الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِ وَذُكِرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْكَلْبِ فِي التَّعْلِيلِ قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيهِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْكَلْبِ فَعَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ جَعَلَهُ كَالْخِنْزِيرِ وَمَنْ جَعَلَهُ طَاهِرَ الْعَيْنِ جَعَلَهُ مِثْلَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْخِنْزِيرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ: إنَّهُ أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ إلَى الصَّوَابِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ جَرْوٌ أَنَّهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَيَّدَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ اهـ.
وَلِذَا صَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَتَبِعَهُ شَارِحُوهَا كَالْأَتْقَانِيِّ وَالْكَاكِيِّ وَالسِّغْنَاقِيِّ وَاخْتَارَ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى نَجَاسَةَ عَيْنِهِ وَفَرَّعَ عَلَيْهَا فُرُوعًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ عُمُومُ مَا فِي الْمُتُونِ كَالْقُدُورِيِّ وَالْمُخْتَارِ وَالْكَنْزِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا فَوَجَبَ أَحَقِّيَّةُ تَصْحِيحِ عَدَمِ نَجَاسَتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تَثْبُتُ فِي الْكَلْبِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ طَهَارَةُ عَيْنِهِ، فَإِنَّ السِّرْقِينِ يُنْتَفَعُ بِهِ إيقَادًا وَتَقْوِيَةً لِلزَّارِعَةِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَجَابَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ هَذَا الِانْتِفَاعَ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي نَجِسِ الْعَيْنِ كَالِاقْتِرَابِ مِنْ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ وَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ: رَامِزًا لِمَجْدِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَاَلَّذِي صَحَّ عِنْدِي مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي النَّوَادِرِ وَالْأَمَالِي أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ اهـ.
وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ وَذَكَرَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحَهَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا صَلَّى عَلَى جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ ذِئْبٍ قَدْ ذُبِحَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُفِيدُ عَيْنَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَأَمَّا الْكَلْبُ يَحْتَمِلُ الذَّكَاةَ وَالدِّبَاغَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِمَا رَوَى الْحَسَنُ اهـ.
فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَيَطْهُرُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَاسْتُخْرِجَ حَيًّا تَنَجَّسَ الْمَاءُ كُلُّهُ مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ الْخِنْزِيرُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا وَصَلَ فَمَه الْمَاءُ، وَإِذَا ذُكِّيَ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَالْخِنْزِيرِ وَيَطْهُرُ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ
وَإِذَا صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ جَرْوًا صَغِيرًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ مُطْلَقًا، وَتَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا يُظْهِرُ أَنَّ فِي الْكَبِيرِ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا لِمَا أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ؛ لِأَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ حَمَلَ جَرْوًا صَغِيرًا اتِّفَاقًا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ لِمَا أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِلُعَابِهِ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ، وَهُوَ نَجِسٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: نَجَاسَةُ السُّؤْرِ دَلِيلُ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ، وَقَالَ: الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ بَلْ تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللُّعَابِ اهـ.
وَسَبَبُ نَجَاسَةِ لَحْمِهِ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ مَعَ حُرْمَةِ أَكْلِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَيَانِ الْأَسْآرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ إشْكَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ، فَإِنَّ
ــ
[منحة الخالق]
[اسْتِعْمَال جِلْد الْفِيل إذَا دُبِغَ]
(قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَلْ قَيَّدُوا بِهِ لِوُقُوعِ التَّصْوِيرِ بِكَوْنِهِ فِي كُمِّهِ
قَوْلَهُمْ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ وَلِهَذَا عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ بِأَنَّ سُؤْرَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مُتَحَلِّبٌ مِنْ لُحُومِهَا وَلُحُومُهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ قَالُوا إنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْكَرَامَةِ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِفَسَادِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ وَلَا لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَلَا لِلْمُجَاوَرَةِ كَالْمَاءِ النَّجِسِ كَانَتْ عَلَامَةُ النَّجَاسَةِ أَيْ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ لَحْمِهِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ بِمَعْنَى طَهَارَةِ عَظْمِهِ وَشَعْرِهِ وَعَصَبِهِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا بِمَعْنَى طَهَارَةِ لَحْمِهِ لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ فَمُهُ مَشْدُودًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ لُعَابُهُ إلَى ثَوْبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ وَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَنَجَاسَةُ بَاطِنِهِ فِي مَعِدَتِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا لِظُهُورِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ لِحَامِلِهِ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَقِّ حَامِلِ الْخِنْزِيرِ
وَإِذَا دَخَلَ الْمَاء فَانْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ، وَلَوْ أَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمَاءُ أَصَابَ الْجِلْدَ وَجِلْدُهُ نَجِسٌ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَصَابَ شَعْرَهُ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ لِمَا ذُكِرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ نَجِسٌ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ إذَا انْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبًا لَا يُنَجِّسُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ شَعْرَهُ أَوْ جِلْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ شَاهِدًا لِلْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَقَالَ مَنْ جَعَلَهُ نَجِسَ الْعَيْنِ اسْتَدَلَّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكَلْبَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ صَاحِبَ التَّجْنِيسِ ذَكَرَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ التَّفْصِيلِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْمَسَائِلُ تُشِيرُ إلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَنْجَاسِ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى بِمَا لَفْظُهُ وَمَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ التَّجْنِيسِ مَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ مَوْضِعَ رِجْلِ كَلْبٍ فِي الثَّلْجِ أَوْ الطِّينِ وَنَظَائِرِ هَذِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ وَلَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَنَظَائِرُ هَذَا أَرَادَ بِهِ مِثْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَعَلَّلَ النَّجَاسَةَ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَصَابَ الْمَاءَ جِلْدُهُ بِتَعْلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا أَصَابَ جِلْدَهُ وَانْتَفَضَ، فَأَصَابَ الثَّوْبَ نَجَّسَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتِ صَارَ جِلْدُهُ مُتَنَجِّسًا، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ الشَّعْرُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ شَعْرُهُ أَيْضًا فَإِذَا انْتَفَضَ الْخِنْزِيرُ فَأَصَابَ ثَوْبًا نَجَّسَهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ الْمَاءُ جِلْدَهُ أَوْ شَعْرَهُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا الْكَلْبُ إذَا أَخَذَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ إنْ أَخَذَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَلَا رُطُوبَةَ فِيهَا، وَإِنْ أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الْمِزَاحِ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَشَفَتَاهُ رَطْبَةٌ فَيَتَنَجَّسُ اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ رَامِزًا لِلْوَبَرِيِّ عَضَّهُ كَلْبٌ وَلَا يَرَى بَلَلًا لَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلنَّجَاسَةِ، وَهُوَ الرِّيقُ سَوَاءٌ كَانَ مُلَاعِبًا أَوْ غَضْبَانًا، وَهُوَ الْفِقْهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُلْتَقَطِ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَرَ الْبَلَلَ سَوَاءٌ كَانَ رَاضِيًا أَوْ غَضْبَانًا وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَوَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَلَامَةُ الِابْتِلَالِ أَنْ لَوْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ تَبْتَلُّ يَدُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ، فَظَاهِرٌ وَإِمَّا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ) أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلْأَكْلِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ) أَيْ أَجَابَ عَمَّا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ فِي مَسَائِلِ الْآبَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَ حَيًّا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَصِلْ فَمُهُ الْمَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لُعَابَهُ نَجِسٌ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ صَلَّتْ وَفِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ فِيهَا سِنُّ كَلْبٍ أَوْ أَسَدٍ أَوْ ثَعْلَبٍ فَصَلَاتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا الذَّكَاةُ وَكُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ فَعَظْمُهُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ أَسْنَانَ الْكَلْبِ طَاهِرَةً وَأَسْنَانَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةً؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ نَجِسَةً كَالْخِنْزِيرِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَسْنَانِ الْآدَمِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا، وَأَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ شَيْءٍ يُغْسَلُ ثَلَاثًا، وَيُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَطْهُرَ بِالْجَفَافِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلَأِ إذَا تَنَجَّسَ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الطَّهَارَةُ فِي الْكَلَأِ بِالْجَفَافِ حَصَلَتْ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْأَرْضِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ فَهُوَ جَائِزٌ هَكَذَا نَقَلُوا وَأَطْلَقُوا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَالْخِنْزِيرِ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ الْبُيُوعِ أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ جَائِزٌ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَفِي التَّجْنِيسِ مِنْ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ رَجُلٌ ذَبَحَ كَلْبَهُ ثُمَّ بَاعَ لَحْمَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ طَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ خِنْزِيرَهُ ثُمَّ بَاعَهُ. اهـ.
فَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ أَنَّ الْكَلْبَ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَفِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الْكَلْبَ يَجُوزُ وَالسِّنَّوْرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السِّنَّوْرَ لَا يُعْلَمُ وَنُقِلَ عَنْ التَّجْرِيدِ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَلْبًا مُعَلَّمًا أَوْ بَازِيًا لِيَصِيدَ بِهِمَا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ قَالَ لَعَلَّهُ لِفَقْدِ الْعُرْفِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ.
وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ التَّكَلُّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَلْبِ، وَهَذَا الْبَيَانُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الْكِتَابِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ دُبِغَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَسْتَوِي أَنَّهُ يَكُونُ الدَّابِغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً إذَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ، فَإِنْ دَبَغَهُ الْكَافِرُ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يَدْبُغُونَ بِالسَّمْنِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِيهِ مَسْأَلَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ إذَا كَانَ جِلْدُ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنْهَا «وَقَالَ عليه السلام فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا مَعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالدِّبَاغِ وَالِانْتِفَاعِ» ، وَأَمَّا إذَا كَانَ جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ كَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ فِيهِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الذَّكَاةِ وَذَكَاتُهُ لَا تُبِيحُهُ فَكَذَا دِبَاغُهُ. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَاتِ كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَنَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْمَذَاهِبِ مِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَدْخُلُ الْآدَمِيُّ فِي هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ أَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شَيْءٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَطْهُرُ الْجَمِيعُ حَتَّى الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ إلَّا أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ وَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يَعْنِي فِي الْحِلِّ وَسَوَاءٌ فِيهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ كَنَحْوِ أَكْلِ تُرَابٍ لَا يَضُرُّ فَحِلُّ جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُرْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَذَلِكَ وَالْخِلَافُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنْ الْمَأْكُولِ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ وَالصَّحِيحُ حُرْمَتُهُ تَأَمَّلْ
لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الدِّبَاغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي شَاةٍ مَيِّتَةٍ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا خَرَجَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنْ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ وَالدِّبَاغُ إنَّمَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ فَإِذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ لَا تُطَهِّرُهُمَا فَالدِّبَاغُ أَوْلَى وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ عَامٌّ فَإِخْرَاجُ الْخِنْزِيرِ مِنْهُ لِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ إيَّاهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] بِنَاءً عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِعَوْدِهِ وَعِنْدَ صَلَاحِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِذَلِكَ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ جُوِّزَ عَوْدُ ضَمِيرِ مِيثَاقِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] إلَى كُلٍّ مِنْ الْعَهْدِ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَتَعَيَّنَ عَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَإِلَى الْمُضَافِ فِي قَوْلِك رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمْته؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ رَتَّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فَتَعَيَّنَ هُوَ مُرَادًا بِهِ، وَإِلَّا اخْتَلَّ النَّظْمُ
فَإِذَا جَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةً وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَجَبَ إعَادَتُهُ عَلَى مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ، وَهُوَ بِمَا قُلْنَا كَذَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِمَّا ظَهَرَ لِي فِي فُؤَادِي مِنْ الْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَجْوِبَةِ الْإِلْهَامِيَّةِ أَنَّ الْهَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] خَرَجَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ، فَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ لِكَوْنِهِ مُصَادَرَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ عُرِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145] ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْغِذَاءِ لَا لِلْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ، فَإِنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ أَمَّا إذَا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الْخِنْزِيرِ فَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ حَاصِلُ الْكَلَامِ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسٌ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ نَجِسٌ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْبَابِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرُ بِأَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ بِمَعْزِلٍ عَنْ الصَّوَابِ، وَكَيْفَ لَا وَالْجَرْيُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مِمَّا يَسُدُّ بَابَ التَّعْلِيلِ بِالْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْأَحْكَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الثَّانِي عِلَّةً لِلشَّيْءِ الْأَوَّلِ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ قَطْعًا، وَلِنُوَضِّحهُ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنَّهُ رِجْسٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّحْرِيمِ وَكَوْنُ التَّحْرِيمِ لَا لِلتَّكْرِيمِ عَلَامَةً عَلَى نَجَاسَةِ الْمُحَرَّمِ كَمَا هُنَا يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نَجِسًا عِلَّةً لِتَحْرِيمِهِ لَا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ النَّجَاسَةِ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ تَعْلِيلُ التَّحْرِيمِ الْكَائِنِ لَا لِلتَّكْرِيمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ قَائِمٍ بِالْعَيْنِ الْمُحَرَّمَةِ، وَهُوَ الْقَذَارَةُ حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْتِزَامِ الْمُرُوءَةِ بِمُجَانَبَةِ الْأَقْذَارِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْهَا وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} [النساء: 22] فَقَوْلُهُ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} [النساء: 22] تَعْلِيلٌ لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ مَنْكُوحَاتِ الْآبَاءِ مَعَ أَنَّ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِنَّ عَلَامَةٌ عَلَى قُبْحِهِ مَمْقُوتًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ عِلَّةً لَهُ اهـ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ أَحْمَدَ أَمَّا عَلَى الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّتْهَا السُّنَّةُ كَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: رُتِّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَكَلِمَتُهُ نَائِبُ فَاعِلٍ رُتِّبَ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرٌ) أَقُولُ: هُوَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيّ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي
فَالِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ يَمْنَعُ تَقْدِيمَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَإِنَّ النَّاسِخَ أَيَّ مُعَارِضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاكَلَتِهِ فِي الْقُوَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تَرَكَهُ لِلِاضْطِرَابِ فِيهِ أَمَّا فِي السَّنَدِ فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ فَوْقُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ فَدَخَلُوا وَوَقَفْت عَلَى الْبَابِ فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّهُ عليه السلام كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ» الْحَدِيثَ فَفِي هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الدَّاخِلِينَ وَهُمْ مَجْهُولُونَ، وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ فَفِي رِوَايَةٍ بِشَهْرٍ وَفِي أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفِي أُخْرَى بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَذَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ ثُمَّ كَيْفَ كَانَ لَا يُوَازِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّرْجِيحِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا فِي مَعَاضَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَبَعْدَهُ يُسَمَّى شَنًّا وَأَدِيمًا
وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا «كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِجِلْدٍ وَلَا عَصَبٍ» فِي سَنَدِهِ فُضَالَةُ بْنُ مُفَضِّلٍ مُضَعَّفٌ وَالْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَوْلَا الِاضْطِرَابُ الْمَذْكُورُ، فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْتَفِعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقْذَرٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِهِ ظَاهِرًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا وَالْحَسَنُ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَا يَقْدَحُ فِي حُجِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لَيْسَ صَحَابِيًّا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ إلَخْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْحَازِمِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي النَّسْخِ وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَنَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم بِدُونِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّمَا حَسَّنَهُ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَجْهَ ضَعْفِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا أَعْنِي كَوْنَهُ مُرْسَلًا صَالِحٌ لَأَنْ يُجَابَ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى الْعَمَلَ بِالْمُرْسَلِ لَا أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ «سَوْدَةَ قَالَتْ مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، وَهُوَ جِلْدُهَا فَمَازِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَائِعٍ وَهُمْ لَا يُجِيزُونَهُ، وَإِنْ كَانُوا يُجِيزُونَ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَإِنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، فَهُوَ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْكَلْبُ؛ لِأَنَّ أَيًّا فِي الْحَدِيثِ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَتَعُمُّ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْعُمُومِ لِعَارِضٍ ذَكَرْنَاهُ، وَلَقَدْ أَنْصَفَ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا فَتَرَكَهَا " لِأَنِّي الْتَزَمْت فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الدَّلَائِلِ الْوَاهِيَةِ " اهـ
وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَلْبَ كَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدِّبَاغَ جَائِزٌ بِكُلِّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ، وَلَوْ تُرَابًا أَوْ مِلْحًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بِالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ قَالَ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا أَوْ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمَا بِمَعْنَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ اسْمَ الدِّبَاغِ يَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ بِالتَّشْمِيسِ وَالتَّتْرِيبِ فَلَا
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ
وَلَيْسَ الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِمَّا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَرَهْنِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ ذَكَرَ خِلَافًا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَيْتَةِ وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهُ بِالْخَمْرِ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ لَا أَمَّا طَهَارَةُ جِلْدِهِ، فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنَّمَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ سُؤْرُهُ نَجِسًا اهـ.
