الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكما أنَّ ألفاظَهُ ملوكُ الألفاظِ وأجلُّها وأفصحُها، ولها من الفصاحة أعلى مراتِبها التي يعجزُ عنها قدر العالمين، كذلك معانيه أجلُّ المعاني وأعظمُها وأفخمُها، فلا يجوزُ تفسيرُه بغيرِها من المعاني التي لا تليقُ به، بل غيرُها أعظمُ منها وأجَلُّ وأفخمُ، فلا يجوزُ حملُه على المعاني القاصرةِ بمجرَّدِ الاحتمالِ النَّحويِّ الإعرابيِّ.
فتدبَّرْ هذه القاعدة، ولتكنْ منك على بالٍ، فإنَّكَ تنتفعُ بها بمعرفة ضَعْفِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ وزيفها، وتقطع أنها ليست مرادَ المتكلم ـ تعالى ـ بكلامِه» (1).
وهذا الموضوع فيما يتعلق بالعربية ومنْزلتها من علوم التفسير مما يحتاج إلى ترتيب المعلومات التي يُعنى بها المفسر، وهو بحاجة إليها؛ لأنَّ كثيرًا من المعلومات المتعلقة بعلوم العربية لا فائدة فيها من جهة التفسير، وإنما فائدتها في تلك العلوم أصالةً، وهذا موضوع يحتاج إلى بحث مستفيض يبين فيه علاقة هذه العلوم العربية بالتفسير من جهة، وبالقرآن من جهة أخرى.
رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:
ذكر شيخ الإسلام ـ في هذا الفصل ـ نوعين من التفاسير:
الأول: تفاسير نقلية، وهي التي تنقل تفسير السلف صِرفًا، وبيّن أن هذه لا يقع فيه خطأ من جهة الاستدلال، وقد مضى الحديث فيها.
الثاني: تفاسير أهل البدع على مراتبهم في ذلك، وهذه التفاسير يقع فيها الخطأ من جهة الاستدلال، وقد سبق بيان وجه الخطأ.
(1) بدائع الفوائد (3:538).
وسيكون الحديث هنا عن هذه التفاسير، وذكر شيءٍ من أمثلةٍ للمعتقدات التي ذكرها شيخ الإسلام؛ ليتبين أثر ذلك المعتقد على تحريف التفسير.
1 -
تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصمِّ (ت:201)، وهو من متقدمي المعتزلة من أهل القرن الثاني، وقد أشار شيخ الإسلام إلى تقدُّم زمنه بقوله:«شيخ إسماعيل بن علية (ت:218) الذي كان يناظر الشافعي (ت:204)» .
وقد بقيت نقولات من تفسيره عند الرازي (ت:604) في تفسيره مفاتيح الغيب، حيث كان حريصًا على نقل أقوال المعتزلة ومناقشتها (1).
2 -
كتاب محمد بن عبد الوهاب؛ المعروف بأبي علي الجبائي (ت:303)، وهو من المقدَّمين عند المعتزلة، وله آراء وأتباع، وكتابه في التفسير يسمى (التفسير الكبير)(2).
ومن هذا الكتاب نقول عند الطوسي الرافضي المعتزلي (ت:460) في كتابه التبيان في تفسير القرآن، وعند الرازي (ت:604) في تفسيره مفاتيح الغيب.
3 -
كتاب القاضي عبد الجبار الهمذاني (ت:415) المسمى بالتفسير الكبير (3).
(1) ينظر في ترجمته: كتاب المنية والأمل المنسوب للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وقد ذكر تفسيره، ووصفه بأنه عجيب، وذكر أن الجبائي المعتزلي لا يذكر أحدًا في تفسيره سواه. المنية والأمل، تحقيق الدكتور عصام الدين محمد علي (ص:67 ـ 71).
(2)
سير أعلام النبلاء (14:184).
(3)
ينظر في هذا الكتاب: مقدمة الدكتور عدنان زرزور لكتاب (متشابه القرآن) للقاضي عبد الجبار، وقد اعتنى ببعض كتبهم وتراثهم؛ ككتابه: الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير، والحاكم هذا معتزلي؛ كما أشار في تعليقاته على مقدمة شيخ الإسلام (ص:83) أنه أعدَّ دراسة عن منهج المعتزلة في تفسير القرآن.
