الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين
«أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ حِين سُئِلَ عَن ضَالَّة الْغنم: هِيَ لَك أَو لأخيك أَو الذِّئْب» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَابه فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين
أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة.
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين
«رَوَى أَن رجلا غلَّ فِي الْغَنِيمَة فَأحرق النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَحْله» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبا بكر و [عمر] رضي الله عنهما أحرقوا مَتَاع الغال وضربوه وَمنعُوا سَهْمه» . وَزُهَيْر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذر الْمروزِي التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْخُرَاسَانِي، سكن مَكَّة وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، كَمَا سلف فِي الحَدِيث الرَّابِع بعد
الْعشْرين، وَالثَّانِي من بَاب صفة الصَّلَاة، وأسلفنا هُنَاكَ عَن أَحْمد توثيقه وَأَنه قَالَ مرّة: هُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث. وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ فَمرَّة قَالَ: إِنَّه ثِقَة. وَمرَّة قَالَ: إِنَّه ضَعِيف. وَقَالَ البُخَارِيّ: رَوَى عَنهُ أهل الشَّام أَحَادِيث مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن عدي: لَعَلَّ الشاميين أخطئوا عَلَيْهِ؛ فَإِن رِوَايَة الْعِرَاقِيّين تشبه الْمُسْتَقيم. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بالقوى. وَأما الْحَاكِم فَقَالَ بعد أَن أخرجه فِي «الْمُسْتَدْرك» من طَرِيقه هَذَا: حَدِيث غَرِيب صَحِيح. لكنه قَالَ - فِيمَا نَقله عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي جُزْء من تكلم فِيهِ وَهُوَ موثق -: إِن زهيرًا هَذَا مِمَّن خَفِي عَلَى مُسلم بعض حَاله، فَإِنَّهُ من الْعباد الصَّالِحين المجاورين بِمَكَّة، لَيْسَ فِي الحَدِيث بِذَاكَ، لينه أَحْمد؛ فيعترض عَلَيْهِ فِي تَصْحِيحه إِذن. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْغلُول لَيْسَ فِيهَا أَنه عليه السلام أَمر بتحريق مَتَاع الغال قَالَ: وَفِي ذَلِك دَلِيل عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَيُقَال: إِن زهيرًا هَذَا مَجْهُول وَلَيْسَ بِالْمَكِّيِّ. قلت: غَرِيب. وَقَالَ الرَّافِعِيّ عَن الشَّافِعِي: لَو صَحَّ هَذَا الحَدِيث قلت بِهِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: يُرِيد أَنه لم تظهر صِحَّته. قَالَ: وَبِتَقْدِير الصِّحَّة فليحمل ذَلِك عَلَى أَنه كَانَ فِي مبدأ الْأَمر ثمَّ نسخ.
قلت: وَورد أَيْضا الْأَمر بذلك. رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة قَالَ: «دخلت مَعَ مَسْلمة أَرض الرّوم فَأتي بِرَجُل قد غل
فَسَأَلَ سالما عَنهُ فَقَالَ: سَمِعت أبي يحدث عَن عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذا وجدْتُم الرجل قد غل (فأحرقوا مَتَاعه) واضربوه. قَالَ: فَوَجَدنَا فِي مَتَاعه مُصحفا فَسَأَلَ سالما عَنهُ فَقَالَ: بِعْهُ وَتصدق بِثمنِهِ» . وَصَالح هَذَا ضعفه جماعات بل الْجُمْهُور، قَالَ يَحْيَى وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى: لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَلَا يعلم، ويسند الْمَرَاسِيل وَلَا يفهم، فَلَمَّا [كثر ذَلِك فِي حَدِيثه] اسْتحق التّرْك. وَلم أر فِي [توثيقه] إِلَّا قَول الإِمَام أَحْمد: مَا أرَى بِهِ بَأْسا. وَضعف الحَدِيث أَيْضا جماعات، وَقَالَ البُخَارِيّ: صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة [يروي عَن سَالم عَن ابْن عمر] عَن عمر رَفعه: «من غل فأحرقوا مَتَاعه» وَقد رَوَى ابْن عَبَّاس عَن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْغلُول وَلم يحرق. قَالَ البُخَارِيّ: [وَعَامة] أَصْحَابنَا يحتجون بِهَذَا فِي الْغلُول، وَهَذَا بَاطِل لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: نَا أَبُو صَالح الْأَنْطَاكِي، ثَنَا أَبُو إِسْحَاق صَالح بن مُحَمَّد قَالَ: «غزونا مَعَ الْوَلِيد بن هِشَام [مَعنا] سَالم بن عبد الله بن عمر، وَعمر بن عبد الْعَزِيز فَغَلَّ
