الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح مقدمة في أصول التفسير
شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
مقدمة الطبعة الثانية
شكر واعتذار
الحمد لله الذي أنعم عليَّ بنعمِهِ الكثيرة، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي كان سببًا في هداية الخلق، وعلى آله وصحبه الذين نقلوا لنا العلم، وعلى من تبع طريقهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد منَّ اللهُ عليَّ بنفاذ طبعة الكتاب الأولى في زمن وجيز، حتى دعت الحاجة إلى إعادة طباعته، فأعددته للطباعة مرة أخرى بعد أن استدركت بعض الأخطاء المطبعية، وأعدت ترتيبه من جديد؛ إذ جعلت كل فصل من فصول مقدمة شيخ الإسلام قبل شرحه، بخلاف الطبعة الأولى التي جعلت فيها جميع المقدمة في مكان واحد، ثم أتبعتها بشرح الفصول فصلاً فصلاً.
ولقد كان هذا التغيير بسبب ما جاءني من طلب من اطَّلع على شرح هذه المقدمة بأن يتلو كلَّ فصل من فصول مقدمة الشيخ شرحُه، فأجبتُ الطالبين لذلك، لما رأيت من حسن هذا الصنيع الذي غاب عني أول الأمر؛ لذا أعتذر من القراء الكرام الذين اقتنوا الطبعة الأولى.
وكما أشكر كل من قدَّم لي نصيحة أو مشورة أو تصحيحًا أثناء إعداد الكتاب لطبعته الثانية، وأخص بالذكر أخي الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري الذي كان أول من قرأ الكتاب في طبعته الأولى، وأرشدني إلى تصويب بعض الأخطاء فيها، كما قام بالتعريف بهذا الشرح في (ملتقى أهل
التفسير/ www.tafsir.net) على الشبكة العنكبوتية، فجزاه الله عني أفضل الجزاء.
وإني لأسأل الله لي ولجميع من أفادني في هذا الكتاب أو استفاد منه التوفيق والسداد، والرضا والقبول من رب العباد.
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض [email protected] ص. ب/43058 الرياض/11561
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يسَّر لي إتمام هذا الشرح على ما كان، وأصلي وأسلم على رسوله خير الأكوان، وأثنِّي بالصلاة على الآل الكرام، ثمَّ على الصَّحْبِ العظام، ثمَّ على التابعين إلى يوم القيام.
أحمدك ربي على نعمك الوفيرة، وآلائك العظيمة، أحمدك على تيسير كل عسير، وعلى تبليغي ما كنت إليه أصبو وأسير، أحمدك حمد عاجزٍ عن الثناء عليك بما أنت أهله، فلك الحمد مثل ما أقول، وفوق ما أقول، فلك الحمد أولاً وآخرًا.
أما بعد:
فهذا شرح ـ قد منَّ الله به عليَّ ـ لرسالة شيخ الإسلام التي أجاب فيها بعض أصحابه الذين سألوه أن يكتب لهم (مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل)، وهي التي سُمِّيت ـ فيما اشتهر ـ بمقدمة في أصول التفسير.
ولقد وفَّقني الله لقراءة هذه المقدمة مراتٍ كثيرة، كما وفَّقني لشرحها كذلك.
ولقد حرصت على سماع بعض شروحها الموجودة اليوم لبعض العلماء (1)، فرأيت أنَّ هذه المقدمة بحاجة إلى أمورٍ لم أرها في شروحهم
(1) اطلعت على تعليقات الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ التي أشرف على طبعها الشيخ عبد الله الطيار، وشرح العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين =
النافعة، فاستعنت الله على ذلك، وبدأت في كتابة هذا الشرح الذي أسأل الله أن يلقى القبول الحسن.
ولقد عمدتُ في المقدمة وشرحها إلى الأمور الآتية:
أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:
1 -
مراجعة مخطوطة دار الكتب القومية بمصر (1).
2 -
تقسيم المقدمة إلى فِقَرٍ مرقَّمة، وقد جعلتها أمام كلِّ فقرة.
3 -
وضع عناوين جانبية للموضوعات التي طرحها الشيخ في رسالته.
4 -
التعليق على نصِّ المقدمة بما يحتاجه النصُّ، وتوضيح ما غمض من عبارات هذه المقدِّمة.
ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:
1 -
جعلت في الحاشية التي أمام النصوص المشروحة رقم الفقرة من مقدمة شيخ الإسلام ليسهل على القارئ معرفة النص المشروح.
وقد يكون الشرح لأكثر من نصٍّ، فإني أذكر أرقامه على ما يتيسر لي،
= حفظه الله، وشرح الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية، وشرح الشيخ عبد الرحمن بن صالح الدهش، وشرح الشيخ صالح الأسمري، ولم يتسنَّ لي الاطلاع على شرحٍ للشيخ محمد بازمول.
(1)
أتحفني أخي سالم العماري بهذه النسخة، وقد أخبرني الشيخ المحقق علي العمران عن نسخة عنده، فظهر أنها النسخة نفسها التي أُرسلت إليَّ، وهي نسخة دار الكتب القومية بمصر، تحت رقم 229 تفسير، تيمورية.
وأطلعني الأخ سالم على معلومة مفادها أن هناك نسخة أخرى في المكتبة السليمانية بتركيا (الرقم 4، الخزانة: خليل أوكتين (1:297)، عدد الأوراق 59ص).
ولم أعتنِ كثيرًا بتحقيق النصِّ من خلال المخطوط الذي بين يدي لأنَّ نسخة الدكتور عدنان زرزور موافقة لهذه النسخة، وقد تركت الاعتناء بتحقيقها لأجل وجود نسخٍ أخرى لهذا الكتاب المبارك، أسأل الله تيسير ذلك.
لأنَّ بعض النصوص المرقمة تنتظم في وحدة موضوعية كما هو الحال في آخر موضوعات هذه الرسالة، وهو تحرج بعض السلف في تفسير القرآن.
2 -
بيان الأمثلة التفسيرية للموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله.
3 -
ذكر ما أجده من المواطن الأخرى من كتبه التي تكلم عنها فيما يخص موضوعات المقدمة التفسيرية، وقد جعلت بعضها ضمن الشرح، وبعضها الآخر في ملحق جعلته في نهاية هذا الشرح.
4 -
ذكر نماذج من التفاسير التي ذكرها، فيما يخصُّ نقده لها.
5 -
الإعراض عن تفصيل المسائل العلمية التي لا علاقة لها بالتفسير.
6 -
حرصت أن لا أخرج إلى إضافات على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى؛ لئلا يطول الشرح، ويخرج عن الأفكار التي طرحها رحمه الله.
7 -
حرصت على أن أذكر بعض الكتب المعاصرة التي درست شيئًا من الموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله تعالى، ولم أقصد الاستيعاب لما كتبه المعاصرون؛ لأن ذلك أمر غير ممكن (1).
وأخيرًا ..
إنني لأشكر الله شكرًا كثيرًا على ما أتمَّ عليَّ من هذا الشرح، ثمَّ أشكر الإخوة الكرام الذين أعانوني في عملي هذا، وأخصُّ منهم أخي الكريم سامي بن محمد بن جاد الله الذي أفادني في قراءته هذا الشرح، كما أشكر الأخ الفاضل علي بن أحمد بامرعي الذي تفضَّل بفهرسة هذا الشرح فهرسة فنية كاملة، والأخ سالم العماري الذي أهداني صورة لمخطوطة
(1) لعلي أتمكن ـ إن شاء الله ـ في طبعات قادمة من أن أزيد في الكتب التي بحثت شيئًا من أفكار هذه المقدمة؛ ليتسنَّى لمن أراد شرحها أن يطلع على أكبر قدر ممكن من المعلومات المساعدة له في شرحه.
رسالة شيخ الإسلام، فأسأل الله أن يجعل ما قدمته وقدَّموه في ميزان حسناتنا يوم أن نلقاه، وأن يغفر لنا خطايانا، وأن يشمل بعفوه والدينا ومشايخنا وأهلينا وإخواننا، إنه كريم مجيب.
كتبه د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض
ص. ب/43058 الرياض/11561
مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام
أهم طبعات المقدمة:
لهذه المقدمة عدَّة طبعات، وأفضلها التي حققها الدكتور عدنان زرزور، وقد قدَّم لها بمقدمة حسنة في التعريف بها.