وهذا الكتاب ليس له ذكرٌ في كتب التفسير، وقد طُبِع للقاضي عبد الجبار (ت:415) كتاب (متشابه القرآن)، وكتاب (تنْزيه القرآن عن المطاعن)، وهما كتابان متعلقان بالقرآن، لكنهما غير كتابه الكبير في التفسير.
4 -
كتاب علي بن عيسى الرماني (ت:384) الجامع لعلم القرآن.
وهذا الكتاب بقيت منه نقول في بعض كتب التفسير، كتفسير الماوردي (ت:450) النكت والعيون، وتفسير الطوسي الرافضي (ت:460) التبيان في تفسير القرآن، كما أنه قد بقيت قطعة مخطوطة منه.
وهو تفسير تظهر فيه صبغة الاعتزال واضحة جليَّة، فما تكاد تمرُّ آية فيها نصر لمذهبهم ـ فيما يرى ـ إلا انتصر له وبيّنه، وما من آية يرى فيها ردًّا على خصوم المعتزلة إلا ذكره.
ويتصف هذا الكتاب بحسن التنظيم، مع العناية الفائقة بالمذهب الاعتزالي وبالفروق اللغوية، ويكثر فيه طريقة السؤال والجواب: (فإن قيل
…
فالجواب).
5 -
كتاب الزمخشري (ت:538) المسمَّى (الكشاف عن حقائق التنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، وهو التفسير المطبوع كاملاً من تفاسير المعتزلة، وقد فاق أسلافهم في قدرته على دسِّ اعتزالياته بعبارات ظاهرها السلامة، وباطنها الاعتزال، حتى لقد فات على بعض الفضلاء دقَّة النظر في عباراته، فأوردها في مقام الاحتجاج أو ذكرها دون أن يلحظ عليها ما فيها من اعتزال؛ كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك.
6 -
كتاب أبي جعفر الطوسي (ت:460) المسمَّى (التبيان في تفسير القرآن)، وهو مطبوعٌ، ومادته العقدية مستقاة من كتب المعتزلة، وما يتعلق بالإمامة فهي مستقاة من كتب الإمامية الرافضة ككتب شيخه محمد بن
محمد بن النعمان (ت:413) المسمى بالمفيد (1)، وغيره من أئمة الرافضة.
وهذا الكتاب فيه تنظيم للمعلومات، ويغلب عليه النقل، فقد نقل عن مفسري المعتزلة كالجبائي (ت:303)، والرماني (ت:384)، والبلخي وأبي مسلم الأصفهاني (2). ونقل عن الفراء (ت:207)، والزجاج (ت:311)، والطبري (ت:310)، وعن الطبري (ت:310) نقل كثيرًا من أقوال السلف في التفسير.
وهو يسمي أهل السنة بـ (العامَّة)، كعادة الرافضة في هذه التسمية لأهل السنة.
والمقصود هنا أنَّ أبا جعفر الطوسي (ت:460) قد أدخل في تفاسير الإمامية تفسيرات المعتزلة على سبيل القبول لها، وكذا سار على ذلك من جاء بعده من الرافضة؛ كالطبرسي (ت:548) في تفسيره (مجمع البيان)(3)، وهو مطبوع متداول.
وهذا يعني أنهم أخذوا بأصول المعتزلة العقلية في أصولهم الخمسة، وما يندرج تحتها من مسائل كلامية، دون كلام المعتزلة في الإمامة؛ حيث إن جمهور المعتزلة ـ خصوصًا متأخروهم ـ على إمامة الأئمة الأربعة على ترتيبهم في الخلافة.
وقد بقي الرافضة على ما عندهم من أصول نقلية مكذوبة في حقِّ آل البيت، وهو ما يسمى عندهم بـ (الإمامة)(4)، فلم يُعملوا فيها العقل، فكانوا
(1) المفيد هو الذي ذكره شيخ الإسلام قبل ذكر الطوسي، لكني لم أجد من ذكر له كتابًا في التفسير، فتركت الترجمة له.
(2)
ينظر: مقدمة الطوسي للتبيان (1:1).
(3)
الطبرسي ممن اختصر تفسير الكشاف، ينظر في ذلك: مقدمة المعتني بطباعة هذا التفسير.
(4)
لا يلزم أن يكون الرافضة وافقوا المعتزلة في جميع الجزئيات، لكنهم وافقوهم في الأصول، وفي كثيرٍ من المسائل التفصيلية في الاعتزال، لذا تجد مما فارق فيه =