رجل [منا] مَتَاعا، فَأمر الْوَلِيد بمتاعه فَأحرق وطيف بِهِ وَلم يُعْطه سَهْمه» . قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا أصح الْحَدِيثين رَوَاهُ غير وَاحِد «أَن الْوَلِيد بن هِشَام حرق رَحل [زِيَاد] وَكَانَ قد غل وضربه» وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ: إِنَّه رَوَاهُ صَالح بن مُحَمَّد وَهُوَ مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَنْكَرُوا هَذَا الحَدِيث عَلَى صَالح بن مُحَمَّد. وَقلت: هَذَا حَدِيث لم يُتَابع عَلَيْهِ وَلَا أصل لهَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَصَالح هَذَا ضَعِيف، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ أَن سالما أَمر بِهَذَا وَلم يرفعهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلَا ذكره عَن أَبِيه وَلَا عَن عمر. وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : هَذَا الحَدِيث يَدُور عَلَى صَالح بن مُحَمَّد وَهُوَ مُنكر الحَدِيث [ضَعِيف] لَا يحْتَج بِهِ، ضعفه البُخَارِيّ وَغَيره. قَالَ: وَفِي بعض أَلْفَاظه: «فاضربوا عُنُقه واحرقوا مَتَاعه» ذكره ابْن عبد الْبر وَخَالف الْحَاكِم فَقَالَ بعد أَن أخرجه من جِهَة صَالح الْمَذْكُور: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» لمذهبه حَيْثُ قَالَ: إِذا غل من الْغَنِيمَة أحرق رَحْله إِلَّا السِّلَاح والمصحف خلافًا لأكثرهم، كَذَا هَذَا الحَدِيث. ثمَّ ذكره من طَرِيق الإِمَام أَحْمد ثمَّ قَالَ: فَإِن قَالُوا: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فَبَطل كَلَامه السالف وَكَلَام يَحْيَى بن معِين فِيهِ أَيْضا. ثمَّ قَالَ:
قُلْنَا: قَالَ أَحْمد: مَا أرَى بِهِ بَأْسا.
وَهَذَا غَرِيب مِنْهُ فقد ذكره فِي «ضُعَفَائِهِ» - أَعنِي صَالح بن مُحَمَّد - وَنقل كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله ومنّه.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أحد عشر أثرا:
وَهَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين.
الْأَثر الثَّانِي: عَن عمر رضي الله عنه أَنه قَالَ: «أَنا فِئَة لكل مُسلم. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُنُوده بِالشَّام وَالْعراق» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ:«أَنا فِئَة لكل مُسلم» وَقد رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا أخرجه الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن عبد الله بن عمر قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيَّة فلقينا الْعَدو، فَحَاص الْمُسلمُونَ حَيْصَة وَكنت فِيمَن حَاص، قلت فِي نَفسِي: لَا
ندخل الْمَدِينَة وَقد بؤنا بغضب من الله، ثمَّ قُلْنَا: ندْخلهَا فنمتار مِنْهَا، فَدَخَلْنَا فلقينا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ خَارج إِلَى الصَّلَاة فَقُلْنَا: نَحن الْفَرَّارُونَ، فَقَالَ:[بل] أَنْتُم الْعَكَّارُونَ. فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله، أردنَا أَن لَا ندخل الْمَدِينَة وَأَن نزلنَا الْبَحْر. فَقَالَ: لَا تَفعلُوا فَإِنِّي فِئَة كل مُسلم» .
وَأخرجه الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن يزِيد نَحوه. وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن حسن، عَن زُهَيْر، عَن يزِيد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ نَحوه ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث [يزِيد ابْن أبي زِيَاد] .
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَإِنَّا لم نصححه؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد، وَقد عُلِم مَا فِيهِ.