وقد سبقها (1) ولحقها طبعات، لكنها ليست بمستواها من حيث العناية بالنَّص، ولا بالإخراج الفني لها.
عنوان هذه المقدمة:
تسمَّى هذه الرسالة (مقدمة في أصول التفسير)، وهذا العنوان ليس من صنع شيخ الإسلام، بل هو من صنع القاضي الحنبلي بدمشق (محمد جميل الشطي)، الذي نشر الرسالة عام 1355 (2).
وقد قال شيخ الإسلام في مقدمة رسالته: «فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمةً تتضمَّنُ قواعدَ كليةً تُعينُ على فَهْمِ القرآنِ، ومعرفةِ تفسيرِه ومعانيه، والتمييزِ ـ في منقولِ ذلك ومعقولِه ـ بين الحقِّ وأنواعِ الأباطيلِ، والتنبيه على الدليلِ الفاصلِ بين الأقاويلِ» (3).
(1) ينظر: مقدمة الدكتور عدنان زرزور فقد تكلم عن الطبعات السابقة لطبعته.
(2)
يقول الدكتور عدنان زرزور (ص:22): «وليس هناك ما يشير إلى تسميتها بـ «مقدمة في أصول التفسير» ، ولكن الذي دعا الشيخ محمد جميل الشطي ـ رحمه الله تعالى ـ إلى تسميتها بهذا الاسم ـ إلى جانب موضوعها بالطبع ـ قول ابن تيمية في فاتحتها: «فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه
…
»، والقواعد الكلية هي التي يُعبَّر عنها بـ «الأصول» ، وإن كان لا مانع من أن تسمى: مقدمة في قواعد التفسير».
(3)
مقدمة في أصول التفسير، تحقيق: عدنان زرزور (ص:33).
متى كتب شيخ الإسلام المقدمة
؟
لا يظهر من هذه الرسالة متى كتبها شيخ الإسلام؟
وقد ذكر ابن القيم (ت:751) في مدارج السالكين ما يمكن أن يفيد عن وقتها، قال: «وبعثَ إليَّ في آخر عمره قاعدةً في التفسير بخطِّه
…
» (1). وقد تكون هذه القاعدة التي أرسلها لتلميذه هي هذه الرسالة.
وواضحٌ فيها أنه كتبها بعد قراءة واسعة في كتب التفسير، وهذا ظاهر من عدد التفاسير التي ذكرها، ومن طريقته في معالجة الموضوعات التي طرحها.
وشيخ الإسلام من المفسرين المحررين، وقد كان واسع الاطلاع على تفاسير السلف والخلف، وكان ذا حافظةٍ فذَّة، ونفسٍ ناقدةٍ لما تقرأ، وقد مكَّنه ذلك من القدرة على تحرير التفسير، فلم يكن ناقلاً، بل كان ناقدًا مرجِّحًا.
قال تلميذه ابن عبد الهادي: «قال الشيخ أبو عبد الله بن رشيق ـ وكان من أخص أصحاب شيخنا، وأكثرهم كتابة لكلامه، وحرصًا على جمعه ـ: كتب الشيخ رحمه الله نقول السلف مجردةً عن الاستدلال على جميع القرآن (2)، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال، ورأيت له سورًا وآيات يفسرها، ويقول في بعضها: كَتَبْتُهُ للتَّذَكُّرِ، ونحو ذلك.
ثم لما حُبِسَ في آخر عمره كَتَبْتُ له أن يكتبَ على جميع القرآن تفسيرًا مرتَّبًا على السُّور، فكتب يقول: إن القرآن فيه ما هو بَيِّنٌ بنفسه (3)،
(1) مدارج السالكين (1:520).
(2)
هذه الطريقة شبيهة بما فعل السيوطي في الدر المنثور.
(3)
هذا النقل يفيد في تحرير مراد شيخ الإسلام في كون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، حيث جعل قدرًا منه بيِّنًا بنفسه، فإذا كان يبين للمتأخرين فمن باب أولى أن يكون بيِّنًا لمن نزل عليهم بلغتهم، وهم يعرفون أحواله.
وفيه ما قد بيَّنه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكلَ تفسيرُها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عِدَّةَ كُتُبٍ ولا يتبيَّنُ له تفسيرُها، وربما كتب المصنِّفُ الواحدُ في آية تفسيرًا ويفسِّرُ غيرَها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل، لأنه أهمُّ من غيره، وإذا تبيَّن معنى آية تبيَّن معاني نظائرِها.
وقال: قد فتح الله عليَّ في هذه المرَّةِ من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، ونَدِمْتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا» (1).
من أفاد من المقدمة:
جُلُّ من كتب في مسائل هذا العلم بعد شيخ الإسلام ابن تيمية؛ عالةٌ على هذه الرسالة الفريدة في بابها. وعلى وجازتها؛ فإنه قد استفاد منها كثيرٌ ممن جاء بعد شيخ الإسلام، ومنهم:
1 -
تلميذه ابن كثيرٍ (ت:774) الذي ذكر جزءًا من موضوعات المقدمة في مقدمة تفسيره (2)، ولم يُشر فيها إلى أنه ينقل من هذه الرسالة، كما هي عادة بعض العلماء في نقولاتهم.
2 -
الزركشي (ت:794) في كتابه البرهان في علوم القرآن (3).
3 -
السيوطي (ت:911) في الإتقان في علوم القرآن (4).
4 -
القاسمي (ت:1332) في مقدمة تفسيره محاسن التأويل (5).
(1) العقود الدرية (43 ـ 44).
(2)
ينظر: تفسير ابن كثير، تحقيق: البنا (1:39 ـ 45).
(3)
ينظر (2:175)، وغيرها.
(4)
ينظر النوع الثامن والسبعون.
(5)
محاسن التأويل (1:17 ـ 22).
وهناك غيرهم من اللاحقين والمعاصرين.
الموضوعات التي طرقتها المقدمة:
وتنقسم أفكار هذه الرسالة إلى:
* بيان الرسول صلى الله عليه وسلم معاني القرآن وألفاظه للصحابة.
* اختلاف التنوع والتضاد في تفسير السلف.
* سبب الاختلاف من جهة المنقول ومن جهة الاستدلال.
* أحسن طرق التفسير.
* التفسير بالرأي (1).
مع طرحه لبعض المسائل العلمية المتعلقة بالتفسير وكتب التفسير أثناء هذه الموضوعات.
(1) ينظر كلام الدكتور عدنان زرزور حول هذه الأفكار (ص:15 ـ 19).
مقدمة المؤلف
قال شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن برحمتك
(1)
الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
(2)
أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين (1).
(3)
والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود (2).
(1) المراد بهذا الكتب المتأخرة لأن التفاسير التي يذكر فيها كلام السلف صرفًا لا يكاد يوجد فيها خطأ من جهة الاستدلال، وإن كان قد يوجد فيها خطأ من جهة النقل.
(2)
هذه قاعدة علمية، فالعلم إما أن يكون صادرًا عن معصوم وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ويلحق بذلك الإجماع فإن المسلمين لا يجمعون على خطأ، ومثال ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم. =
(4)
وحاجة الأمة ماسَّة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله (1).
قال تعالى: {يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا *قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 123 ـ 126].
=
وقد أشار إلى عصمة الإجماع في هذه الرسالة عند حديثه عن حديث جابر في بيع جمله، قال: «
…
فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نُجَوِّزُ الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا».
وإما أن يكون قولاً عليه دليل معلوم، وذلك مثل الاستدلال على أن المراد بالقرء الطهر، أو أن المراد به الحيض في قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
وما سوى ذلك من العلم: فإما باطل غير مقبول، وإما متوقف فيه، وذلك مثل بعض الأخبار المروية عن بني إسرائيل وغيرهم التي لم يرد في شرعنا ما يخالفها، فلا تستطيع أن تكذبها، ولا أن تصدقها؛ لأنها تحتمل الصدق وتحتمل الكذب، فتتوقف فيها، ولا تجزم فيها بصدق، ولا كذب.
(1)
هذه الصفات للقرآن الكريم اقتبسها الشيخ رحمه الله من الأثر المروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 ـ 16].
وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [إبراهيم: 1، 2].
