَغِي كَذَلِكَ هُنَا وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ غَرِيبِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الْقُرْآنِ يَضُمُّ إلَيْهَا السُّورَةَ اهـ.

وَكَانَ وَجْهُهُ الْقِيَاسَ عَلَى الْأُولَيَيْنِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ لِمَا عُهِدَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ التَّخْفِيفِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ اكْتَفَى بِالْفَاتِحَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا مُبَاحَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً أَوْ قَالَ نِصْفُ ذَلِكَ» ، وَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَتَبِعَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ حَتَّى لَوْ قَرَأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءَ بِهَا لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الِاخْتِيَارِ مِنْ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى

ــ

[منحة الخالق]

قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ وَعِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ: وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَرَأَ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ وَلَا سَجْدَتَا سَهْوٍ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ اهـ.

عِبَارَةُ قَاضِي خَانْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَلَمْ يُسَبِّحْ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي السَّهْوِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ اهـ.

إنَّمَا نَقَلْنَا عِبَارَاتِهِمْ بِنُصُوصِهَا لِيَتَّضِحَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ اشْتِبَاهٍ.

(قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ السُّنَّةَ مُطْلَقُ الذِّكْرِ لَكِنَّ كَوْنَهُ بِالْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ فَلَوْ سَبَّحَ لَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَكَتَ فَصَارَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ لَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ السُّكُوتِ بَلْ السُّكُوتُ مَكْرُوهٌ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِيَارَ بَيْنَ الْأُولَيْنِ فَقَطْ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا فِي غَيْرِهِ فَيُكْرَهُ السُّكُوتُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ هُوَ السُّنَّةُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ السُّكُوتُ مَكْرُوهًا عَلَى الْأَوَّلِ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً بِالنَّظَرِ إلَى السُّكُوتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ وَسَكَتَ يُكْرَهُ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلَمَّا كَانَ غَيْرَ مَكْرُوهٍ عَلَى الثَّانِي لَمْ تَكُنْ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً بَلْ هِيَ أَفْضَلُ عَلَى الْأَوَّلِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّسْبِيحِ فَلِذَا اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ كَمَا سَيَأْتِي.

(قَوْلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَتْ الْمُخَافَتَةُ فِيهَا) أَيْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ لَكِنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَضْعِيفِ كَلَامِ الْمُحِيطِ بِأَنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحِيطِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِالسُّكُوتِ لِعِلْمِ عَدَمِ الْإِسَاءَةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ بِالْأَوْلَى وَلِيُشِيرَ إلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَطْ لِكَلَامِ الْمُحِيطِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ اخْتَارَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ دَعْوَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى مِنْ التَّنَافِي إذْ الْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ وَالْمَنْدُوبُ مَا تَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ أَقُولُ:: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْبَحْرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْحِلُّ لِاسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا تَأَمَّلْ

ص: 345

الْفَاتِحَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى وَقَيَّدْنَا بِالْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ الْوَاجِبَ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي مِنْ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبُ كَالْفَرْضِ فِي هَذَا، بِخِلَافِ النَّوَافِلِ سُنَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِيهِ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَلِذَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُعُودِ الْأَوَّلِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ كَالْفَرْضِ لَكِنْ هُوَ مُسَلَّمٌ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ بِالِانْتِقَالِ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي مِنْهَا، وَلَوْ أَفْسَدَهَا قَضَى أَرْبَعًا وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ بِمَنْزِلَتِهَا، وَأَمَّا الْأَرْبَعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لَهَا تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ وَالْقُعُودُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ) يَعْنِي فَيَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَرَّكُ فِيهَا، وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ عَشْرُ مَرَّاتٍ، وَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ وَعَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ فَيَسْجُدَ مَعَهُ وَيَتَشَهَّدَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ فَيَسْجُدَ وَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ يَسْجُدَ الْإِمَامُ لِهَذَا السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ الْخَامِسَةَ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ الْمَأْمُومُ وَصَلَّى رَكْعَةً وَتَشَهَّدَ السَّادِسَةَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى وَتَشَهَّدَ السَّابِعَةَ، وَقَدْ كَانَ سَهَا فِيمَا يَقْضِي فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَتَشَهَّدَ الثَّامِنَةَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِيمَا يَقْضِي فَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ سَجَدَ لِهَذَا السَّهْوِ وَتَشَهَّدَ الْعَاشِرَةَ اهـ.

مُرَادُهُ مِنْ التَّشَهُّدِ بَعْدَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَشَهُّدُ الصَّلَاةِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ كَمَا لَا يَخْفَى وَحِينَئِذٍ يُعِيدُهُ وَيُعِيدُ سُجُودَ السَّهْوِ لِبُطْلَانِهِ بِالْعَوْدِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ

(قَوْلُهُ وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ سُنَّةٌ وَقَدَّمْنَا دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ وَأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ الِافْتِرَاضُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ فِي وُجُوبِهَا كُلَّمَا سَمِعَ ذِكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُوجِبِ لِلتَّفْسِيقِ بِالتَّرْكِ لَا فِي الِافْتِرَاضِ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَاخْتَلَفَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ هَلْ يَتَدَاخَلُ الْوُجُوبُ فَيَكْفِيه صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرِ تَدَاخُلٍ؟ صَحَّحَ فِي الْكَافِي مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْأَوَّلَ وَأَنَّ الزَّائِدَ نَدْبٌ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الثَّانِيَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرَارِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَجْلِسٍ حَيْثُ يَكْفِي ثَنَاءٌ وَاحِدٌ.

قَالَ وَلَوْ تَرَكَهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَيْنًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا بِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ أَدَاءٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَجَدُّدِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ الْمُوجِبَةِ لِلثَّنَاءِ فَلَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْقَضَاءِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ لَكِنْ لَيْسَ مُطَالَبًا بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا فِي الْوُجُوبِ كَالصَّلَاةِ وَاخْتَارَ الْكَرْخِيُّ اسْتِحْبَابَ التَّكْرَارِ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَدَحَ فِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنْ تَمَّ نَقْلُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَهُّدُ إلَخْ) أَوْصَلَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَسْجُدُ الْإِمَامُ لِهَذَا السَّهْوِ) وَلَا يَكْفِيه الْأَوَّلُ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ خَاتَمًا لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ بَاطِلًا بِعَوْدِهِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ كَمَا يَأْتِي

(قَوْلُهُ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ الْقَرْمَانِيِّ وَعِبَارَتُهُ اعْلَمْ أَنَّ تَكَرُّرَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الذِّكْرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الطَّحَاوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الْكِفَايَةِ لَا وُجُوبِ الْعَيْنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُقَدِّمَةِ أَبِي اللَّيْثِ لَمَّا عَدَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَقَالَ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ يُخْرَجُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ يَعْنِي إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْتَرَضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَعْظِيمُهُ وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.

فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَ أَبِي اللَّيْثِ بِالِافْتِرَاضِ الْوُجُوبُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الطَّحَاوِيَّ لَمْ يَقُلْ بِالِافْتِرَاضِ وَإِنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْفَتْحِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَقْتٍ مَحَلًّا إلَّا أَنَّ مَحَلِّيَّتَهُ فِي تَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ بِالْقَضَاءِ أَوْلَى مِنْهُ بِغَيْرِهِ (وَقَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَجَعَلَهُ فِي الْمَجْمَعِ قَوْلَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

(تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ مِنْ قَوْلِ

ص: 346

الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَرَجَّحَ وَإِلَّا فَالْأَوْلَى قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ، بِالرَّغْمِ وَالْإِبْعَادِ وَالشَّقَاءِ وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ وَالْجَفَاءِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى التَّرْكِ مِنْ عَلَامَاتِ الْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ السَّرَخْسِيَّ ظَنَّ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ قَائِلٌ بِالِافْتِرَاضِ فَرَدَّهُ

وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لِمَا أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَسُنَّةً وَمُسْتَحَبَّةً وَمَكْرُوهَةً، فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةٌ، وَالثَّانِي كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالثَّالِثُ فِي الصَّلَاةِ، وَالرَّابِعُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَالْخَامِسُ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ، وَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ كُلَّ مَرَّةٍ وَهَذَا أَصَحُّ اهـ.

مَحْمُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا قَدَّمْنَا وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا فَتَحَ التَّاجِرُ مَتَاعَهُ وَصَلَّى، وَكَذَا فِي الْفُقَّاعَيْ، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا اخْتِلَافٌ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَنُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ تَكْرَارِ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ

وَفِي إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا ضَعِيفٌ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ الرَّحْمَةُ وَإِنَّمَا كَرَّرَ حَرْفَ الْجَرِّ فِي الْآلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ آلِهِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ قَرَابَتُهُ الَّذِينَ حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، وَالتَّشْبِيهُ.

ــ

[منحة الخالق]

الطَّحَاوِيَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا سَمِعَ اسْمَهُ عليه الصلاة والسلام التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ عليه الصلاة والسلام وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَحْرِيمًا عَلَى مَا مَرَّ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ الثَّانِي وَاجِبَةٌ وَلَا يُنَافِيه مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ إلَى " عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ " لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّشَهُّدُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.

وَقَدْ يُجَابُ عَنْ اللُّزُومِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الذَّاكِرِ لِحَدِيثِ «مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ» كَمَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ مُشِيرًا إلَى الْجَوَابِ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلَى الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَخْلُو عَنْ ذِكْرِهِ فَلَوْ وَجَبَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ، لَمْ يُوجَدْ فَرَاغٌ مِنْهَا مُدَّةً مِنْ الْعُمُرِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ مَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ غَرِيبٌ مُصَادِمٌ لِسَائِرِ عِبَارَاتِهِمْ، وَيُجَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مُسَاوٍ لِلْمَنْطُوقِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّعْظِيمَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالذِّكْرِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي دَلَالَةً نَحْوُ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] اهـ.

وَالْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ ذَلِكَ مُخَصَّصٌ عَقْلًا لِأَنَّ التَّسَلْسُلَ مُحَالٌ لِذَاتِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا إجْمَاعًا، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، وَقَدْ وَافَقَ الطَّحَاوِيَّ فِي الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَجْرِ الْمُنِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ حَدِيثَ «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ كُلَّمَا ذُكِرَ، وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ أَمِيلُ.

(قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ صَلَاةً أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي تَشَهُّدِهِ عَنْ الْفَرْضِ وَوَقَعَتْ فَرْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ اهـ.

أَقُولُ: نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً إنْ شَاءَ جَعَلَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ مَعَ زِيَادَةِ فِي الْعَالَمِينَ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الْإِفْصَاحِ أَيْ إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ زِيَادَةُ " فِي الْعَالَمِينَ " بَعْدَ " كَمَا صَلَّيْت " أَيْضًا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ لَكِنْ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَنْ رَوَاهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ خَرَّجَهَا مِنْ الْحُفَّاظِ وَلَا ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ.