وَأَمَّا طَهَارَةُ لَحْمِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّجْنِيسِ طَهَارَتَهُ وَصَحَّحَ فِي الْأَسْرَارِ وَالْكِفَايَةِ وَالتَّبْيِينِ نَجَاسَتَهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِي الْخُلَاصَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان، وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فَصَحَّحَ فِي الْكَافِي نَجَاسَتَهُ وَاخْتَارَ فِي الْكَنْزِ فِي الذَّبَائِحِ طَهَارَتَهُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا بِدَلَائِلِهَا وَبَيَانِ مَا هُوَ الْحَقُّ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مَأْكُولًا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِتِلْكَ الذَّكَاةِ فَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ لَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا، وَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الطَّهَارَةَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْضًا هُنَا وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ هُوَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى، وَهُوَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ الْمَشْهُورُ عِلْمُهُ وَفِقْهُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ بِصِيغَةِ قِيلَ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خان وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي السِّنْجَابُ إذَا أُخْرِجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَعُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِوَدَكِ الْمَيْتَةِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُغْسَلْ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ، وَإِنْ شَكَّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُغْسَلَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَالْمَيْتَةِ وَعَظْمُهُمَا طَاهِرَانِ) إنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَنَا وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَوِيَّةِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ بَعْدَ مَوْتِ مَا هِيَ جُزْؤُهُ كَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْمِنْقَارِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْحَافِرِ وَالظِّلْفِ وَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ الضَّعِيفِ الْقِشْرُ وَالْإِنْفَحَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْإِنْفَحَةِ وَاللَّبَنِ هَلْ هُمَا مُتَنَجِّسَانِ فَقَالَا نَعَمْ لِمُجَاوِرَتِهِمَا الْغِشَاءَ النَّجِسَ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِنْفَحَةُ جَامِدَةً تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَإِلَّا تَعَذَّرَ طَهَارَتُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَا بِمُتَنَجِّسَيْنِ وَعَلَى قِيَاسِهِمَا قَالُوا فِي السَّخْلَةِ إذَا سَقَطَتْ مِنْ أُمِّهَا، وَهِيَ رَطْبَةٌ فَيَبِسَتْ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ لَا تَنْجُسُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَعْدِنِهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي إدْخَالِ الْعَصَبِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ فِي الْعَصَبِ رِوَايَتَيْنِ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الصَّحِيحَ نَجَاسَتُهُ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْفَتْحِ تَبِعَ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ فَالتَّحْرِيرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ أَجْزَاءَ الْمَيْتَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَمٌ أَوْ لَا فَالْأُولَى كَاللَّحْمِ نَجِسَةٌ وَالثَّانِيَةُ فَفِي غَيْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنْ كَانَتْ صُلْبَةً كَالشَّعْرِ وَالْعَظْمِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا الْإِنْفَحَةُ الْمَائِعَةُ وَاللَّبَنُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا نَجِسٌ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ نَجِسَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا الصَّلَاةُ مَعَهَا إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَزْنًا أَوْ عَرَضًا وَفِي رِوَايَةٍ طَاهِرَةٌ لِعَدَمِ الدَّمِ وَعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ لِلْكَرَامَةِ، وَأَمَّا الْعَصَبُ فَفِيهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الَّذِي اخْتَارَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ طَهَارَتُهُ فَرَاجِعْهُ تَجِدْ مَا فِي نَقْلِهِ عَنْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اخْتَارَهُ فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ كُتُبِهِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ قَدْ اخْتَلَفَ كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْكَنْزِ وَفِي الْكَافِي تَبْيِينٌ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: عِبَارَةُ التَّبْيِينِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الَّتِي اطَّلَعْنَا عَلَيْهَا، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِهَا وَلَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ كَمَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِنْفَحَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ أَوْ تَشْدِيدِهَا شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَصْفَرُ يُعْصَرُ فِي صُوفَةٍ مُبْتَلَّةٍ فِي اللَّبَنِ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ وَلَا تَكُونُ إلَّا لِذِي كَرِشٍ وَقِيلَ مِنْ نَفْسِ الْكَرِشِ إلَّا أَنَّهُ يُسَمَّى إنْفَحَةً مَا دَامَ رَضِيعًا، وَإِنْ رَعَى الْعُشْبَ سُمِّيَ كَرِشًا وَيُقَالُ لَهَا الْمِنْفَحَةُ أَيْضًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ جَلَبِي عَلَى الزَّيْلَعِيِّ وَقَالَ ابْنُ فَرْشَتَةَ فِي شَرْحِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ (وَإِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ طَاهِرٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وَلَبَنُهَا طَاهِرٌ) إنْفَحَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً كَرِشُ الْجَدْيِ أَوْ الْجَمَلِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ يَأْكُلْ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ بنيرمايه
رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً وَالْحِسُّ يَقَعُ بِهِ اهـ.
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَشَعْرُهُ وَعَظْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ وَرُخِّصَ فِي شَعْرِهِ لِلْخَرَّازِينَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَهُمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ وَقَعَ شَعْرُهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُنَجَّسُ، وَإِنْ صَلَّى مَعَهُ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدَّرَاهِمِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ قِيلَ وَزْنًا وَقِيلَ بَسْطًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِنَجَاسَتِهِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَرَجَّحَهُ فِي الِاخْتِيَارِ وَفِي التَّجْنِيسِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ عِظَامِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ الْعِظَامَ الْمَوْتُ وَلَيْسَ فِي الْعِظَامِ دَمٌ فَلَا تَنَجُّسَ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا بَيْعَ عِظَامِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ عَظْمَ الْمَيْتَةِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دُسُومَةٌ وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَّسَهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ شَعْرُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا يَكُونُ طَاهِرًا إذَا كَانَ مَحْلُوقًا أَوْ مَجْزُوزًا، وَإِنْ كَانَ مَنْتُوفًا، فَهُوَ نَجِسٌ وَكَذَا شَعْرُ الْآدَمِيِّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَظُفْرِهِ رِوَايَتَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الطَّهَارَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي السِّنِّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ لَا يَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ
وَقِيلَ هُوَ عَظْمٌ وَمَا وَقَعَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ أَسْنَانَ الْكَلْبِ إذَا كَانَتْ يَابِسَةً طَاهِرَةٌ وَأَسْنَانُ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَمَا يَطْهُرُ بِهَا فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ سِنَّ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعُلِّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا وَالْمُنَجَّسُ هُوَ الدَّمُ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً مِنْ الْكَلْبِ نَجِسَةً مِنْ الْآدَمِيِّ الْمُكَرَّمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا احْتِرَامًا لِلْآدَمِيِّ كَمَا إذَا طُحِنَ سِنُّ الْآدَمِيِّ مَعَ الْحِنْطَةِ أَوْ عَظْمُهُ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُ الْخُبْزِ الْمُتَّخَذِ مِنْ دَقِيقِهِمَا لَا لِكَوْنِهِ نَجِسًا بَلْ تَعْظِيمًا لَهُ كَيْ لَا يَصِيرُ مُتَنَاوِلًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ كَذَا هَذَا وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَعَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ قُطِعَتْ أُذُنُهُ أَوْ قُلِعَتْ سِنُّهُ فَأَعَادَ أُذُنَهُ إلَى مَكَانِهَا أَوْ سِنَّهُ السَّاقِطَ إلَى مَكَانِهَا فَصَلَّى أَوْ صَلَّى وَأُذُنُهُ أَوْ سِنُّهُ فِي كُمِّهِ يُجْزِيه؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ لَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ اهـ.
لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّنِّ مُسَلَّمٌ أَمَّا الْأُذُنُ فَقَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ مِنْ الْأَجْزَاءِ إنْ كَانَ الْمُبَانُ جُزْءًا فِيهِ دَمٌ كَالْيَدِ وَالْأُذُنِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَمٌ كَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالظُّفْرُ، فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اهـ.
لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَالْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قَلَعَ إنْسَانٌ سِنَّهُ أَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ ثُمَّ أَعَادَهُمَا إلَى مَكَانِهِمَا أَوْ صَلَّى وَسِنُّهُ أَوْ أُذُنُهُ فِي كُمِّهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ.
فَهَذَا يُقَوِّي مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِيدَهَا إلَى مَكَانِهَا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ اهـ.
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْفَتَاوَى يَنْدَفِعُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ سِنَّ غَيْرِهِ أَوْ حَامِلٌ سِنَّ نَفْسِهِ وَلَمْ يَضَعْهَا فِي مَكَانِهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَذَا ذَكَر فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ سِنَّ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا عَلِمْت وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالتَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ جِلْدُ الْإِنْسَانِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَوْ قِشْرُهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلَ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ وَنَحْوِهِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَعْنِي قَدْرَ الظُّفْرِ يَفْسُدُ وَالظُّفْرُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ اهـ.
