الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَكَذَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْقِطَاعٌ بِجَفَافٍ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ ثُمَّ تَرَى الْقَصَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَايَةُ الْقَصَّةَ لَمْ تَجِبْ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى سَائِرِ الْأَلْوَانِ وَجَبَتْ وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِهِمْ وَعِبَارَاتُهُمْ فِي إعْطَاءِ الْأَحْكَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَأَيْت فِي مَرْوِيِّ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَيْطَةَ مَوْلَاةِ عَمْرَةَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ إذَا أَدْخَلَتْ إحْدَاكُنَّ الْكُرْسُفَ فَخَرَجَتْ مُتَغَيِّرَةً فَلَا تُصَلِّي حَتَّى لَا تَرَى شَيْئًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَايَةَ الِانْقِطَاعُ. اهـ.
، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا التَّرَدُّدُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا فُسِّرَتْ الْقَصَّةُ بِأَنَّهَا بَيَاضٌ مُمْتَدٌّ كَالْخَيْطِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ ضَعْفُ هَذَا التَّفْسِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ أَنْ تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ أَوْ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْتَشِي بِهَا الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لَا تُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلَا تُرَبِيَّةٌ، وَيُقَالُ: إنَّ الْقَصَّةُ شَيْءٌ كَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ يَخْرُجُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ كُلِّهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ اللَّوْنِ وَأَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ أَلْبَتَّةَ فَضُرِبَ رُؤْيَةُ الْقَصَّةِ مَثَلًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَائِيَ الْقَصَّةَ غَيْرُ رَائِي شَيْءٍ مِنْ سَائِرِ أَلْوَانِ الْحَائِضِ. اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَصَّةَ مَجَازٌ عَنْ الِانْقِطَاعِ وَأَنَّ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا شَيْءٌ كَالْخَيْطِ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ يُقَالُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّمْرِيضِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الِانْقِطَاعُ آخِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ دَلِيلَهُمْ مُوَافِقٌ لِعِبَارَاتِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ثُمَّ وَضْعُ الْكُرْسُفِ مُسْتَحَبٌّ لِلْبِكْرِ فِي الْحَيْضِ وَلِلثَّيِّبِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُ الْبَكَارَةِ وَيُكْرَهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ. اهـ.
وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلثَّيِّبِ حَالَةَ الْحَيْضِ مُسْتَحَبَّةٌ حَالَةَ الطُّهْرِ وَلَوْ صَلَّتَا بِغَيْرِ كُرْسُفٍ جَازَ.
(قَوْلُهُ: يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ فَذَكَرَ بَعْضَهَا وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِهَا، فَنَقُولُ: إنَّ الْحَيْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: أَحَدُهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا أَغْسَالُ الْحَجِّ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّنْظِيفُ لَا الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الطَّهَارَةِ عَلَيْهَا فَمَنْقُولٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ عَلَى مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ وَفِي رِوَايَةٍ يُكْتَبُ لَهَا ثَوَابُ أَحْسَنِ صَلَاةٍ كَانَتْ تُصَلِّي وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهَا تَجْلِسُ مِقْدَارَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَيْ لَا تَنْسَى الْعَادَةَ.
الثَّانِي: يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْقُدُورِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ. فَأَفَادَ ظَاهِرًا عَدَمَ تَعَلُّقِ أَصْلِ الْوُجُوبِ بِهَا وَهَذَا لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ يَسْتَتْبِعُ فَائِدَتَهُ، وَهِيَ إمَّا الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ رَفْعِهِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ لِتَضَاعُفِ الْوَاجِبَاتِ خُصُوصًا فِيمَنْ عَادَتُهَا أَكْثَرُهُ فَانْتَفَى الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ لَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْخِطَابِ، وَلِذَا تَعَلَّقَ بِهَا خِطَابُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ إذْ غَايَةُ مَا تَقْضِي فِي السَّنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إذَا كَانَ حَيْضُهَا عَشَرَةً، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ يُسْقِطُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا وَيَقُولُونَ
ــ
[منحة الخالق]
[مَا يَمْنَعهُ الْحَيْض]
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُفِيدُ ظَاهِرٌ إلَخْ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُقْتَضَاهُ سَبْقُ تَكْلِيفٍ بِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ الَّذِي سَقَطَ هُوَ مَا كَانَ قَبْلَ وُجُودِ الْعُذْرِ لَكَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا وَعَلَيْهِ يَتَسَاوَى الْمَنْعُ مَعَ السُّقُوطِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ فَلَا تَرِدُ عَلَى أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ سَابِقٌ عَلَى النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 435 وَالنَّوَوِيُّ مَوْلِدُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ 631 بَلْ اخْتِيَارُهُ وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَارِدٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَذْهَبِيَّ. اهـ.
كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِيِّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ. اهـ.
أَقُولُ: ثُمَّ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمَا شَمَلَ الْمُبْتَدِأَةَ بِالْحَيْضِ إذْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهَا قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ وَلَعَلَّهُ لَمَّا قُلْنَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَدْ دَفَعَ فِي النَّهْرِ الْمُنَافَاةَ مِنْ أَصْلِهَا فَقَالَ وَكَوْنُ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ ظَاهِرَةً فِيمَا قَالَ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفَتْحِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ إذْ سُقُوطُ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ، وَحِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ لَا تُنَافِي مَا قَالَهُ الدَّبُوسِيُّ فِي أُصُولِهِ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ هَلْ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ أَمْ لَا فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ فِيمَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ هَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ أَمْ لَا؟ اخْتَارَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ وَالسُّقُوطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ قَالَ: لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَهْلٌ لِإِيجَابِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ يَعْنِي الْقُدُورِيَّ بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ كُنَّا عَلَى هَذَا مُدَّةً ثُمَّ تَرَكْنَاهُ وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّهْرِ إبْقَاءُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَالَ: إنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ السُّقُوطَ فِي عِبَارَةِ النَّوَوِيِّ بِالِانْتِفَاءِ كَمَا
أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا يَجِبُ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَنْهَا.
الثَّالِثُ: يُحَرِّمُهَا.
الرَّابِعُ: يَمْنَعُ صِحَّتَهَا.
الْخَامِسُ: يُحَرِّمُ الصَّوْمَ.
السَّادِسُ - يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ فَلَا لِمَا قَدَّمْنَا وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ.
السَّابِعُ: يُحَرِّمُ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ.
الثَّامِنُ: يُحَرِّمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
التَّاسِعُ: يُحَرِّمُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ.
الْعَاشِرُ: يُحَرِّمُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الِاعْتِكَافَ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: يَمْنَعُ صِحَّتَهُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: يُفْسِدُهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّوَافَ مِنْ جِهَتَيْنِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ لَهُ. لَكِنْ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا فَانْدَفَعَ بِهِ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَوَافِهَا مُطْلَقًا.
الْخَامِسَ عَشَرَ: يَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الصَّدْرِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: تَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ.
الْعِشْرُونَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: يُوجِبُ الْغُسْلَ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْفِطْرِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ تُقْطَعُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّفَاسِ إلَّا خَمْسَةً: وَهِيَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَالْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَالْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَعَدَمُ قَطْعِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّ هَذِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ اثْنَا عَشَرَ ثَمَانِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ لَيْسَ بِجَامِعٍ.
ثُمَّ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِبُرُوزِ الدَّمِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِصَابِ الْحَيْضِ لَكِنْ يَسْتَنِدُ إلَى ابْتِدَائِهِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِانْقِضَائِهِ فَالثَّانِي هُوَ الْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَوُجُوبُ الْغُسْلِ وَالثَّالِثُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَبَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: فَتَقْضِيهِ دُونَهَا) أَيْ فَتَقْضِي الصَّوْمَ لُزُومًا دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ «عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْت لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا بِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَكَرُّرِ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا وَاحِدًا وَالْمَرْأَةُ لَا تَحِيضُ عَادَةً فِي الشَّهْرِ إلَّا مَرَّةً فَلَا حَرَجَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ، وَإِنْ نَفِسَتْ رَمَضَانَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي رَمَضَانَ كُلَّهُ نَادِرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ.
وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا رَأَتْ الدَّمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ سَأَلَتْ آدَمَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا طَهُرَتْ سَأَلَتْهُ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَعَدَمِ قَضَائِهِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَضَاءِ الصَّوْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ آدَمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ سَبَبَ قَضَائِهِ تَرْكُ حَوَّاءَ السُّؤَالَ لَهُ وَقِيَاسُهَا الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ فَجُوزِيَتْ بِقَضَائِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ السُّؤَالِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالصَّوْمِ حَالَ حَيْضِهَا لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْأَدَاءُ قُلْنَا: أَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ فَانْعِقَادُ السَّبَبِ يَكْفِي لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُخَاطَبْ بِالْأَدَاءِ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْحَرُورِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ
ــ
[منحة الخالق]
فَعَلَهُ الْمُؤَلِّفُ لِيَصِحَّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ كَقَوْلِ الدَّبُوسِيِّ فَقَوْلُهُ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَخْ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِالِانْتِفَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ قَطْعًا فَظَهَرَ أَنَّ السُّقُوطَ مَعْنَاهُ الِانْتِفَاءُ فِي عِبَارَتَيْ الْقُدُورِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَأَنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ إذْ هُوَ قَوْلٌ رَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ فِيهِ إخْلَالًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ عَنْ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ تَحَقُّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَفِي الْآخِرَةِ وَهِيَ الْجَزَاءُ وَبِأَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لَكَانَ يَنْبَغِي إذَا أَدَّى أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْمُؤَدَّى عَنْ الْوَاجِبِ بِالِاتِّفَاقِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ تَبِعَ فِيهِ الْإِمَامَ السُّبْكِيَّ لَكِنَّهُ قَالَهُ فِي الصَّوْمِ قَالَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَالَةَ الْعُذْرِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَالْقَضَاءُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ فِيمَا إذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا نَوَتْ الْقَضَاءَ وَإِلَّا نَوَتْ الْأَدَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتُ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ نَعَمْ يَبْقَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيهَامُ أَنَّ الصَّوْمَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ يَمْنَعُ صَلَاةً أَيْ حِلَّهَا لِتَنَاسُبِ الْمَعْطُوفَاتِ فَالْأَوْلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ
مَنْسُوبَةٌ إلَى حَرُورَاءَ قَرْيَةٍ بِالْكُوفَةِ كَانَ بِهَا أَوَّلُ تَحَكُّمِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا فِي التَّعَمُّقِ فِي سُؤَالِهَا كَأَنَّهَا خَارِجِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّقُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ حَتَّى خَرَجُوا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.
(قَوْلُهُ: وَدُخُولُ مَسْجِدٍ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْجَبَّانَةُ وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُهُ كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ فَلَا يَمْنَعَانِ مِنْ دُخُولِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمُتَّخَذُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَ فِي الْقُنْيَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا فَهِيَ مَسْجِدٌ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْجَبَّانَةُ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الْمُرُورِ وَحُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَا الْمَسْجِدُ مَلْآنَ. اهـ.
وَأَمَّا فِي جَوَازِ دُخُولِ الْحَائِضِ فَلَيْسَ لِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ مِنْ أَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ وَظُلَّةَ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ فِي الظُّلَّةِ بِأَنَّهَا حُكْمُهُ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ لَا فِي حُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِهِمَا الْمَسْجِدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَنْ ضَرُورَةٍ فَقَالَ وَحَرُمَ عَلَى الْجُنُبِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لِلْعُبُورِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَكُونَ بَابُ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ خَالَفَ إطْلَاقَ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُ بَابِهِ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا عَنْ أَفْلَتَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ تَضْعِيفَهُ بِسَبَبِ جَهَالَةِ أَفْلَتَ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَدَجَاجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ بِخِلَافِ وَاحِدَةِ الدَّجَاجِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولَ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَعَلَيَّ أَبِي الْيُسْرِ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إرَادَةِ مَكَانِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ مَجَازًا فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانَ مَكَانِ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ لَا حَالَ الْعُبُورِ أَوْ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الصَّلَاةِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانُ الصَّلَاةِ وَمَوْضِعِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَلَا مُوجِبَ لَهُ إلَّا تَوَهُّمُ لُزُومِ جَوَازِ الصَّلَاة جُنُبًا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَنْعِ الْمُغَيَّا بِالِاغْتِسَالِ وَهَذَا التَّوَهُّمُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُهَا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ أَيْ مُسَافِرًا بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ مُؤَدَّى التَّرْكِيبِ لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا لَا حَالَ عُبُورِ السَّبِيلِ فَلَكُمْ أَنْ تَقْرَبُوهَا بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَبِالتَّيَمُّمِ يَصْدُقُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ نَعَمْ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ إطْلَاقُ الْقُرْبَانِ حَالَ الْعُبُورِ لَكِنْ يَثْبُتُ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ فِيهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِعَابِرِي السَّبِيلِ الْمُسَافِرُونَ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ دَلِيلُهُمَا عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْمَنْعِ الْمُسَافِرِينَ فَكَانَ الْمُقِيمُ دَاخِلًا فِي الْمَنْعِ وَجَوَابُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَصَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْآيَةِ كَمَا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فِي الْمَرِيضِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَإِجْمَاعُهُمْ إنَّمَا كَانَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَإِذَا
ــ
[منحة الخالق]
بَدَلَ الْمَسْحِ كُرِهَ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ إلَخْ) قِيلَ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تُجْعَلْ الظُّلَّةُ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ لَمْ تُلْحَقْ بِهِ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُ ظُلَّةِ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلَامِ فِيهِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا جُعِلَتْ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ أُلْحِقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ فَرْضِ أَنَّ الْبُقْعَةَ الْخَارِجَةَ عَنْ جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ لِيَكُونَ مَا فِي هَوَائِهَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ الْمُسْتَمِرُّ فِي إنْشَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَكُونُ لِهَذِهِ الظُّلَّةِ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي لِلْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا فِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ) أَيْ قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى إبَاحَةِ الدُّخُولِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ
تَحَقَّقَ فِي الْمِصْرِ جَازَ وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ قِيلَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَأَنْتُمْ تَأْبَوْنَهُ قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُحَصَّلَهَا لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَاقْرَبُوهَا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ؛ لَا أَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ، فَالرَّفْعُ وَعَدَمُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ثُمَّ اُسْتُفِيدَ كَوْنُهُ رَافِعًا مِنْ خَارِجٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
وَيَدُلُّ لِلْمَذْهَبِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَك» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ قُلْت لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ مَا مَعْنَاهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَك نَعَمْ تُعُقِّبَ تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ سَالِمَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْمُلَقِّنِ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي أَكْبَرِ مَعَاجِمِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ أَبِي سَلَمَةَ اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ حَدِيثَ «سُدُّوا كُلَّ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» جَاءَ مِنْ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرْوُونَ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ قَالَ يَعْنِي الْبَزَّارَ عَلَى أَنَّ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ.
وَأَخْرَجَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ الْمُطَّلِبِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ إلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ» ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ قَوِيٌّ اهـ.
فَقَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ الِاجْتِيَازِ وَالْقُعُودِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ غَيْرَ عَلِيٍّ خُصُوصِيَّةً لَهُ كَمَا خَصَّ الزُّبَيْرَ بِإِبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَمَّا شَكَا مِنْ أَذَى الْقَمْلِ وَخَصَّ غَيْرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فَقَالَ يَوْمًا سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ أُنَاسٌ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْت بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا سَدَدْت شَيْئًا وَلَا فَتَحْته وَلَكِنِّي أُمِرْت بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْته»
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَيَسْتَوِي فِي الْمَنْعِ الْمُكْثُ أَوْ عُبُورُ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِ خِلَافَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الشِّيعَةِ إنَّهُ رَخَّصَ لِآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الدُّخُولَ فِي الْمَسْجِدِ لِمُكْثٍ أَوْ عُبُورٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لِعَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ يَمْكُثُوا فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانُوا جُنُبًا، وَكَذَا رَخَّصَ لَهُمْ لُبْسَ الْحَرِيرِ» إلَّا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ لَا نَأْخُذُ بِهِ اهـ.
قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشِّيعَةُ لِأَهْلِ عَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ اخْتِلَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالشُّذُوذِ عَلَى التَّرْخِيصِ لِعَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ جُنُبًا فَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ قَضَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ عَلَى حَدِيثِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» بِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ وَهُوَ مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ، وَقَدْ دَفَعَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ فِي الذَّبِّ عَنْ مُسْنَدٍ أَحْمَدَ وَأَفَادَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مُتَظَافِرَةٍ مِنْ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَبَيَّنَ عَدَمَ مُعَارَضَتِهِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الشَّارِعَةَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ رَامَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ جُنُبًا وَمُكْثَهُ فِيهِ مِنْ خَوَاصِّهِ وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَوَّاهُ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ تَيَمَّمَ لِلْخُرُوجِ إذَا لَمْ يَخَفْ، وَإِنْ خَافَ يَجْلِسُ مَعَ التَّيَمُّمِ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ اهـ.
وَصَرَّحَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا) كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ لَا أَنَّ بِلَا النَّافِيَةِ وَأَنَّ وَكَأَنَّ الْأَلِفُ بَعْدَ لَا سَاقِطَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ
فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا التَّيَمُّمَ مُسْتَحَبٌّ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ الْخَوْفُ مِنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ بِهِ بَدَنًا أَوْ مَالًا كَأَنْ يَكُونَ لَيْلًا.
(قَوْلُهُ: وَالطَّوَافَ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها لَمَّا حَاضَتْ بِسَرِفٍ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» فَكَانَ طَوَافُهَا حَرَامًا وَلَوْ فَعَلَتْهُ كَانَتْ عَاصِيَةً مُعَاقَبَةً وَتَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ إحْرَامِهَا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ كَطَوَافِ الْجُنُبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَّلَ لِلْمَنْعِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ جُنُبًا لَيْسَ مَنْظُورًا فِيهِ إلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِالذَّاتِ بَلْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَسْجِدٌ حَرُمَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ عَلَيْهَا إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ خَارِجَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَرْكُهَا يُوجِبُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَلَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ إلَّا تَرْكُ الْفَرْضِ وَلَوْ حَاضَتْ بَعْدَمَا دَخَلَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَطُوفَ وَحَرُمَ مُكْثُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (قَوْلُهُ: وَقُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ قُرْبَانَ زَوْجِهَا مَا تَحْتَ إزَارِهَا، أَمَّا حُرْمَةُ وَطْئِهَا عَلَيْهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَوَطْؤُهَا فِي الْفَرْجِ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ عَامِدًا مُخْتَارًا كَبِيرَةٌ لَا جَاهِلًا وَلَا نَاسِيًا وَلَا مُكْرَهًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَجِبُ التَّعْزِيرُ أَمْ لَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ وَقِيلَ بِدِينَارٍ إنْ كَانَ أَوَّلَ الْحَيْضِ وَنِصْفِهِ أَنْ وَطِئَ فِي آخِرِهِ كَأَنَّ قَائِلُهُ رَأَى أَنْ لَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «إذَا وَاقَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا أَخْبَرَتْهُ بِالْحَيْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَفِيفَةً يَقْبَلُ قَوْلَهَا وَتَرَكَ وَطْأَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ صِدْقُهَا مُمْكِنًا بِأَنْ كَانَتْ فِي أَوَانِ حَيْضِهَا قُبِلَتْ وَلَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا فِي الْعِدَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْوَطُ وَأَقْرَبُ إلَى الْوَرَعِ. اهـ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا اتِّفَاقًا كَمَا قَالُوا فِي إخْبَارِ الْفَاسِقِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ إذَا كَانَتْ عَفِيفَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَّبَهَا مُطْلَقًا لِتَقْصِيرِهِ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا وَهَذَا إذَا وَطِئَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالِاخْتِيَارِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمْ بِكُفْرِهِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ بِصِيغَةِ وَقِيلَ وَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَيُوَافِقُهُ مَا نَقَلَهُ أَيْضًا مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي أَلْفَاظِ الْكُفْرِ مَنْ اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَكْفُرُ إذَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَكْفُرُ إذَا اعْتَقَدَهُ حَلَالًا اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَ فِيهَا وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. اهـ.
وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُحِيطِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَفْسِيرُ الْإِزَارِ عَلَى قَوْلِهِمَا قَالَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْضُهُمْ الْإِزَارُ الْمَعْرُوفُ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِمَا تَحْتَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الِاسْتِتَارُ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ حَلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ لَا يَحْرُمُ مَا سِوَى الْفَرْجِ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَصْبَغُ وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ النَّوَوِيُّ لِمَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ؛ فَسَأَلَتْ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَفِي رِوَايَةٍ «إلَّا الْجِمَاعَ» .
وَلِلْجَمَاعَةِ مَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِذَنْ فَالتَّرْجِيحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ وَذَلِكَ مُبِيحٌ وَلِخَبَرِ «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ السُّرُوجِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ دَلِيلَهُ مَنْطُوقٌ وَدَلِيلُنَا مَفْهُومٌ وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى فَكَانَ مُقَدَّمًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُنَا مَفْهُومًا بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْطُوقًا فَإِنَّ السَّائِلَ سَأَلَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ فَقَوْلُهُ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مَعْنَاهُ جَمِيعُ مَا يَحِلُّ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ مَفْهُومٌ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ أَقْوَى مِنْ الْمَنْطُوقِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِوُجُوبِ مُطَابَقَةِ جَوَابِهِ عليه السلام لِسُؤَالِ السَّائِلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ غَيْرَ مُرَادٍ لَمْ يُطَابِقْ فَكَانَ ثُبُوتُهُ وَاجِبًا مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا وَلَا تَبْدِيلًا لِهَذَا الْعَارِضِ وَالْمَنْطُوقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْطُوقٌ يَقْبَلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ التَّرْجِيحُ فِي خُصُوصِ الْمَادَّةِ بالمنطوقية وَلَا الْمَرْجُوحِيَّةِ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ «فَكَانَ لَا يُبَاشِرُ إحْدَاهُنَّ وَهِيَ حَائِضٌ حَتَّى يَأْمُرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] فَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْجِمَاعِ عَيْنًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ نُثْبِتَ حُرْمَةً أُخْرَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَ النَّصِّ فَتَكُونُ مُعَارِضَةً لَهُ فِي بَعْضِ مُتَنَاوِلَاتِهِ وَمَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ شَرْعٌ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْجِمَاعِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِتَنَاوُلِهِ حُرْمَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا أَعْنِي مِنْ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، ثُمَّ يَظْهَرُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالْحَدِيثِ الْمُفِيدِ لِحِلِّ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَبْقَى مَا بَيْنَهُمَا دَاخِلًا فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ لِمَا بَيَّنَّا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعَ بَعْضِ اخْتِصَارٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا حُكْمُ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ تَمْكِينُهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا حَرُمَ فِعْلُهَا بِالْأَوْلَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا حَائِضًا وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ فَحَلَّ لَهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ وَلِأَنَّ غَايَةَ مَسِّهَا لِذَكَرِهِ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا.