فَائِدَة: مَعْنَى قَوْله: «فَحَاص النَّاس حَيْصَة» : فروا من الْقِتَال. قَالَه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي «كِفَايَته» : حا وصاد مهملتين أَي مالوا يُرِيدُونَ الْفِرَار. قَالَ: وَرُوِيَ بِالْجِيم بِمَعْنى فروا، وَمَعْنى قَوْله:«بل أَنْتُم الْعَكَّارُونَ» الْعَكَّارُ الَّذِي يفر إِلَى أَمَامه ليبصره لَيْسَ يُرِيد بِهِ الْفِرَار من الزَّحْف.
فَائِدَة أُخْرَى: هَذِه السّريَّة هِيَ عزوة مُؤْتَة كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات وَكَانَ الْعَدو كثيرا جدا كَانُوا قَرِيبا من مِائَتي ألف من الرّوم
ونصارى الْعَرَب وَكَانَ الْمُسلمُونَ نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف فَقَط كَذَا قيل.
الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه أَنه قَالَ: «من فر من ثَلَاثَة لم يفر، وَمن فر من اثْنَيْنِ فقد فر» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم، ثَنَا الْأَصَم، ثَنَا أَحْمد بن شَيبَان، عَن ابْن أبي نجيح، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ. وَهُوَ [فِي]«مُسْند الشَّافِعِي» بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكِن بِإِسْقَاط عَطاء، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» مَرْفُوعا عَن أبي حنيفَة الوَاسِطِيّ وعبدان [قَالَا] ثَنَا معمر بن سهل، ثَنَا [عَامر] بن مدرك، ثَنَا الْحسن بن صَالح، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:«من فر من اثْنَيْنِ فقد فر، وَمن فر من ثَلَاثَة فَلم يفر» .
الْأَثر الرَّابِع إِلَى التَّاسِع: «أَن عليا رضي الله عنه بارز يَوْم الخَنْدَق عَمْرو بن عبْدُ ود وَأَن مُحَمَّد بن مسلمة بارز يَوْم خَيْبَر مرْحَبًا، وَأَن عليًّا بارزه أَيْضا، وَأَن الزبير بارز ياسرًا، وَأَن عبد الله بن رَوَاحَة بارز أَيْضا» .
وَهَذِه الْآثَار تقدّمت فِي الْأَحَادِيث السالفة فَرَاجعهَا مِنْهُ.
الْأَثر الْعَاشِر: «أَن أَبَا جهل لما قتل حمل رَأسه، وَأَن أَبَا بكر حملت إِلَيْهِ رُءُوس» .
وَهَذَانِ قد سلف بيانهما فِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين.
الْأَثر الْحَادِي عشر: عَن عُثْمَان رضي الله عنه أَنه قَالَ: «لَا يفرق بَين الْوَالِد وَولده» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك، عَن معمر، عَن أَيُّوب قَالَ:«أَمر عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه أَن يُشْتَرَى لَهُ رَقِيق. وَقَالَ: لَا يفرق بَين الْوَالِد وَولده» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ هَذَا مَوْصُولا فَرَوَاهُ [الْأَشْجَعِيّ] عَن سُفْيَان، عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، عَن حميد بن هِلَال، عَن حَكِيم بن [عقال] قَالَ:«نهاني عُثْمَان رضي الله عنه أَن أفرق بَين الْوَالِد وَولده فِي البيع» .
وأختم الْبَاب بفصول ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي أَثْنَائِهَا آثَار، فَأَرَدْت أَن أذكرها بأحكامها؛ لِأَن بذلك تتمّ فائدتها.
الْفَصْل الأول:
قَالَ الرَّافِعِيّ: أَرض الْكفَّار وعقارهم تملك بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا تملك المنقولات. وَعَن أبي حنيفَة أَنه يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْعقار المغنوم بَين أَن يقسمها عَلَى الْغَانِمين كالمنقول وَبَين أَن يَتْرُكهَا فِي أَيدي الْكفَّار، كَمَا فعل النَّبِي صلى الله عليه وسلم بعقار مَكَّة، وَبَين أَن يقفها عَلَى الْمُسلمين [و] إِذا أقرها
عَلَى ملك أَرْبَابهَا ضرب عَلَيْهِم جزيتين: إِحْدَاهمَا عَلَى رُءُوسهم، وَالْأُخْرَى عَلَى الْأَرَاضِي، فَإِذا أَسْلمُوا أسقطت جِزْيَة الرُّءُوس دون الْأُخْرَى. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ:
فَأَما فعله عليه السلام بعقار مَكَّة فمشهور لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَيْهِ وَأما فعل عمر رضي الله عنه فَسَيَأْتِي بعد ذَلِك وَاضحا.