وَعَلَّلَ لَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الْجِلْدَ وَالْقِشْرَ مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَالظُّفْرُ عَصَبٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْكُلُّ نَجِسٌ إلَّا شَعْرَ الْآدَمِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهُوَ عَامٌّ لِلشَّعْرِ وَغَيْرِهِ
ــ
[منحة الخالق]
يَعْنِي إنْفَحَةٌ الْمَيْتَةِ جَامِدَةً كَانَتْ أَوْ مَائِعَةً طَاهِرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا لَبَنُهَا أَمَّا الْإِنْفَحَةُ الْجَامِدَةُ؛ فَلِأَنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تَحُلَّ فِيهَا، وَأَمَّا الْمَائِعَةُ وَاللَّبَنُ، فَإِنَّ نَجَاسَةَ مَحَلِّهِمَا لَمْ تَكُنْ مُؤَثِّرَةً فِيهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ اللَّبَنُ الْخَارِجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ طَاهِرٌ فَلَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً بَعْدَ الْمَوْتِ (وَقَالَا نَجِسٌ) يَعْنِي قَالَا إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ مُطْلَقًا نَجِسٌ وَلَبَنُهَا أَيْضًا نَجِسٌ؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ يُوجِبُ تَنَجُّسَ مَا فِيهِ (وَتَطْهُرُ الْجَامِدَةُ بِالْغُسْلِ) قَيَّدَ بِالْجَامِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَةَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ عِنْدَهُمَا كَذَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ
(أَقُولُ) لَا حَاجَةَ إلَى إرْدَافِ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ مِنْ قَوْلِهِ طَاهِرٌ، وَلَوْ قَالَ وَقَالَا تَطْهُرُ الْجَامِدَةُ بِالْغَسْلِ لَكَانَ كَافِيًا لَاحَ إلَى اشْتِبَاهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَائِعَةَ إنْ كَانَتْ مَا تَنْعَصِرُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَطْهُرَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْعَصِرُ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْمُنْعَصِرِ عِنْدَهُ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ ثَلَاثًا اهـ.
قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ تَنْبِيهٌ وَقَدْ عَرَفْت مِنْ هَذَا أَنَّ نَفْسَ الْوِعَاءِ الَّذِي سَيَصِيرُ كَرِشًا نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ بِكَوْنِ الْمِنْفَحَةِ طَاهِرَةً عِنْدَهُ مُتَنَجِّسَةٌ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ مَائِعَةً هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوِعَاءُ الْمَذْكُورُ فَقَطْ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمِنْفَحَةُ مِنْ شَاةٍ مَيِّتَةٍ كَمَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَكِيَّةٍ فَهِيَ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْإِذْنُ فَقَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَا فِي الْبَدَائِعِ بِالنَّظَرِ إلَى
وَلَنَا فِي الْمَعْهُودِ فِيهَا حَالَةُ الْحَيَاةِ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ النَّجَاسَةَ فِيمَا يُحِلُّهُ وَلَا تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ فَلَا يُحِلُّهَا الْمَوْتُ، وَإِذَا لَمْ يُحِلَّهَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ الْوَصْفِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ لِعَدَمِ الْمُزِيلِ وَفِي السُّنَّةِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام فِي شَاةِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ حِينَ مَرَّ بِهَا مَيِّتَةً «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا» وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَيْتَةِ لَحْمَهَا فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ، فَلَا بَأْسَ» ، وَهُوَ وَإِنْ أَعَلَّه بِتَضْعِيفِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُسْلِمٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَهُوَ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَضَعَّفَهُمَا وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِمَعْنَاهُ ضَعِيفَةُ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَتَمَشَّطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ» وَضَعَّفَهُ فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَوْ كَانَتْ ضَعِيفَةً حَسُنَ الْمَتْنُ فَكَيْفَ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحُسْنِ وَلَهُ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُخْتَصَرًا وَفِي الْبَدَائِعِ لِأَصْحَابِنَا طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا زَالَتْ حَيَاتُهُ لَا بِصُنْعِ أَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ أَوْ بِصُنْعٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ وَلَا حَيَاةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَكُونُ مَيْتَةً وَالثَّانِي أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ لَيْسَتْ لِأَعْيَانِهَا بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي هَذِهِ الْأَجْزَاءِ اهـ.
وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى الثَّانِيَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْهِدَايَةِ لَا تَجْرِي فِي الْعَصَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَكَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ الْحَيُّ بِقَطْعِهِ بِخِلَافِ الْعَظْمِ، فَإِنَّ قَطْعَ قَرْنِ الْبَقَرَةِ لَا يُؤْلِمُهَا فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَظْمِ حَيَاةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَالْأُولَى هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَعَلَيْهَا لَا يُحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ الْمَيْتَاتِ إلَّا أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ إنَّمَا هِيَ لِمَا فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ وَالْعَصَبُ صَقِيلٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْعَظْمِ وَالشَّعْرِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يُثْبِتُ الْحَيَاةَ فِي الْعِظَامِ وَيَقُولُ إنَّ عِظَامَ الْمَوْتَى نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُؤَثِّرُ فِيهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهَا، وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمهم الله فَهِيَ عِنْدَهُمْ طَاهِرَةٌ وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ وَالْعَصَبُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُحِلُّهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَوْتُ، وَيَقُولُونَ الْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْعِظَامِ فِي الْآيَةِ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً فِي بَدَنٍ حَيٍّ حَسَّاسٍ اهـ.
وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ لَمْ يَرْتَضِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ يَزْعُمُونَ لِأَنَّ زَعَمَ مَطِيَّةُ الْكَذِبِ كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَعَمَ خَاصٌّ فِي الْبَاطِلِ بَلْ يُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِيهِ وَتَارَةً فِي الْحَقِّ فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «زَعَمَ رَسُولُك أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ» صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ النُّفُوسُ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] إلَى الْعِظَامِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَقْسَامِهِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا ثُمَّ يُؤْتَى بَعْدَهُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَفِي الْمَعْنَى عَلَى مَعْنَاهُ الْآخَرِ كَقَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ
…
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالسَّمَاءِ الْمَطَرَ وَأَرَادَ بِالضَّمِيرِ فِي رَعَيْنَاهُ النَّبَاتَ وَالنَّبَاتُ أَحَدُ مَعْنَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَطَرَ سَبَبُهُ وَسَوَّغَ لَهُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَى النَّبَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، وَهُوَ السَّمَاءُ الَّتِي أُرِيدَ بِهَا الْمَطَرُ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْعِظَامَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا: مُرَادٌ، وَهُوَ النُّفُوسُ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ، وَهُوَ الْعِظَامُ الْحَقِيقِيَّةُ غَيْرُ مُرَادٍ ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ
ــ
[منحة الخالق]
إلَى غَيْرِ الْمَقْطُوعِ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِي الْأَشْبَاهِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ إلَّا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ كَثُرَ فَتَأَمَّلْ وَفِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ قُلْت وَالْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ أَنَّ إعَادَةَ الْأُذُنِ وَثَبَاتَهَا إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهَا مِمَّا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهَا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ وَلَوْ فَرَضْنَا شَخْصًا مَاتَ ثُمَّ أُعِيدَتْ حَيَاتُهُ مُعْجِزَةً أَوْ كَرَامَةً لَعَادَ طَاهِرًا اهـ.
{وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] يَعُودُ إلَى الْعِظَامِ بِالْمَعْنَى الْغَيْرِ الْمُرَادِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ النُّفُوسُ فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَصْحَابُ الْعِظَامِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ
فَإِنْ قُلْت الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ إحْيَاؤُهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَحْوَالُهَا لَا تُنَاسِبُ أَحْوَالَ الدُّنْيَا قُلْنَا سَوْقُ الْكَلَامِ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إعَادَتَهَا فِي الْآخِرَةِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ بَالِيَةً خَالِيَةً عَنْ اسْتِعْدَادِ الْعَوْدِ إلَيْهَا فِي زَعْمِهِمْ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِغَيْرِ الْعَظْمِ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ الْآيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ جَعَلَ لَنَا الِانْتِفَاعَ، وَلَمْ يَخُصَّ شَعْرَ الْمَيْتَةِ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَهُوَ عُمُومٌ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ دَلِيلٌ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْأَصْلَ كَوْنُهَا طَاهِرَةً قَبْلَ الْمَوْتِ بِإِجْمَاعٍ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى نَجَاسَةٍ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، فَإِنْ قِيلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ قُلْنَا نَخُصُّهُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ الصُّوفِ، وَلَيْسَ فِي آيَتِكُمْ ذِكْرُ الصُّوفِ صَرِيحًا، فَكَانَ دَلِيلُنَا أَوْلَى كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ أَنَّ الصُّوفَ لِلْغَنَمِ وَالْوَبَرَ لِلْإِبِلِ وَالشَّعْرَ لِلْمَعْزِ وَقَدْ أَجَابَ الْأَتْقَانِيُّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ حُرْمَةَ الْأَكْلِ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ وَلَئِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رُطُوبَةٌ فَنَقُولُ نَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا بِنَجَاسَتِهِ إذَا بَقِيَتْ الرُّطُوبَةُ وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا لَمْ تَبْقَ الرُّطُوبَةُ بِهِ فِي الْعَظْمِ وَالْحَافِرِ وَالظِّلْفِ وَنَحْوِهِ إذَا غُسِلَ الشَّعْرُ وَنَحْوُهُ وَأُزِيلَ عَنْهُ الدَّمُ الْمُتَّصِلُ وَالرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ وَلَئِنْ قَالَ الشَّعْرُ يَنْمُو بِنَمَاءِ الْأَصْلِ فَنَقُولُ: نَعَمْ يَنْمُو وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّمَاءَ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا فِي النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَقَوْلُهُ بِنَمَاءِ الْأَصْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْمُو مَعَ نُقْصَانِ الْأَصْلِ كَمَا إذَا هَزَلَ الْحَيَوَانُ بِسَبَبِ مَرَضٍ فَطَالَ شَعْرُهُ اهـ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ تَعْرِيفُ الْمَوْتِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ فَقَالَ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَابِ الْأَهْلِيَّةِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ زَوَالُ الْحَيَاةِ، فَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ وَتَفْسِيرُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِهِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكُرْدِيِّ اهـ.
وَهَكَذَا أَوَّلَهُ فِي الْكَافِي وَذُكِرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ الْمَوْتَ ضِدُّ الْحَيَاةِ وَالضِّدَّانِ صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَيَجُوزُ ارْتِفَاعُهُمَا وَزَوَالُ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِضِدِّ الْحَيَاةِ كَمَا أَنَّ زَوَالَ السُّكُونِ لَيْسَ بِضِدِّ السُّكُونِ فَكَانَ هَذَا تَعْرِيفًا بِلَازِمِهِ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِضِدٍّ لَهَا، وَكَيْفَ يُقَالُ هَذَا وَزَوَالُ الْحَيَاةِ مَعَ الْحَيَاةِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَيْسَ مَعْنَى التَّضَادِّ إلَّا هَذَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِوُجُودِيٍّ فَهَلْ لِزَوَالِ الْحَيَاةِ وُجُودٌ أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْت نَعَمْ فَيَكُونُ زَوَالُ الْحَيَاةِ وُجُودِيًّا، وَإِنْ قُلْت لَا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ زَوَالُ الْحَيَاةِ حَيَاةً، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ زَوَالِ الْحَيَاةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَيَاةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ نَفْسُ زَوَالِ الْحَيَاةِ لَا عَدَمُ زَوَالِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَقِيضِ الشَّيْءِ عَدَمِيًّا أَنْ يَكُونَ عَدَمَ عَدَمِهِ حَتَّى يَكُونَ نَفْيَ النَّفْيِ، فَيَكُونُ إثْبَاتًا، وَأَمَّا جَعْلُهُ زَوَالَ الْحَيَاةِ ضِدًّا لَهَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ التَّضَادَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَوْجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ يُمْكِنُ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْآخَرِ تَعَاقُبٌ عَلَى الْمَوْضُوعِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، وَهِيَ مَا يَكُونُ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُغَايِرَ الْمُقْتَضَى الْآخَرِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى أَحَدِهِمَا قَبْضُ الْبَصَرِ وَمُقْتَضَى الثَّانِي تَفْرِيقُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ عَدَمِيٌّ فَلَا يَكُونُ ضِدًّا لَهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ إنَّمَا هُوَ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَعْقُولِ أَمَّا عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَالضِّدُّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ) أَيْ، فَإِنْ قُلْت فِي الْجَوَابِ عَنْ الْآيَةِ جَوَابًا رَابِعًا (قَوْلُهُ: وَإِذَا غُسِلَ الشَّعْرُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ تَبْقَ الرُّطُوبَةُ
مَا يُقَابِلُ الشَّيْءَ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ سَوَاءٌ كَانَا وُجُودِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا وُجُودِيٌّ، وَالْآخَرُ عَدَمِيٌّ وَقَدْ اخْتَارَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمِيٌّ فَقَالَ وَالْحَيَاةُ مَا يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الْإِحْسَاسُ وَقِيلَ مَا يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ حَيًّا، وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ، وَالْمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ فِيهِ وَمَعْنَى خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ إيجَادُ ذَلِكَ الْمُصَحِّحِ وَإِعْدَامُهُ قَالَ الطِّيبِيِّ رحمه الله فِي حَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ وَالْمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ فِيهِ الِانْتِصَافُ لِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ وَاعْتِقَادُ السُّنِّيَّةِ أَنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ ضَادَّ الْحَيَاةَ وَكَيْفَ يَكُونُ عَدَمِيًّا وَقَدْ وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا وَعَدَمُ الْحَوَادِثِ أَزَلِيٌّ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدُومُ مَخْلُوقًا لَزِمَ وُقُوعُ الْحَوَادِثِ أَزَلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ وَقَالَ صَاحِبُ الْفَوَائِدِ: لَوْ كَانَ الْمَوْتُ عَدَمَ الْحَيَاةِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنَى خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ إيجَادُ ذَلِكَ الْمُصَحِّحِ وَإِعْدَامُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مَنْظُورٌ فِيهِ وَقَالَ الْإِمَامُ: هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْتِ قِيلَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَقِيلَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضَادَّةٌ لِلْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] وَالْعَدَمُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ إلَى هُنَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ رضي الله عنهم الْمَوْتُ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ وَلَا فِنَاءٍ صِرْفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَتُهُ وَحَيْلُولَةٌ بَيْنَهُمَا وَتَبَدُّلُ حَالٍ وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ وَالْحَيَاةُ عَكْسُ ذَلِكَ وَنَقَلَ أَقْوَالًا فِيهِمَا لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ كَالْحَيَاةِ وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا فِي الْكَشْفِ أَوْ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ عَدَمِيٌّ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمَوْتَ يَكُونُ بَعْدَ الْحَيَاةِ إذْ مَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَيَاةٌ لَا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الْمَوْتِ بِعَدَمِ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا اُتُّفِقَ لَهَا اهـ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ يُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] وَفِي الْكَشَّافِ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ قِيلَ لَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ جَمَادًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَيِّتٌ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْحَيَاةُ مِنْ الشَّيْءِ قُلْت بَلْ يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ جَمَادًا لِعَادِمِ الْحَيَاةِ كَقَوْلِهِ {بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان: 49] {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ} [يس: 33]{أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} [النحل: 21] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً فِي اجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنْ لَا رُوحَ وَلَا إحْسَاسَ اهـ.
وَقَرَّرَ الْقُطْبُ فِي حَاشِيَتِهِ الِاسْتِعَارَةَ بِأَنْ يُشَبَّهَ الْجَمَادُ بِالْمَيِّتِ فِي عَدَمِ الرُّوحِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ اللَّفْظُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَتِمَّةٌ) نَافِجَةُ الْمَسْكِ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ: وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ) لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ عِنْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يُرَاقَ كُلُّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءُ الْبِئْرِ نَقْضًا فِي أَنَّهُ لَا يُنْزَحُ كُلُّهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَذَكَرَ أَحْكَامَهُ قَالَ الشَّارِحُونَ: وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَزْحِ الْبِئْرِ نَزْحُ مَائِهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِمْ جَرَى الْمِيزَابُ وَسَالَ الْوَادِي وَأَكَلَ الْقِدْرَ وَالْمُرَادُ مَا حَلَّ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي إخْرَاجِ جَمِيعِ الْمَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا هِيَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا تُنَجَّسُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ وَالْمُرَادُ بِالنَّجِسِ هُنَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ حَيَوَانًا كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الْحَيَوَانِ الْوَاقِعُ فِيهَا فَسَنَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَدِّرْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ فَأَيُّ نَجِسٍ وَقَعَ فِيهَا يُوجِبُ نَزْحَهَا، وَإِنَّمَا يُنَجَّسُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ تَفْسُدُ بِمَا يَفْسُدُ بِهِ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي التَّفَارِيقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْبِئْرُ لَا تُنَجَّسُ كَالْمَاءِ الْجَارِي الْبِئْرُ إذَا لَمْ تَكُنْ عَرِيضَةً، وَكَانَ عُمْقُ مَائِهَا عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا فَوَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فِي أَصَحِّ الْأَقَاوِيلِ اهـ.
وَعَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ) فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى صَاحِبِ الْكَشَّافِ.
إلَى شَرْحِ صَدْرِ الْقُضَاةِ
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ لَوْ ثَبَتَ لَانْهَدَمَتْ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ وَقَدْ عَلَّلُوا بِأَنَّ الْبِئْرَ لَمَّا وَجَبَ إخْرَاجُ النَّجَاسَةِ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهَا مِنْهَا إلَّا بِنَزْحِ كُلِّ مَائِهَا وَجَبَ نَزْحُهُ لِتَخْرُجَ النَّجَاسَةُ مَعَهُ حَقِيقِيَّةً لَكِنْ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ خَشَبَةٌ نَجِسَةٌ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْ ثَوْبٍ نَجَسٍ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا وَتَغَيَّبَتْ فِيهَا طَهُرَتْ الْخَشَبَةُ وَالْقِطْعَةُ مِنْ الثَّوْبِ تَبَعًا لِطَهَارَةِ الْبِئْرِ وَعَزَاهُ إلَى الْفَتَاوَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَنَزْحُهُ أَنْ يَقِلَّ حَتَّى لَا يَمْتَلِئَ الدَّلْوُ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُهُ اهـ.
أَيْ وَنَزْحُ مَاءِ الْبِئْرِ لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا تُنْزَحُ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمِقْدَارَ الْمَعْرُوفَ أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعِينٍ،، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا لِوُجُوبِ نَزْحِ جَمِيعِ الْمَاءِ ثُمَّ الْبِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ هَمْزِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَأَرْت أَيْ حَفَرْت وَجَمْعُهَا فِي الْقِلَّةِ أَبْؤُرٌ وَأَبْآرٌ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ فِيهِمَا، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ فِي أَبَآَّرً وَيَنْقُلُ فَيَقُولُ آبَارٌ وَجَمْعُهَا فِي الْكَثْرَةِ بِآرٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ بَعْدُهَا هَمْزَةٌ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِيهَا إمَّا أَنْ لَا تَطْهُرَ أَصْلًا كَمَا قَالَ بِشْرٌ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ وَالْمَاءُ يَنْبُعُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِمَّا أَنْ لَا تَتَنَجَّسَ إسْقَاطًا الْحُكْمِ لَحْمُ النَّجَاسَةِ حَيْثُ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ أَوْ التَّطْهِيرُ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ قُلْنَا وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْزَحَ مِنْهَا دِلَاءً أَخْذًا بِالْآثَارِ وَمِنْ الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي يَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم كَالْأَعْمَى فِي يَدِ الْقَائِدِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ وَفِي الْبَدَائِعِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْقِيَاسَيْنِ قَالَ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ بِالْخَبَرِ وَالْأَثَرِ وَضَرْبٍ مِنْ الْفِقْهِ الْخَفِيِّ
أَمَّا الْخَبَرُ فَمَا رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الأسروشني بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ «قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ «قَالَ فِي دَجَاجَةٍ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَمَرَا بِنَزْحِ جَمِيعِ مَاءِ زَمْزَمَ حِينَ مَاتَ فِيهَا زِنْجِيٌّ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفِقْهُ الْخَفِيُّ فَهُوَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَمًا مَسْفُوحًا وَقَدْ تَشَرَّبَ فِي أَجْزَائِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَجَّسَهَا وَقَدْ جَاوَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَالْمَاءُ يَتَنَجَّسُ أَوْ يَفْسُدُ بِمُجَاوَرَةِ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا جَاوَرَ النَّجِسَ نَجِسٌ بِالشَّرْعِ «قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ يُقَوَّرُ مَا حَوْلَهَا وَيُلْقَى وَتُؤْكَلُ الْبَقِيَّةُ» فَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِنَجَاسَةِ جَارِ النَّجِسِ وَفِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ الْمَاءِ مِقْدَارُ مَا قَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ لِصِغَرِ جُثَّتِهَا فَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَاءِ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا الْقَدْرِ لَمْ يُجَاوِرْ الْفَأْرَةَ بَلْ جَاوَرَهَا مَا جَاوَرَ الْفَأْرَةَ
وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِتَنْجِيسِ جَارِ الْخَبَثِ لَا بِتَنْجِيسِ جَارِ جَارِ النَّجِسِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بِطَهَارَةِ جَارِ السَّمْنِ الَّذِي جَاوَرَ الْفَأْرَةَ وَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ مَا جَاوَرَ الْفَأْرَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ جَارَ جَارِ النَّجِسِ لَوْ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ لَحُكِمَ أَيْضًا بِنَجَاسَةِ مَا جَاوَرَ جَارَ النَّجِسِ ثُمَّ هَكَذَا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّ قَطْرَةً مِنْ بَوْلٍ أَوْ فَأْرَةً لَوْ وَقَعَتْ فِي بَحْرٍ عَظِيمٍ أَنْ يَتَنَجَّسَ جَمِيعُ مَائِهِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ وَفِي الدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ الْمُجَاوَرَةُ أَكْثَرُ لِزِيَادَةِ ضَخَامَةٍ فِي جُثَّتِهَا فَقُدِّرَ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَالْآدَمِيُّ وَمَا كَانَ جُثَّتُهُ مِثْلَ جُثَّتِهِ كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا مُجَاوِرٌ جَمِيعَ الْمَاءِ فِي الْعَادَةِ لِعِظَمِ جُثَّتِهِ فَيُوجِبُ تَنْجِيسَ جَمِيعِ الْمَاءِ وَكَذَا إذَا تَفَسَّخَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوَاقِعَاتِ أَوْ انْتَفَخَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تُخْرِجُ الْبِلَّةُ مِنْهَا الرَّخَاوَةَ فِيهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا) اسْمُ الْإِشَارَةِ يَعُودُ إلَى عَدَمِ إخْرَاجِ مَا وَقَعَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَضْمُونِ كَلَامِ السِّرَاجِ وَالْمُجْتَبَى وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ النَّزْحِ لَا بَعْدَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي الْفُرُوعِ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بِطَهَارَةِ جَارِ السَّمْنِ إلَخْ) أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا فَقَدْ قَالَ عليه السلام «، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَالْمَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْجَامِدِ تَأَمَّلْ.
فَتَجَاوُرُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يُجَاوِرُ إلَّا قَدْرَ مَا ذَكَرْنَا لِصَلَابَةٍ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ بِلَّةٍ فَيُجَاوِرُ أَجْزَاءِ الْمَاءِ فَيُفْسِدُهَا. اهـ.
وَهَذَا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَدْخَلٌ وَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُهُ كَذَا تَعَقَّبْهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ لَا يُخَالِفُ مَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى خَفِيٌّ فِقْهِيٌّ لَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ وَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ إلَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالِاسْتِحْسَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ فَالْخَفِيُّ يُسَمَّى بِالِاسْتِحْسَانِ لَكِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ، فَإِنَّ كُلَّ قِيَاسٍ خَفِيٍّ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ قِيَاسًا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَيْضًا لَكِنَّ الْغَالِبَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الِاسْتِحْسَانُ أُرِيدَ بِهِ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي هِيَ حُجَّةٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِالْأَثَرِ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ فِي النِّسْيَانِ وَإِمَّا بِالْإِجْمَاعِ كَالِاسْتِصْنَاعِ وَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ طَهَارَةَ الْآبَارِ بِالنَّزْحِ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ الَّذِي ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا بِبَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ) أَيْ لَا يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ بِوُقُوعِ بَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ فِيهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ مُطْلَقًا لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَالْإِنَاءِ وَذُكِرَ لِلِاسْتِحْسَانِ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى وَاخْتَارَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا وَيُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجُعِلَ الْقَلِيلُ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ، وَالرَّوْثِ وَالْبَعْرِ وَالْخِثَى؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَقَدْ صَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَيُعَارِضُ مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ أَوْ الرَّوْثَ وَالْمُفَتَّتُ مِنْ الْبَعْرِ مُفْسِدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَلِيلَهُ عَفْوٌ قَالَ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَظَاهِرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِآبَارِ الْفَلَوَاتِ، وَأَمَّا الْآبَارُ الَّتِي فِي الْمِصْرِ فَتُنَجَّسُ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَهَا رُءُوسًا حَاجِزَةً فَيَقَعُ الْأَمْنُ عَنْ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ تُكِنّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَالَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْبِئْرِ إذَا كَانَتْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَرْقِ لِشُمُولِ الضَّرُورَةِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ.
فَاعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ لِلْيَابِسِ صَلَابَةً فَلَا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ بِأَجْزَاءِ الْمَاءِ فَهَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ الرَّطْبَ وَالْمُنْكَسِرَ وَالرَّوْثَ وَالْخِثَى يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَظَاهِرُهَا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَدَائِعِ، وَكَذَا ظَاهِرُهَا أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْيَابِسِ الصَّحِيحِ لَا يُنَجَّسُ كَالْقَلِيلِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْكَثِيرَ يُنَجِّسُ الْإِنَاءَ وَمَاءَ الْبِئْرِ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الْأُولَى فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ
وَأَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّهَا إذَا كَثُرَتْ تَقَعُ الْمُمَاسَّةُ بَيْنَهَا فَيَصْطَكُّ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فَتَتَفَتَّتُ أَجْزَاؤُهَا فَتَتَنَجَّسُ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْإِنَاءِ فِي عَدَمِ التَّنَجُّسِ بِالْقَلِيلِ وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْبِئْرِ لَا فِي الْإِنَاءِ كَذَا فِي الْكَافِي بِخِلَافِ بَعْرِ الشَّاةِ إذَا وَقَعَ مِنْهَا فِي الْحَلْبِ وَقْتَ الْحَلْبِ، فَإِنَّهُ تُرْمَى الْبَعْرَةَ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأُولَى فَلِمَكَانِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَيَّدَهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمِعْرَاجِ بِكَوْنِهَا رُمِيَتْ عَلَى الْفَوْرِ وَلَمْ يَبْقَ لَوْنُهَا عَلَى اللَّبَنِ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُعَلَّلًا لَهُ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهَا تَبْعَرُ عِنْدَ الْحَلْبِ عَادَةً لَا فِيمَا وَرَاءَهُ وَذَلِكَ بِمَرْأَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ضَمِيرُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الِاسْتِحْسَانِ انْتَهَى وَعَلَى هَذَا فَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ لَا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ كَمَا حَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ عِبَارَتِهِ إذْ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ هُوَ مِمَّا ثَبَتَ بِهِ الِاسْتِحْسَانُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ إلَّا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَفِيَّ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْقِيَاسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ الرَّابِعُ الْمُقَابِلُ لِلْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ تَأَمَّلْ.
مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ عَلَى أَقْوَالٍ صُحِّحَ مِنْهَا قَوْلَانِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ مَا لَا يَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي لِلْمُصَنَّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَالْقَلِيلُ مَا يَسْتَقِلُّهُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُقَدِّرُ شَيْئًا بِالرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ اهـ.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْبَعْرَتَيْنِ لَا يُنَجِّسَانِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تُنَجِّسُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ مَبْنِيٍّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تُفْسِدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي الدَّلَائِلِ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ
وَهَذَا الْفَهْمُ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ اقْتَصَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَتْ بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ فِي الْبِئْرِ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا وَالثَّلَاثُ لَيْسَ بِكَثِيرٍ فَاحِشٍ كَذَا نَقَلَ عِبَارَةَ الْجَامِعِ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ جُعِلَ قَائِلُ الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَنَّ مَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ كَانَ كَثِيرًا وَمَا لَمْ يُغَيِّرْهُ يَكُونُ قَلِيلًا لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَبَعَدَ يُبْعَرُ مِنْ حَدِّ مَنَعَ وَالرَّوْثُ لِلْفَرَسِ وَالْحِمَارُ مِنْ رَاثَ يُقَالُ مِنْ حَدِّ نَصْرٍ وَالْخِثَى بِكَسْرِ الْخَاءِ وَاحِدٌ الْأَخْثَاءِ لِلْبَقَرِ يُقَالُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرْءُ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ) أَيْ لَا يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ بِوُقُوعِ خَرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ فِيهَا وَالْخَرْءُ بِالْفَتْحِ وَاحِدُ الْخُرُوءِ بِالضَّمِّ مِثْلُ قُرْءٍ وَقُرُوءٍ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ بِالضَّمِّ كَجُنْدٍ وَجُنُودٍ وَالْوَاوُ بَعْدَ الرَّاءِ غَلَطٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَإِنَّمَا لَا يُنْزَحُ مَاؤُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ لَكِنْ عِنْدَ الْبَعْضِ السُّقُوطُ مِنْ الْأَصْلِ لِلطَّهَارَةِ وَعِنْدَ آخَرِينَ لِلضَّرُورَةِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرَا فَائِدَةَ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَجِسٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ وَلَنَا الْإِجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ، فَإِنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُقِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا يَكُونُ مِنْهَا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ الْمَسَاجِدِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» «وَعَنْ سَمُرَة رضي الله عنه أَنَّهُ كَتَبَ إلَى بَنِيهِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَضَعَ الْمَسَاجِدَ فِي دُورِنَا وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَلَيْهِ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ.
وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَكَرَ الْحَمَامَةَ فَقَالَ أَنَّهَا أَوْكَرَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ فَجَزَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهَا» فَهَذَا دَلِيلُ طَهَارَةِ خَرْئِهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ خَرَأَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ فَمَسَحَهَا بِإِصْبَعِهِ وَكَذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه زَرَقَ عَلَيْهِ طَيْرٌ فَمَسَحَهُ بِحَصَاةٍ ثُمَّ صَلَّى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالنِّهَايَةِ
وَأَمَّا ذِكْرُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ فَهِيَ لَا إلَى نَتْنِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الطِّينَ الَّذِي فِي قَعْرِ الْبِئْرِ، فَإِنَّ فِيهِ الْفَسَادَ أَيْضًا وَلَيْسَ بِنَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا إلَى نَتَنِ رَائِحَةٍ وَيُشْكَلُ هَذَا بِالْمَنِيِّ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ الِاسْتِحَالَةُ إلَى فَسَادٍ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ إذَا فَسَدَتْ لَا تُنَجَّسُ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ إلَى الْفَسَادِ لَا يُوجِبُ النَّجَاسَةَ اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ إذَا تَغَيَّرَ وَاشْتَدَّ تَغَيُّرُهُ تَنَجَّسَ، وَإِنْ حَمَلَ مَا فِي النِّهَايَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ تُغَيِّرْهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِتَنْجِيسِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْإِيذَاءِ كَاللَّحْمِ إذَا أَنْتَنَ قَالُوا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَمْ يَقُولُوا تُنَجِّسَ بِخِلَافِ السَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالدُّهْنِ وَالزَّيْتِ إذَا أَنْتَنَ لَا يَحْرُمُ وَالْأَشْرِبَةُ لَا تَحْرُمُ بِالتَّغَيُّرِ كَذَا فِي الْخِزَانَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله بِقَوْلِهِ خَرْءُ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ إلَى خَرْءِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ جَعَلَ قَائِلَ الْحَدِّ الْفَاصِلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هُوَ شَأْنُ الْجَارِي وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَثُرَ فِي حُكْمِ الْقَلِيلِ اهـ أَيْ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْوَاوُ بَعْدَ الرَّاءِ غَلَطٌ) أَيْ فِي الْمُفْرَدِ لَا فِي الْجَمْعِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرُوا فَائِدَةَ هَذَا الِاخْتِلَافِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِيمَا لَوْ وُجِدَ فِي ثَوْبٍ أَوْ مَكَان وَثَمَّةَ مَا هُوَ خَالٍ عَنْهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الثَّانِي لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ وَتَجُوزُ عَلَى الْأَوَّلِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَعْلِيلَهُمْ بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ فِي خُصُوصِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مُطْلَقًا، وَإِذَا سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ مُطْلَقًا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَاءَ وَوَجَدَ غَيْرَهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ تَأَمَّلْ.
