الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اليهود (1) أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألك بينة؟» .
قلت: لا.
قال: فقال لليهودي: احلف.
قال: قلت: يا رسول الله إذًا يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية» (2).
وأورد البخاري (ت:256) كذلك بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلاً أقام سلعة ـ وهو في السوق ـ فحلف بالله: «لقد أُعطي بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنَزلت {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}» (3).
ولا مانع من أن تكون الآية قد نزلت بشأن هذين الحدثين، فهي تصدق عليهما بلا ريب، وليس هناك ما يرجح أحدهما على الآخر، حتى لو كان في القصة الأولى صاحب الخبر؛ إذ لا يمتنع أن تكون حصلت تلك قبلها بقليل، ثمَّ حصلت قصته فنَزلت الآية بشأنهما أو العكس.
الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر
.
وهذا الاحتمال فيه ضعْفٌ، فهو لم يرد عن السلف، وإنما هو تخريج عقلي لورود الآثار بأكثر من سبب للآية الواحدة.
ودعوى نزول الآية مرتين له ما يبرِّره في بعض الآثار، خصوصًا إذا
(1) في بعض الروايات لهذا الأثر: «بيني وبين ابن عمٍّ لي» . وهي عند البخاري وغيره.
(2)
أخرجه البخاري في مواضع، منها الحديث برقم:(2523).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب ما يُكره من الحلف في البيع، رقم الحديث:(1982).
كانت الآية مكية، وحُكِي لها سبب نزول مدنيٍّ، فقد تكون نزلت أول مرة عامَّة، ثمَّ نزلت مرة أخرى لسبب معيَّنٍ؛ كقوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10].
فقد ورد أن الشاهد هو عبد الله بن سلام، وسورة الأحقاف مكية، وفي مثل هذا المثال تقع الاحتمالات الآتية:
1 -
أن تكون نزلت مرة عامةً، ثمَّ نزلت مرة أخرى خاصَّة لبيان دخول ابن سلام فيها، وهذا الاحتمال العقلي مجرد افتراض يحتاج إلى أثر يؤكده، وذلك ما لا وجود له.
2 -
أن تكون الآية مدنيةً، وتكون نزلت بالفعل في عبد الله بن سلام، لكنها وُضِعت في سورة مكيَّةٍ لشيءٍ من مناسبتها بموضوع الآيات المكية.
وهذا الاحتمال أقرب إلى القبول من الاحتمال الأول، وله في ذاته شواهد، وهو وضع آيات مدنية في سور مكية.
3 -
أن تكون الآية مكية، ولم يقع حكمها إلا في المدينة، وهذا احتمال عقليٌّ آخر، لكن هذا التخريج يخرج بالآية عن أن تكون في باب أسباب النُّزول؛ لأنَّ أسباب النُّزول تقع قبل الآية لا بعدها.
4 -
أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قرأها، فحسب من رواها أنها نزلت بشأن ذلك السبب، والفرق بين ذلك وسابقه أن الاحتمال السابق يقول بأن الشاهد المراد بالآية عبد الله بن سلام، ولم يتبين ذلك إلا بعد وقوع حادثته.
أما في الرابع فتكون الآية عامَّة، وتكون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لها بعد حادث عبد الله بن سلام استشهادًا منه لصورة من الصور التي تدخل في عموم الآية.
أما كون بعض الآيات تنْزل في مكة لحدثٍ يقع في المدينة، فقد ورد ذلك، ومن أمثلته:
في قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، ورد عن عمر ما يدل على أنها آية مكية، وهي في سورة مكية.
قال الطبري: «حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} [القمر: 45] جعلت أقول: أي جمع يهزم؟
فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر» (1).
ثم أورد رواية عن ابن عباس تفيد أنها نزلت بعد بدر، قال: «حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، قال: كان ذلك يوم بدر، قال: قالوا: نحن جميع منتصر.
قال: فنَزلت هذه الآية» (2).
وظاهرٌ هنا أن رواية عمر هي المقدَّمة، والرواية الثانية إن صحَّت عن ابن عباس، فلعله توهَّم أنها سبب النُّزول لِمَا سَمِعَ من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات.
ولا يقال: إن الصحابة كانوا يعلمون القرآن ونزوله، فإن علمهم بجميعه من حيث جملتهم كائنٌ، لكن ليس كلهم يعلم عن نزوله وأحواله،
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:108).
(2)
تفسير الطبري، ط: هجر (22:158)، وفيه سقط في المطبوعات من تفسير الطبري، كما نبَّه عليه المحققون في طبعة هجر، وهذا السند غريب؛ لأنه من رواية علي بن أبي طلحة من غير سنده المشهور.
بل من كان منهم مختصًّا به قليل؛ كعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حيث ورد عنهما النص بعلمهما الخاص بذلك.
وقد ختم كلامه عن هذين النوعين بقوله: «وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف» .
وهذا الذي قاله شيخ الإسلام دالٌّ على تمام استقراء لتفسير السلف، وهذا لا يخالف ما سيذكره من وجود نوعين آخرين، وهما كثيران أيضًا.
ومن قرأ في تفسير السلف يظهر له كثرة اختلاف التنوع الذي يعود إلى التمثيل للعام.
كما أن الاختلاف الذي يعود إلى أمرين ـ الذين سيأتي الحديث عنهما ـ فيه تداخل مع النوع الأول، وسيأتي التنبيه عليه لاحقًا، إن شاء الله.