(تَنْبِيهَاتٌ)
وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ لَفْظُ الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ يَشْمَلُ النَّظَرَ وَاللَّمْسَ بِشَهْوَةٍ وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ لَفْظُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُرْبَانِ وَمُقْتَضَاهَا تَحْرِيمُ اللَّمْسِ بِلَا شَهْوَةٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَنُوطٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ بِخِلَافِ النَّظَرِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يُقَالَ بِحُرْمَةِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ حَيْثُ كَانَتْ بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا لَا بِمَا إذَا كَانَتْ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَمَا إذَا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَرْجِهِ. اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَجِيهٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَقَوْلُ الْبَحْرِ وَهُوَ مَفْقُودٌ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُجْدِي؛ لِأَنَّا لَمْ نُرَاعِ ذَلِكَ بَلْ مَا دَامَتْ مُتَّصِفَةً بِالْحَيْضِ تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ. اهـ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ صَاحِبِ الْبَحْرِ كَمَا يُفْهِمُهُ تَعْلِيلُهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي لِلْقَوْلِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّظَرَ إلَى هَذَا الْخَاصِّ بِشَهْوَةٍ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ، بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ فِي الْوَجْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ اهـ.
لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا تَحِلُّ مُبَاشَرَتُهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ حُرْمَةُ النَّظَرِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَهُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى فَكَانَ مُصَادَرَةً هَذَا وَالدَّلِيلُ مُشْرِقٌ عَلَى مُدَّعِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَهِيَ أَنْ يَتَلَاقَى الْفَرْجَانِ بِلَا حَائِلٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِلْفَرْجِ حَرِيمٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مُنِعَ أَيْضًا خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ فِيهِ بِاقْتِرَابِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لَا تَخْلُو عَنْ لَوْثِ نَجَاسَةٍ فَنَهَى عَنْ الْقُرْبِ خَشْيَةَ التَّلَوُّثِ فَبَقِيَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَتَحْرِيمُهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. اهـ.
قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ النَّظَرَ مِنْ الْحَوْمِ حَوْلَ الْحِمَى وَلِهَذَا حَرُمَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ
فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالسُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا وَبِالرُّكْبَةِ وَمَا تَحْتَهَا وَالْمُحَرَّمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَهُمَا وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ يَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ بِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ وَلَوْ بِلَا حَائِلٍ وَكَذَا بِمَا بَيْنَهُمَا بِحَائِلٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ تَلَطَّخَ دَمًا، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَلَا اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ مِنْ عَجِينٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا إذَا تَوَضَّأَتْ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَ عَنْ فِرَاشِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ الْيَهُودِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ امْرَأَةٌ تَحِيضُ مِنْ دُبُرِهَا لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَيْضٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَإِنْ أَمْسَكَ زَوْجُهَا عَنْ الْإِتْيَانِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِمَكَانِ الصُّورَةِ وَهُوَ الدَّمُ مِنْ الْفَرْجِ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَنْ النَّهْيِ كَيْ لَا يَلْزَمَ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى النَّهْيِ وَهُمَا صَحِيحَانِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» بَعْدَ الْقَوْلِ بِتَنَاوُلِ الذِّكْرِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ الْآيَةَ وَمَا دُونَهَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَقَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ والْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَوَّاهُ فِي الْكَافِي وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَصَحَّحَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَكْرُوهَةٌ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهُمَا مَا دُونَ الْآيَةِ وَصَحَّحَهُ الْخُلَاصَةُ فِي الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقِرَاءَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَنَسَبَهُ الزَّاهِدِيُّ إلَى الْأَكْثَرِ وَوَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ وَكَلَامِهِمْ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ. اهـ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّصْحِيحَ قَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ وَالتَّعْلِيلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَمَا دُونَ الْآيَةِ قُرْآنٌ فَيَمْتَنِعُ كَالْآيَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِالْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَنْعُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَرَأَ عَلَى قَصْدِ أَنَّهُ قُرْآنٌ، أَمَّا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ لَا يُمْنَعُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ وَفِي التَّسْمِيَةِ اتِّفَاقٌ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْعُيُونِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَلَوْ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لَكِنْ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا أُفْتِي بِهَذَا، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ
ــ
[منحة الخالق]
خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْحَقَائِقِ عَنْ التُّحْفَةِ وَالْخَانِيَّةِ يَجْتَنِبُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَائِضِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ يَعْنِي الْجِمَاعَ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ النَّظَرِ وَنَحْوِهِ بِمَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَيُبَاحُ مَا وَرَاءَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مَعَ الْإِزَارِ. اهـ. وَمَعَ النَّقْلِ يَبْطُلُ الْبَحْثُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ كَمَا فِي الْكَافِي مُؤَخَّرٌ عَنْ مَحَلِّهِ مِنْ النُّسَّاخِ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا أَيْ الْوَاقِعَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ؛ لِأَنَّ هَذَا كَمَا فِي الْكَافِي تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَيُرَدُّ؛ لِأَنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَا أُفْتِي بِهِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ لَمْ يُرِدْ الْهِنْدُوَانِيُّ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ ذَلِكَ لِمَا يَتَبَادَرُ إلَى ذِهْنِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الْجَنْبِ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى نِيَّةِ قَائِلِهِ مِنْ جَوَازِهِ مِنْهُ وَكَمْ مِنْ قَوْلٍ صَحِيحٍ لَا يُفْتَى بِهِ خَوْفًا مِنْ مَحْذُورٍ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ لَا أَعْمَلُ بِهِ كَيْفَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. اهـ.
وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي بَحْثِ الْمُؤَلِّفِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُهُ قُرْآنًا فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ فَالتَّلَازُمُ مُنْفَكٌّ نَعَمْ ظَاهِرُ تَقْيِيدِ صَاحِبِ الْعُيُونِ بِالْآيَاتِ
وَهَذَا قُرْآنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ يَقَعُ بِهِ التَّحَدِّي عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ وَالْعَجْزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فِي مِثْلِهِ بِالْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَإِلَّا لَانْتَفَى جَوَازُ التَّلَفُّظِ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إجْمَاعًا بِخِلَافِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ لَازِمَةٌ قَطْعًا وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ إسْقَاطُهَا عَنْهُ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ النَّظْمِ الْخَاصِّ كَمَا هُوَ فِي الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ انْكَشَفَ بِهَذَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ مِنْ آيَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ نَحْوِ ثُمَّ نَظَرَ أَوْ لَمْ يُولَدْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا وَفِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إنَّ الْقُرْآنَ يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ فَأَوْرَدَ الْإِمَامُ الْخَاصِّيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي التَّوْشِيحِ بِأَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً لِلْقِرَاءَةِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا تَكُونُ مُجْزِئَةً، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ.
وَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا يُجْزِئُهُ. اهـ.
وَالْمَنْقُولُ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ الْقِرَاءَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بِقَصْدٍ. اهـ.
وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْأُولَيَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ تَعْيِينُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبًا وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ فَرَقَمَ لِشَرْحِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهَا لَا تَنُوبُ عَنْ الْقِرَاءَةِ اهـ.
وَأَمَّا الْأَذْكَارُ فَالْمَنْقُولُ إبَاحَتُهَا مُطْلَقًا وَيَدْخُلُ فِيهَا اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى آخِرِهِ الَّذِي هُوَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ عِنْدَنَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ لِشُبْهَةِ كَوْنِهِ قُرْآنًا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا فَلَا يَقْرَأْهُ احْتِيَاطًا قُلْنَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ الْيَقِينِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَمَعَهُ لَا شُبْهَةَ تُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ الْمَذْكُورَ نَعَمْ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ الْأَذَانِ اسْتِحْبَابُ الْوُضُوءِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ لَا يُسَلَّمُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَالَ رضي الله عنه وَبِهِ يُفْتَى. اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا حَاضَتْ الْمُعَلِّمَةُ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُعَلِّمَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُ نِصْفَ آيَةٍ اهـ.
وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ
ــ
[منحة الخالق]
الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ يُفْهِمُ أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَسُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لَا يُؤَثِّرُ قَصْدَ الْقُرْآنِيَّةِ فِي حِلِّهِ لَكِنِّي لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ. اهـ.