(5)
وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد (1)، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
(1) قوله: «من إملاء الفؤاد» يشير إلى أمرين:
الأول: أنه كتبها من حفظه، ولم يكن رجع إلى مصادر التفسير أو غيرها لكتابة إجابته على هذه المسألة.
الثاني: أنه لم يراجع هذه المقدمة، ويستفاد من هذا أن ما وقع من أخطاء جلية في هذه المقدمة، فهو راجع إلى كونها إملاءً لم يُراجع، فتُحمل على سبق الذهن والوهم، والإملاء لا يكاد يسلم من الخطأ كما هو معروف مُجَرَّبٌ، فإن الإنسان إذا كتب شيئًا ثمَّ راجعه، فإنه يزيد فيه وينقص، ويصحح ما يقع عليه نظره من الأخطاء التي مرَّت عليه في الإملاء بسبب سبق الخاطر أو القلم.
يقول ابن دريد ـ معتذرًا عما قد يقع في إملائه لكتاب جمهرة اللغة ـ: «فإن كنا أغفلنا من ذلك شيئًا؛ لم يُنكر علينا إغفاله؛ لأنا أمليناه حفظًا، والشذوذ مع الإملاء لا يُدفع» . جمهرة اللغة، تحقيق: البعلبكي (3:1339)، وقال في موطن آخر (2:1085): «وإنما أملينا هذا الكتاب ارتجالاً، لا عن نسخة، ولا تخليد في كتاب قبله، فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك، فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير» .
شرح مقدمة المؤلف
الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبَقِي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه
…
».
الثاني: أن
التفسير إما منقول وإما معقول
، وقد ذكر هذه الجزئية وشرحها في فصل خاصٍّ، قال: «
…
منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم ـ وهذا هو النوع الأول ـ منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.
وهذا القسم الثاني من المنقول ـ وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه ـ عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام، وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً».
ويَحْسُنُ أن يعلم
أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر
، فقد يكون معقولاً في عصر ما هو منقول في عصر آخر، فإذا نظرت في عصر الصحابة فإن كل ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار المغيبة ـ بما فيها أخبار بني إسرائيل ـ وما يروونه من أسباب النُّزول = كل ذلك يعد منقولاً بالنسبة لهم، فيدخل في التفسير المنقول.
أما ما قالوه بآرائهم سواء اتفقوا فيه أو اختلفوا، كاختلافهم في المراد بلفظ (القرء) هل هو الطهر أم الحيض؟ والمراد بالعاديات هل هي الإبل أم الخيل؟ ونحو ذلك مما كان مستنده الرأي المحمود = فإنه يدخل في باب التفسير المعقول، وجُلُّ تفسير مفسري الصحابة من هذا القسم.
وإذا نظرت في طبقة التابعين فإن المنقول بالنسبة لهم يشمل كل ما رواه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار الغيبية والإسرائيليات، وما ذكروه من أسباب النُّزول، ويضاف إلى ذلك ما قاله الصحابة بآرائهم فإنه يعد أيضًا منقولاً بالنسبة للتابعين، وإن كان في أصله يعود إلى التفسير بالمعقول.
وإذا نزلت إلى طبقة أتباع التابعين فإن كل المنقولات التي ذُكِرَتْ للتابعين تُعَدُّ تفسيرًا منقولاً عندهم، ويضاف إليها ما نقلوه من معقول التابعين في التفسير.
ومعنى هذا: أن ضابط المنقول في عصر الصحابة يختلف عنه في عصر التابعين، وفي عصر التابعين يختلف عنه في عصر من بعدهم.
ويمكن القول أن دائرة المنقول تضيق بتقدم الزمان، وتتسع بتأخره.
فإذا رجعت ـ مثلاً ـ إلى كتاب زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي (ت:597)، فالأقوال التي ينقلها المصنف هي بالنسبة لك منقولة، لأنه لا يمكن أن تعرفها إلا عن طريق النقل.
وبناءً على ما تقدم فإن
من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:
المجال الأول: هو أن يجتهد في الاختيار بين أقوال المفسرين السالفين دون أن يخرج عنها.
مثال ذلك: للمفسرين قولان في معنى قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: 1]:
أحدهما: أنها الإبل.
والثاني: أنها الخيل.
فيُرَجِّح المجتهد المعاصر ـ مثلاً ـ أن المراد بالعاديات: الخيل؛ بدليل قوله تعالى: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} [العاديات: 2]؛ لأن الخيل هي التي
يظهر فيها إيراء النار، بسبب الضرب الشديد على الحصى.
فهذا ترجيح مستنده العقل، وهو يدخل في باب التفسير بالرأي، وإن كان المُرَجَّح هو من التفسير المنقول.
فإذا نُظِرَ إلى نفس الأقوال المحكية في التفسير فهي بالنسبة للمجتهد المعاصر من التفسير المنقول، وإذا نظرنا إلى الترجيح بينها فهو من التفسير المعقول.
المجال الثاني: هو أن يأتي المفسر بمعنى جديد لم يذكره المتقدمون، وهذا يظهر جليًا فيما يسمى بالتفسير العلمي الذي يستعين بالعلوم التجريبية في معرفة معاني الآيات القرآنية.
ومثال ذلك ـ وهو مثال للدراسة وليس للتقرير ـ: أن المفسرين ذكروا في قوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] قولين عن السلف:
أحدهما: أن دحاها بمعنى بسطها.
والثاني: أن (دحاها) يفسرها ما بعدها، فيكون معناها:{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 31] وما بعدها.
ولم ينقل عن السلف غير هذين القولين في تفسير الآية.
وأما في هذا العصر فتجد أنه ظهر رأي جديد يقول بأن الدَّحْوَ هنا بمعنى التكوير والاستدارة، فتكون لفظة (دحاها) بمعنى كوَّرها، يعني جعلها كالكُرَةِ، وهذا رأي جديد لم يقل به المتقدمون من المفسرين (1).
ثالثًا: أن التفسير إما أن يكون منقولاً عن معصوم وهذا هو التفسير
(1) وهذا المجال من التفسير له ضوابطه وشروطه، وليس هذا محل ذكرها وإنما المراد هنا هو التمثيل فقط.
النبوي، وإما أن لا يكون كذلك، ويدخل فيه أقوال جميع المفسرين باختلاف عصورهم، وإن كان لتفسير السلف ميزة على تفسير غيرهم، لاعتبارات يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
فأما الأول ـ وهو التفسير النبوي ـ: فهذا إذا ثبت نقلاً كان حجة بلا ريب.
وأما الثاني ـ وهو ما عدا التفسير النبوي ـ: فلا يكون حجة حتى يقوم عليه دليل معلوم (1).
رابعًا: في ضوء ما سبق يكون التفسير بالرأي منقسمًا إلى قسمين:
القسم الأول: الرأي الصحيح وهو نوعان:
أحدهما: أن يتخير من أقوال السابقين.
والثاني: أن يأتي بمعنى صحيح تحتمله الآية ولا يناقض قول السلف.
القسم الثاني: الرأي الباطل، وهو الذي يكون عن جهل أو عن هوى.
خامسًا: أن الأمة بحاجة إلى أن تفهم القرآن، وهذا بالنسبة لعامة الأمة، ف
تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات
التي لا يجوز أن تخلو الأمة من قائم بها، فإذا قام بالتفسير من يكفي فلا يجب على الفرد أن يتعلم منه إلا ما يقيم به دينه.
وهذه الحاجة الماسة لا تختصُّ بجيل دون جيل، وإن كان الجيل الذي نعيشه اليوم قد ظهرت فيه انحرافات علمية كثيرةٌ، ودعوات مشككة بتراث المفسرين السابقين، وهجوم ينحو إلى تضعيف بعض فهم السابقين لكتاب الله بأي شكل من أشكال كتابة هذه الدعوات المتهجِّمة، فصارت الحاجة ـ اليوم ـ ملحَّة إلى تفهيم كلام الله سبحانه على الوجه الصحيح، وضبط
(1) ستأتي أمثلة هذا في طرق التفسير (التفسير بالسنة).
الأصول التي يهتدي بها طلاب العلم لمعرفة الصحيح من التفسير من الأباطيل.
