الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى وَيُعْمَلُ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا أَوْ قَوْلِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ ضَعْفِ دَلِيلٍ أَوْ تَعَامُلٍ بِخِلَافِهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَإِنْ صَرَّحَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَحْوَطُ.
(قَوْلُهُ: وَالْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ مِنْهُ إلَى الصُّبْحِ) أَيْ وَقْتُهُمَا مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَكَوْنِ وَقْتِهِمَا وَاحِدًا مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا وَقْتُ الْوِتْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لَهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَلَهُمَا مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ لَا يُقَدَّمُ الْوِتْرُ عَلَى الْعِشَاءِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَلِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا اعْتِقَادًا وَالْآخَرُ عَمَلًا فَأَفَادَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّذَكُّرِ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ الْوِتْرَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُهُ وَعِنْدَ النِّسْيَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْعِشَاءِ تَبَعًا لَهَا فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَهَا كَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ أَصْلًا وَأَشَارَ إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ الْفَوَائِتَ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِسُنِّيَّتِهِ وَفِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ أَنَّهُمَا يُوَافِقَانِ أَبَا حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا فِي سَائِرِ السُّنَنِ وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُجُوبِ الثُّبُوتُ لَا الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ عِنْدَهُمَا سُنَّةٌ فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عِنْدَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا) أَيْ الْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ فِيهِ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ كَبُلْغَارَ وَفِي أَقْصَرِ لَيَالِي السَّنَةِ فِيمَا حَكَاهُ مُعْجَمُ صَاحِبِ الْبُلْدَانِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَأَفْتَى بِهِ الْبَقَّالِيُّ كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ الْوُضُوءِ عَنْ مَقْطُوعِهِمَا مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهَا وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَبَيْنَ سَبَبِهِ الْجَعْلِيِّ الَّذِي جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى الْوُجُوبِ الْخَفِيِّ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَوَازُ تَعَدُّدِ الْمُعَرِّفَاتِ لِلشَّيْءِ فَانْتِفَاءُ الْوَقْتِ انْتِفَاءُ الْمُعَرِّفِ وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَهُ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْإِسْرَاءِ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ الصَّلَاةَ خَمْسًا إلَى آخِرِهِ وَالصَّحِيحُ
ــ
[منحة الخالق]
قُلْتُ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَمْ يَرْوِ الْبَيْهَقِيُّ الشَّفَقَ الْأَحْمَرَ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَتَمَامُهُ فِيهِ.
[وَقْت صَلَاة الْعِشَاءُ]
(قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَظَاهِرُ مَا أَخْرَجَ إِسْحَاقُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ وَهِيَ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» ، فَإِنْ قُلْتُ: يَنْبَغِي حَمْلُ الرِّوَايَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُجْعَلَ لَفْظُ صَلَاةِ الْمَلْفُوظِ فِيهِمَا مُقَدَّرًا جَمْعًا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا بَلْ الْأَمْرُ بِالْقَلْبِ فَإِنَّ الْعِشَاءَ مُحْكَمٌ فِي الْوَقْتِ وَصَلَاةُ الْعِشَاءِ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ آتِيَك لِصَلَاةِ كَذَا وَالْمُرَادُ آتِيَك لِوَقْتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي رَدِّ الْمُحْتَمِلِ إلَى الْمُحْكَمِ عِنْدَ صُورَةِ التَّعَارُضِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ نَظِيرَ هَذَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَأَنَّهُ قَالَ «تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، ثُمَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْوُجُوبِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا) أَيْ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْعَائِدَ عَلَى مَنْ وَهُوَ لَا يَسُوغُ حَذْفُهُ فِي مِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْ مَوْصُولَةً أَوْ شَرْطِيَّةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً فَلِأَنَّهَا مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهَا صِلَتُهَا وَلَمْ يَجِبَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَتَى كَانَ جُمْلَةً فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلَّا إذَا كَانَ مَنْصُوبًا فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ
وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتِنَا
أَيْ يَحْمَدُهُ أَوْ كَانَ مَجْرُورًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَهْيِئَةِ الْعَامِلِ لِلْعَمَلِ وَقَطْعِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ أَيْ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى فَلَا يَسُوغُ حَذْفُهُ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ مَرَرْت وَهَذَا مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً فَلِأَنَّ اسْمَ الشَّرْطِ أَوْ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا بُدَّ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ جَوَابًا لَهُ مِنْ ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَيْهِ فَتَقُولُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ مَعَهُ وَغُلَامُ مَنْ تُكْرِمْ أُكْرِمْهُ وَلَا يَجُوزُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ وَلَا غُلَامَ مَنْ تُكْرِمْ أُكْرِمْ فَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) أَقُولُ: رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ شَارِحُ الْمُنْيَةِ وَوَافَقَهُ الْعَلَّامَةُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى وَالشُّرُنْبُلاليّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَحَوَاشِيهِ عَلَى الدُّرَرِ وَالْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ وَكَذَا أَخُو الْمُؤَلِّفِ فِي نَهْرِهِ وَتَابَعَهُمْ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ وَلَكِنْ انْتَصَرَ لِلْمُحَقِّقِ ابْنُ الْهُمَامِ فَلْيُتَدَبَّرْ شَرْحُ التَّنْوِيرِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ الْمَدَارِيُّ وَرَدَّ كَلَامَ شَارِحِ الْمُنْيَةِ فِي حَاشِيَتِهِ وَكَتَبْت فِي هَامِشِهِ مَا يَدْفَعُ جَوَابَهُ بِأَظْهَرِ وَجْهٍ وَأَبْيَنِهِ فَلْيُرَاجَعْ ذَلِكَ