قُلْت الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا الْقُرْآنَ فَاتَ مَا بِهَا مِنْ الْمَزَايَا الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ إمَّا تَفْصِيلًا وَذَلِكَ مِنْ الْبَلِيغِ أَوْ إجْمَالًا وَذَلِكَ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ حِينَئِذٍ كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَإِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَكَيْفَ يُطْلَقُ أَنَّهُ مَرْدُودٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: مَا قَالَهُ الْخَاصِّيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِأَصْحَابِنَا كَمَا سَيَأْتِي وَمَا فِي التَّجْنِيسِ عَلَى عَدَمِهِ فَأَنَّى يُصَادِمُ مَحَلَّ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ تَرْكَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ مَرْجِعُ التَّنْزِيهِ فَكَوْنُهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ. اهـ.
قُلْت وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُبَيْلَ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يَنْبَغِي إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ قَوْلُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بِهِ يُفْتَى يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ الْمُشِيرِ إلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لَكِنْ الصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا لَمْ يُبَدَّلْ غَالِبٌ وَهُوَ وَاجِبُ التَّعْظِيمِ وَالصَّوْنِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ غُلِّبَ الْمُحَرِّمُ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّهُمْ بَدَّلُوهَا عَنْ آخِرِهَا وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ. اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا مَا بُدِّلَ مِنْهَا وَمِثْلُهَا فِي النَّهْرِ وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجُوزُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: قَالَ رضي الله عنه إلَخْ) أَيْ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ إذْ الْكَرْخِيُّ وَإِنْ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ لَكِنْ بِمَا بِهِ يُسَمَّى قَارِئًا، وَلِذَا قَالُوا لَا يُكْرَهُ التَّهْجِيرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِالتَّعْلِيمِ كَلِمَةً لَا يُعَدُّ قَارِئًا فَتَنَبَّهْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ الْمُفِيدِ. اهـ.
وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْمَوْلَى يَعْقُوبَ بَاشَا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ مَا دُونَ الْآيَةِ أَيْ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ لَا الْمُفْرَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ تَعْلِيمَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً. اهـ.
وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ وَكَذَا يُؤَيِّدُهُ مَا فِي
عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّهُ قَائِلٌ بِاسْتِوَاءِ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْمَنْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَا دُونَ الْآيَةِ صَادِقٌ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّعْلِيمِ دُونَ قَصْدِ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ ثُمَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ التَّقْيِيدُ بِالْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ مُعَلَّلًا بِالضَّرُورَةِ مَعَ امْتِدَادِ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِلْجُنُبِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْلِيمِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ يُلَقِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً تَامَّةً. اهـ. وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) أَيْ تُمْنَعُ الْحَائِضُ مَسَّ الْقُرْآنِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ «حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» وَاسْتَدَلُّوا لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] فَظَاهِرُ مَا فِي الْكَشَّافِ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ هُنَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِلْقُرْآنِ، وَلَفْظُهُ: فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَنْ سِوَاهُمْ وَهُمْ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْنَاسِ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ وَمَا سِوَاهَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِكِتَابٍ مَكْنُونٍ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَإِنْ جَعَلْتهَا صِفَةً لِلْقُرْآنِ فَالْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمَسَّهُ إلَّا مَنْ هُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ النَّاسِ يَعْنِي مَسَّ الْمَكْتُوبِ مِنْهُ. اهـ.
لَكِنْ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ ذَكَرَ صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَقَالَ فَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ كَرَمِهِ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعَظَّمَ شَأْنَهُ بِأَنْ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَصَانَهُ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عِنْدَ النَّاسِ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْقُرْآنُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» . اهـ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي إخْبَارٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً} [النور: 3] . اهـ.
وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَسِّ الْقُرْآنِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِمَسِّ الْمُصْحَفِ لِشُمُولِ كَلَامِهِ مَا إذَا مَسَّ لَوْحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ آيَةٌ، وَكَذَا الدِّرْهَمُ وَالْحَائِطُ وَتَقْيِيدُهُ بِالسُّورَةِ فِي الْهِدَايَةِ اتِّفَاقِيٌّ بَلْ الْمُرَادُ الْآيَةُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ الْمَكْتُوبِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا مَسُّ الْمَكْتُوبِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعَ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ اخْتِلَافًا فَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْمَكْتُوبِ حَتَّى إنْ مَسَّ الْجِلْدَ وَمَسَّ مَوَاضِعَ الْبَيَاضِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ اهـ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْغِلَافِ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ الْجِلْدُ الْمُشَرَّزُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُصْحَفٌ مُشَرَّزٌ أَجْزَاؤُهُ مَشْدُودٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مِنْ الشِّيرَازِةِ وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَفِي الْكَافِي وَالْغِلَافُ الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ هُوَ الْمُنْفَصِلُ كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا وَالْمُتَّصِلُ بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهِ بِلَا ذِكْرٍ. اهـ.
وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ
ــ
[منحة الخالق]
شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ حَمَلَ قَوْلَهَا وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجِّي لِلْجُنُبِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّعَلُّمُ لِلصِّبْيَانِ حَرْفًا حَرْفًا أَيْ كَلِمَةً كَلِمَةً مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لَا يُكْرَهُ إذَا عَلَّمَ نِصْفَ آيَةٍ مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ قَبْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْآيَةُ بِالْقَصِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ مَا دُونَهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ يُعَدُّ قَارِئًا وَإِنْ كَانَ دُونَ آيَةٍ حَتَّى جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا كَانَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ مُعَلِّمَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُلَقِّنَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُهُمْ نِصْفَ آيَةٍ نِصْفَ آيَةٍ وَلَا تُلَقِّنُهُمْ آيَةً تَامَّةً. (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي اشْتِرَاطِ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ عَدَمَ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا الشَّرْطُ فِي النِّهَايَةِ وَالسَّرَّاجِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ حُكْمَ مَسِّ بَاقِي الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِالْقُرْآنِ. اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْمَنْسُوخِ أَنْ يَمَسَّهُ الْمُحْدِثُ أَوْ يَتْلُوهُ الْجُنُبُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَأُقِرَّ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ إجْمَاعًا كَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْحَاجِبِ لِلْعَضُدِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا أُقِرَّ حُكْمُهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْجَوَازُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ. اهـ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تِلَاوَةِ الْمَنْسُوخِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْعَضُدَ شَافِعِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مَا قَالَهُ دَلِيلًا لِمَذْهَبِنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَتِلَاوَتُهُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْحَلَبِيُّ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا مَسُّهُ فَقَدْ
إنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ، وَالْخِلَافُ فِي الْغِلَافِ الْمُشَرَّزِ جَارٍ فِي الْكُمِّ فَفِي الْمُحِيطِ لَا يُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَسَّ مُحَرَّمٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ بِلَا حَائِلٍ اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ فَصْلِ الْقُرْآنِ وَكَرِهَهُ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا اهـ.
فَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِنَفْيِ الْجَوَازِ فِي الْفَتَاوَى وَقَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ هَلْ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِمِنْدِيلٍ هُوَ لَابِسُهُ عَلَى عُنُقِهِ قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ كَبَدَنِهِ دُونَ الثَّانِي قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ بِطَرَفِهَا نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ إنْ كَانَ أَلْقَاهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِهَا فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ بِلَا كُمٍّ قَالُوا: يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مَسَّ شُرُوحِ النَّحْوِ أَيْضًا اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ وَالْفِقْهِ لِلْمُحْدِثِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي فَضْلِ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَرَخَّصَ الْمَسَّ بِالْيَدِ فِي الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا التَّفْسِيرَ ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَوَاشِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ كُتُبَ الشَّرِيعَةِ بِالْكُمِّ أَيْضًا بَلْ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ كُلَّمَا أَحْدَثَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنَّمَا نِلْت هَذَا الْعِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ فَإِنِّي مَا أَخَذْت الْكَاغَدَ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ وَكَانَ يُكَرِّرُ دَرْسَ كِتَابِهِ فَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً.