ومن هنا فإن من المستحسن لطلاب علم التفسير أن يسيروا على قواعد واضحة ثابتة يرجعون إليها حال الاختلاف، وهذه القواعد العلمية في التفسير مبثوثة في كتب أهل العلم، وقد جُمِع شيءٌ منها في رسائل علمية، ولا زالت الحاجة قائمة إلى جمع ما بقي منها مما يتعلق بأصول هذا العلم.
بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم
فصل
(6)
يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى:{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] يتناول هذا وهذا.
(7)
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن ـ كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.
(8)
ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان سنين. ذكره مالك (1).
وذلك أن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]، وقال:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82، محمد: 24]، وقال:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] وعقل الكلام متضمن لفهمه.
(9)
ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
(1) الموطأ (1:205) كتاب القرآن، باب ما جاء في القرآن.
(10)
وأيضًا، فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم ـ كالطب والحساب ـ ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟!
(11)
ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر (1).
(12)
ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.
(13)
والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط، والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال.
(1) هذه القاعدة العلمية يدخل فيها عموم المسائل العلمية والعملية، فلم يكثر الخلاف، وتنتشر الأحزاب البدعية إلا بعد عصرهم رضي الله عنهم.
شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم
أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:
ذكر شيخ الإسلام في هذا المبحث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، واستدلَّ لذلك بأربعة أدلة:
الأول: قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وهو يشمل بيان الألفاظ وبيان المعاني.
الثاني: الآثار الواردة في تعلُّم الصحابة لمعاني القرآن.
الثالث: الآيات الحاثَّة على عقلِ القرآن وتدبره.
الرابع: العادة الجارية بين الناس فيمن أراد أن يتعلم علمًا، فإنه يستشرح كتابًا في هذا العلم.
ويُعبِّر بعض المعاصرين عن هذه المسألة بسؤال، وهو:
هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه
؟ (1).
والذي يُفهم من كلام شيخ الإسلام هنا أنه فسَّره كلَّه، وقد طرق هذا الموضوع في غير هذا الموضع، وأورد فيه مثل ما أورده هنا، وهذا يعني أنَّ هذه القضية قضية محسومة عنده (2).
ومن أمثلة ما ورد عنه في هذه القضية:
(1) ينظر على سبيل المثال: التفسير والمفسرون، للدكتور محمد حسين الذهبي (1:50 ـ 55).
(2)
سوف أورد جوابًا له مطولاً حول هذه المسألة، وكذا كلامًا لتلميذه ابن القيم في الملاحق في آخر الكتاب.
قال ـ في معرض حديثه عن المتشابه، وبيان أن السلف تكلموا في جميع معاني القرآن ـ: «
…
ثَّم إنَّ الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم قط أنه امتنع عن تفسير آية.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ـ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل
…
» (1).
قال في بغية المرتاد (ص:330 ـ 332) في معرض ردِّه على أبي حامد الغزالي قوله في كتاب جواهر القرآن عن التفسير الباطن: «إن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تُسند التفسير للصحابة، فإنَّ التقليد غالب عليك» ـ: «
…
وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين، فذلك إنما قَبِلُوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلَّغوا عن النبي لفظ القرآن ومعانيه جميعًا كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة من عادتهم، فإن الرجل لو صنف كتاب علمٍ في طبٍ أو حسابٍ أو غيرِ ذلك وحفظه تلامذته ـ لكان يُعْلَمُ بالاضطرارِ أنَّ هِمَمَهم تشوَّق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده، وإن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب، فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم، وهو عصمتهم، وهداهم، وبه فَرَقَ الله بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي، وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه والعمل بما فيه، وهم يتلقونه شيئًا بعد شيء؛ كما قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32]، وقال تعالى:{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106]، وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه، وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه،
(1) دقائق التفسير (1:142).
ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم؟! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.
و
من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين
، فهو بمنْزلة من زعم أنه بيّن لهم النص على عليٍّ وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أنَّ له باطنًا يخالف الظاهر؛ كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين، قصدهما إهلاك الرسول، وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]، وقولهم: إن الإشراك الذي قال الله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال: لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك ونحو ذلك من تفسير القرامطة.
فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم
، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم تلقيًا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن، وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادةً وشرعًا» (1).
وقال: «
…
أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزَل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو
(1) بغية المرتاد (ص:330 ـ 332).
أو الفقه أو غير ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي، فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟! بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ (1) اللفظ إنما يراد للمعنى» (2).
والملاحظ هنا أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يناقش أقوال أقوامٍ لا يرون تفسير الصحابة والتابعين، ويذهبون إلى تفسيرات شيوخهم من أهل البدع، فقد ذكر هذه الأفكار في كتبٍ يناقش فيها هؤلاء، ككتاب (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة، والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد)، وفي كلامه على المحكم والمتشابه.
كما طرح تلميذه ابن القيم (ت:751) هذه الأفكار حينما كان يناقش من لا يرى الاحتجاج بالأحاديث النبوية على شيء من صفات الله العلية، ومما قاله في هذا المجال: «
…
فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفًا مفصلاً، وتقرب المراد، وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بيَّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغًا مبينًا حصل به العلم اليقيني، بلاغًا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبيَّنه أحسن البيان وأوضحه.
(1) في مطبوعة «الفتاوى» : (إذا)، والمثبت من الطبعة المفردة لـ «المراكشية» (ص:34).
(2)
الفتاوى (5:157).
ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثمَّ يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في السنة، فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمنته أحاديث النُّزول والرؤية والتكليم والوجه، واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنهما من مشكاة واحدة، ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان، وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى.
وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذا الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل التفريق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعًا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وتقطعوا أمرهم بينهم كل حزب بما لديهم فرحون.
فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه، وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاف النظام والجبائي والمريسي وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيدٍ عن السنة والقرآن، ومغمورٍ عند أهل العلم والإيمان
…
» (1).
ولما كان الأمر هنا في مناقشة أهل البدع الذين ضلوا الطريق جاء هذا التبيين منهما رحمهما الله على هذا الوجه، لكن ما في المقدمة تبين لأناس لم يُشابوا بهذه العقائد الفاسدة، فهل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم جميع القرآن؟
كان من الأولَى الحديث المفصل عن هذا في الطريق الثاني من طرق
(1) مختصر الصواعق المرسلة (ص:456).
التفسير، ولكن ما دام الشيخ ذكر أصل هذه المسألة هنا، فلا بأس من تفصيلها هنا، فأقول ـ والله المستعان ـ:
يمكن القول بأن
البيان النبوي للقرآن على قسمين:
الأول: ما جاء من تفسير نبوي صريح لآية من الآيات، والمنقول عنه صلى الله عليه وسلم من هذا النوع قليلٌ جدًّا إذا ما قيس بعدد الآيات المفسَّرةِ إلى عدد آيات القرآن (1).
ومن أمثلة هذا النوع تفسيره لقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، أنَّ المغضوبَ عليهم اليهودُ، والضالين النصارى (2).
ومن حمل البيان النبوي على هذا النوع، قال: إنَّ التفسير الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم قليلٌ، وهذا صحيح.
الثاني: عموم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية، فإنَّ
السنة شارحة للقرآن ومبينة له
، ولا يخفى أنَّ البيان قد يكون لحكم شرعي، وقد يكون لخبر غيبي، وقد يكون لغير ذلك.
قال شيخ الإسلام (ت:728): «وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، وأوَّلُ النِّزاعِ النِّزاعُ في معاني القرآن، فإنْ لم يكنِ الرسول صلى الله عليه وسلم عالمًا بمعانيه امتنع الرجوع إليه.
وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أنَّ السنة
(1) الكتابة في هذا النوع قليلة جدًّا، وقد ختم السيوطي كتاب الإتقان في علوم القرآن (4:214) بذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفاسير المصرح برفعها، كما جمع السيد إبراهيم أبو عمه في كتابه «الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم» جملة من التفسيرات النبوية المباشرة، وقد أضافا جملة مما ورد في كلامه صلى الله عليه وسلم مما يصلح أن يكون تفسيرًا للآية، ومع ذلك، فإنهما لم يستوعبا.
(2)
أخرجه جماعة، منهم عبد الرزاق في تفسيره، وأحمد بن حنبل في مسنده، وابن جرير في تفسيره، وغيرهم.
تفسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مُجْمَلِهِ، وأنها تفسر مجمل القرآن من الأمر والخبر» (1).