الْفَصْل الثَّانِي:
سَواد الْعرَاق، قَالَ أَبُو إِسْحَاق: فتح صلحا. وَالصَّحِيح الْمَنْصُوص أَن عمر بن الْخطاب [فتحهَا] عنْوَة قسمه بَين الْغَانِمين، ثمَّ استطاب قُلُوبهم واسترده. وَقَالَ: الأول أَن عمر ردهَا عَلَيْهِم بخراج يؤدونه كل سنة. وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِيمَا فعله عمر عَلَى وَجْهَيْن، الصَّحِيح الْمَنْصُوص أَنه وَقفهَا عَلَى الْمُسلمين وأجره لأَهله، وَالْخَرَاج الْمَضْرُوب عَلَيْهِ أُجْرَة منجمة تُؤَدَّى كل سنة. قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ: «كَانَت بجيلة ربع النَّاس يَوْم الْقَادِسِيَّة فقسم لَهُم عمر ربع السوَاد فاشتغلوا ثَلَاث سِنِين أَو أَرْبعا ثمَّ قدمت عَلَى عمر، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسئول [لنزكتكم] عَلَى مَا قسم لكم، وَلَكِنِّي أرَى أَن تردوا عَلَى النَّاس فغاصبني ثمن حَقي ونيفًا وَثَمَانِينَ دِينَارا، وَكَانَ معي امْرَأَة يُقَال لَهَا أم كرز، فَقَالَت: إِن أبي شهد الْقَادِسِيَّة وَثَبت سَهْمه وَلَا أسلمه حَتَّى تملأ كفي دَنَانِير وكمي لآلئ، وتركبني نَاقَة ذلولًا عَلَيْهَا قطيفة حَمْرَاء. فَفعل
رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَتركت حَقّهَا» وَعَن عتبَة بن فرقد «أَنه اشْتَرَى أَرضًا من أَرض السوَاد فَأَتَى عمر رضي الله عنه فَأخْبرهُ فَقَالَ: مِمَّن اشْتَرَيْتهَا؟ فَقَالَ: من أَهلهَا، فَقَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ أبعتموه شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَاذْهَبْ واطلب مَالك» .
وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ: «جعل عمر السوَاد وَقفا عَلَى الْمُسلمين مَا تَنَاسَلُوا» . وَعَن ابْن شبْرمَة أَنه قَالَ: لَا أُجِيز بيع أَرض السوَاد وَلَا هبتها وَلَا وَقفهَا. فعلَى هَذَا لَا يجوز بَيْعه وَرَهنه وهبته، وَيجوز لأَهله إِجَارَته بالِاتِّفَاقِ مُدَّة مَعْلُومَة، وَلَا يجوز إِجَارَته مُؤَبَّدًا عَلَى الْأَصَح بِخِلَاف إِجَارَة عمر رضي الله عنه مُؤَبَّدًا فَإِنَّهَا احتملت لمصْلحَة كُلية.
وَعَن عمر رضي الله عنه أَنه قَالَ: «لَوْلَا أخْشَى أَن يَبْقَى آخر الزَّمَان ببّانًا لَا شَيْء لَهُم لتركتكم وَمَا قسم لكم، وَلَكِنِّي أحب أَن يلْحق آخر النَّاس أَوَّلهمْ. وتلا قَوْله تَعَالَى: (وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ) » قَوْله ببّانًا أَي: شَيْئا وَاحِدًا وَقيل: أَي متساوين فِي الْفقر.
وَعَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ أَنه قَالَ: أدْركْت النَّاس بِالْبَصْرَةِ وَإنَّهُ ليجاء بِالتَّمْرِ فَمَا يَشْتَرِيهِ إِلَّا أَعْرَابِي أَو من يتَّخذ النَّبِيذ. يُرِيد أَنهم كَانُوا يتجرون مِنْهُ، وَأَن ذَلِك كَانَ مَشْهُورا فِيمَا بَينهم. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ مُلَخصا.