(فُرُوعٌ) مِنْ التَّعْظِيمِ أَنْ لَا يَمُدَّ رِجْلَهُ إلَى الْكِتَابِ وَفِي التَّجْنِيسِ الْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كُهْنًا أَيْ عَتِيقًا وَصَارَ بِحَالٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ وَخَافَ أَنْ يَضِيعَ يُجْعَلُ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ وَيُدْفَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ يُدْفَنُ فَالْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ كَانَ دَفْنُهُ أَفْضَلَ مِنْ وَضْعِهِ مَوْضِعًا يُخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ يُعَلَّمُ وَالْفِقْهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَسَى يَهْتَدِي لَكِنْ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ، وَإِذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ مَسَّ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مَسُّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ عِنْدَهُمَا حَتَّى يَتَعَلَّقُ بِهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ اهـ.
ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقُنْيَةِ اللُّغَةُ وَالنَّحْوُ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَيُوضَعُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَالتَّعْبِيرُ فَوْقَهُمَا وَالْكَلَامُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْفِقْهُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ وَالدَّعَوَاتُ الْمَرْوِيَّةُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي فِيهِ آيَاتٌ مَكْتُوبَةٌ فَوْقَ كُتُبِ الْقِرَاءَةِ، بِسَاطٌ أَوْ غَيْرُهُ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ يُكْرَهُ بَسْطُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ إلَّا إذَا عُلِّقَ لِلزِّينَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ كَلَامُ النَّاسِ مُطْلَقًا وَقِيلَ يُكْرَهُ حَتَّى الْحُرُوفُ الْمُفْرَدَةُ وَرَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ شُبَّانًا يَرْمُونَ إلَى هَدَفٍ كُتِبَ فِيهِ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ وَقَدْ قَطَعُوا الْحُرُوفَ فَنَهَاهُمْ أَيْضًا وَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ فَإِذًا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ لَكِنْ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَوْسَعُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ بِقَلَمٍ أَوْ عُودٍ أَوْ سِكِّينٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِلصَّبِيِّ احْمِلْ إلَيَّ هَذَا الْمُصْحَفَ وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغَدٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ مِنْ الْفِقْهِ وَفِي الْكَلَامِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ عليه السلام فَيَجُوزُ مَحْوُهُ لِيُلَفَّ فِيهِ شَيْءٌ وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ
ــ
[منحة الخالق]
عُلِمَ حُكْمُهُ مِمَّا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ حَتَّى لِلْمُحْدِثِ.
(قَوْلُهُ: قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا) قَدْ يُقَالُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالثِّيَابِ الَّتِي يَلْبَسُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَثِيَابُهُ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ لَا بِسُهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. اهـ.
فَلْيُتَأَمَّلْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَمْلُهُ فِي جَيْبِهِ وَلَا وَضْعُهُ عَلَى رَأْسِهِ مَثَلًا بِدُونِ غِلَافٍ مُتَجَافٍ وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ
بِالرِّيقِ يَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي مَحْوِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبُزَاقِ مَحَا لَوْحًا يَكْتُبُ فِيهِ الْقُرْآنَ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا يَجُوزُ حَانُوتٌ أَوْ تَابُوتٌ فِيهِ كُتُبٌ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَضَعَ الثِّيَابَ فَوْقَهُ، يَجُوزُ قُرْبَانُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ مَسْتُورٌ يَجُوزُ رَمْيُ بُرَايَةِ الْقَلَمِ الْجَدِيدِ وَلَا يَرْمِي بُرَايَةَ الْقَلَمِ الْمُسْتَعْمَلِ لِاحْتِرَامِهِ كَحَشِيشِ الْمَسْجِدِ وَكُنَاسَتِهِ لَا تُلْقَى فِي مَوْضِعٍ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ اهـ.
ذَكَرَهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَتْ رُقْيَةٌ فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِهِ أَفْضَلُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ عَلَى خَاتَمِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يُجْعَلُ الْفَصُّ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ اهـ.
وَفِي التَّوْشِيحِ وَتُكْرَهُ الْمُسَافَرَةُ بِالْقُرْآنِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ صَوْنًا عَنْ وُقُوعِهِ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَاسْتِخْفَافِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الدِّرْهَمُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ آيَةٌ يُكْرَهُ إذَابَتُهُ إلَّا إذَا كَسَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ غَسَلَ الْجُنُبُ فَمَه لِيَقْرَأَ أَوْ يَدَهُ لِيَمَسَّ أَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ يَدَهُ لِيَمَسَّ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ الْمَسُّ وَلَا الْقِرَاءَةُ لِلْجُنُبِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّآنِ وُجُودًا وَلَا زَوَالًا وَفِي الْخُلَاصَةِ إنَّمَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ إذَا قَرَأَ جَهْرًا، فَإِنْ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ لَا بَأْسَ بِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا التَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ وَكَذَا لَا يَقْرَأُ إذَا كَانَتْ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً أَوْ امْرَأَتُهُ هُنَاكَ تَغْتَسِلُ مَكْشُوفَةً أَوْ فِي الْحَمَّامِ أَحَدٌ مَكْشُوفٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنَعَ الْحَدَثُ الْمَسَّ) أَيْ مَسَّ الْقُرْآنِ (وَمَنَعَهُمَا) أَيْ الْمَسَّ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (الْجَنَابَةُ وَالنِّفَاسُ)، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَحْكَامِ النِّفَاسِ. (قَوْلُهُ: وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ وَيَحِلُّ وَطْءُ الْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا الْعَشَرَةَ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اغْتِسَالِهَا وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ تَصَرَّمَ الْقِتَالُ انْقَطَعَ وَسَكَنَ (قَوْلُهُ: وَلِأَقَلِّهِ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ) .
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إمَّا يَنْقَطِعُ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ أَوْ دُونَهَا لِتَمَامِ الْعَادَةِ أَوْ دُونَهُمَا فَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ دُونَ عَادَتِهَا لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِلْأَقَلِّ لِتَمَامِ عَادَتِهَا إنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ حَلَّ وَإِلَّا لَا وَكَذَا النِّفَاسُ إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا لَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ مُطْلَقًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى " حَتَّى يَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ وَنَقَلَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَنْ زُفَرَ وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ " يَطْهُرْنَ " بِالتَّخْفِيفِ " وَيَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ وَمُؤَدَّى الْأُولَى انْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ الْعَارِضَةِ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا وَإِذَا انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ عَلَى الْحِلِّ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ
وَمُؤَدَّى الثَّانِي عَدَمُ انْتِهَائِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ فَحَمَلْنَا الْأُولَى عَلَى الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ فِي تَوْقِيفِ قُرْبَانِهَا فِي الِانْقِطَاعِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْغُسْلِ إنْزَالَهَا حَائِضًا حُكْمًا وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمِ إنْزَالَهُ إيَّاهَا طَاهِرَةً قَطْعًا بِخِلَافِ تَمَامِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الْحَيْضُ بَعْدَهُ وَلِذَا لَوْ زَادَتْ وَلَمْ تُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ، بَقِيَ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَرَفْعُ الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ خُصَّ مِنْهَا صُورَةُ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَجَازَ أَنْ تُخَصَّ ثَانِيًا بِالْمَعْنَى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ فِي يَطَّهَّرْنَ الْمَانِعَةَ إلَى الْغُسْلِ وَالتَّخْفِيفِ إلَى الطُّهْرِ فَيَحِلُّ الْقُرْبَانُ قَبْلَهُ بِالْحِلِّ الَّذِي انْتَهَتْ حُرْمَتُهُ الْعَارِضَةُ بِحَمْلِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ) بِالْيَاءِ عَلَامَةِ الْجَرِّ لِعِطْفِهِ عَلَى الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَمِنْهُ مَا بَيْنَ قِرَاءَتَيْ آيَةِ الْوُضُوءِ إلَخْ
تِلْكَ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ وَهَذِهِ عَلَيْهِ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى مُحَافَظَةً عَلَى حَقِيقَةِ يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَكُلٌّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ لَكِنْ هَذَا أَقْرَبُ إذْ لَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ حَقِّ الزَّوْجِ بَعْدَ الْقَطْعِ بِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ. اهـ.
فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ إلَى آخِرِهِ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فَإِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلَّا بِالتَّشْدِيدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعُ آخِرًا أَعْنِي أَنْ تَطْهُرَ فِي وَقْتٍ مِنْهُ إلَى خُرُوجِهِ قَدْرَ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمُ لَا أَعَمُّ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ إنْ تَطَهَّرْنَ فِي أَوَّلِهِ وَيَمْضِي مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْزِلُهَا طَاهِرَةً شَرْعًا كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَغْلَطُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ لَفْظَةَ أَدْنَى وَعِبَارَةُ الْكَافِي أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِمُضِيِّ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ بِقَدْرِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ بِأَنْ انْقَطَعَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا قَالَهُ حَقٌّ فَقَدْ رَأَيْت أَيْضًا مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا إلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ أَوْ بِمُضِيِّ جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَإِذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ.
وَإِنَّمَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْأَدْنَى وَلَمْ يَقُلْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ نَفْيًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مُضِيَّ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ شَرْطٌ لِلْحِلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّارِحِينَ إنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا بُدَّ لِلْحِلِّ مِنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ
فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ زَمَانٌ قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَخَرَجَ الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَادَةِ فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَاتِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَصِيغَةُ لَمْ يَقْرَبْهَا وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الِاجْتِنَابِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْوَطْءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَالْكَافِي لِلنَّسَفِيِّ كَرَاهَةُ الْوَطْءِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ وَإِلَّا فَالْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ وَفِي النِّهَايَةِ تَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ تَنْتَظِرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ دُونَ الْمَكْرُوهِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ قَالَ: إذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تُؤَخِّرُ إلَى وَقْتٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِيهِ وَتُصَلِّيَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ وَمَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ حُكْمَ الثَّالِثِ خِلَافُ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْغُسْلِ الثَّابِتِ بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
وَيُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَمَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ مَعَ خِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي التَّجْنِيسِ مُسَافِرَةٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ وَجَدَتْ مَاءً جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا لَكِنْ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَيَمَّمَتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَلَمَّا وَجَدَتْ الْمَاءَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ كَالْجُنُبِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ الْحَيْضِ فَيَجُوزُ قُرْبَانُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَعْنِي الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ فِي الْكَافِي مَا إذَا تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تُصَلِّ فَقِيلَ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا جَعَلَ التَّيَمُّمَ كَالِاغْتِسَالِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ قَطْعُ الرَّجْعَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْوَطْءِ تَرْكُهُ فَلَمْ نَجْعَلْ التَّيَمُّمَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّخَلُّصُ إنْ لَوْ قُرِئَ فَإِذَا طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا قُرِئَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالتَّشْدِيدِ لِيَكُونَ التَّخْفِيفُ مُوَافِقًا لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدُ مُوَافِقًا لِلتَّشْدِيدِ وَلَمْ يُقْرَأْ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ وَالْجَوَابُ بِالْمَنْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا لِمَا مَرَّ مِنْ اللَّازِمِ الْمَمْنُوعِ فَيُحْمَلُ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فِي حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فَإِنَّ تَفَعَّلَ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعُلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صَنِيعٍ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ انْقِطَاعِهِ لِأَقَلَّ مِنْ عَادَتِهَا أَوْ لِتَمَامِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَنْتَظِرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ الْعَادَةِ لِيُوَافِقَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ تَأَخُّرُ الِاغْتِسَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَفِيمَا دُونَ عَادَتِهَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ نَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ النِّهَايَةِ مَا يُخَالِفُ نَقْلَ الْمُؤَلِّفِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ وَفِي النِّهَايَةِ وَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ. اهـ.
وَهَذَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَبْسُوطِ لَكِنْ رَأَيْت عِبَارَةَ النِّهَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ
فِيهِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالصَّلَاةِ كَالِاغْتِسَالِ كَمَا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْحِلِّ لِلْأَزْوَاجِ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُوجِبُ حِلَّ وَطْئِهَا وَانْقِطَاعَ الرَّجْعَةِ وَحِلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ مَا لَمْ تُصَلِّ وَفِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ الْخِلَافُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حِينَ تَخَافُ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْعِدَّةِ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ، وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجْتَنِبُهَا احْتِيَاطًا اهـ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ، أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ وَإِنْ زَادَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ إلَى الْعَادَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ تَمَامُ عَادَتِهَا بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي الْأُولَى وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَوْ طَهُرَتْ فِي الثَّانِيَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ الْغُسْلِ لُبْسُ الثِّيَابِ وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ التَّحْرِيمَةُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُنَا زَمَانُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا وَلَكِنْ مَا قَالُوا فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ لَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ عَقِبَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّفَقِ فَهُوَ طُهْرٌ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ الْأَصَحُّ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي الصَّوْمِ التَّحْرِيمَةُ ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمُضِيِّ زَمَانِ الْغُسْلِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي بَعْضِ لَيَالِي رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَدَتْ فِي اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا تَغْتَسِلُ وَيَبْقَى سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَفِي التَّوْشِيحِ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يُجْزِئُهَا صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهَا صَوْمُهَا؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهَا وَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الطِّهَارَاتِ فَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا ضَرُورَةً. اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَلَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ فَانْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَسِعَ الزَّوْجَ أَنْ يَطَأَهَا وَوَسِعَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّهُ لَا اغْتِسَالَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَهِيَ مُخَرَّجَةٌ مِنْ حَمْلِ قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ فَلَا يَعُودُ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فَرُؤْيَةُ الدَّمِ مُؤَثِّرَةٌ فِي إثْبَاتِ الْحَيْضِ بِهِ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَنْهَا إنْ افْتَتَحَهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا لَا يَسَعُ فِيهِ التَّحْرِيمَةُ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي التَّطَوُّعِ كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
أَنَّ أَلْ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ فِي كَلَامِ النَّهْرِ زَائِدَةٌ مِنْ النُّسَّاخِ وَبِدُونِهَا تَتَوَافَقُ الْعِبَارَتَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِيهِ يَكُونُ زَمَنُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ.
(فَائِدَةٌ) حُكِيَ أَنَّ خَلَفَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ ابْنَهُ مِنْ بَلْخٍ إلَى بَغْدَادَ لِلتَّعَلُّمِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ مَا تَعَلَّمَتْ قَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ زَمَانَ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا قَالَ خَلَفٌ وَاَللَّهِ مَا ضَيَّعْت سَفَرَك، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. اهـ.
زَادَهُ عَلَى الشِّرْعَةِ (قَوْلُهُ: وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ إلَخْ) أَيْ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ جَازَ لَهَا صَوْمُ الْيَوْمِ وَعَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ مَا لَمْ تُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ إنْشَاءُ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهِيَ حِينَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَتْ طَاهِرَةً فَتَصِحُّ نِيَّتُهَا وَيَسْقُطُ عَنْهَا بِلَا لُزُومِ قَضَاءٍ لَكِنْ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَإِمْدَادِ الْفَتَّاحِ مَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ قَالَا، وَلِذَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الصُّبْحِ بِأَقَلَّ مِنْ وَقْتٍ يَسَعُ الْغُسْلَ مَعَ التَّحْرِيمَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ كَأَنَّهَا أَصْبَحَتْ وَهِيَ حَائِضٌ وَلَكِنْ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا وَتَقْضِيهِ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا جُعِلَتْ التَّحْرِيمَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ الْحَيْضِ وَلَمْ تُدْرِكْ مَا يَسَعُهَا لَمْ يُحْكَمْ
وَكَذَا إذَا شَرَعَتْ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ حَاضَتْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الصَّوْمِ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ هُنَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
(قَوْلُهُ وَالطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ) يَعْنِي أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ دَمَيْنِ وَالدَّمَانِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ يَكُونُ حَيْضًا فِي الْأَوَّلِ وَنِفَاسًا فِي الثَّانِي.