وقد ذكر الشاطبي قريبًا من هذا في الموافقات، فقال ـ وهو يتحدث عن علاقة السنة بالقرآن ـ: «إن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب شارحة لمعانيه، ولذلك قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. وقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة، وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم، فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانًا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها
…
فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنه كلام الله القديم (2)، وأن إلى ربك المنتهى، وقد قال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]» (3).
وهذا مما لا يكاد يخفى على مسلم؛ لأن
في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم
، كما نص على ذلك الطبري (ت:310)، وهو يتحدث عن الوجوه التي يؤخذ من قِبَلها تأويل القرآن، قال: «
…
والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله» (4).
وإذا جَعلتَ عموم السنة مفسرة للقرآن تبيَّنَ لك أنَّ التفسير الذي يرجع إلى السُّنَّةِ ـ بهذا المفهوم ـ كثيرٌ.
(1) الفتاوى (17:431 ـ 432).
(2)
الشاطبي ممن يذهب إلى القول بالكلام النفسي، وهذا مخالف لعقيدة سلف الأمة، انظر قوله في الموافقات (4:274).
(3)
الموافقات، للشاطبي، تحقيق: مشهور سلمان (3:230).
(4)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:92).
لكن لا يعني هذا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم فسَّر كلَّ لفظةٍ في القرآنِ؛ لأنَّ في القرآن ما هو بيِّنُ المعنى، فلا يحتاج إلى بيان، وفيه ما هو بلغة القومِ، فلم يحتاجوا بمعرفتهم لغتهم إلى أن يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا استشكلوا شيئًا من القرآن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر في سؤالات الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم عن معاني بعض الآيات، ومن ذلك:
حديثُ ابن مسعودٍ (ت:35)، قال: «لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] قلنا: يا رسولَ الله، وأيُّنا لم يظلمْ نفسَه؟
قال: ليسَ كما تقولونَ. لم يلبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ: بشركٍ، ألم تسمعوا إلى قولِ لقمانَ لابِنه:{يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]» (1).
إنَّ هذا الحديث يَدُلُّ على أن الصَّحابةَ رضي الله عنه كانوا يجتهدونَ في فَهمِ القرآنِ الذي نزلَ بلغتِهم على ما يفهمونَه منها، فإنْ أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهرٌ من هذا الحديثِ؛ لأنَّهم جعلوا معنى الظُّلمِ عامًا على ما يعرفونه من لغتِهم، فأرشدَهم النَّبيُ صلى الله عليه وسلم إلى المعنى المرادِ به في الآيةِ، ونبَّهَهم إلى أن المعنى اللُّغويَّ الذي فسَّروا به الآيةَ غيرُ مرادٍ، ولم ينهَهم صلى الله عليه وسلم عنْ أنْ يفسِّروا القرآنَ بلغتِهم، ولو كان هذا المَسْلَكُ خَطأً لنبَّهَهُم عليه.
وهذا الحديث يشير إلى أنَّ المدارسة الواردة في الآثار السابقة كانت تتمُّ بين الصحابة، وأنهم كانوا يرجعون للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحتاجون إليه.
ومما يدلُّ على أنهم لم يتلقَّوا بيان جميع الألفاظ ما وقع بينَ
(1) أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري، ط: الريان (6:448). وقد أخرجه البخاري في مواضع أُخر من صحيحه.
الصَّحابةِ رضي الله عنهم منْ خِلافٍ مُحَقَّقٍ في تفسير بعضِ الألفاظِ القرآنيَّة التي لها أكثرُ من دَلَالَةٍ لغويَّةٍ، فحملَها بعضُهُم على معنى، وحمَلَهَا الآخرُون على معنًى آخرَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم لم يتلقوا من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بيانًا نبويًّا في هذه اللَّفظةِ، ولو كان عند أحدٍ منه بيانٌ لما وَقَعَ مثلُ هذا الاختلافِ.
ومنْ أشهرِ الأمثلةِ التي يمكن أن يُمثَّلَ بها: اختلافُهم في لفظِ «القُرْءِ» في قولِهِ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فقد وَرَدَ في معنى القُرْءِ قولانِ، كلاهما مُعْتَمِدٌ على اللُّغةِ، وهما:
الأول: الحَيضُ، وبه قال عمرُ بن الخطَّابِ (ت:23)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:30)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (ت:32)، وعليُّ بن أبي طالبٍ (ت:40)، وأبو موسى الأشعريِّ (ت:43)، وابنُ عبَّاسٍ (ت:68) رضي الله عنهم.
الثاني: الطُّهرُ، وبه قالَ زيدُ بن ثابتٍ (ت:55)، وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ (ت:58)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيان (ت:60)، وعبدُ الله بنُ عمرَ (ت:74) (1) رضي الله عنهم.
ولو كان عند هؤلاء الصَّحابةِ الكرامِ رضي الله عنهم خبرٌ عن الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ لنقلُوه، ولمَّا لم يكنْ عندَهُم، اجتهدوا في بيانِ المرادِ معتمدينَ في ذلك على لغتِهم.
ومن يقرأ في التفسير المأثور عن الصحابة يظهر له ذلك بما للصحابة من توقف في بعض معنى الآي، وما لهم من نصوص صريحة في الاجتهاد؛ كاجتهاد أبي بكر في تفسير الكلالة، وما وقع من اجتهاد ابن عباس (ت:68) في تفسير العاديات، ثمَّ رجوعه إلى قولِ علي (ت:40) رضي الله عنهم أجمعين، وغير ذلك من الدلائل التي لا تخفى، والله أعلم.
(1) انظر أقوالهم في: تفسير الطبري، تحقيق: محمود شاكر (4:500 ـ 510).
ويبقى أن تعلم أنَّ شيخ الإسلام (ت:728) يريد أن يحتجَّ على أولئك المبتدعة في أنَّ القرآن قد عُلمَ تفسيره من جهة الصحابة والتابعين، وينتج من ذلك:
* أنه
لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه
، فلا يقع متشابهٌ كليٌّ في هذا القسم الذي يتعلق بالمعنى، إذ كله معلوم مفسَّرٌ، ومنه معاني الأسماء والصفات التي كان النِّزاع فيها مشهورًا بين المتأخرين.
ولا شكَّ أنَّ عدم ورود تفسيرات جزئية لهذه المسائل التي بحثها المتأخرون لا يعني أنَّ السلف كانوا يفوضونها؛ لأنَّ التفويض لم يرد عنهم البتة، كما لم يرد عنهم إنكار معنى صفة من الصفات ولا اسم من الأسماء، ولهذا لا مدخل لهم في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر جميع القرآن، فهم يُلزمون بأن يثبتوا بالنقل أنَّ السلف فوَّضوا المعاني أو أنكروا معانيها كما يفعل المتأخرون، والموضوع في هذا طويل، والمراد التنبيه على أنَّه لا حجة لهؤلاء في تفسيراتهم المبتدعة بكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر جميع القرآن، والله أعلم.
* أنه
لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة
، وظهر لمن بعدهم بلا علمٍ ولا دليل ولا حجة يقوم عليها ذلك التفسير؛ كتفسيرات الرافضة والقرامطة وغيرهم من الغلاة الذين يزعمون أنَّ عندهم من تفسيره ما لا يُعلمَ إلا من جهتهم.
وليس ردُّ هذه التفسيرات لكونها لم ترد عن السلف فقط، بل لأنها باطلة في ذاتها، قال شيخ الإسلام (ت:728): «وقوله [يعني: الغزالي]: إن كنت لا تَقْوَى على احتمال ما يَقْرَعُ سمعَك من هذا النمط ما لم تُسند التفسير للصحابة، فإن التقليد غالب عليك.
يقال له: إنما لم أحتمل هذا النمط لأني أعلم بالاضطرار أنه باطل، وأن الله لم يُرِدْهُ، فَرَدِّي للقَرْمَطَةِ في السمعيات كَرَدِّي للسفسطة في العقليات،
وذلك كَرَدِّي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل. ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين، لعلمت أنه كذب عليهم، ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي رضي الله عنه، ويدَّعون أنَّ هذا العلم الباطن المخالف، لما علم من الظاهر مأخوذ عنه، ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي رضي الله عنه عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي، فإن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن عليًّا لا يقول مثل هذا، وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا، ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم خصَّه به فقد كذب، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع» (1).