أَنَّهُ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ لِفَقْدِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَمَنْ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْعِشَاءِ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ الْوِتْرُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) لِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَحَمَلَهُ عَلَى تَبَيُّنِ طُلُوعِهِ يَأْبَاهُ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «كُلَّمَا أَصْبَحْتُمْ بِالصُّبْحِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْإِسْفَارِ وَالْخَتْمُ بِهِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْأَصْحَابِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِالْغَلَسِ وَالْخَتْمُ بِالْإِسْفَارِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالُوا يُسْفِرُ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلَاتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ وَقِيلَ يُؤَخِّرُهَا جِدًّا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مَوْهُومٌ فَلَا يَتْرُكُ الْمُسْتَحَبَّ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْكِتَابِ لَكِنْ لَا يُؤَخِّرُهَا بِحَيْثُ يَقَعُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ حَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَاجَّ بِمُزْدَلِفَةَ لَا يُؤَخِّرُهَا وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْفَجْرِ الْغَلَسُ وَفِي غَيْرِهَا الِانْتِظَارُ إلَى فَرَاغِ الرِّجَالِ عَنْ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَظُهْرُ الصَّيْفِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهُ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ» وَالْمُرَادُ الظُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ السُّؤَالِ عَنْهَا وَحَدُّهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْمِثْلِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ أَوْ لَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ لَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قِيلَ وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ أَصْلًا وَاسْتِحْبَابًا فِي الزَّمَانَيْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. (قَوْلُهُ: وَالْعَصْرُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَأَرَادَ بِالتَّغَيُّرِ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهَا الْعُيُونُ عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا إلَيْهِ مَكْرُوهٌ لَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْ تَرْكِهَا فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا، كَذَا فِي السِّرَاجِ وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَمَدَّهُ إلَيْهِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْكَرَاهَةِ مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ مُتَعَذِّرٌ فَجُعِلَ عَفْوًا، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَحُكْمُ الْآذَانِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلًا وَتَأْخِيرًا صَيْفًا وَشِتَاءً كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَالْعِشَاءُ إلَى الثُّلُثِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» وَفِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ إلَى مَا قَبْلَ الثُّلُثِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى الثُّلُثِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَوُفِّقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الشِّتَاءِ وَالثَّانِي عَلَى الصَّيْفِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ. اهـ.
وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْعِشَاءِ فِي الصَّيْفِ لِئَلَّا تَتَقَلَّلَ الْجَمَاعَةُ وَأَفَادَ أَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَقَالُوا إنَّهُ مُبَاحٌ وَإِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ إلَى مَا بَعْدَ الثُّلُثِ مَكْرُوهٌ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ وَكَانَ يَكْرَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي عِبَارَتِهِ فِي الْبَدَائِعِ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ آخِرُ الْوَقْتِ فِي الصَّيْفِ وَشَرَطَ الشَّافِعِيُّ لَهُ شِدَّةَ الْحَرِّ وَحَرَارَةَ الْبَلَدِ وَالصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَقَصْدَ النَّاسِ لَهَا مِنْ بَعِيدٍ وَبِهِ جَزَمَ فِي السِّرَاجِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ مُطْلَقًا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ يَأْبَاهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا إلَيْهِ مَكْرُوهٌ لَا الْفِعْلُ) أَيْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي نَفْسِ التَّأْخِيرِ لَا فِي نَفْسِ الْفِعْلِ وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَتَرْجِيحُ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِي كُلٍّ مِنْ التَّأْخِيرِ وَالْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالتُّحْفَةِ وَمُحِيطِ رَضِيِّ الدِّينِ وَالْبَدَائِعِ تَقْيِيدُ التَّأْخِيرِ إلَى الثُّلُثِ بِالشِّتَاءِ، أَمَّا الصَّيْفُ فَيُنْدَبُ فِيهِ التَّعْجِيلُ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّعْجِيلُ فِي الصَّيْفِ وَكَلَامُ الْقُدُورِيِّ فِي التَّأْخِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ بِالشِّتَاءِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْمُغَيَّا فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» لِيَنْطَبِقَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُدَّعِي. اهـ. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا بِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى كُلٍّ لَا يَدْخُلُ الثُّلُثُ لِوُجُودِ لَفْظَةِ قَبْلَ عَلَى أَنَّهُ تَبْقَى الْمُنَافَاةُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَوْ نِصْفَهُ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ وَوَفَّقَ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا قَبْلَ آخِرِ الثُّلُثِ وَانْتِهَاؤُهَا فِي آخِرِهِ وَلَوْ بِالتَّخْمِينِ وَقَالَ فِي الشرنبلالية، وَقَدْ ظَفِرْت بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ إلَيْهِ وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْبُرْهَانِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُوَفَّقُ بِهِ لِفَكِّ التَّعَارُضِ. اهـ.
أَيْ التَّعَارُضِ بَيْنَ عِبَارَتَيْ الْقُدُورِيِّ وَالْكَنْزِ كَمَا هُوَ مُنْشَأُ كَلَامِ صَاحِبِ الدُّرَرِ