(قَوْلُهُ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إلَى قَوْلِهِ وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ) قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ قَدْ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ سُؤَالٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُشْبِهُ الصَّلَاةَ عَلَى إبْرَاهِيمَ عليه السلام فَذُكِرَ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ

وَقِيلَ: سَأَلَ صَلَاةً يَتَّخِذُهُ بِهَا خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا فِي قَدْرِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} [البقرة: 183]

ص: 347

فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إمَّا رَاجِعٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ الْمُشَبَّهِ أَوْ مُسَاوِيًا بَلْ قَدْ يَكُونُ أَدْنَى مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} [النور: 35] وَسَبَبُ وُقُوعِهِ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُورًا فَهُوَ مِنْ بَابِ إلْحَاقِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِالْمَشْهُورِ لَا النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْقَدْرَ الْحَاصِلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَآلِهِ أَزْيَدُ مِمَّا حَصَلَ لِغَيْرِهِ وَالنُّكْتَةُ فِي تَخْصِيصِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إمَّا لِسَلَامِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِدُعَائِهِ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُ سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ وَسَمَّاهُ اللَّهُ أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ وَحَسُنَ الْخَتْمُ بِ " إنَّكَ " حَمِيدٌ مَجِيدٌ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَخْتِمَ دُعَاءَهُ بِاسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مُنَاسِبٍ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَالصَّلَاةُ وَالتَّبْرِيكُ عَلَيْهِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَمْدِ وَالْمَجْدِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ثَنَاءِ اللَّهِ وَتَكْرِيمِهِ وَرَفْعِ الذِّكْرِ لَهُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَهُ فِي حَمْدِهِ وَمَجْدِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتِمَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يُصَلِّيَ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ: قُصُورُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَقِّ كَمَا يَنْبَغِي، فَالْمُرَادُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْآيَةِ سُؤَالُهَا فَالْمُصَلِّي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَنِسْبَتُهَا إلَى الْعَبْدِ مَجَازٌ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَقُولُ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ لِلتَّوَارُثِ اهـ.

قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَلَّ قَدْرُهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَمَا أَفَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ابْتِدَاءً رَحْمَةُ اللَّهِ، وَمِنْ الْعَجِيبِ مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ بَابِ الْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُنُوتِ قَالُوا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سَاهِيًا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ اهـ.

وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَتَكَرَّرُ فَإِذَا أَتَى بِهَا مَرَّةً، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا تُعَادُ لَكِنَّ هَذَا فِي الثَّانِي مُمْكِنٌ، وَأَمَّا فِي الْقُنُوتِ فَالصَّلَاةُ آخِرَهُ مَشْرُوعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَالْحَقُّ خِلَافُهُ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْمُجْتَبَى: مِنْ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُتِمَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ

ــ

[منحة الخالق]

الْآيَةَ وَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ فَالْمَسْئُولُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْآلِ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ فَيَدْخُلُ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِهِ صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ فَطَلَبَ إلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ عَلَى الْآلِ لَا عَلَى النَّبِيِّ عليه السلام فَكَانَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَقْطُوعًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ اهـ.

وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رحمه الله أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ لِتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ وَقِيلَ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ وَقِيلَ بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَجْعَلَ لَهُ بِهِ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْهَبَ فِي الْأَجْوِبَةِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ زَيَّفَ أَكْثَرَ الْأَجْوِبَةِ إلَّا تَشْبِيهَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ: وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ صلى الله عليه وسلم مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] قَالَ: مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ فَكَأَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ عُمُومًا، فَيَحْصُلُ لِآلِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ وَذَلِكَ الْقَدْرُ أَزْيَدُ مِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ وَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَائِدَةُ التَّشْبِيهِ وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ اهـ وَإِذَا أَرَدْت الْمَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ فَرَاجِعِ الْمَوَاهِبَ الْمَذْكُورَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ كَالصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعِبَادِ إلَى مَزِيدٍ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ لِوُرُودِهِ فِي الْأَثَرِ وَلَا عَتَبَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَنَا أَقُولُ: ارْحَمْ مُحَمَّدًا لِلتَّوَارُثِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَفْسِيرِهِمْ الصَّلَاةَ بِالرَّحْمَةِ وَاللَّفْظَانِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الدَّلَالَةِ صَحَّ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلِذَا أَقَرَّ عليه الصلاة والسلام الْأَعْرَابِيَّ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا.

ص: 348

؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةَ وَعِنْدِي فِي صِحَّتِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ شَرَعَ فِيهِ وَلَمْ يُتِمَّهُ كَالْفَاتِحَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ فَشَمِلَ الْمَسْبُوقَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ

وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ اخْتَارَ ابْنُ شُجَاعٍ تَكْرَارَ التَّشَهُّدِ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ السُّكُوتَ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَتَرَسَّلُ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ عِنْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَشْتَغِلُ بِالدُّعَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَرْكَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْفَتَاوَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ الْإِمَامُ إذَا تَكَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي بَعْدُ لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ قَرَأَ، وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِمَنْزِلَةِ السَّلَامِ وَالْإِمَامُ إذَا سَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْمُقْتَدِي فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ عَمْدًا.

(قَوْلُهُ وَدَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا كَلَامَ النَّاسِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ الْمَوْجُودِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْمُشَابَهَةِ إذْ الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ لَا يُشَابِهُهُ شَيْءٌ وَلَكِنْ أَطْلَقَهَا لِإِرَادَتِهِ نَفْسَ الدُّعَاءِ لَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مِثْلَ {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: 286]{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8]{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح: 28]{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] إلَى آخِرِ كُلٍّ مِنْ الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ، يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظٍ أَيْ دَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ السُّنَّةِ وَهِيَ الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ أَوْ مَا أَيْ دَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ السُّنَّةِ أَوْ دَعَا بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدُّعَاءَ آخِرَهَا سُنَّةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» وَلَهُ حَدِيثٌ أَيْضًا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا «دَعَا يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ «قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالدُّبُرُ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَيْ الْوَقْتِ الَّذِي يَلِيه وَقْتُ الْخُرُوجِ مِنْهَا وَيُرَادُ بِهِ وَرَاءَهُ وَعَقِبَهُ أَيْ الْوَقْتَ الَّذِي يَلِيه وَقْتُ الْخُرُوجِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْوَقْتَيْنِ أَوْفَقُ لِاسْتِمَاعِ الدُّعَاءِ فِيهِ أَوْلَى بِاسْتِحْبَابِهِ

وَأَطْلَقَ فِي الْمَدْعُوِّ لَهُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَخُصَّ الْمُصَلِّي نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وَلِلْحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَدْعُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ، ثُمَّ ظَاهِرُ النُّصُوصِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ نَفْسِهِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا دَعَا بِدُعَاءٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» ، وَهُوَ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ وَلِذَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِإِيمَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِ وَلَقَدْ بَالَغَ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنْ قَالَ إنَّ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ كُفْرٌ لِطَلَبِهِ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ وَالِدَيْ سَيِّدِنَا نُوحٍ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ، ثُمَّ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْذِيبِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّارِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَالدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِ بِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَكْذِيبِ الْآحَادِ وَالْقَطْعِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ: الْمَغْفِرَةَ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ

وَأَمَّا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَلَمْ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمَتِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَنَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخِ الْقَرَافِيِّ وَأَقَرَّهُمَا عَلَيْهِ، وَرَدَّهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ اهـ.

وَقَوْلُهُ، وَرَدَّهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا سَيَأْتِي

ص: 349

يُشْرِكْهُمْ فِيمَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ فَهُوَ الْمُحَرَّمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَأَطَالَ الْكَلَامَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ غَيْرَ عَاصٍ بِالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْمُشْرِكِ عَقْلًا، قِيلَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ فَيَجُوزُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الْعَرَبِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ بَحْثِ الْإِيمَانِ: لَيْسَ بِحَتْمٍ عِنْدَنَا أَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بَلْ الْعَفْوُ عَنْ الْجَمِيعِ مَرْجُوٌّ لِمُوجَبِ قَوْله تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وقَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] اهـ.

فَيَجُوز أَنْ يَطْلُبَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْأَمْرَ الْجَائِزَ الْوُقُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا، ثُمَّ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الدُّعَاءِ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ، ثُمَّ بِالدُّعَاءِ»

وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ النَّاسِ هُنَا وَبَيَّنَهُ فِي الْكَافِي فَقَالَ: وَفَسَّرُوهُ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ نَحْوَ أَعْطِنِي كَذَا وَزَوِّجْنِي امْرَأَةً وَمَا لَا يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ مَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْهُمْ نَحْوَ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ عز وجل، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 135] اهـ.

وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ كَمَا ذَكَرُوهُ تَخْتَصُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ فَصَّلُوا فَقَالُوا: لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَمِّي أَوْ لِخَالِي تَفْسُدُ، ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لَا تَفْسُدُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَحَكَى الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَخِي قَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا تَفْسُدُ، وَقَالَ ابْنُ الْفَضْلِ تَفْسُدُ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ الْأَوَّلَ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى عليه السلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي} [الأعراف: 151] ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ أَوْ لِعَمْرٍو تَفْسُدُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي) أَيْ لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ الْمَدَارِيُّ فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ يَتَلَخَّصُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَدَارَ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ جَوَازُ التَّخْصِيصِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ مِنْ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: فَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْوَعْدِ، قُلْنَا: لَا ضَيْرَ فِي الْتِزَامِهِ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ فَإِنَّهُ كَمَا دَخَلَ التَّخْصِيصُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] بِمَنْ عُفِيَ عَنْهُ تَفَضُّلًا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ شَرًّا مَعَ عَمَلِهِ لَهُ فَكَذَا دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] بِمَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ بِرَدِّهِ فَلَمْ يَرَ خَيْرًا مَعَ عَمَلِهِ لَهُ، وَحَاشَا اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرَادَ بِجَوَازِ الْخُلْفِ فِي الْوَعِيدِ أَنْ لَا يَقَعَ عَذَابُ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِخْبَارَ بِعَذَابِهِ فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا كَمَا أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ نَعِيمِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِالنَّعِيمِ مُحَالٌ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا} [النساء: 122] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا} [الأنعام: 115]{لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] وَحِينَئِذٍ فَلْيُحْمَلْ قَوْلُ ابْنِ نَبَاتَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إذَا وَعَدَ وَفَّى وَإِذَا أَوْعَدَ تَجَاوَزَ وَعَفَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ صُورَةُ الْعُمُومِ وَبِالْوَعْدِ مَنْ أُرِيدَ بِالْخِطَابِ، ثُمَّ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا فَالْأَوْجَهُ تَرْكُ إطْلَاقِ جَوَازِ الْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ دَفْعًا لِإِيهَامِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا الْمُحَالُ وَإِنَّمَا وَافَقْنَاهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِشُهْرَةِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهُمْ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَاهُ هَذَا كَلَامُهُ.

إذَا عَرَفْت هَذَا فَمَا فِي الشَّرْحِ أَيْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ تَبَعًا لِلْبَحْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ اهـ.