فَأَما أثر جرير فَرَوَاهُ الشَّافِعِي قَالَ: أَنا الثِّقَة، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن قيس بن أبي حَازِم، عَن جرير فَذكره مثله سَوَاء. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي: فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة إِذا أعْطى جرير البَجلِيّ عوضا من سَهْمه وَالْمَرْأَة عوضا من سهم أَبِيهَا، أَنه
استطاب أنفس الَّذين أوجفوا عَلَيْهِ فتركوا حُقُوقهم مِنْهُ، فَجعله وَقفا للْمُسلمين، وَهَذَا حَلَال للْإِمَام أَن يفعل ذَلِك كَذَلِك. وَأما أثر عتبَة ابْن فرقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين فِي «سنَنه» قَالَ الشَّافِعِي: وَهَذَا أولَى الْأُمُور بعمر بن الْخطاب عندنَا فِي السوَاد وَيتَوَجَّهُ إِن كَانَت عنْوَة.
فَائِدَة: قَوْله: «ببَّانا» هُوَ بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ مثلهَا مُشَدّدَة ثمَّ ألف ثمَّ نون ثمَّ ألف، كَذَا ضَبطه الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْبَاء من «صحاحه» وَذكر فِيهِ قَول عمر فِي الْقسم وَكَانَ يفضل الْمُهَاجِرين وَأهل بدر فِي الْعَطاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهَكَذَا سمع مِنْهُم، وناس يجعلونه من هيَّان بن بيَّان وَمَا أرَاهُ بِمَحْفُوظ عَن الْعَرَب.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ «أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف ماسحًا، فَفرض عَلَى كل جريب شعير دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى كل جريب حِنْطَة أَرْبَعَة دَرَاهِم، وَعَلَى كل جريب الشّجر وقصب السكر سِتَّة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب النّخل عشرَة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب الزَّيْتُون اثْنَا عشر دِرْهَم» .
وَعَن رِوَايَة أبي (مخلد «أَن ابْن حنيف فرض عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب النّخل ثَمَانِيَة دَرَاهِم» وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الزَّيْتُون، وَالْبَاقِي كَمَا سبق. هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن قَتَادَة عَن لَاحق بن حميد قَالَ: «بعث عمر بن الْخطاب عمار بن يَاسر وَعبد الله بن مَسْعُود وَعُثْمَان بن حنيف رضي الله عنهم إِلَى الْكُوفَة، وَبعث عمار بن يَاسر عَلَى الصَّلَاة وَعَلَى الجيوش، وَبعث ابْن مَسْعُود عَلَى الْقَضَاء وَعَلَى بَيت
المَال، وَبعث عُثْمَان بن حنيف [عَلَى] مساحة الأَرْض، وَجعل بَينهم كل يَوْم شَاة شطرها وسواقطها لعمَّار بن يَاسر، وَالنّصف بَين هذَيْن، ثمَّ قَالَ: أنزلتكم وإياي من هَذَا المَال كمنزلة وَالِي الْيَتِيم (من كَانَ غنيًّا فليستعفف، وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ)، وَمَا أرَى قَرْيَة يُؤْخَذ مِنْهَا كل يَوْم شَاة إِلَّا (كَانَ ذَلِك [سَرِيعا] فِي خرابها قَالَ: فَوضع عُثْمَان بن حنيف عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم) وَعَلَى جريب النّخل أَظُنهُ قَالَ: ثَمَانِيَة، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب الْبر أَرْبَعَة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب الشّعير دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى رُءُوسهم عَن كل رجل أَرْبَعَة وَعشْرين كل سنة، وعطل من ذَلِك النِّسَاء وَالصبيان، وَفِيمَا يخْتَلف فِيهِ من تجاراتهم نصف الْعشْر. قَالَ: ثمَّ كتب بذلك إِلَى عمر بن الْخطاب فَأجَاز ذَلِك وَرَضي بِهِ وَقيل لعمر: كَيفَ [نَأْخُذ] من تجار الْحَرْب إِذا قدمُوا علينا؟ فَقَالَ عمر: كَيفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُم إِذا أتيتم بِلَادهمْ؟ قَالُوا: الْعشْر. قَالَ: فَكَذَلِك خُذُوا مِنْهُم» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «وَعَلَى كل جريب النّخل ثَمَانِيَة، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة - لم يشك» وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن الحكم «أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف يمسح السوَاد، فَوضع عَلَى كل جريب عَامر - أوغامر - حَيْثُ يَنَالهُ المَاء قَفِيزا أَو درهما. قَالَ: وَكِيع: يَعْنِي الْحِنْطَة وَالشعِير - وَوضع عَلَى كل جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم، وَعَلَى جريب الرطاب خَمْسَة دَرَاهِم» .