* أنه
لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم
، ولا ما أخفاه على بعضهم وعلَّمه غيرهم عن قصدٍ، ولا ما علَّمه بعض الصحابة واستأثروا بعلمه فلم يُعلِّموه، ولا ما خصُّوا به بعض التابعين عن قصدٍ، حتى يصل إلى بعض الناس دون غيرهم، فكلُّ هذا مما يخالف ما هو معلوم من نقل الآثار بالضرورة، ويعرف كل من قرأ في آثار السلف عمومًا أنه لا يوجد مثل هذه العلوم الخاصة التي يزعمها بعض الرافضة أو الصوفية أو الباطنية.
ولا شكَّ أن
كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ
، ويلزم منه أنَّ الصحابة الذين فسّروا القرآن كانوا يفسرونه بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينسبونه إليه، أو أن يكون شيء كثير منه لم يصل إلينا، وهذا من المسائل المشكلة، لو ثبت.
والذي تدلُّ عليه الآثارُ ما يأتي:
1 -
أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان له تفسيرات مباشرة لبعض آيات القرآن.
(1) بغية المرتاد (ص:327 ـ 328).
2 -
أنَّ عموم سنته صلى الله عليه وسلم شارحة للقرآن.
3 -
أنَّ أصول الدين من المعاملات والشرعيات والاعتقادات قد بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بيانًا واضحًا لا لبس فيه، واختلافهم في بعض أفرادها لا يدلُّ على أنه لم يبينها لهم.
وهذا يسدُّ المدخل على المبتدعة الذين ناقشهم شيخ الإسلام، وعليه يُحمل كلامه في بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
4 -
أنَّ الصحابة كان لهم اجتهاد في بيان القرآن وتفسيره، ولم يقع خلافهم في أصول المسائل السابقة، وإنما وقع في جزئيات، بل ما وقع الخلاف فيه من جهة دلالة بعض الآيات على مسائل في الاعتقاد نادرٌ جدًّا، وهو يرجع إلى صحَّةِ دلالة الآية على المسألة العقدية، لا على ثبوت المسألة العقدية عندهم؛ كالاختلاف في قوله تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، فقد ورد عن ابن عباس وأصحابه أنها القيامة تكشف عن هول وكرب عظيم، وورد عن أبي سعيد الخدري وغيره أنَّ الساق هنا هي ساق الرب سبحانه بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:«يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا» (1).
ومما يجب أن يعلم ويعتقد أنه لا يوجد في تفسيرات الصحابة، ولا التابعين وأتباعهم قول بالرأي المذموم الذي يكون عن جهل أو هوى، كما حصل فيمن جاء بعدهم من المتأخرين، بل كانوا يجتهدون على علمٍ، ولا يعني هذا أن يكون كل اجتهادهم صحيحًا، بل حالها كحال الاجتهاد في الفرعيات، لكن قولهم مقدم، وهو أولى من قول غيرهم من المتأخرين، وهذا الأصل مما لا يُتصوَّر أن يُنازِع فيه طالب علم يعرف عِلْمَ السلف وعلم الخلف.
(1) رواه البخاري برقم (4919)، وهو حديث مشهور رواه غير واحدٍ من أهل العلم.
وعموم اختلافهم في التفسير يرجع إلى اختلاف التنوع، كما أشار إليه شيخ الإسلام في أكثر من موطن، والله أعلم.
بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:
* إذا أوردتَ أثر أبي عبد الرحمن السلمي الذي ذكره شيخ الإسلام، وفيه دلالة على أنَّ الصحابة كانوا يتدارسون القرآن؛ قال:«حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ـ كعثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» .
وأضفتَ إليه أثر ابن عمر، وهو قوله:«لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (1).
واستحضرتَ أثر ابن مسعود (ت:35)، الذي يدُّل على أنهم كانوا إذا أشكل عليهم شيء من القرآن سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن مسعود (ت:35): «لما نزلت هذه الآية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على أصحاب رسول الله، قالوا: أيُّنَا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله: إنه ليس بذاك، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}؟» .
واستحضرتَ أثر ابن عباس (ت:68) في أقسام التفسير، الذي استشهد به شيخ الإسلام (ت:728) في أكثر من موطن، قال ابن عباس (ت:68): «التفسير
(1) المستدرك، للحاكم (1:91)، (4:617)، وسنن البيهقي (3:120).
على أربعة وجوه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره» (1).
وإذا علمت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ أصحابه بالتعليم في أحيان كثيرة = ظهر لك أنَّ المدارسة التي بينهم في العلم قد تكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تكون فيما بينهم، فإذا أشكل عليهم شيء من العلم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان كثير من العلم يبتدئهم به الرسول صلى الله عليه وسلم دون سؤال منهم.
وإنَّ النتيجة التي يمكن أن تخلص إليها من جملة هذه الآثار: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم من المعاني ما احتاجوا إليه، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم:«تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ كتاب الله وسنتي» (2).
وكان من أعظم ما يدخل في البيان أصول الدين والشرائع والمعاملات، وأنَّ الخلاف الوارد في التفسيرِ كان في أمورٍ قابلة للاجتهاد، والأمر فيها واسع، وهي ترجع إلى احتمال الآية للمعنى المذكور من عدمه.
ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن
(3):
طرح شيخ الإسلام في هذه المسألة دليل النقل ودليل العقل:
أما دليل النقل، فما رواه أبو عبد الرحمن السُّلمي، قال: «حدثنا الذين
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:75).
(2)
مسند الإمام أحمد (1:126)، وقد أخرجه غيره.
(3)
هذه المسألة من القضايا العلمية التي تحتاج إلى بحث ليُتعرَّف منه على طريقة السلف في تعلُّم القرآن وتعليمه حروفًا ومعاني، ثم معرفة طريقتهم في العمل به.
كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل»، وأثر ابن عمر في تعلُّمه سورة البقرة في ثمان سنين.
ويمكن أن يضاف إلى دليل النقل ما ورد عن ابن عمر، وهو قوله:«لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (1).
وكذا ما ورد عنهم من الأسئلة التفسيرية التي يستوضحون فيها عن ما يشكل عليهم في معنى آية من الآيات، ومن ذلك ما ورد عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل
…
» (2).
ومنها ما ورد عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعني: ابن مسعود ـ: «والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله؛ إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته» .
(1) رواه مسلم برقم 1887 (3:1502).
(2)
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2:342)، والطبري، تحقيق: شاكر (1:80)، وهو في الصحيحين وغيرهما بلفظ (تبلغه الإبل). صحيح البخاري، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث 4716، وصحيح مسلم رقم الحديث 2436 (4:1913).
وما ورد عن الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال:«كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (1).
وما ورد عن أبي الطفيل قال: «شهدت عليًّا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم.
وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل» (2).
ومنها ما رواه الطبري (ت:310)، قال: «حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 206، 207]؛ قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبحة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن؛ منهم ابن عباس وابن أخي عيينة.
قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف.
قال: فمروا بهذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 206، 207]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله.
فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان.
فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟
قال: لا شيء، يا أمير المؤمنين.
قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان!
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:80).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسير سورة الذاريات، تحقيق: قلعجي (2:195)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6:191).
قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل، وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي، فقاتله، فاقتتل الرجلان.
فقال عمر: لله بلادك يابن عباس» (1).
وهذه الآثار وغيرها تدلُّ على حرص الصحابة على تعلُّمِ كتاب الله، ومعرفة معانيه، ومدارسته والعمل بما فيه.
وأما دليل العقل، فما جرت به العادة من حرص الطلاب على تعلُّم كتابٍ في العلم الذين يريدون أن يتعلموه، وقد قال في غير هذه المقدمة: «أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم = توجب اعتناءهم بالقرآن المنَزَّل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد. فإنه قد عُلِمَ أنه من قرأ كتابًا في الطبِّ أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فَهْمِهِ وتصوُّرِ معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى؛ المَنزل إليهم؛ الذي به هداهم الله، وبه عرَّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغيَّ.
فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سَمِعَ المتعلم من العالم حديثًا، فإنه يَرْغَبُ في فَهْمِهِ، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟!