قُلْتُ: وَمَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَدْ رَأَيْته مُلَخَّصًا فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ لِشَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ لَيْسَ بِحَتْمٍ عِنْدَنَا إلَخْ) أَقُولُ: ظَاهِرُ صَدْرِ الْكَلَامِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِيَ فَكَيْفَ يَجُوزُ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ؟ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا إذْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ، وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، وَلَكِنْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ هَلْ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا بُدَّ مِنْ عِقَابِ طَائِفَةٍ مِنْ مُرْتَكِبِيهِ أَوْ يَكْفِي فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ نَوْعَ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُ طَائِفَةٌ مِنْ مُرْتَكِبِيهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عُمُومِ أَنْوَاعِهَا وَلَا خُصُوصٍ بَعْضِهَا، فِيهِ تَرَدُّدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْبُرْهَانِ إبْرَاهِيمَ اللَّقَانِيِّ عَلَى جَوْهَرَتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْعُصَاةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَعَّدَهُمْ وَكَلَامُهُ تَعَالَى صَدَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، ثُمَّ يَبْقَى النَّظَرُ هَلْ الْمُرَادُ طَائِفَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْعُصَاةِ أَوْ طَائِفَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَعَّدَ كُلَّ صِنْفٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي هُنَا انْتَهَتْ، ثُمَّ نَقَلَ اللَّقَانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَيْضًا.

ص: 350

صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمُفَصَّلَةَ فِي الْمَغْفِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي يُفَسِّرُ مَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بِمَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ

أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَالْمُقْتَصِرِينَ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا تَفْصِيلَ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ أَصْلًا فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهَا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ سَأَلَ مَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْخَلْقِ لَا تَفْسُدُ إذَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ مَأْثُورًا، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ فِي الْقُرْآنِ أَوْ كَوْنُهُ مَأْثُورًا بَلْ قَالَ إنْ كَانَ يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْخَلْقِ لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِيلُ تَفْسُدُ اهـ.

بِلَفْظِهِ، فَظَهَرَ أَنَّ التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ كُلُّ تَأْلِيفٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مَوْصُوفٌ بِالصَّغِيرِ فَهُوَ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَضْ عَلَى أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَمِّي تَفْسُدُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي أَقْرِبَائِي أَوْ أَعْمَامِي اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. اهـ.

لِأَنَّهُ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ أَوْ لِعَمْرٍو، فَإِنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ قَدْ صَرَّحَ بِالْفَسَادِ بِهِ مَعَ أَنَّ سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْفَسَادِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مِنْ سُنَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الدُّعَاءُ بِمَا شَاءَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَأُسْتَاذِهِ وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِأُسْتَاذِي لَا تَفْسُدُ مَعَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَيَقْتَضِي عَدَمَ الْفَسَادِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي بَقْلًا وَقِثَّاءً وَعَدَسًا وَبَصَلًا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْهِدَايَةِ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِنْ كَلَامِ النَّاسِ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ يُقَالُ رَزَقَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ إسْنَادَ الرِّزْقِ إلَى الْأَمِيرِ مَجَازٌ فَإِنَّ الرَّازِقَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ سُؤَالَ الرِّزْقِ كَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَفَصَّلَ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَالَ لَوْ قَالَ اُرْزُقْنِي فُلَانَةَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِخِلَافِ اُرْزُقْنِي الْحَجَّ الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ، وَكَذَا اُرْزُقْنِي رُؤْيَتَك، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنِي تَفْسُدُ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنَ وَالِدِي لَا تَفْسُدُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لِنَفْسِهِ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ «اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ» فَإِنَّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَحِيلًا أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمَأْثُورِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ لَا مُطْلَقًا، وَهُوَ بَعِيدٌ

وَفِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ الظَّالِمِينَ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا يَعْنِي ظَالِمَهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. اهـ.

وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الَّذِي يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ إنَّمَا يُفْسِدُهَا إذَا كَانَ قَبْلَ تَمَامِ فَرَائِضِهَا أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا يُفْسِدُهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِ النَّاسِ لَا يُبْطِلُهَا فَهَذَا أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْعُ بِكَلَامِ النَّاسِ فِي آخِرِهَا لِلْحَدِيثِ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ، وَهُوَ عُمُومُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ» ، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ الْمُصَلِّي يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ لَا بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا يَحْضُرُهُ وَلَا يَسْتَظْهِرُ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الدُّعَاءِ يَمْنَعُهُ عَنْ الرِّقَّةِ.

(قَوْلُهُ وَسَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ كَالتَّحْرِيمَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ نَاوِيًا الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ وَالْإِمَامَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ أَوْ فِيهِمَا لَوْ مُحَاذِيًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا عِنْدَنَا وَمِنْ أَرْكَانِهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ

ــ

[منحة الخالق]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 351

الثَّلَاثَةِ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ مَشَايِخِنَا عَلَيْهِ اسْمَ السُّنَّةِ فَضَعِيفٌ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَوْ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ لِلْمُوَاظَبَةِ، وَهُوَ صِيغَةُ السَّلَامِ عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي خَاصًّا بِالْإِمَامِ، فَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَجْزَأَهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْأَخِيرِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ: وَبَرَكَاتُهُ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثَابِتٌ لَكِنْ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ وَتَعَقَّبَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ النَّوَوِيَّ بِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَوْلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ وَرَدٌّ عَلَى مَالِكٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْيَسَارِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا يُعِيدُهُ عَلَى يَسَارِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَنَسِيَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى قَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُحَوِّلُ بِهِ وَجْهَهُ

وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» ، وَفِي النَّوَازِلِ لَوْ قَالَ: السَّلَامُ، وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فَثَبَتَ أَنَّ الْخُرُوجَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ مَعَ الْإِمَامِ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ يَعْنِي الْأَفْضَلَ لِلْمَأْمُومِ الْمُقَارَنَةُ فِي التَّحْرِيمَةِ وَالسَّلَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْأَفْضَلُ عَدَمُهَا لِلِاحْتِيَاطِ وَلَهُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عَقْدُ مُوَافَقَةٍ وَأَنَّهَا فِي الْقِرَانِ لَا فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ السَّلَامَ بِالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ فِي التَّحْرِيمَةِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا فِي السَّلَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا فِي الْكِتَابِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ

وَقَوْلُهُ: نَاوِيًا الْقَوْمَ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «أَمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخْذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُرَادُ بِالْأَخِ الْجِنْسُ مِنْ إخْوَانِهِ الْحَاضِرِينَ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَيُزَادُ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَمَامَهُ أَوْ وَرَاءَهُ بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ مَزِيدُ التَّوَدُّدِ، وَأَمَّا مَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ عَنْ الْخَلْقِ وَعِنْدَ التَّحَلُّلِ يَصِيرُ خَارِجًا فَيُسَلِّمُ كَمُسَافِرٍ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فَلَا يُفِيدُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بَلْ يَعُمُّ الْحَاضِرِينَ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْوِيَهَا كَسَائِرِ السُّنَنِ، وَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَنْوِي السُّنَّةَ وَخَالَفَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِلْإِمَامِ إلَى النِّيَّةِ فِي السَّلَامِ آخِرَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ وَيُشِيرُ إلَيْهِمْ فَهُوَ فَوْقَ النِّيَّةِ

وَرُدَّ بِأَنَّ الْجَهْرَ لِلْإِعْلَامِ بِالْخُرُوجِ وَالنِّيَّةَ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ وَأَرَادَ بِالْقَوْمِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْوِي جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَنْوِي مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ ضَعِيفٌ، وَكَذَا مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ كَلَامُ التَّشَهُّدِ وَزَادَ السُّرُوجِيُّ وَأَنَّهُ يَنْوِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْقَوْمِ النِّسَاءُ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا لِعَدَمِ حُضُورِهِنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْ لِكَرَاهِيَّتِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَنْوِي الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اخْتِلَافَ فَمَا فِي الْأَصْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُضُورِهِنَّ الْجَمَاعَةَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِهِ فَصَارَ الْمَدَارُ فِي النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا حُضُورَهُنَّ وَعَدَمَهُ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْمُقْتَدِينَ خَنَاثَى

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى) قَالَ فِي الْمُنْيَةِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَخْفِضُ الثَّانِيَةَ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يُخْفِيهَا وَلَا يَجْهَرُ بِهَا أَصْلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْجَهْرِ أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْجَهْرِ الْإِعْلَامُ، وَقَدْ حَصَلَ بِالْأُولَى، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ بِالْأُولَى وَالْأَصَحُّ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأُولَى وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى تَعْقِيبِ الثَّانِيَةِ إيَّاهَا إلَّا أَنَّ الْمُقْتَدِينَ يَنْتَظِرُونَ الْإِمَامَ فِيهَا وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا أَوْ يَسْجُدُ قَبْلَهَا لِسَهْوٍ حَصَلَ لَهُ (قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ، وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لَا يَأْتِي بِهِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا) أَيْ لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ لَا يَصِيرُ دَاخِلًا فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءٌ بِغَيْرِ مُصَلٍّ (قَوْلُهُ فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَفْظُهُ: وَيَنْوِي مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا. اهـ.

إذْ الْمَعْنَى مَنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ كَائِنًا فِي الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْجَزْمِ بِضَعْفِهِ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْقَوْمِ النِّسَاءُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ لُغَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] الْآيَةَ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ

أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

ص: 352

أَوْ صِبْيَانٌ نَوَاهُمْ أَيْضًا، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئًا وَهَذَا حَقٌّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالشَّرِيعَةِ الْمَنْسُوخَةِ

وَقَوْلُهُ نَاوِيًا الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ يَعُمُّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ، وَقَوْلُهُ وَالْإِمَامُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَوْمِ خَاصٌّ بِالْمَأْمُومِ يَعْنِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يَزِيدُ فِي نِيَّتِهِ نِيَّةَ السَّلَامِ عَلَى إمَامِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ لَوْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو حَظٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَنْوِي الْحَفَظَةَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمْ فَيَنْوِي بِالْأُولَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ مِنْهُمْ وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ يَنْوِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ يَنْوِي جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، ثُمَّ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْقَوْمَ عَلَى الْحَفَظَةِ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي الْأَصْلِ عَلَى الْعَكْسِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ تَنْظِيمُ الْكُلِّ بِلَا تَرْتِيبٍ وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِمَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْبُدَاءَةِ أَثَرٌ فِي الِاهْتِمَامِ، وَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَصَايَا بِالنَّوَافِلِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هُنَا وَهُوَ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ أَنَّ مُؤْمِنِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ خَارِجٌ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَلَّ مَا يَسْلَمُ مُؤْمِنٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَعِنْدَنَا هُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ، ثُمَّ هُوَ مُبْتَلًى بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَكَانَ أَحَقَّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ مَنْزِلَةَ خَدَمِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اهـ.

وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ نَسَبَهُ الشَّارِحُ إلَى الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَمَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مِنْ تَفَضُّلِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ نَسَبَهُ فِي الْمُحِيطِ إلَى بَعْضِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ وَعَوَامَّ بَنِي آدَمَ مِنْ الْأَتْقِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَخَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ بَنِي آدَمَ، وَنَصَّ قَاضِي خَانْ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَرَضِيُّ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْأَتْقِيَاءِ مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ لَا مَنْ اتَّقَاهُ مَعَ الْمَعَاصِي فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ فَسَقَةَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عليهم السلام أَفْضَلُ الْخَلِيقَةِ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وِإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَرَضْوَانُ وَمَالِكٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ وَاخْتَلَفُوا أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ أَمْ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ

وَقَالَا: سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلامٌ} [الرعد: 23 - 24] الْآيَةَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَزُورُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ إلَخْ) عِبَارَتُهُ وَعَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ هَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئًا وَهَذَا حَقٌّ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي السَّلَامِ صَارَتْ كَالشَّرِيعَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَلِهَذَا لَوْ سَأَلْت أُلُوفَ أُلُوفٍ مِنْ النَّاسِ إيشِ نَوَيْت بِسَلَامِك؟ لَا يَكَادُ يُجِيبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا فِيهِ طَائِلٌ إلَّا الْفُقَهَاءُ، وَفِيهِمْ نَظَرٌ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ يَعُمَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ إذْ قَوْلُهُ حِينَئِذٍ وَالْإِمَامُ تَكْرَارٌ مَحْضٌ (قَوْلُهُ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هُنَا إلَخْ) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْأَصْلِ تَصْنِيفًا (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ: لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْأَوَّلَ قَسَّمَ الْبَشَرَ إلَى قِسْمَيْنِ: خَوَاصُّ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَوَامُّ وَهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ، وَالثَّانِي قَسَّمَهُمْ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: خَوَاصُّ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَوْسَاطٌ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَعَوَامُّ وَهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ قِسْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّ الْأَوَّلَ جَعَلَ عَوَامَّ الْبَشَرِ الَّذِينَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْأَوْسَاطُ عَلَى الثَّانِي أَفْضَلَ مِمَّنْ عَدَا خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ، وَالثَّانِيَ جَعَلَ أَوْسَاطَ الْبَشَرِ أَفْضَلَ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَذَا عَوَامُّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْعِبَارَتَانِ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّ أَوْسَاطَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةُ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَنْ عَدَا الْأَوْسَاطَ مِنْ الْبَشَرِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ هُمْ كَالْأَوْسَاطِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ اخْتِيَارُهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَوَامِّ مَا يَشْمَلُ الْأَوْسَاطَ وَمَنْ دُونَهُمْ لِقَوْلِ قَاضِي خَانْ عَمَّا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَرْضِيُّ لِيَتَوَارَدَ الِاخْتِيَارَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ مِنْ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ وَأَوْسَاطَهُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَكِ وَأَوْسَاطِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا مَرَّ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ مُشْعِرٌ بِالْخِلَافِ وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ عَدَا أَوْسَاطَ الْبَشَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

ص: 353

وَالْمَزُورُ أَفْضَلُ مِنْ الزَّائِرِ اهـ.

وَالْحَفَظَةُ جَمْعُ حَافِظٍ كَكَتَبَةٍ جَمْعُ كَاتِبٍ وَسُمُّوا بِهِ لِحِفْظِهِمْ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ أَوْ لِحِفْظِهِمْ إيَّاهُ مِنْ الْجِنِّ وَأَسْبَابِ الْمَعَاطِبِ وَالثَّانِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَاخْتُلِفَ فِي نِيَّةِ الْحَفَظَةِ فَقِيلَ يَنْوِي الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ، وَقِيلَ الْحَفَظَةَ الْخَمْسَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسَةً مِنْهُمْ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَوَاحِدٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبَانِ أَعْمَالَهُ وَوَاحِدٌ أَمَامَهُ يُلَقِّنُهُ الْخَيْرَاتِ وَوَاحِدٌ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَوَاحِدٌ عَنْ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَنْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» ، وَفِي بَعْضِهَا «مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ سِتُّونَ مَلَكًا» ، وَفِي بَعْضِهَا «مِائَةٌ وَسِتُّونَ» وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِمُوَافَقَتِهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَنْوِي فِي الْمَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ عَنْ عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَأَشْبَهَ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام اهـ.

مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَدَدُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الرُّسُلِ فَقَالَ بَعْدَمَا سُئِلَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ: إنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَالرُّسُلُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمْعًا غَفِيرًا كَذَا فِي الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَمْ يُعَارِضْ قَوْله تَعَالَى {وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164]

وَاخْتُلِفَ فِي الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ هَلْ يَتَبَدَّلَانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقِيلَ يَتَبَدَّلَانِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَكِنْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، وَقِيلَ لَا يَتَغَيَّرَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا وَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِمَا، فَقِيلَ: فِي الْفَمِ، وَإِنَّ اللِّسَانَ قَلَمُهُمَا وَالرِّيقَ مِدَادُهُمَا لِلْحَدِيثِ «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجْلِسُ الْمَلَكَيْنِ الْحَافِظَيْنِ» إلَى آخِرِهِ، وَقِيلَ تَحْتَ الشَّعْرِ عَلَى الْحَنَكِ، وَقِيلَ الْيَمِينُ وَالْيَسَارُ، ثُمَّ قَالُوا: إنَّ كَاتِبَ السَّيِّئَاتِ يُفَارِقُهُ عِنْدَ الْغَائِطِ وَالْجِمَاعِ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ، وَفِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ سَيِّئَةً فِيهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكْتُبَانِهِ، فَقِيلَ: مَا فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ وَعَزَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ إلَى مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: يَكْتُبَانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مَتَى يُمْحَى الْمُبَاحُ، فَقِيلَ: آخِرَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا تُمْحَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ وَالْمَكْتُوبَ فِيهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْسَعَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَذَكَرَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ لَا يَنْوِي الْكَتَبَةَ إذْ لَيْسُوا مَعَهُ، وَإِنَّمَا يَنْوِي الْحَافِظِينَ لَهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ وَالْكَتَبَةَ، لِيَعُمَّ كُلَّ مُصَلٍّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ

وَقَدْ قَالُوا: إنْ كَانَ إمَامًا وَكَانَتْ صَلَاةً يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَتَحَوَّلُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالثَّانِي) أَيْ التَّعْلِيلُ الثَّانِي لِتَسْمِيَتِهِمْ حَفَظَةً (قَوْلُهُ ثُمَّ قَالُوا إنَّ كَاتِبَ السَّيِّئَاتِ يُفَارِقُهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَجَنَّبُونَ الْإِنْسَانَ عِنْدَ غَائِطِهِ، وَعِنْدَ جِمَاعِهِ قُلْت: وَيَحْتَاجُ الْجَزْمُ بِهَذَا إلَى وُجُودِ سَمْعِيٍّ ثَابِتٍ يُفِيدُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْخَلَاءِ يَبْسُطُ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ أَيُّهَا الْمَلَكَانِ الْحَافِظَانِ عَلَيَّ اجْلِسَا هَاهُنَا فَإِنِّي قَدْ عَاهَدْت اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِي الْخَلَاءِ لَكَانَ فِيهِ رَدٌّ لِهَذَا لَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ كَلَامُهُ.

وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُفَارِقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَلَكَانِ مَعًا اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَزَادَ أَنَّهُمَا يَكْتُبَانِ مَا حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِعَلَامَةٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي ذَلِكَ إلَى دَلِيلٍ فَلْيُرَاجَعْ مَا دَلِيلُ الْمُفَارَقَةِ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَ صَاحِبُ الْبَحْرِ تَخْصِيصَهَا بِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ كَذَا فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لِلْمَدَارِيِّ.

(قَوْلُهُ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقُ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ» كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ نَظَرٌ بَلْ الْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَكِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَة، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِيَّايَ» الْحَدِيثَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي مُصَلَّاهُ فَإِنَّمَا يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَالْبُزَاقُ عَنْ يَسَارِهِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الشَّيْطَانِ» وَلَمْ يَزِدْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبُزَاقِ عَنْ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهَا. اهـ.

وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَكْتُبُهُ مَلَكُ السَّيِّئَاتِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ فِيهَا مَا يَكُون سَيِّئَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِمُلَازَمَةِ الْمَلَكِ لَهُ تَلَبُّسَهُ بِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِوُجُودِ مَا يَكْتُبُهُ وَلِمُفَارَقَتِهِ تَلَبُّسَهُ بِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَلَكُ السَّيِّئَاتِ مُفَارِقًا لَهُ فِي حَالِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَلَكَانِ مُفَارِقَيْنِ لَهُ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُهُ. كَذَا فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لِلْمَدَارِيِّ

ص: 354

عَنْ مَكَانِهِ إمَّا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ خَلْفَهُ وَالْجُلُوسُ مُسْتَقْبِلًا بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا يَقْعُدُ مَكَانَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْحَرَفَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحِذَائِهِ مُصَلٍّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ فِي الْأَخِيرِ وَالِاسْتِقْبَالُ إلَى الْمُصَلِّي مَكْرُوهٌ هَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَارَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ اسْتِحْبَابَ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا، وَيَمِينُ الْقِبْلَةِ مَا بِحِذَاءِ يَسَارِ الْمُسْتَقْبِلِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» .

(قَوْلُهُ وَجَهَرَ بِقِرَاءَةِ الْفَجْرِ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ، وَلَوْ قَضَاءً وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَيُسِرُّ فِي غَيْرِهَا كَمُتَنَفِّلٍ بِالنَّهَارِ وَخُيِّرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ كَمُتَنَفِّلٍ بِاللَّيْلِ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقِرَاءَةِ وَصِفَتِهَا وَقَدَّمَ صِفَتَهَا مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمَفْرُوضَ وَغَيْرَهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهُ وَيَسُبُّونَ مَنْ أَنْزَلَ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] » أَيْ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك كُلِّهَا وَلَا تُخَافِتْ بِهَا كُلِّهَا {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} [الإسراء: 110] بِأَنْ تَجْهَرَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَتُخَافِتَ بِصَلَاةِ النَّهَارِ فَكَانَ يُخَافِتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْإِيذَاءِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَيَجْهَرُ فِي الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْأَكْلِ، وَفِي الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ لِكَوْنِهِمْ رُقُودًا، وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُمَا بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ لِلْكُفَّارِ بِهَا قُوَّةٌ، وَهَذَا الْعُذْرُ وَإِنْ زَالَ بِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْحُكْمُ بَاقٍ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَسْتَغْنِي عَنْ بَقَاءِ السَّبَبِ وَلِأَنَّهُ أَخْلَفَ عُذْرًا آخَرَ، وَهُوَ كَثْرَةُ اشْتِغَالِ النَّاسِ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا اهـ.

وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْجَهْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ لِلْمُوَاظَبَةِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَخْصِيصُهُ بِالْإِمَامِ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ هُنَا: وَخُيِّرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ، فَأَفَادَ أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ قَالُوا: وَلَا يُجْهِدُ الْإِمَامُ نَفْسَهُ بِالْجَهْرِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: الْإِمَامُ إذَا جَهَرَ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ فَقَدْ أَسَاءَ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَأَلْحَقَ بِالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ التَّرَاوِيحَ وَالْوِتْرَ فِي رَمَضَانَ لِلتَّوَارُثِ الْمَنْقُولِ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمَا الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَانِ مِنْ الْعِشَاءِ وَجَمِيعُ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ بِالنَّهَارِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْفَاءُ مُطْلَقًا وَالْمُتَنَفِّلَ بِاللَّيْلِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا

أَمَّا إنْ كَانَ إمَامًا فَالْجَهْرُ وَاجِبٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ رحمه الله وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ الْإِخْفَاءُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْفَاءُ فَالْمُنْفَرِدُ أَوْلَى وَذَكَرَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ أَيْضًا اسْتِدْلَالًا بِعَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْجَهْرَ وَالْإِسْمَاعَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ وَاجِبًا قَدْ يَكُونُ آكَدُ مِنْ وَاجِبٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُنَطْ وُجُوبُ السَّهْوِ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ لَا بِآكَدِ الْوَاجِبِ وَلَا بِرُتْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْهُ فَحَيْثُ كَانَتْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُنْفَرِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ، وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ أَيْضًا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ، وَفِي قَوْلِهِ: فِيمَا يَجْهَرُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِي الصَّلَاةِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالْمُتَنَفِّلُ بِاللَّيْلِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ تَقْيِيدِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَى هَذَا مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَعْتَذِرُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ اهـ.

وَهَذَا عَجِيبٌ إذْ هُوَ مَذْكُورٌ هُنَا تَبَعًا لِلشَّارِحِ هَذَا، وَفِي السِّرَاجِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّخْيِيرَ اعْتِبَارًا بِالْفَرْضِ قَالَ: وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ أَقُولُ: وُجُوبُ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذُكِرَتْ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ إمَامٌ فَجَهَرَ كَمَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ: وَيُلَائِمُهُ مَا فِي الْمُحِيطِ إذَا جَهَرَ الْمُنْفَرِدُ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ كَانَ مُسِيئًا، وَفِي صَلَاةِ الْجَهْرِ يَتَخَيَّرُ كَذَا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَاَلَّذِي جَزَمَ الْحَلْوَانِيُّ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا سَهْوَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ إذَا خَافَتَ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ وَبِالْعَكْسِ وَسَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي بَابِهِ اهـ.

قُلْتُ: فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَا فِي الْعِنَايَةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا كَالنِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَفِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا جَوَابُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ

ص: 355

الْجَهْرِيَّةِ إذَا فَاتَتْ وَقَضَاهَا نَهَارًا كَمَا هُوَ حُكْمُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْإِخْفَاءَ حَتْمًا؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا، وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا بِعِلَلٍ شَتَّى وَعِلَّةُ الْجَهْرِ هُنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْقَضَاءِ كَالْأَدَاءِ

وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ سُبِقَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ الْجَهْرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ كَالْمُنْفَرِدِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْأَصْلِ: رَجُلٌ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ وَاقْتَدَى بِهِ بَعْدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثَانِيًا وَيَجْهَرُ اهـ.

يَعْنِي إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً وَلَمْ يَجْهَرْ الْمُصَلِّي، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا بَقِيَ صَارَ وَاجِبًا بِالِاقْتِدَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَذْكَارِ فِيهِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ ذِكْرًا وَجَبَ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ كَتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَمَا وُضِعَ لِلْعَلَامَةِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ إذَا كَانَ إمَامًا أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَالْمُقْتَدِي فَلَا يَجْهَرَانِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ جَهَرَ بِهِ، وَكَذَا الْقُنُوتُ فِي مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْإِخْفَاءَ بِهِ

وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ مِثْلَ التَّشَهُّدِ وَآمِينَ وَالتَّسْبِيحَاتِ؛ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْعَلَامَةُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْجَهْرِ وَالْأَخِفَّاءِ لِلِاخْتِلَافِ مَعَ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَفِي الْبَدَائِعِ: مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدٍ إشَارَةٌ إلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ اهـ.

وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجَهْرَ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَالْمُخَافَتَةَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَكَذَا كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَا يَقَعُ، وَإِنْ صَحَّحَ الْحُرُوفَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَا يَكُونُ جَهْرًا وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ اهـ

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ اللِّسَانِ لَكِنَّ فِعْلَهُ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ بِالْحُرُوفِ وَالْحُرُوفُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلصَّوْتِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ النَّفَسِ فَإِنَّ النَّفَسَ الْمَعْرُوضَ بِالْقَرْعِ فَالْحَرْفُ عَارِضٌ لِلصَّوْتِ لَا لِلنَّفَسِ فَمُجَرَّدُ تَصْحِيحِهَا بِلَا صَوْتٍ

ــ

[منحة الخالق]

إذَا خَافَتَ فِيمَا يَجْهَرُ لِأَنَّ الْجَهْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا لِأَنَّ الْمُخَافَتَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِنَفْيِ الْمُغَالَطَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: الْمُنْفَرِدُ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ عَلَيْهِ السَّهْوُ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ سَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَالْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْمِنَحِ: عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي وُجُوبِ الْمُخَافَتَةِ (قَوْلُهُ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْإِمَامِ) التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْجَهْرِ وَإِلَّا فَالْإِمَامُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ الْجَهْرُ كَمَا مَرَّ لَا مُخَيَّرٌ (قَوْلُهُ إلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ إلَخْ) أَقْحَمَ لَفْظَ أَدْنَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ أَعْلَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَأَعْلَى الْمُخَافَتَةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَالثَّانِي مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنْ يَكُونَ إسْمَاعُ نَفْسِهِ جَهْرًا وَمُخَافَتَةً مَعَ أَنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَادَ بِالْغَيْرِ الْوَاحِدُ لِيَكُونَ أَعْلَى الْجَهْرِ إسْمَاعَ الْكَثِيرِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا قِيلَ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهَا أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَيَكُونُ إسْمَاعُ الْغَيْرِ جَهْرًا أَوْ مُخَافَتَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهَا تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَلَعَلَّهُ لِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ إشْعَارًا بِأَنَّ أَعْلَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ فَقَطْ وَهَذَا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي نَصْرِ بْنِ سَلَّامٍ فَزَادَ أَدْنَى إشَارَةً إلَى أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ أَصْلًا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.

وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَعْلَى الْمُخَافَتَةِ لَيْسَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ بَلْ أَنْ يَقْرَأَ فِي قَلْبِهِ بِلَا تَحْرِيكِ لِسَانٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَلَوْ قَرَأَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالْحُرُوفِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ اهـ.

(قَوْلُهُ وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مُشْكِلٌ وَجَعَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ قَوْلَ الْفَضْلِيِّ وَكَأَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ اهـ.

أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الْمِعْرَاجِ الْفَضْلِيِّ مَعَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عِنْدَ الْهِنْدُوَانِيُّ مَا لَمْ تَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مِمَّنْ بِقُرْبِهِ وَبِقَوْلِهَا الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ أَيْ مَنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ فَرْدٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا أَوْ مُتَعَسِّرًا فَظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَا إشْكَالَ فِيهِ بَلْ هُوَ

ص: 356

إيمَاءٌ إلَى الْحُرُوفِ بِعَضَلَاتِ الْمَخَارِجِ لَا حُرُوفٍ فَلَا كَلَامَ. بَقِيَ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَلْزَمَ فِي مَفْهُومِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَصِلَ إلَى السَّمْعِ بَلْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ سَمَاعُهُ بَعْدَ وُجُودِ الصَّوْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ اهـ.

فَاخْتَارَ أَنَّ قَوْلَ بِشْرٍ وَالْهِنْدُوَانِي مُتَّحِدَانِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَالَ الْكَرْخِيُّ: إنَّ الْقِرَاءَةَ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَقَالَ بِشْرٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لَهُ، زَادَ فِي الْمُجْتَبَى فِي النَّقْلِ عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ اهـ.

وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْأَصَحَّ هَذَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ قَوْلًا رَابِعًا بَلْ هُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيُّ الْأَوَّلِ، وَفِي الْعَادَةِ أَنَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ يَكُونُ لِمَنْ هُوَ بِقُرْبِهِ أَيْضًا، وَفِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فِي شَرْحِ مُخْتَلِفَاتِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدِي أَنَّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُكْتَفَى بِسَمَاعِهِ، وَفِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ سَمَاعُ غَيْرِهِ، مَثَلًا فِي الْبَيْعِ لَوْ أَدْنَى الْمُشْتَرِي صِمَاخَهُ إلَى فَمِ الْبَائِعِ وَسَمِعَ يَكْفِي، وَلَوْ سَمِعَ الْبَائِعُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ الْمُشْتَرِي لَا يَكْفِي، وَفِيمَا إذَا حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودُ الْكَلَامِ مَعَهُ وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ. .

(قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَكَ السُّورَةَ أُولَى الْعِشَاءِ قَرَأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَعَ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا، وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ لَا) أَيْ لَا يَقْرَؤُهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَهُمَا: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّورَةُ فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ السُّورَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُرَبَّعَةٌ فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقْضِي الْفَاتِحَةَ دُونَ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ قَرَأَهَا تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي الْوُجُوبِ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ وَصَرَّحَ فِي الْأَصْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ

ــ

[منحة الخالق]

جَارٍ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيِّ وَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ، تَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ إنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ) أَقُولُ: وَبِهِ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ إسْمَاعِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَافَتَةٌ إلَّا بِرَفْعِ صَوْتِهِ جِدًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَصَمَّ فَيُقَالُ عَلَيْهِ مَا حَقِيقَةُ الْمُخَافَتَةِ فِي حَقِّهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْجَهْرِ إسْمَاعَ غَيْرِهِ وَكَيْفَ يَسُوغُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ إمَامًا وَكَانَ ثَمَّ مَانِعٌ مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِ أَوْ كَانَ مَنْ اقْتَدَى بِهِ أَصَمُّ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ تَرَكَ الْجَهْرَ الْوَاجِبَ وَصَلَاتُهُ نَاقِصَةٌ، وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ خَيْرَ الدِّينِ الرَّمْلِيَّ بَحَثَ فِي فَتَاوِيهِ بِنَحْوِ مَا قُلْته وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْبَحْرِ: هَذَا وَدَعْوَى خِلَافِ الظَّاهِرِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ بَعِيدٌ إذْ أَغْلَبُ الشُّرَّاحِ لَمْ يَنْقُلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا ثَالِثًا بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْكَرْخِيِّ وَالْهِنْدُوَانِي مَعَ ظُهُورِ وَجْهِ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ وَكَوْنِهِ وَسَطًا إذْ يَبْعُدُ اشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ السَّمَاعِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آلَتِهِ وَرُبَّمَا تَخَلَّفَ مَعَ حَقِيقَةِ الْجَهْرِ وَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَتِهِ تَقْلِيلًا لِلْأَقْوَالِ بَلْ إنْ ادَّعَى وُجُوبَ الْمَصِيرِ إلَيْهِ فَهُوَ مُتَّجِهٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بِهِ صَمَمٌ لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ جَهْرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ مَعَهُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ فَإِنَّهُ مَعَ التَّعْوِيلِ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ لَوْ أَخَذَ فِيهِ هَذَا الشَّرْطَ لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ كُلِّ خَاصٍّ وَعَامٍّ فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا اسْتَظْهَرَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، وَالْمَحَلُّ مُحْتَمَلٌ لِزِيَادَةِ الْبَحْثِ وَلَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى لِأَنَّ الْأَسْمَاعَ تُضْرِبُ عَمَّا فِيهِ إطَالَةٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِمَبْحَثِ السَّمَاعِ.

وَالْحَاصِلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: قَوْلٌ لِلْكَرْخِيِّ وَقَوْلٌ لِلْهِنْدُوَانِيِّ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.

(قَوْلُهُ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ إلَخْ) حَرَّرَ فِي الشرنبلالية عَنْ الْكَافِي وَالْمُحِيطِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ أَعْنِي الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيَّ

(قَوْلُهُ فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ) إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ، ثُمَّ يَقْضِي الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ السُّورَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَنُوقِضَ بِتَرَتُّبِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عَلَى السُّورَةِ الَّتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ لَا مَحَالَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ

ص: 357

مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْ الْفَاتِحَةِ فَهِيَ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِهَا؛ لِأَنَّ السُّورَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَالْفَاتِحَةَ فِي الْأَوَّلِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ أَصْرَحُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ. اهـ.

وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ الْإِخْبَارَ إنَّمَا يَكُونُ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ لَوْ كَانَ مِنْ الشَّارِعِ أَمَّا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَلْ وَالْأَمْرُ مِنْهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكَانَ الْمَذْهَبُ الِاسْتِحْبَابَ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ شَنِيعٌ وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى وَصَحَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ فَقَطْ وَجَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَوَابِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الصَّوَابَ قَوْلًا بِعَدَمِ التَّغْيِيرِ وَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ تَلْتَحِقُ بِمَوْضِعِهَا تَقْدِيرًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يُرَتِّبُهُمَا؟ فَقِيلَ: يُقَدِّمُ السُّورَةَ، وَقِيلَ: الْفَاتِحَةَ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ، وَفِي قَوْلِهِ مَعَ الْفَاتِحَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ السُّورَةِ لَيْسَ لَهُ تَرْكُ الْفَاتِحَةِ فَتَصِيرُ وَاجِبَةً كَالسُّورَةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَقَرَأَ السُّورَةَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيُعِيدُ السُّورَةَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِهَا تَكُونُ فَرْضًا كَالسُّورَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَذَكَّر السُّورَةَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيُعِيدُ الرُّكُوعَ.

(قَوْلُهُ وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ) هِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتْ الْمُعْجِزَةُ آيَةً لِدَلَالَتِهَا عَلَى النُّبُوَّةِ وَصِدْقِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ، وَتُقَالُ الْآيَةُ لِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ تَعَالَى وَلِكُلِّ كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ بِفَصْلٍ تَوْقِيفِيٍّ لَفْظِيٍّ، وَقِيلَ: جَمَاعَةُ حُرُوفٍ وَكَلِمَاتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِزَيْنِ الْعَرَبِ فِي بَعْضٍ، وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي الْكَشَّافِ وَالْآيَةُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجَمَةٌ، أَقَلُّهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ صُورَةً اهـ.

وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] فَإِنَّهَا آيَةٌ، وَلِهَذَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّلَاةَ بِهَا وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ، وَفِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَشَايِخُ مَا فِي الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ مِنْهُ وَإِلَّا آيَةٌ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُشْبِهْ قَصْدَ خِطَابِ أَحَدٍ وَصَحَّحَهُ الْقُدُورِيُّ وَرَجَّحَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فِي الْمَاهِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَرَجَّحَهُ فِي الْأَسْرَارِ بِأَنَّهُ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] لَا يُتَعَارَفُ قُرْآنًا، وَهُوَ قُرْآنٌ حَقِيقَةً فَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ حُرِّمَتَا عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَمِنْ حَيْثُ الْعَدَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا يَكُونُ قُرْآنًا حَقِيقَةً وَعُرْفًا فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا لَا يُتَعَارَفُ قُرْآنًا وَالِاحْتِيَاطُ أَمْرٌ حَسَنٌ فِي الْعِبَادَاتِ

وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ، وَعِنْدَهُمَا بِالْعَكْسِ. أَطْلَقَ الْآيَةَ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ أَمَّا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لَا يَخْفَى أَنَّ أَمْرَ الْمُجْتَهِدِ نَاشِئٌ مِنْ أَمْرِ الشَّارِعِ فَكَذَا إخْبَارُهُ، نَعَمْ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَأَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِحْبَابَ وَتَكُونُ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَا فِي الْأَصْلِ كَمَا أُرِيدَ بِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ) أَيْ خَمْسَةٌ صُورَةً وَلَفْظًا وَإِلَّا فَهِيَ سِتَّةٌ لِأَنَّ أَصْلَ يَلِدُ يُولَدُ قَالَ فِي النَّهْرِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ آيَ الْإِخْلَاصِ أَرْبَعٌ وَقِيلَ: خَمْسٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْحَوَاشِي بِنَاءً عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الْمُطْلَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى بِمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَحَقِّقُ، وَأَمَّا الْأَعْلَى الْكَامِلُ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ وَلِذَا اكْتَفَى فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ بِمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ أَصْلُهُمَا دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْكَامِلِ مِنْهُمَا وَإِلَّا كَانَتْ الطُّمَأْنِينَةُ فَرْضًا لَا وَاجِبَةً تَأَمَّلْ، وَمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً فِي رَكْعَتَيْنِ يَجُوزُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُنْيَةِ، يُفِيدُ أَرْجَحِيَّةَ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ وَتَعْلِيلَ الزَّيْلَعِيِّ لَهَا وَجَوَابَنَا عَنْ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى إلَخْ) مَعْنَاهُ أَنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ قَارِئٍ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ وَكَوْنَهُ قَارِئًا بِذَلِكَ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ هَذَا قَارِئٌ لَمْ يُخْطِئْ الْمُتَكَلِّمُ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ قَارِئًا عُرْفًا، وَأَجَازَ الْآيَةَ الْقَصِيرَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُعَدُّ بِهِ قَارِئًا بَلْ يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا عُرْفًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي قِيَامِ الْعُرْفِ فِي عَدِّهِ قَارِئًا بِالْقَصِيرَةِ قَالَا: لَا يُعَدُّ، وَهُوَ يَمْنَعُ. نَعَمْ ذَلِكَ مَبْنَاهُ عَلَى رِوَايَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْقُرْآنِ

ص: 358

فَشَمِلَ الطَّوِيلَةَ وَالْقَصِيرَةَ وَالْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ وَمَا كَانَ مُسَمَّاهُ حَرْفًا فَيَجُوزُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21]{مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64]{ص} [ص: 1]{ق} [ق: 1]{ن} [القلم: 1] وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى عَادًّا لَا قَارِئًا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي {ص} [ص: 1] وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ {ص} [ص: 1] لَيْسَ بِآيَةٍ لِعَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِهَا عَلَيْهَا، وَأَمَّا فِي نَحْوِ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] فَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ {ص} [ص: 1] وَنَحْوَهُ حَرْفٌ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّهُ غَلَطٌ فَإِنَّهَا كَلِمَةٌ مُسَمَّاهَا حَرْفٌ وَلَيْسَ الْمَقْرُوءَ، وَإِنَّمَا الْمَقْرُوءُ صَادٌ وَقَافٌ وَنُونٌ وَأَفَادَ لَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رَكْعَةٍ وَنِصْفَهَا فِي أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَا قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ تَعْدِلُهَا فَلَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ آيَةٍ وَصَحَّحَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَعُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ كَوْنَ الْمَقْرُوءِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ النِّصْفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الْمَقْرُوءُ يَبْلُغُ مَا يُعَدُّ بِقِرَاءَتِهِ قَارِئًا عُرْفًا وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِرَارًا حَتَّى بَلَغَ قَدْرَ آيَةٍ تَامَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْآيَةَ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالُوا: وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا مَنْ يُحْسِنُ ثَلَاثَ آيَاتٍ إذَا كَرَّرَ آيَةً وَاحِدَةً ثَلَاثًا فَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ عِنْدَهُمَا

وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَفِي الْمُضْمَرَات شَرْحِ الْقُدُورِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ حِفْظَ قَدْرِ مَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَحِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَحِفْظُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.

(قَوْلُهُ وَسُنَّتُهَا فِي السَّفَرِ الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَحَالَةَ الْعَجَلَةِ وَالْقَرَارِ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْإِطْلَاقُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعَجَلَةِ فِي السَّيْرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَمْنٍ وَقَرَارٍ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالظُّهْرُ كَالْفَجْرِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ جِدًّا، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا عَلِمْته مِنْ إطْلَاقِ الْجَامِعِ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ عَلَى أَمْنٍ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُضْمَرَاتِ وَأَمَّا الْمَسْنُونُ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا فَسَيَأْتِي وَالْمَكْرُوهُ نَقْصُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ ثَابِتَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَمَا قِيلَ لَوْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَنَحْوَهَا وَقَعَ الْكُلُّ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُشْكِلٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ إلَّا فَرْضًا فَأَيْنَ بَاقِي الْأَقْسَامِ اهـ.

وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْإِيقَاعِ اهـ.

(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ لَكَانَ أَوْلَى إذْ كَلَامُهُ بِظَاهِرِهِ يُفِيدُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ اهـ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ قِرَاءَةَ مَا ذَكَرَهُ هِيَ السُّنَّةُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَقْرُوءِ وَاجِبًا إذْ الشَّيْءُ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى إلَى عَدِّهِمْ التَّثْلِيثَ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ مِنْ السُّنَنِ مَعَ أَنَّ أَصْلَ الْغُسْلِ فَرْضٌ (قَوْلُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الْقِرَاءَةُ فِي الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ وَالْمِقْدَارُ الْخَاصُّ مِنْهُ أُخْرَى، وَقَدْ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ الْأَوْلَى فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ شُرَّاحِهَا كَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ كَانَ هُوَ وَالْمُقِيمُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُرَاعَاةِ سُنِّيَّةِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّطْوِيلِ وَالْمُقِيمُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ؟ قُلْت: قِيَامُ السَّفَرِ أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ لَا مَعَ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ؟ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَالِانْشِقَاقِ لَيْسَ لِعَدَدِ آيَاتِهِمَا بَلْ لِأَنَّهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِسُورَةِ الْبُرُوجِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَدَعْوَى أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمُوَاظَبَةِ إنْ أُرِيدَ مُطْلَقُهَا مَنَعْنَاهُ أَوْ الْمُؤَكَّدَةُ فَبَعْدَ تَسْلِيمِهِ لَيْسَ مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَإِقْرَارُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ عَلَى مَا فِيهَا وَجَزْمُ الشَّارِحِ بِهِ وَغَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ اهـ.