وَهَذَا مُنْقَطع؛ الحكم لم يدْرك عمر، وَلَا يحضرني من خرجه من طَرِيق الشّعبِيّ عَن عمر كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ.
فَائِدَة: قَالَ الْحَازِمِي فِي «المعرب» : الْقصب المقطع من بَاب ضرب قَالَ: وَمِنْه الْقصب الاسفست؛ لِأَنَّهُ يجز. قَالَ: وَمِنْه حَدِيث الْجِزْيَة هَذَا. وحُنيف بِضَم أَوله تَصْغِير حَنيف بِمَعْنى المائل. قَالَ الرَّافِعِيّ. وَيذكر أَن الْحَاصِل من أَرض الْعرَاق عَلَى عهد عمر بن الْخطاب كَانَ مائَة ألف ألف وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم. وَقيل: مائَة ألف ألف وَسِتِّينَ ألف ألف ثمَّ كَانَ يتناقص حَتَّى عَاد فِي زمَان الْحجَّاج إِلَى ثَمَانِيَة عشر ألف ألف دِرْهَم فَلَمَّا ولي عمر بن عبد الْعَزِيز ارْتَفع فِي السّنة الأولَى إِلَى ثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم، وَفِي الثَّانِيَة إِلَى سِتِّينَ ألف ألف دِرْهَم. وَقيل: فَوق ذَلِك. قَالَ: لَئِن عِشْت لأبلغنه إِلَى مَا كَانَ فِي أَيَّام عمر. فَمَاتَ فِي تِلْكَ السّنة.
الْفَصْل الثَّالِث:
مَكَّة فتحت صلحا خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك حَيْثُ قَالَا: إِنَّهَا فتحت عنْوَة، وَقد تعلل أَبُو حنيفَة امْتِنَاعه عليه السلام عَن غنيمَة العقارات بِأَنَّهَا خلقت حرَّة وَيَقُول: لَا يجوز بيع دور مَكَّة. وَعِنْدنَا دورها وعِراضها المحياة مَمْلُوكَة كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد وَيصِح بيعهَا، وَلم يزل النَّاس يتبايعونها. وَقد رُوِيَ «أَن عمر رضي الله عنه اشْتَرَى حجرَة سَوْدَة بِمَكَّة» و «أَن حَكِيم بن حزَام بَاعَ دَار الندوة من مُعَاوِيَة» وَهَذَانِ الأثران سلف الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي كتاب
الْبيُوع وَاضحا قبيل بَاب تَفْرِيق الصَّفْقَة لَكِن بِلَفْظ [عَن] عمر «أَنه اشْتَرَى دَارا بِمَكَّة» ، نعم عبد الله بن الزبير اشْتَرَى حجرَة سَوْدَة.
الْبَاب الثَّالِث:
ذكر فِيهِ رحمه الله أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فخمسة عشر حَدِيثا
أَحدهَا
حَدِيث أبي سُفْيَان فِي الْأمان.
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: «أقبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى قدم مَكَّة فَبعث الزبير عَلَى إِحْدَى المُجنِّبتيْن، وَبعث خَالِدا عَلَى المُجنِّبة الْأُخْرَى، وَبعث أَبَا عُبَيْدَة عَلَى الحُسر فَأخذ بطن الْوَادي وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي كَتِيبَة. قَالَ: فَنظر فرآني فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة قلت: لبيْك يَا رَسُول الله. فَقَالَ: اهتف: لَا [يأتيني إِلَّا أَنْصَارِي] قَالَ: فأطافوا بِهِ (وأوبشت) قُرَيْش أوباشًا لَهَا وأتباعًا، فَقَالُوا: نقدم هَؤُلَاءِ، فَإِن كَانَ لَهُم شَيْء كُنَّا مَعَهم وَإِن أصيبوا أعطينا الَّذِي سئلنا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ترَوْنَ إِلَى أوباش قُرَيْش وأتباعهم. ثمَّ قَالَ بيدَيْهِ إِحْدَاهمَا عَلَى الْأُخْرَى: (احصدوهم حصدًا)