اعْلَمْ أَنَّ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً إلَّا مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ وَأَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا فَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ فَاصِلَا بَلْ يُجْعَلُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ فَاصِلًا لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَهُوَ حَيْضٌ كُلُّهُ مَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهِ وَمَا لَمْ تَرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ لَا وَمَا سِوَاهُ فَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَطُهْرُهُ طُهْرٌ وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ أَبَا يُوسُفَ فِي الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ إنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَانَ ثَلَاثَةً بِلِيَالِهَا فَصَاعِدًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ الثَّالِثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا كَانَ اسْتِحَاضَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفْصَلُ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الدَّمُ الْأَوَّلُ وَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ يُجَوِّزُ بِدَايَةَ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمَهُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ دَمٌ وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ بِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِهِ حَيْضًا
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ دَمٌ يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ خَتْمُهُ بِهِ، وَعَلَى عَكْسِهِ بِأَنْ كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ دَمٌ يَجُوزُ خَتْمُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ بِدَايَتُهُ بِهِ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا كَانَتْ الْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضًا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَلَوْ رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْعَشَرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ تَفَاصِيلَ يُحْرَجُ النَّاسُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُحِيطًا بِطَرَفَيْ الْعَشَرَةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَإِلَّا كَانَ فَاصِلًا، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً
ــ
[منحة الخالق]
عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ لَزِمَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ وَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ حُكْمًا (قَوْلُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إلَخْ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَالصَّائِمَةُ إذَا حَاضَتْ فِي النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ بَطَلَ صَوْمُهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ نَفْلًا لَا بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّفْلِ إذَا حَاضَتْ فِي خِلَالِهَا. اهـ. يَعْنِي: يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا إذَا حَاضَتْ فِيهَا فَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فَصْلُهُ فِي الْحَيْضِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَا قَبْلَهُ حَيْضًا وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ إنْ بَلَغَ أَقَلُّهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ فَصْلَهُ بِمُدَّةِ الْحَيْضِ حَتَّى يُقَالَ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ بَلْ الْكَلَامُ فِي تَخَلُّلِهِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي الشرنبلالية بَعْدَ نَقْلِهِ لِعِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا وَلَعَلَّهُ قَالَ بِتَخْصِيصِهِ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِيُمْكِنَ فِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ) أَيْ طَرَفَيْ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ إلَخْ أَيْ الطُّهْرُ النَّاقِصُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ لَا يُعْتَبَرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمَيْنِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَا لَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فُصِلَ وَمُحَمَّدٌ يَجْعَلُ الطُّهْرَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَاصِلًا فِي الْحَيْضِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ لَا فِي الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ رَأَتْ مُبَتَدَأَةٌ بَلَغَتْ بِالْحَبَلِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الْخَمْسَةُ وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَعِنْدَهُ نِفَاسُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتَمَامُهُ فِيهَا فَرَاجِعْهَا. (قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ) هَذَا أَصْلٌ آخَرُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ) وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ وَلَا خَتْمُهُ بِالطُّهْرِ قَالَ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَيْضِ الطُّهْرُ وَلَا يَبْدَأُ الشَّيْءُ بِمَا يُضَادُّهُ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ وَلَكِنْ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ يُجْعَلُ تَبَعًا لَهُمَا كَمَا فِي الزَّكَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ
طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَرَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إجْمَاعًا فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ
وَقَدْ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ لَكِنْ لَمْ تُصَحَّحْ فِي الشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَعَلَّهُ لِضَعْفِ وَجْهِهَا فَإِنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النِّصَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُنْقَطِعٌ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَفِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا الَّذِي اُشْتُرِطَ وُجُودُهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ تَمَامُهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ فِي الْعَشَرَةِ مِثْلَ أَقَلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّمِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَرْئِيُّ هَذَا الْمِقْدَارَ كَانَ قَوِيًّا فِي نَفْسِهِ فَجُعِلَ أَصْلًا وَمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ الطُّهْرِ تَبَعٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ دُونَ هَذَا كَانَ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ لَا حُكْمَ لَهُ إذَا انْفَرَدَ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ زَمَانِ الطُّهْرِ تَبَعًا لَهُ فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ إنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ لَا يُفْصَلُ اعْتِبَارًا بِالْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فَكَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الدَّمِ يُوجِبُ حُرْمَتَهَا وَاعْتِبَارُ الطُّهْرِ يُوجِبُ حِلَّهَا فَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فُصِلَ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ حِينَئِذٍ أَقَلُّ مِنْ الدَّمَيْنِ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ لَا الثَّانِي وَمِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يَبْدَأَ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا يُجْعَلُ زَمَانُ الطُّهْرِ زَمَانَ الْحَيْضِ بِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِهِ وَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمَيْنِ دَمًا فَالسِّتَّةُ حَيْضٌ لِلِاسْتِوَاءِ
وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ حَيْضًا لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا فَالثَّلَاثَةُ حَيْضٌ لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ فَصَارَ فَاصِلًا وَالْمُتَقَدِّمُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَالْأَخِيرُ حَيْضٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ لِسَبْقِهَا وَلَا تَكُونُ الْعَشَرَةُ حَيْضًا لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا بِاعْتِبَارِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، وَقَدْ صُحِّحَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَثَبَتَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ أَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا فَهِيَ حَيْضٌ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي التَّوْشِيحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَبْسُوطِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ قَوْلَ زُفَرَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُفِيدُ اشْتِرَاطَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النِّصَابِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ بَلْ تَنْظِيرٌ وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالدَّمُ مَوْجُودٌ حُكْمًا وَإِنْ انْعَدَمَ حِسًّا بِدَلِيلِ ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ كُلِّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَاعْتِمَادُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ عَلَى شَيْءٍ تَرْجِيحٌ لَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الدَّمَانِ فِي الْعَشَرَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ إلَخْ) أَيْ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْضًا، إمَّا الْمُتَقَدِّمُ أَوْ الْمُتَأَخِّرُ يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا بِانْفِرَادِهِ يُجْعَلُ الْحَيْضُ أَسْرَعَهُمَا إمْكَانًا وَلَا يَكُونُ كِلَاهُمَا حَيْضًا إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا طُهْرٌ تَامٌّ. اهـ.
وَهَذَا حَاصِلُ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا إلَخْ وَفِي النَّهْرِ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ طُهْرَانِ مُعْتَبَرَانِ وَصَارَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لِاسْتِوَاءِ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ حَتَّى صَارَ كَالْمُتَوَالِي كَمَا إذَا رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَقِيلَ يَتَعَدَّى إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَصِيرُ الْكُلُّ حَيْضًا وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا) كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَيْسَتْ مُرْتَبِطَةً بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي طَرَفَيْ الطُّهْرِ نِصَابَا حَيْضٍ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَا فِي الْعَشَرَةِ فَأَكْثَرَ طُهْرٌ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ الدَّمَيْنِ فَلَا تُوجِبُ الْفَصْلَ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ لَا الثَّانِي وَلَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا فَيُجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ) أَيْ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ دُونَ الثَّلَاثِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَكُونُ الْعَشَرَةُ حَيْضًا إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ اسْتَوَى الدَّمُ بِالطُّهْرِ هُنَا فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي، وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّ اسْتِوَاءَ الدَّمِ بِالطُّهْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشْرَةٌ ثَلَاثَةٌ دَمٌ وَسِتَّةٌ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ فَكَانَ الطُّهْرُ غَالِبًا فَلِهَذَا صَارَ فَاصِلًا. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ الْمُفَادَ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