الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة في المراسيل في التفسير:
إن الذي يغلب في مراسيل التفسير مجيئها في أسباب النُّزول، وعبارة شيخ الإسلام في هذه المسألة هنا ظاهرة أن المراد بها أسباب النُّزول؛ لأنها تحكي خبرًا تاريخيًّا مرتبطًا بآية من الآيات.
وما ذكره شيخ الإسلام من تحرير في هذه المسألة مفيد للمفسر الذي يريد تحرير أسانيد أسباب النُّزول، وهو يصلح للنقد التاريخي عمومًا، وقد أشار إلى ذلك بقوله:«وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك» .
وقد ذكر ضوابط قبول هذه المراسيل، وهي:
1 -
أن لا يكون مصدرها مفردًا، بل يكون متعدِّدًا.
2 -
أن تخلوَ من المواطأة.
3 -
أن يتلقاها العلماء بالقبول.
وهذا القيد مهم معتَبرٌ، وهو قد ذكره عند ذكره لحديث الآحاد، حيث قال:«ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملاً به أنه يوجب العلم» .
وكذا يمكن القول بأن هذه القيد معتبر في قبول المراسيل التي ترد في التفسير، لكن قد يكون هناك مرتبة أخرى في قبول حكاية النُّزول الذي من قبيل الرأي، وهو أن يتوارد المحققون من المفسرين على ذكره دون اعتراض عليه، فإن هذا قرينةٌ تُشعِرُ بقبوله أيضًا.
4 -
أن الاختلاف في التفاصيل الدقيقة لا يؤثر في أصل الخبر، وهذا الاختلاف في التفاصيل لا يرجع إلى الكذب، بل إلى الضبط، وضربَ مثالاً لذلك باختلاف الثمن في قصة بيع جابر بعيره على النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه المسألة من نفائس هذه المقدمة التي يحسن بالمعتنين بالتفسير الاستفادة
منها في حال دراسة أقوال مفسري السلف، والاستفادة تكون على حالين:
الأولى: الاستفادة منها في مجال دراسة أسباب النُّزول، كما صوَّرها شيخ الإسلام في هذه المسألة، وضرب لها مثالاً بالمتبارزين يوم بدر.
ومثل ذلك ما وقع من الاختلاف في سبب نزول التحريم في شرب العسل؛ هل كان شربه عند زينب أو عند حفصة؟. فهذا الاختلاف لا يضر في أصل القضية، وكونه امتنع عن شرب العسل (1).
الثانية: الاستفادة منها في مجال دراسة أقوال السلف الأخرى، خصوصًا ما يرتبط منها بالأخبار؛ كالأخبار الغيبية عمومًا.
ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} [الطور: 4]، فقد ورد في تفسيرِ السَّلفِ أنَّه بيتٌ في السماء، بحذاء الكعبةِ، تعمرهُ الملائكةُ، يدخلُه منهم سبعونَ ألف ملَكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه، ويقال له: الضُّرَاحُ، وهذا قولُ عليٍّ (ت:40) رضي الله عنه.
ووردَ هذا التفسيرُ عن ابن عباسٍ (ت:68) من طريق عطيَّةَ العوفي (ت:111)، وجعله بحذاء العرشِ، ولم يذكر اسمه (2).
وورد عن مجاهد (ت:104) من طريق ابن أبي نجيح: أنه بيت في السماء، يقالُ له: الضُّراحُ.
وعن عكرمة (ت:117): بيتٌ في السماءِ، بحيالِ الكعبةِ.
وعن الضحاكِ (ت:105) من طريق عبيد المكتب: يزعمونَ أنه يروح إليه سبعونَ ألف ملكٍ من قبيلةِ إبليس، يقال لهم: الحِنُّ.
(1) المراد هنا ضرب مثال لهذه المسألة، وليس الحديث هنا عن الراجح في سبب نزول سورة التحريم، والرأي الصواب في ذلك أن سببها تحريمه الجارية على نفسه، ينظر في علل هذا الترجيح: محاسن التأويل للقاسمي.
(2)
قال ابن كثيرٍ بعد أن ذكر هذه الروايةَ: «وكذا قال عكرمةُ، ومجاهد، والربيع بن أنسٍ، والسديُّ، وغير واحدٍ من السَّلفِ» . تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي السَّلامة (7:429).
وقد روى قتادة (ت:117)، وابن زيدٍ (ت:182) عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه بيتُ اللهِ في السماءِ، وأنه يدخله في اليوم سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه. وزادَ قتادةُ (ت:117): تحته الكعبةُ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها.
وفي الصحيح من حديثِ المعراجِ أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى إبراهيمَ عليه السلام في السماءِ السابعةِ، مُسندًا ظهرَه إلى البيتِ المعمورِ، وأنه يدخله سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه (1).
وقد ذكر ابن حجرٍ (ت:852) أنه قد ورد عن الحسنِ ومحمد بن عباد بن جعفر أنَّ البيت المعمور: الكعبةَ، وقال:«والأول أكثرُ وأشهرُ» (2).
وإذا حللَّتَ هذه الأقوالَ فإنكَ ستجدُ الآتي:
أنَّ الحديثَ الواردَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في البيتِ المعمورِ ليسَ فيه إشارةٌ إلى الآيةِ؛ أي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصدْ تفسيرَ الآيةِ مباشرةً، ولكنَّ هذا الأثرَ يُستفادُ منه في بيانِ المرادِ بالقسمِ في هذه الآيةِ، لأنَّ القسمَ بالبيتِ المعمورِ قد يحتملُ الكعبةَ؛ لأنها بهذه الصِّفةِ، فهي معمورةٌ بالطائفينَ والقائمينَ والركَّعِ السجودِ.