احْتِرَازًا عَمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْهَا، فَإِنَّ خَرْأَهُ نَجِسٌ وَسَنَذْكُرُهُ صَرِيحًا فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَخَرْءِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مِنْهَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَجَاسَتَهُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ) إنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهَا بَابَ الْأَنْجَاسِ لِبَيَانِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ نَجَّسَ مَاءَهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله طَاهِرٌ فَلَا يُنْزَحُ الْمَاءُ مِنْ وُقُوعِهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا» وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعُرَنَةُ وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ وَبِتَصْغِيرِهَا سُمِّيَتْ عُرَيْنَةَ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْعُرَنِيُّونَ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ يَاءُ التَّصْغِيرِ عِنْدَ النِّسْبَةِ لِمَا أَنَّ يَاءَ فَعِيلَةٍ وَفُعَيْلَةٍ يَسْقُطَانِ عِنْدَ النِّسْبَةِ قِيَاسًا مُطَّرَدًا فَيُقَالُ حَنَفِيٌّ وَمَدَنِيٌّ وَجُهَنِيٌّ وَعَقْلِيٌّ فِي حَنِيفَةَ وَمَدِينَةً وَجُهَيْنَةَ وَعَقِيلَةَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ
وَقَوْلُهُ اجْتَوَوْهَا هُوَ بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَمَعْنَاهُ اسْتَوْخَمُوهَا كَمَا فَسَّرَهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَيْ لَمْ تُوَافِقْهُمْ وَكَرِهُوهَا لِسَقَمٍ أَصَابَهُمْ قَالُوا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَوَى، وَهُوَ دَاءٌ فِي الْجَوْفِ وَمَعْنَى سَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ بِالرَّاءِ كَحَّلَهَا بِمَسَامِيرَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ سَمَّلَ بِاللَّامِ بِمَعْنَى فَقَأَهَا وَأَذْهَبَ مَا فِيهَا كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ الْقِصَاصِ وَلَهُمَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمَخْرَجُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مَكَانَ مِنْ وَفِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ لَحْنٌ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ مَعَ تَرْكِ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ هُوَ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَالِاسْتِنْزَاهُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْمَرْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ أَوَّلَ مَا يُعَذَّبُ بِتَرْكِهَا فِي أَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ الْبَوْلَ يَشْمَلُ كُلَّ بَوْلٍ بِعُمُومِهِ وَقَدْ أَلْحَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعِيدَ عَذَابِ الْقَبْرِ بِتَرْكِ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَتِهِ وَعِيدٌ اهـ.
وَأَجَابَ فِي الْهِدَايَةِ عَنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ بِأَنَّهُ عليه السلام عَرَّفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا وَزَادَ شَارِحُوهَا كَالْأَتْقَانِيِّ وَالْكَاكِيِّ جَوَابًا آخَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ الْحُدُودُ أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ حِينَ ارْتَدُّوا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ» وَلَيْسَ جَزَاءُ الْمُرْتَدِّ إلَّا الْقَتْلَ فَعُلِمَ أَنَّ إبَاحَةَ الْبَوْلِ انْتَسَخَتْ كَالْمُثْلَةِ اهـ.
وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَّا أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ الْخُصُوصِ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا تَنَاوَلَهُ قَطْعًا كَالْخَاصِّ حَتَّى يَجُوزَ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ عِنْدَنَا كَحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ وَرَدَ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ، وَهُوَ خَاصٌّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ عَامٌّ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْجِنْسِ فِي ضِمْنِ الْمُشَخِّصَاتِ فَيُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِهَا إذْ لَا عَهْدَ وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ مُتَقَدِّمٌ؛ لِأَنَّ الْمُثْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا مَنْسُوخَةٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ تَضَمَّنَتْ مُثْلَةً وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ فَقَالَ وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ وَأَرَادَ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ خُطْبَةً إلَّا نَهَى فِيهَا عَنْ الْمُثْلَةِ» وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْوَاقِعِ فِي قِصَّتِهِمْ كَمَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ) أَيْ نَجَاسَةً خَفِيفَةً عِنْدَهُمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمِفْتَاحِ وَالْيَنَابِيعِ وَالْهِدَايَةِ وَالنُّتَفِ وَالْوُقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَعُيُونِ الْكَافِي وَغَيْرِهَا وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ نَجَاسَتَهُ غَلِيظَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَخَفِيفَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبَدَنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الثَّوْبِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْحِنْطَةِ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ اهـ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ عَلَى الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ.
خَبَرِهِمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا يَدَ الرَّاعِي وَرِجْلَهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنِهِ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ هَذَا بِمُثْلَةٍ وَالْمُثْلَةُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّمَا سَمَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَعْيُنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَأَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِ الْأَلْبَانِ يَعْنِي دُونَ الْأَبْوَالِ فَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ رِوَايَةَ شَرِبَ الْأَبْوَالَ ثَابِتَةً فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا) عُطِفَ عَلَى بَوْلٍ أَيْ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالدَّمُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ كَمَا إذَا أَخَذَ بِقُطْنَةٍ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ وَالْقَيْءُ الْقَلِيلُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ وَكَذَا إذَا أَصَابَ شَيْئًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَجِسٌ كَذَا فِي كُثَيِّرٌ مِنْ الْكُتُبِ وَظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلسَّيَلَانِ فِي النَّجَاسَةِ فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ نَجِسًا فَغَيْرُ السَّائِلِ يَكُونُ كَذَلِكَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] إلَى قَوْلِهِ {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا فَلَا يَكُونُ نَجِسًا وَالدَّمُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا فَإِنْ قِيلَ هَذَا فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَمَّا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ كَالْآدَمِيِّ فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ حَرَامٌ أَيْضًا فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِحِلِّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ قُلْت لَمَّا حَكَمَ بِحُرْمَةِ الْمَسْفُوحِ بَقِيَ غَيْرُ الْمَسْفُوحِ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الْحِلُّ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الطَّهَارَةُ سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ ثُمَّ حُرْمَةُ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ فِي الْآدَمِيِّ بِنَاءٌ عَلَى حُرْمَةِ لَحْمِهِ وَحُرْمَةُ لَحْمِهِ لَا تُوجِبُ نَجَاسَتَهُ إذْ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِلْكَرَامَةِ لَا لِلنَّجَاسَةِ فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ فِي الْآدَمِيِّ يَكُونُ عَلَى طَهَارَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْفُوحِ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ غَامِضَةٍ، وَهِيَ أَنَّ غَيْرَ الْمَسْفُوحِ دَمٌ انْتَقَلَ عَنْ الْعُرُوقِ وَانْفَصَلَ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَحَصَلَ لَهُ هَضْمٌ آخَرُ فِي الْأَعْضَاءِ وَصَارَ مُسْتَعِدًّا لَأَنْ يَصِيرَ عُضْوًا فَأَخَذَ طَبِيعَةَ الْعُضْوِ فَأَعْطَاهُ الشَّرْعُ حُكْمَهُ بِخِلَافِ دَمِ الْعُرُوقِ فَإِذَا سَأَلَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ عُلِمَ أَنَّهُ دَمٌ انْتَقَلَ مِنْ الْعُرُوقِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَهُوَ الدَّمُ النَّجِسُ أَمَّا إذَا لَمْ يَسِلْ عُلِمَ أَنَّهُ دَمُ الْعُضْوِ هَذَا فِي الدَّمِ أَمَّا فِي الْقَيْءِ فَالْقَلِيلُ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ فِي أَعَالِي الْمَعِدَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّيقِ كَذَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ، وَكَانَ الْإِسْكَافُ وَالْهِنْدُوَانِي يُفْتِيَانِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ خُصُوصًا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْقُرُوحِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْوَجْهَ يُسَاعِدُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَارِجَ بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ حَدَثٌ وَأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ قَبْلَ الْخُرُوجِ لَا يَثْبُتُ شَرْعًا وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ لِلْإِنْسَانِ طَهَارَةٌ فَلَزِمَ أَنَّ مَا لَيْسَ حَدَثًا لَمْ يُعْتَبَرْ خَارِجًا شَرْعًا وَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ خَارِجًا شَرْعًا لَمْ يُعْتَبَرْ نَجِسًا اهـ.
وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْجَامِدَاتِ كَالثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَى آخِرِهِ لَا يَنْعَكِسُ فَلَا يُقَالُ مَا لَا يَكُونُ نَجِسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا، فَإِنَّ النَّوْمَ وَالْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ وَغَيْرَهَا حَدَثٌ وَلَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ اهـ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ بِحَدَثٍ لَا يَكُونُ نَجَسًا وَكَذَا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ وَلَيْسَ بِنَجَسٍ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَأَمَّا النَّوْمُ وَنَحْوُهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَكْسِ فِي قَوْلِنَا مَا لَا يَكُونُ نَجَسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْرَبُ أَصْلًا) أَيْ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُشْرَبُ أَصْلًا لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ مُطْلَقًا لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لَا يَنْعَكِسُ إلَخْ) أَيْ لَا يَنْعَكِسُ عَكْسًا لُغَوِيًّا وَإِلَّا فَالْعَكْسُ الْمَنْطِقِيُّ صَحِيحٌ إذْ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ تَنْعَكِسُ مُوجِبَةً جُزْئِيَّةً كَأَنْ يُقَالَ بَعْضُ مَا لَا يَكُونُ نَجَسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا كَالْقَيْءِ الْقَلِيلِ وَالدَّمِ الْبَادِي الْغَيْرِ الْمُتَجَاوِرِ.