أَقُولُ: قَوْلُهُ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ إنْ أَرَادَ مُطْلَقَ الْمُفَصَّلِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَجْرِ وَالسُّنَّةُ فِيهِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَإِنْ أَرَادَ الطِّوَالَ مِنْهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخِرًا بَلْ لِأَنَّهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْبُرُوجَ مِنْ الْأَوْسَاطِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْكَافِي فَالظَّاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ مِنْ حَمْلِهِ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ فِي الْحَضَرِ يُجْعَلُ طَوِيلًا فِي السَّفَرِ وَلَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْوَسَطِ وَالطَّوِيلِ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَيَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَسَطُ مِنْ الْمُفَصَّلِ يُجْعَلُ كَالطِّوَالِ مِنْهُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي الشرنبلالية وَتَكَلَّفَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الِانْشِقَاقِ

ص: 359

وَقَرَارٍ صَارَ كَالْمُقِيمِ سَوَاءً، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ السُّنَّةَ وَالسَّفَرَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ لَكِنَّ التَّحْدِيدَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَمْ يَنْقُلُوهُ وَكَوْنُهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي السَّفَرِ شَيْئًا لَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّتِهِ إلَّا لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَشَمِلَ سُورَةَ الْكَوْثَرِ فَمَا فِي الْحَاوِي مِنْ تَعْيِينِهِ بِمِقْدَارِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَصَاعِدًا مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى إخْرَاجِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ التَّعْمِيمِ وَالتَّفْوِيضِ إلَى مَشِيئَتِهِ بِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ الْحَاصِلِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِسُورَةٍ دُونَ سُورَةٍ يَدُلُّ عَلَى الشُّمُولِ.

(قَوْلُهُ وَفِي الْحَضَرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ لَوْ فَجْرًا أَوْ ظُهْرًا وَأَوْسَاطُهُ لَوْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَقِصَارُهُ لَوْ مَغْرِبًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنْ اقْرَأْ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُ الْمُفَصَّلِ وَلِأَنَّ مَبْنَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْعَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأْخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ فِي التَّطْوِيلِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُسْتَحَبٍّ فَيُؤَقَّتُ فِيهِمَا بِالْأَوْسَاطِ، وَالطِّوَالُ وَالْقِصَارُ بِكَسْرِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا جَمْعُ طَوِيلَةٍ وَقَصِيرَةٍ كَكِرَامٍ وَكَرِيمَةٍ، وَأَمَّا الطُّوَالُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ وَالْأَوْسَاطُ جَمْعُ وَسَطٍ بِفَتْحِ السِّينِ مَا بَيْنَ الْقِصَارِ وَالطِّوَالِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُفَصَّلَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ طِوَالٌ، وَمِنْهَا إلَى لَمْ يَكُنْ أَوْسَاطٌ، وَمِنْهَا آخِرَ الْقُرْآنِ قِصَارٌ وَبِهِ صَرَّحَ فِي النُّقَايَةِ وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ فِيهِ، وَقِيلَ لِقِلَّةِ النُّسُوخِ فِيهِ وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مَا يُسَنُّ فِي حَقِّ الْإِمَامِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَأَفَادَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ الْمُفَصَّلِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْفَتَاوَى قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَشَايِخُنَا اسْتَحْسَنُوا قِرَاءَةَ الْمُفَصَّلِ لِيَسْتَمِعَ الْقَوْمُ وَيَتَعَلَّمُوا اهـ.

وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ عَدَدَ الْآيَاتِ الَّتِي تُقْرَأُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ

ــ

[منحة الخالق]

الْمَذْكُورَةِ فِي الْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الطِّوَالِ فَحَمَلَهُ عَلَى مَا قِيلَ إنَّهَا مِنْ الْأَوْسَاطِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَوْسَطِ مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ يُجْعَلُ طَوِيلًا لِلتَّخْفِيفِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ أَنَّ نَحْوَ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ فِيهِ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ فِي الْمِقْدَارِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ آيَةً مَعَ التَّخْفِيفِ عَنْ طَلَبِ سِتِّينَ آيَةً فَأَكْثَرَ

(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَقِيلَ سُورَةُ الْقِتَالِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْحُجُرَاتُ فَهُوَ السُّبْعُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ مِنْ " ق " وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ الْجَاثِيَةُ، وَهُوَ غَرِيبٌ فَالطِّوَالُ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الْخِلَافِ إلَى الْبُرُوجِ وَالْأَوْسَاطُ مِنْهَا إلَى لَمْ يَكُنْ وَالْقِصَارُ الْبَاقِي، وَقِيلَ الطِّوَالُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى عَبَسَ وَالْأَوْسَاطُ مِنْهَا إلَى وَالضُّحَى وَالْبَاقِي الْقِصَارُ اهـ.

وَقِيلَ غَيْرُهَا قَالَ الرَّمْلِيُّ وَنَظَمَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ الْأَقْوَالَ فِي الْمُفَصَّلِ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ

مُفَصَّلُ قُرْآنٍ بِأَوَّلِهِ أَتَى

خِلَافٌ فَصَافَّاتٌ وَقَافٌ وَسَبِّحْ

وَجَاثِيَةٌ مُلْكٌ وَصَفٌّ قِتَالُهَا

وَفَتْحٌ ضُحَى حُجُرَاتُهَا ذَا الْمُصَحَّحْ

زَادَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ قَوْلَيْنِ فَأَوْصَلَهَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا: الرَّحْمَنُ قَالَ حَكَاهُ ابْنُ السَّيِّدِ فِي أَمَالِيهِ عَلَى الْمُوَطَّإِ وَالْإِنْسَانُ اهـ.

(تَنْبِيهٌ) الْغَايَةُ لَيْسَتْ مِمَّا قَبْلَهَا فَالْبُرُوجُ مِنْ الْأَوْسَاطِ لَا الطِّوَالِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَرَأَ فِي الْعَصْرِ فِي الْأُولَى الْبُرُوجَ، وَفِي الثَّانِيَة سُورَةَ الطَّارِقِ» اهـ.

كَذَا فِي الشرنبلالية أَقُولُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَلَا يَخْفَى دُخُولُ الْغَايَةِ فِي الْمُغَيَّا هُنَا اهـ.

وَنَقَلَ مِثْلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ خُرُوجُهَا فِيمَا عَدَا الْآخِرَ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ آخِرَ الْمُفَصَّلِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ بِلَا خِلَافٍ وَيُمْكِنُ إرْجَاعُ كَلَامِ النَّهْرِ وَالْبُرْجُنْدِيِّ إلَيْهِ، وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْإِشَارَةُ بِهُنَا إلَى جَمِيعِ حُدُودِ الْمُفَصَّلِ وَلَا مَحْذُورَ فِي التَّوْزِيعِ بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا أَوْصَلَ إلَى التَّوْفِيقِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.

وَقَدْ حَمَلَ الرَّمْلِيُّ كَلَامَ النَّهْرِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. أَقُولُ: لَكِنَّ كَلَامَ النَّهْرِ فِيمَا مَرَّ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ الطِّوَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي عِبَارَتِهَا حَيْثُ رَدَّ عَلَى أَخِيهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ عَدَدَ الْآيَاتِ الَّتِي تُقْرَأُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَتَقَدَّمَ عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ وَمِقْدَارُ الْخَاصِّ سُنَّةٌ أُخْرَى لَكِنْ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْمُحِيطِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمَذْكُورَ مُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ. وَالْفَرْضُ آيَةٌ، الْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَسُورَةٌ، وَالْمَسْنُونُ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَأَوْسَاطُهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَقِصَارُهُ فِي الْمَغْرِبِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ إذَا كَانَ مُقِيمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا أَوْ الْفَاتِحَةَ وَمَعَهَا آيَةٌ أَوْ آيَتَانِ.

ص: 360

لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالْمَشَايِخِ وَالْمَنْقُولُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سِوَى الْفَاتِحَةِ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ آيَةً وَاقْتَصَرَ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَرَوَى الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى مِائَةٍ وَوَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالُوا يُعْمَلُ بِالرِّوَايَاتِ كُلِّهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهِ، فَقِيلَ: مَا فِي الْمُجَرَّدِ مِنْ الْمِائَةِ مَحْمَلُ الرَّاغِبِينَ وَمَا فِي الْأَصْلِ مَحْمَلُ الْكَسَالَى أَوْ الضُّعَفَاءِ وَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ السِّتِّينَ مَحْمَلُ الْأَوْسَاطِ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إلَى طُولِ اللَّيَالِيِ وَقِصَرِهَا وَإِلَى كَثْرَةِ الْأَشْغَالِ، وَقِلَّتِهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مَحْمَلَ اخْتِلَافِ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُسَالَى، فَيُجْعَلُ قَاعِدَةً لِفِعْلِ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِنَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فِي الْحَضَرِ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانُوا كُسَالَى؛ لِأَنَّ الْكُسَالَى مَحْمَلُهَا اهـ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ قَالَ مَشَايِخُنَا إذَا كَانَتْ الْآيَاتُ قِصَارًا فَمِنْ السِّتِّينَ إلَى مِائَةٍ وَإِذَا كَانَتْ أَوْسَاطًا فَخَمْسِينَ وَإِذَا كَانَتْ طِوَالًا فَأَرْبَعِينَ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الظُّهْرَ كَالْفَجْرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِالطِّوَالِ وَذُكِرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ أَنَّ الظُّهْرَ كَالْعَصْرِ يَقْرَأُ فِيهِ بِالْأَوْسَاطِ

وَأَمَّا فِي عَدَدِ الْآيَاتِ فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الظُّهْرَ كَالْفَجْرِ فِي الْعَدَدِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ، وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَالِ وَعَيَّنَهُ فِي الْحَاوِي بِأَنَّهُ دُونَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَأَمَّا عَدَدُ الْآيِ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَعِشْرُونَ آيَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً فِيهِمَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا قَدْرُ مَا فِي الْمَغْرِبِ فَفِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ سُورَةٌ قَصِيرَةٌ خَمْسُ آيَاتٍ أَوْ سِتُّ آيَاتٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى الْأَصْلِ وَذَكَرَ فِي الْحَاوِي أَنَّ حَدَّ التَّطْوِيلِ فِي الْمَغْرِبِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ آيَاتٍ أَوْ سُورَةٌ قَصِيرَةٌ وَحْدُ الْوَسَطِ وَالِاخْتِصَارِ سُورَةٌ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ تَقْدِيرٌ مُعَيَّنٌ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَقْتِ وَحَالِ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ مَا يَخِفُّ عَلَى الْقَوْمِ وَلَا يُثْقِلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّمَامِ وَهَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.

(قَوْلُهُ وَتُطَالُ أُولَى الْفَجْرِ فَقَطْ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ وَهَذَا أَعْنِي إطَالَةَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِلتَّوَارُثِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى يَوْمِنَا هَذَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَيُعِينُ الْإِمَامُ الْجَمَاعَةَ بِتَطْوِيلِهَا رَجَاءَ أَنْ يُدْرِكُوهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُمْ بِالنَّوْمِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُخْتَصَرُ حَدَّ التَّطْوِيلِ وَبَيَّنَهُ فِي الْكَافِي بِأَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ أَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَالتَّفَاوُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَا بَأْسَ بِهِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ. اهـ.

وَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ قَدْرَ النِّصْفِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَحَدُّ الْإِطَالَةِ فِي الْفَجْرِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي الْأُولَى مِنْ ثَلَاثِينَ إلَى سِتِّينَ آيَةً، وَفِي قَوْلِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ التَّطْوِيلُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» وَاسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْعَصْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ عَشَرَ آيَةً» فَإِنَّهُ نَصٌّ ظَاهِرٌ فِي

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَقِيلَ يَنْظُرُ إلَخْ) أَيْ فَيَقْرَأُ فِي الشِّتَاءِ مِائَةً، وَفِي الصَّيْفِ أَرْبَعِينَ، وَفِي الْخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ خَمْسِينَ إلَى سِتِّينَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكُسَالَى الضُّعَفَاءُ وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ فِي أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الضُّعَفَاءُ فَجَازَ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حَالَهُمْ إذَا صَلُّوا مَعَهُ (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَعَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ.

(قَوْلُهُ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ) وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَهْنَسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَغَرِيبٌ وَلِذَا قَالَ تِلْمِيذُهُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ إطَالَةَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مَسْنُونَةٌ وَلَمْ أَرَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ.

أَقُولُ: بَلْ نَقَلَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُنِّيَّتِهَا. (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ قَدْرَ النِّصْفِ) اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ كَلَامَ الْخُلَاصَةِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْكَافِي إذْ لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى سِتِّينَ، وَفِي الثَّانِيَة ثَلَاثِينَ كَانَ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَدْرِ النِّصْفِ لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ مَا فِي الثَّانِيَةِ نِصْفُ مَا فِي الْأُولَى فَلَيْسَ قَوْلًا آخَرَ مُغَايِرًا لِمَا فِي الْكَافِي كَمَا يُشْعِرُ بِهِ مُقَابَلَتُهُ لَهُ، تَدَبَّرْ

ص: 361

الْمُسَاوَاةِ فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ فِيهِ نَاشِئًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَالتَّسْمِيَةِ وَقِرَاءَةِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَبَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَأَتَّى فِي قَوْلِهِ وَهَكَذَا الصُّبْحُ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي أَصْلِ الْإِطَالَةِ لَا فِي قَدْرِهَا فَهُوَ غَيْرُ الْمُتَبَادَرِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ أَحَبُّ اهـ.

وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ قَوْلُهُمَا بِاسْتِنَانِ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يُثْبِتَاهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَالْأَحَبُّ قَوْلُهُمَا لَا قَوْلُهُ وَحَيْثُ ظَهَرَ قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا كَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ

وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى الْإِمَامُ إذَا طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِكَيْ يُدْرِكَهَا النَّاسُ لَا بَأْسَ إذَا كَانَ تَطْوِيلًا لَا يُثْقِلُ عَلَى الْقَوْمِ اهـ.

فَأَفَادَ أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إنْ كَانَ لِقَصْدِ الْخَيْرِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِلَّا فَفِيهِ بَأْسٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ، وَفِي نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ تَسْتَوِي الرَّكْعَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَقَيَّدَ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّ إطَالَةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى تُكْرَهُ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّفَاوُتُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ، فَإِنْ كَانَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَإِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنْ الْأُخْرَى بِآيَةٍ كَذَا فِي الْكَافِي وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «قِرَاءَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَإِنَّ الْأُولَى تِسْعَ عَشَرَةَ آيَةً وَالثَّانِيَةَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ آيَةً، وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ

وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا أَوْ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ وَفِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ لَا يُوصَفُ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِاسْتِنَانِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَيَّدَ بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُسَوَّى فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ بَيْنَ رَكَعَاتِهَا فِي الْقِرَاءَةِ إلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَوْ الْأَثَرُ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِكَرَاهَةِ تَطْوِيلِ رَكْعَةٍ مِنْ التَّطَوُّعِ وَنَقْصِ أُخْرَى وَأَطْلَقَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ عَدَمَ كَرَاهَةِ إطَالَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهَا سَهْلٌ اخْتَارَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ.

(قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ)

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ هَكَذَا: وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهَذَا أَحَبُّ كَمَا فِي الْفَجْرِ اهـ.

وَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ لَفْظَ " هَذَا أَحَبُّ " مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ اهـ.

أَيْ صَاحِبُ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا (قَوْلُهُ وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِلْحَلَبِيِّ، وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى وَالْعَصْرِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْهُمَزَةَ يُكْرَهُ لِأَنَّ الْأُولَى ثَلَاثُ آيَاتٍ وَالثَّانِيَةَ تِسْعُ آيَاتٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فَزَادَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى بِسَبْعٍ لَكِنَّ السَّبْعَ فِي السُّوَرِ الطِّوَالِ يَسِيرٌ دُونَ الْقِصَارِ لِأَنَّ السِّتَّ هُنَا ضِعْفُ الْأَصْلِ وَالسَّبْعُ ثَمَّةَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ اهـ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْإِطَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَاحِشَةُ الطُّولِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَدِ الْآيَاتِ اهـ. كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ.

وَأَقُولُ: قَوْلُهُ لِأَنَّ السِّتَّ هُنَا أَيْ فِي الْهُمَزَةِ ضِعْفُ الْأَصْلِ أَيْ الْعَصْرِ وَقَوْلُهُ وَالسَّبْعُ ثَمَّةَ أَيْ فِي هَلْ أَتَى أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ أَيْ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ سَبِّحْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ الرَّمْلِيُّ

أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ زِيَادَةٌ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِ الْقُنْيَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الثَّلَاثَ آيَاتٍ إنَّمَا تُكْرَهُ فِي السُّوَرِ الْقِصَارِ لِظُهُورِ الطُّولِ فِيهَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ ظُهُورًا بَيِّنًا، وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِمَا دُونَ النِّصْفِ لَا تُكْرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً ظُهُورًا تَامًّا تُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَقِيقَةِ، وَلِوُرُودِ مِثْلُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَلَا تَغْفُلْ عَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْآيَاتِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ تَقَارُبِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِهَا فَالْمُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ بِالْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَإِلَّا فَأَلَمْ نَشْرَحْ لَك ثَمَانُ آيَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَانُ آيَاتٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْأُولَى فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِ الزِّيَادَةِ وَالطُّولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ الْآيُ لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمُ وَالْحُرُوفُ وَقِسْ عَلَى هَذَا اهـ.

وَبِهَذَا الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّقْدِيرُ بِالْكَلِمَاتِ عِنْدَ التَّفَاوُتِ بِطُولِ الْآيِ وَقِصَرِهَا انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الشرنبلالية قَالَ إذْ التَّفَاوُتُ

ص: 362

لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] أَرَادَ بِعَدَمِ التَّعْيِينِ عَدَمَ الْفَرْضِيَّةِ وَإِلَّا فَالْفَاتِحَةُ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَشَارَ إلَى كَرَاهَةِ تَعْيِينِ سُورَةٍ لِصَلَاةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ كَتَعْيِينِ سُورَةِ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِي فَجْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي الْوِتْرِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِغَيْرِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ لَمْ يُفَصِّلْ، وَهُوَ إيهَامُ التَّفْضِيلِ وَهَجْرُ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ والإسبيجابي مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا رَآهُ حَتْمًا يُكْرَهُ غَيْرُهُ أَمَّا لَوْ قَرَأَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا كَرَاهَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ اهـ.

وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلَ كَرَاهَةِ الْمُدَاوَمَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ لَا هَجْرُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْبَاقِي فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ حَنَفِيَّةُ الْعَصْرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ فَإِنَّ الْإِيهَامَ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَلِذَا قَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَظَاهِرُ هَذَا إفَادَةُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيهَامَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَلِّي نَفْسِهِ. اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْوِتْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ إمَامًا أَوْ لَا، فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إيهَامُ التَّعْيِينِ، وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ الْمَشَايِخُ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي فَهُوَ مَوْجُودٌ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ إمَامًا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ مُطْلَقًا.

(قَوْلُهُ وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّائِي كَالْقَرِيبِ) لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} [المزمل: 20] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ إجْمَاعًا فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِعُمُومِ الْحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَإِنْ قُلْت: حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْفَاتِحَةِ عَمَلًا بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ قُلْت: التَّخْصِيصُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْمُورِينَ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِالظَّنِّيِّ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسِّرِّيَّةَ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَرَّحَ فِي كُتُبِهِ بِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِهِمَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ خَلْفَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُطْلِقُوا اسْمَ الْحُرْمَةِ عَلَيْهَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَهَا إلَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَدَعْوَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ مَمْنُوعَةٌ بَلْ الِاحْتِيَاطُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَسَادُ الصَّلَاةِ

ــ

[منحة الخالق]

بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ لِتَفَاوُتِ آيَاتِهِمَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ مِنْ غَيْرِ تَقَارُبٍ وَتَفَاوُتُهُمَا فِي الْكَلِمَاتِ يَسِيرٌ

(قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ إلَخْ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّهُ أَيْ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ اهـ.

وَمُقْتَضَى جَعْلِ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ ذَلِكَ دُونَ هَجْرِ الْبَاقِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّعْيِينُ لِلْمُنْفَرِدِ لِانْتِفَاءِ الْإِيهَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَنَظَرَ فِيهِ بِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: قَدْ عَلَّلَ الْمَشَايِخُ بِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا عِلَّتَانِ وَبِهَذَا اتَّجَهَ مَا فِي الْفَتْحِ

(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ) أَيْ يَسْتَمِعُ الْمُؤْتَمُّ، وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ مَا ذُكِرَ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ أَمَّ فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِي الْفَرْضِ كَذَلِكَ، وَفِي النَّفْلِ يَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذُ مِنْ النَّارِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا وَيَتَفَكَّرُ فِي آيَةِ الْمَثَلِ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حَدِيثَ «حُذَيْفَةَ رضي الله عنه وَإِنَّهُ صَلَّى مَعَهُ عليه الصلاة والسلام فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إلَّا سَأَلَ فِيهَا وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إلَّا تَعَوَّذَ فِيهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُ فِي النَّافِلَةِ، وَهُمْ صَرَّحُوا بِالْمَنْعِ إلَّا أَنَّهُمْ عَلَّلُوا بِالتَّطْوِيلِ عَلَى الْمُقْتَدِي وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَّ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ فَعَلَهُ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ وَالْكُسُوفِ وَإِلَّا فَالتَّجَمُّعُ فِي النَّافِلَةِ مَكْرُوهٌ وَفِي غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي الْآيَةِ صِيغَتَيْ عُمُومٍ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَمَا، وَالتَّخْصِيصُ حَصَلَ لِلْأُولَى فَيَلْحَقُهَا التَّخْصِيصُ ثَانِيًا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ) أَيْ فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى مَا قَالُوهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ

ص: 363