ولكن تواردَ جمهورِ السَّلفِ على أنه البيتُ الذي في السماءِ، مع ما في هذا الحديثِ من ذكر له يجعلُ القولَ الصوابَ أنَّ المرادَ به بيتُ السماءِ.
ومن هنا فالبيتُ الذي في السماء من علمِ الغيبِ، فما المقبول من وصفِه فيما وردَ في الآثار؟
1 -
أنه بيتٌ في السماء السابعة (3).
2 -
أنَّ إبراهيمَ مسندٌ ظهره إليه.
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس بن مالكٍ.
(2)
فتح الباري (6:309).
(3)
ورد في طرق حديث المعراج غير ذلك، لكن هذا هو الصحيح.
3 -
أنه يدخله سبعونَ ألفَ ملكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه.
وهذه الأوصافُ ثابتةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد ورد عن السَّلفِ أنه في السماء، دون تحديدها، وأنه يدخلهُ سبعونَ ألفَ ملكٍ ثم لا يعودونَ إليه.
وزادَ عندهم من أوصافِه:
4 -
أنه بحذاءِ الكعبةِ، عن عليٍّ، وعكرمةَ.
5 -
أنه بحذاء العرشِ، عن ابنِ عباسٍ.
6 -
أنَّ اسمه الضُّراحُ، عن عليٍّ، ومجاهدٍ.
7 -
أنَّ الذين يدخلونه يقال لهم: الحِنُّ، وهم من قبيلةِ إبليسَ، تفرَّدَ به الضحاكُ (ت:105).
أمَّا ما انفردَ بروايتِه التابعيُّ، وهو الضحاكُ (ت:105)، فإنه لا يقبلُ بسبب هذا الانفرادِ.
وأمَّا ما وردَ في الوصفينِ (4، 5)، واسم هذا البيتِ (6)، فإنَّك إذا جعلتَ ما وردَ عن الصَّحابيِّ في هذا الأمرِ الغيبيِّ في حكمِ المرفوعِ، قَبِلْتَها، وإلَاّ توقَّفتَ على الثابتِ صراحةً، وهي الأوصاف التي وردتْ في الحديثِ.
لكنْ يُعزِّرُ أمرَ قبولِ أقوالهم تعدُّدُ القائلينَ بها، مع احتمال عدم أخذ الآخِرِ عن الأول، خصوصًا إذا أضفتَ ما نسبه ابن كثيرٍ (ت:774) إلى السُّدِّيِّ (ت:128)، والربيع بن أنسٍ (ت:139)، وغير واحدٍ من السلفِ، فإنَّ تواردَ أقوالِهم على أمرٍ من الأمورِ يدلُّ على أصلِه، وهذه قاعدةٌ علميَّةٌ مفيدةٌ جدًا في العلمِ، وخصوصًا في التفسيرِ، لكثرةِ ما يردُ من اختلافٍ في أسباب النُّزولِ وغيرها، فإنه بجمعِ ما وردَ من الخلاف يتبيَّنُ الأصلُ المشترَكُ بين الأقوالِ، فيحكمُ به، وإن اختُلفِ في إثباتِ بعضِ تفاصيلِه، كما هو الحالُ في هذا المثالِ.
وهذه القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام في دراسة الأخبار واضحةٌ جدًّا
في كلامه، ومعزَّزة بالمثال كما هو الحال عنده في أنواع الاختلاف.
وقد ذكر مثل هذا التفصيل في كتابه منهاج السنة، فقال: «والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها، وحسب الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود الموقوف، فمن عُلِمَ من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبِلَ مرسلُه، ومن عُرِفَ أنه يرسل عن ثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله، فهذا موقوف.
وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا.
وإذا جاء المرسل من وجهين = كلٌّ من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر فهذا مما يدل على صدقه؛ فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب = كان هذا مما يعلم أنه صدق.
فإن المخبر إنما يؤتى من جهة تعمد الكذب ومن جهة الخطأ، فإذا كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمدًا والخطأ؛ مثل أن تكون القصة طويلة فيها أقوال كثيرة رواها هذا مثل ما رواها هذا؛ فهذا يعلم أنه صدق.
وهذا ما يعلم به صدق محمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام، فإن كلاً منهما أخبر عن الله وملائكته وخلقه للعالم وقصة آدم ويوسف وغيرهما من قصص الأنبياء عليهما السلام بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأنَّ واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر، وأنه يمتنع في العادة تماثل الخبرين الباطلين في مثل ذلك، فإن من أخبر بأخبار كثيرة مفصلة دقيقة عن مخبر معين لو كان مبطلاً في خبره لاختلف خبره لامتناع أن مبطلاً يختلق ذلك من غير تفاوت، لا سيما في أمور لا تهتدي العقول إليها، بل ذلك يبين أن كلا منهما أَخبر بعلمٍ وصدقٍ.
وهذا مما يعلمه الناس من أحوالهم، فلو جاء رجل من بلد إلى آخر وأخبر عن حوادث مفصلة حدثت فيه تنتظم أقوالاً وأفعالاً مختلفة، وجاء من