الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من أُفْتِي فتيا غير ثَبت فَإِنَّمَا إثمه عَلَى [من] أفتاه» لفظ ابْن مَاجَه، وَلَفظ أبي دَاوُد: من أُفْتِي فتيا بِغَيْر علم كَانَ إِثْم ذَلِك عَلَى الَّذِي أفتَى» .
رَوَاهُ الْحَاكِم باللفظين فِي كتاب الْعلم من «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: حَدِيث قد احْتج الشَّيْخَانِ بِجَمِيعِ رُوَاته عَن عَمْرو بن أبي نعيمة، وَقد وَثَّقَهُ بكر بن عَمْرو الْمعَافِرِي - وَهُوَ أحد أَئِمَّة أهل مصر - وَالْحَاجة بِنَا عَلَى لفظ التثبت فِي الْفتيا شَدِيدَة. هَذَا لفظ الْحَاكِم هُنَا [و] ذكره فِي آخر كتاب الْعلم بِنَحْوِ ورقة مِنْهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَلَا أعرف لَهُ عِلّة.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان: عَمْرو مَجْهُول الْحَال، وَبُكَيْر لَا تعلم عَدَالَته، وَوَصفه أَحْمد بِأَنَّهُ يرْوَى عَنهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ.
وَفِيه يَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي، قَالَ الْحَاكِم فِي «الْمدْخل» : أخرج حَدِيثه جَمِيعًا عَنهُ. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِيهِ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. ذكره فِيمَن عيب عَلَى مُسلم إِخْرَاج حَدِيثه وَضَعفه أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: لسوء حفظه.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من حكم بَين اثْنَيْنِ تَرَاضيا بِهِ فَلم يعدل فَعَلَيهِ لعنة الله» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرَّجه من أَصْحَاب الْكتب
الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» عَن بعض أَصْحَابهم فَقَالَ: مَسْأَلَة يَصح التَّحْكِيم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي، ثمَّ لنا مَا رَوَى أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا من حَدِيث عبد الله بن جَراد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «من حكم بَين اثْنَيْنِ تحاكما إِلَيْهِ وارتضيا بِهِ فَلم يقل بَينهمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيهِ لعنة الله» .
قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح للاحتجاج بِهِ؛ لِأَنَّهُ من نُسْخَة ابْن جَراد وَهِي نُسْخَة بَاطِلَة - وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ مرّة أَنَّهَا نُسْخَة مَوْضُوعَة، وَبَالغ فِي الْحَط عَلَى الْخَطِيب الْحَافِظ لما احْتج بِحَدِيث مِنْهَا. وَلما ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» مَا جَاءَ فِي التَّحْكِيم لم يذكر فِيهِ هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيث أبي دَاوُد، عَن الرّبيع بن نَافِع، عَن يزِيد بن الْمِقْدَام بن شُرَيْح، عَن أَبِيه، عَن جده (شُرَيْح) عَن أَبِيه هَانِئ «أَنه لما وَفد إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَدِينَة فسمعهم يكنونه بِأبي الحكم، فَدَعَاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِن الله هُوَ الحكم وَإِلَيْهِ يرجع الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم؟ قَالَ: إِن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت بَينهم فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: فَمَا أحسن هَذَا! فَمَا لَك من الْوَلَد؟ قَالَ: لي شُرَيْح وَمُسلم وَعبد الله. قَالَ: فَمن أكبرهم؟ قَالَ: قلت: شُرَيْح. قَالَ: فَأَنت أَبُو شُرَيْح» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أَن عمر وَأبي بن كَعْب تحاكما إِلَى زيد بن ثَابت رضي الله عنهم.
وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل عَن عَامر قَالَ: «كَانَ بَين عمر وَأبي خُصُومَة فِي حَائِط فَقَالَ عمر بيني وَبَيْنك زيد بن ثَابت. فَانْطَلقَا فطرق عمر الْبَاب، فَعرف زيد صَوته [فَفتح الْبَاب] فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَولا بعثت إِلَيّ حَتَّى آتِيك. قَالَ فِي بَيته يُؤْتَى الحكم
…
» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أَن عُثْمَان وَطَلْحَة تحاكما إِلَى جُبَير بن مطعم رضي الله عنهم.
وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا فِي الْبيُوع فِي بَاب: من قَالَ يجوز بيع الْغَائِب. من حَدِيث عبيد الله بن عبد الْمجِيد، نَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف، عَن ابْن أبي مليكَة «أَن عُثْمَان ابْتَاعَ من طَلْحَة بن عبيد الله أَرضًا بِالْمَدِينَةِ ناقله بِأَرْض لَهُ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا تباينا نَدم عُثْمَان ثمَّ قَالَ: بِعْتُك مَا لم أره. فَقَالَ طَلْحَة: إِنَّمَا النّظر لي، إِنَّمَا ابتعت مغيبًا، وَأما أَنْت فقد رَأَيْت مَا ابتعت. فَجعلَا بَينهمَا حكما جُبَير [بن] مطعم فَقَضَى عَلَى عُثْمَان أَن البيع جَائِز، وَأَن النّظر لطلْحَة أَن ابْتَاعَ مغيبًا» . وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» حَدِيث: «من اشْتَرَى مَا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ» . وَضَعفه قَالَ: لَا أصل فِي هَذَا. ثمَّ سَاق الْأَثر الْمَذْكُور.
فَائِدَة: مَعْنَى ناقله: بادله. ومُغَيبًا: بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن
الْمُعْجَمَة، وَفتح الْمُثَنَّاة تَحت المتعددة. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب حَدِيث معَاذ السالف حَيْثُ قَالَ فِي إثْبَاته: إِنَّه عليه السلام اختبر معَاذًا رضي الله عنه. وَقد سلف بَيَانه وَاضحا، هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فثمانية:
أَحدهَا: «أَن عبد الله بن عمر امْتنع من الْقَضَاء لما استقضاه عُثْمَان رضي الله عنه» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من حَدِيث عبد الْملك - وَهُوَ ابْن جميلَة - عَن عبد الله بن موهب القَاضِي «أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: اذْهَبْ فَاقْض [بَين النَّاس. قَالَ: أَو تعافيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: فَمَا تكره من ذَلِك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى] بِالْعَدْلِ فبالحري أَن يَنْقَلِب مِنْهُ كفافًا. فَمَا أَرْجُو بعد ذَلِك؟ !» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: عبد الْملك بن أبي جميلَة و [عبد الله] بن موهب عَن عُثْمَان مُرْسل.
قلت: أما جَهَالَة عبد الْملك فَهِيَ كَمَا قَالَ، لَكِن ابْن حبَان ذكره فِي (ثقاته) . وَرَوَى عَن عبد الله بن موهب وَغَيره، وَعنهُ مُعْتَمر بن أبي سُلَيْمَان. وَأما الْإِرْسَال بَين عبد الله بن موهب فَلَا شكّ فِيهِ، وَقد قَالَ
البُخَارِيّ أَيْضا: إِنَّه مُرْسل. وَأما ابْن حبَان فَخَالف وَأخرج الحَدِيث فِي «صَحِيحه» فَقَالَ: أَنا الْحسن بن سُفْيَان، نَا أُميَّة بن بسطَام، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان، سَمِعت عبد الْملك بن أبي جميلَة يحدث، عَن عبد الله بن وهب «أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: اذْهَبْ وَكن قَاضِيا. قَالَ: أَو تعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: عزمت عَلَيْك إِلَّا ذهبت فَقضيت. قَالَ: لَا تعجل، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن أكون قَاضِيا. قَالَ: وَمَا يمنعك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول [من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار] وَمن كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بالجور كَانَ من أهل النَّار، وَمن كَانَ قَاضِيا عَالما يقْضِي بِحَق أَو بِعدْل سَأَلَ التفلت كفافا. فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بعد ذَا؟ !» ثمَّ قَالَ ابْن حبَان: ابْن وهب هَذَا هُوَ عبد الله بن وهب بن ربيعَة ابْن الْأسود الْقرشِي من أهل [الْمَدِينَة] رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ. هَذَا كَلَامه وَعَلِيهِ بعد تَسْلِيم ثِقَة عبد الْملك اعتراضان: أَحدهمَا: إرْسَاله، كَمَا شهد بذلك التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم. ثَانِيهمَا: يُخَالف التِّرْمِذِيّ فِي إِبْدَال عبد الله بن موهب بِعَبْد الله بن وهب، وَيُمكن أَن يكون رَوَاهُ أَيْضا؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي «مُسْنده» : نَا [عَفَّان] نَا حَمَّاد بن سَلمَة، أَنا أَبُو سِنَان، عَن يزِيد بن موهب أَن
عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: «اقْضِ بَين النَّاس. فَقَالَ: لَا أَقْْضِي بَين اثْنَيْنِ وَلَا [أؤم] رجلَيْنِ، أما سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ؟ قَالَ عُثْمَان: بلَى. قَالَ: فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن تَسْتَعْمِلنِي. فأعفاه، وَقَالَ: لَا تخبر بِهَذَا أحدا» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وهرب أَبُو قلَابَة من الْقَضَاء.
هُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة: نَا مُسَدّد نَا ابْن علية، عَن أَيُّوب:«لما توفّي عبد الرَّحْمَن بن أذينة ذكر أَبُو قلَابَة للْقَضَاء، فهرب حَتَّى أَتَى الشَّام فَوَافَقَ ذَلِك عزل قاضيها، فَذكر هُنَاكَ للْقَضَاء، فهرب فَلَقِيَهُ بعد ذَلِك فَقَالَ: مَا وجدت القَاضِي الْعَالم إِلَّا مثل سابح وَقع فِي الْبَحْر كم عَسى أَن يسبح حَتَّى يغرق» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وهرب الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة مِنْهُ، وَرُوِيَ أَن الشَّافِعِي أَوْصَى الْمُزنِيّ فِي مرض مَوته بِأَن لَا يتَوَلَّى الْقَضَاء، وَفرض عَلَيْهِ كتاب الرشيد بِالْقضَاءِ، فَلم يجبهُ الْبَتَّةَ، وَانْتَهَى امْتنَاع أبي عَلّي بن خيران - من أَصْحَابنَا - لما استقضاه الْوَزير ابْن الْفُرَات حَتَّى ختمت دوره بالطين أَيَّامًا. وَهُوَ كَمَا ذكر فَلَا نطول بِهِ.
الْأَثر الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِيّ: ذكر أَن القَاضِي الْعَادِل إِذا استقضاه أَمِير بَاغ أَجَابَهُ إِلَيْهِ، فقد سُئِلت عَائِشَة رضي الله عنها عَن ذَلِك لمن استقضاه زِيَاد فَقَالَت:«إِن لم يقْض لكم خياركم قَضَى لكم شِرَاركُمْ» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ.
الْأَثر الثَّالِث
أَن الصَّحَابَة رضي الله عنهم أحالوا فِي الْفَتَاوَى بَعضهم عَلَى بعض مَعَ مشاهدتهم التَّنْزِيل.
وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم فِي عدَّة وقائع قد يطول بهَا.
الْأَثر الرَّابِع
عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما «أَنه سُئِلَ عَمَّن [قتل أَله] تَوْبَة؟ [فَقَالَ مرّة: لَا. وَقَالَ مرّة: نعم.] فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: رَأَيْت فِي عَيْني الأول أَنه يقْصد الْقَتْل فقمعته، وَكَانَ الثَّانِي صَاحب وَاقعَة يطْلب الْمخْرج» .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ وتكرر ذكره فِي تصانيف آدَاب الْمُفْتِي والمستفتي.
الْأَثر الْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن فِي التَّحْكِيم وَقد أسلفناه قَرِيبا فَرَاجعهَا مِنْهُ.