بل، ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تُحَصِّلُ
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (4:245)، قال محمود شاكر:«في المطبوعة: «لله تلادك» بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور (1:241): «لله درك» ، والعرب تقول: لله در فلان، ولله بلاده».
المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى» (1).
ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:
المراد بالنِّزاع هنا مطلق الاختلاف، وليس النِّزاع المذموم، وقد وقع بين الصحابة اختلاف في الآيات، لكنه في أغلبه اختلاف تنوع كما سيذكر شيخ الإسلام لاحقًا، ولا شكَّ أنَّ من اطَّلع على المنقول عنهم في التفسير فإنه سيظهر له ما قرَّره شيخ الإسلام هنا من أنَّ اختلافهم في التفسير كان قليلاً، وكان أقل من اختلاف من جاء بعدهم.
ومن الملاحظ أنَّ شيخ الإسلام جعل هذا الكلام، وهو قلة النِّزاع نتيجةً لما سبق أن طرحه في مسألة البيان النبوي للقرآن، فقد صدَّر هذه المسألة بقوله: «ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًّا
…
».
وكأنه يقول: إنَّ اتِّحاد مصدر التَّلقي عندهم ـ وهو أخذهم التفسير عن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل النِّزاع في التفسير قليلاً بينهم.
ذِكْرُ
أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:
1 -
في تفسير قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: 1].
قال علي وابن مسعود: هي الإبل.
وقال ابن عباس: هي الخيل.
2 -
في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7].
قال علي وابن عمر: الزكاة.
وقال ابن مسعود وابن عباس: عارية المتاع من الدلو والقِدْرِ ونحو ذلك.
(1) الفتاوى (5:157).
رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:
هذه المسألة التي يذكرها شيخ الإسلام واضحة؛ لأن علم التفسير كان عِلْمًا قائمًا بذاته منذ عهد الصحابة، وكان هذا العلم مما تلقَّاه التابعون عن الصحابة كما تلقَّوا عنهم علم القراءة والحديث والفقه والسلوك.
وكان بعضهم أبرز من بعض في تلقيه وفي تفسيره، وكان من أبرزهم على الإطلاق إمام التابعين مجاهد بن جبر (ت:104) الذي تلقى التفسير عن ابن عباس (ت:68)، كما تلقَّاه عنه عكرمة مولاه (ت:105)، وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الرَّبعي (ت:83) الذي قال: «جاورت ابن عباس ثنتي عشرة سنة في داره، وما من القرآن آية إلا وقد سألته عنها» (1).
وكان ابن عباس (ت:68) من أخصِّ الصحابة في علم التفسير، بفضل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل» (2).
وكان ابن مسعود (ت:35) معلم الكوفة من كبار مفسري الصحابة، وقد تلقَّاه عنه تلاميذه في الكوفة، وكذا تلقَّاه عن علماء الصحابة في المدينة بعض التابعين؛ كزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي.
وهذا معروف في تاريخ التفسير، وسيأتي إشارة شيخ الإسلام لبعض مفسري السلف في حديث لاحق من هذه المقدمة.
خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:
هذه المسألة من المسائل الواضحة في التفسير، ومن قرأ في تفسير
(1) الطبقات الكبرى، لابن سعد (7:224)، وحلية الأولياء (3:79).
(2)
هو مخرج بهذا النص في بعض كتب الحديث؛ مثل: مسند الإمام أحمد (1:226، 269، 314، 328، 335)، ومسند إسحاق بن راهويه (1:230)، ومصنف ابن أبي شيبة (6:383)، والمستدرك على الصحيحين (3:615)، وغيرها.
التابعين ظهر له ذلك جليًا، لذا تجد للتابعين أقوالاً تخالف قول الصحابة ولا تعارضه أو تناقضه، بل كان بعضهم مفسِّرًا والصحابة متوافرون؛ كأبي العالية (ت:93) وسعيد بن جبير (ت:94)، وغيرهما.
وسيأتي في فصل (أحسن طرق التفسير) كلام شيخ الإسلام عن تفسير التابعين.
اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف
فصل
(14)
الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد (1)، وذلك صنفان:
(15)
أحدهما: أن يُعبِّر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنْزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة (2)، كما
(1) يقول شيخ الإسلام ـ في معرض حديثه عن اختلافهم في التفسير ـ: «وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه» .
وستأتي هذه العبارة في الملاحق في مكانها من النص المتعلق بها.
(2)
قد ذكر في موضع آخر هذه المصطلحات، وهو في معرض شرحه لعبارة في الإحكام لأصول الأحكام، للآمدي في مسألة اشتمال اللغة على الأسماء المجازية، فقال: (
…
وذلك أن قوله «يلزم الاشتراك» ؛ إنما يصح إذا سُلِّم له أن في اللغة الواحدة باعتبار اصطلاح واحد ألفاظًا تدل على معان متباينة من غير قدر مشترك، وهذا فيه نزاع مشهور، وبتقدير التسليم؛ فالقائلون بالاشتراك متفقون على أنه في اللغة ألفاظ بينها قدر مشترك وبينها قدر مميز، وهذا يكون مع تماثل الألفاظ تارة، ومع اختلافها أخرى، وذلك أنه كما أن اللفظ قد يتَّحدُ ويتعدَّدُ معناه فقد يتعدَّدُ ويتَّحدُ معناه كالألفاظ المترادفة، وإن كان من الناس من ينكر الترادف المحض، فالمقصود أنه قد يكون اللفظان متفقين في الدلالة على معنى، ويمتاز أحدهما بزيادة؛ كما إذا قيل في السيف: إنه سيف وصارم ومهند، فلفظ السيف يدل عليه مجردًا، ولفظ الصارم ـ في الأصل ـ يدل على صفة =
قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على
= الصرم عليه، والمهند يدل على النسبة إلى الهند، وإن كان يعرف الاستعمال من نقل الوصفية إلى الاسمية، فصار هذا اللفظ يطلق على ذاته مع قطع النظر عن هذه الإضافة، لكن مع مراعاة هذه الإضافة؛ منهم من يقول: هذه الأسماء ليست مترادفة؛ لاختصاص بعضها بمزيد معنى.
ومن الناس من جعلها مترادفة باعتبار اتِّحادها في الدلالة على الذات، وأولئك يقولون: هي من المتباينة؛ كلفظ الرجل والأسد.
فقال لهم هؤلاء: ليست كالمتباينة.
والإنصاف أنها متفقة في الدلالة على الذات، متنوعة في الدلالة على الصفات، فهي قسم آخر قد يسمى المتكافئة.
وأسماء الله الحسنى وأسماء رسوله وكتابه من هذا النوع، فإنك إذا قلت: إن الله عزيز، حكيم، غفور، رحيم، عليم، قدير؛ فكلها دالة على الموصوف بهذه الصفات سبحانه وتعالى كل اسم يدل على صفة تخصه، فهذا يدل على العزة، وهذا يدل على الحكمة، وهذا يدل على المغفرة، وهذا يدل على الرحمة، وهذا يدل على العلم، وهذا يدل على القدرة.
وكذلك قول النبي: «إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» ) الفتاوى (20:423 ـ 424).
ويمكن اختصار هذه المصطلحات كالآتي:
1 -
الألفاظ المتباينة: هي الألفاظ المختلفة التي تدل على معانٍ مختلفة؛ كالسيف والفرس.
2 -
الألفاظ المترادفة: أن يكون للشيء الواحد عدد من الألفاظ تدلُّ عليه كأسماء الأسد.
3 -
الألفاظ المتكافئة: هي الألفاظ التي تتفق في الدلالة على الذات، وتختلف في الدلالة على الصفات؛ كأسماء الله.
وإذا تأمَّلت الفرق بين المترادفة والمتكافئة، فإنك ستجده فرقًا دقيقًا، فمن لم يعتبر الفروق في الألفاظ الدالة على شيء واحدٍ جعلها مترادفة، ومن اعتبر فروق المعاني في الألفاظ الدالة على شيء واحد جعلها متكافئة، والله أعلم.
مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر؛ بل الأمر كما قال تعالى:{قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110].
(16)
وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة، ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي، ولا ليس بحي؛ بل ينفون عنه النقيضين، فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علم محض كالمضمرات، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقًا لغلاة الباطنية في ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك (1).
وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم.
(17)
وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.
(18)
وكذلك أسماء القرآن؛ مثل: القرآن، والفرقان، والهدى، والشفاء، والبيان، والكتاب، وأمثال ذلك.
(1) ينظر على سبيل المثال: التدمرية، مع شرحها للشيخ عبد الرحمن البراك (ص:85 ـ 88).
(19)
فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى = عبَّرنا عنه بأي اسم كان إذا عُرِفَ مسمى هذا الاسم، وقد يكون الاسم عَلَمًا، وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124] ما ذِكْرُه؟ فيقال له: هو القرآن مثلاً، أو هو ما أنزله من الكتب. فإن الذِّكْرَ مصدرٌ، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.
فإذا قيل: ذِكْرُ الله بالمعنى الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وإذا قيل بالمعنى الأول كان ما يذكره هو، وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124]؛ لأنه قال قبل ذلك: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]، وهُدَاه هو ما أنزله من الذِّكْرِ، وقال بعد ذلك:{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه: 125، 126].
(20)
والمقصود أن يعرف أن الذِّكْر هو كلامه المُنزل، أو هو ذِكْر العبد له، فسواء قيل: ذكري: كتابي، أو كلامي، أو هداي، أو نحو ذلك = كان المسمى واحدًا.
(21)
وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلا بدَّ من قدر زائد على تعيين المسمى؛ مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن، وقد عَلِمَ أنه الله؛ لكن مراده ما معنى كونه قدوسًا سلامًا مؤمنًا ونحو ذلك.
(22)
إذا عُرف هذا، فالسلف كثيرًا ما يعبّرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر؛ كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب. والقدوس هو الغفور والرحيم؛ أي أن المسمَّى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة،
ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس.
(23)
مثال ذلك تفسيرهم (للصراط المستقيم):
فقال بعضهم: هو القرآن؛ أي: اتباعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة:«هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» .
وقال بعضهم: هو الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن» ، فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر.
(24)
كما أن لفظ «صراط» يُشْعِرُ بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك.
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
(25)
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده.
(26)
مثال ذلك ما نقل في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32]. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيعَ للواجباتِ، والمنتهكَ للمحرماتِ.
والمقتصد يتناول فاعل الواجبات، وتارك المحرمات.
والسابق يدخل فيه من سبق فتقرَّب بالحسنات مع الواجبات.
فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون.
(27)
ثم إن كلاً منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه: الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
أو يقول: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع (1).
والناس في الأموال إما محسن، وإما عدلٌ، وإما ظالم، فالسابق المحسن بأداء المستحبَّات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة، ولا يأكل الربا، وأمثال هذه الأقاويل.
(28)
فكل قول فيه ذِكْرُ نوعٍ دخل في الآية ذُكِرَ لتعريف المستمع بتناول الآية له، وتنبيهه به على نظيره؛ فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحدِّ المطابق (1). والعقل السليم يتفطن للنوع، كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف، فقيل له: هذا هو الخبز.
(29)
وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا؛ كأسباب النُّزول المذكورة في التفسير؛ كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس بن شماس (2)، وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن
(1) هذا الكلام عن التعريف بالحدِّ والتعريف بالمثال مهمٌّ جدًّا، خصوصًا في تعريف بعض العلوم التي يصعب أن يوردَ لها تعريفٌ جامعٌ مانعٌ، ففي مثل هذه الحال يُكتفى في التعريف بالوصف الذي يبيِّن نوع العلم، وعدم دخول غيره فيه. كما أنه مهمٌّ في بيان المصطلحات الشرعية التي ورد الشرع ببيانها على سبيل الإجمال في الشريعة، فتطلُّب الحدِّ الجامع المانع لها يُدخل في مزالق؛ إما علمية، وإما عملية، كالحكم على الناس وتخطئتهم وتبديعهم بسبب تعريف استوحاه فلان من نصوص الشريعة، مع أنه قد يفوته كثيرٌ من النصوص المتعلقة بذلك الأمر، ووقع هذا في تعريف بعض الناس للإيمان. ونقاش هذا والإفاضة فيه محلُّه كتب العقائد، وإنما أردت التنبيه على أنَّ الحدَّ المنطقيَّ غير لازم في تعريف الشرعيات، ولا في العلوم الإسلامية، وإن كان تحرير التعريف في العلوم الإسلامية مطلبًا، لكنه إذا عَسُرَ تحريره وتحديده، وكان ظاهرًا ـ بالجملة ـ بأدنى عبارة تبيِّن تعريف العلم اُكتفِي بها.
هذا، وقد أشار الدكتور عدنان زرزور إلى كلام شيخ الإسلام عن «الحدِّ» ، وذلك في مطلع كتابه «الرد على المنطقيين» ، وفي كتابه الآخر:«نقض المنطق» (ص:183 ـ 200).
(2)
في نسخة الفتاوى: «نزلت في امرأة أوس بن الصامت» (13:338)، ولا أدري هل وجدها الشيخ ابن قاسم هكذا، أم عدَّلها. والصحيح من حيث النسبة ما في نسخة الفتاوى، فإن أوس بن الصامت هو زوج خولة بنت =
أمية (1)، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] نزلت في بني قريظة والنضير، وإن قوله:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] نزلت في بدر، وإن قوله:{شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب: إن قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] نزلت فينا معشر الأنصار
…
الحديث، ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين.
(30)
فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختصٌّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.
(31)
والناس، وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب؛ هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها
= ثعلبة التي جاءت تشتكي أمر زوجها أوس. أما ثابت بن قيس، فقصته في سورة الحجرات عند قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]، وهذا الخطأ يُحمل على سبق الذهن في حال الإملاء، وقد سبق التنبيه على أنه قد وقع في هذه المقدمة بعض الأخطاء بسبب أنها إملاءٌ لم يراجع.
(1)
ورد هذا الاختلاف في الرجلين في أحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري، وتحديد الرجل لا أثر له في فهم الآية في هذا الموطن من التفسير، فسواءٌ قيل: نزلت في رجلٍ، أو قيل: نزلت في عويمر، أو قيل: نزلت في هلال، فالحكم المترتب لا يختلف باختلاف الرجل الذي نزلت بشأنه، وإنما يُستفاد من تحقيق الروايات في هذا الأمر في الجانب التاريخي، وفي جانب الأنساب.
بحسب اللفظ (1).
(32)
والآية التي لها سبب معين: إن كانت أمرًا أو نهيًا، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنْزلته، وإن كانت خبرًا بمدحٍ أو ذَمٍّ، فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته.
(33)
و
معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية
، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصحُّ قولَي الفقهاءِ أنه إذا لم يُعرف ما نواه الحالفُ رُجِعَ إلى سبب يمينه وما هيّجها وأثارها.
(34)
وقولهم: «نزلت هذه الآية في كذا» ؛ يراد به تارة أنه سبب النُّزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عنى بهذه الآية كذا.
(35)
وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: «نزلت هذه الآية في كذا» ، هل يجري مجرى المسند، كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟
فالبخاري يُدخلُه في المسند، وغيره لا يُدخلُه في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح؛ كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقِبَه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند.
(36)
وإذا عرف هذا، فقول أحدهم:«نزلت في كذا» لا ينافي قول الآخر: «نزلت في كذا» ؛ إذا كان اللفظ يتناولهما؛ كما ذكرناه في التفسير بالمثال.
(37)
وإذا ذكر أحدهم لها سببًا نزلت لأجله وذكر الآخر سببًا؛ فقد يمكن صدقُهما: بأن تكون نزلت عَقِبَ تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب.
(1) بل بحسب القياس كما سيأتي (ص:88).
(38)
وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه؛ كالتمثيلات = هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يُظَنُّ أنه مختلف.
(39)
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين: إما لكونه مُشتَركًا في اللفظ؛ كلفظ «قسورة» الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ «عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
(40)
وإما لكونه متواطئًا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين؛ كالضمائر في قوله:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8، 9]، وكلفظ:«الفجر، والشفع والوتر، وليال عشر» (1)، وما أشبه ذلك.
(41)
فمثل هذا؛ قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة.
وإما لكون اللفظ المُشتَرك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد جوَّز ذلك أكثر الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام.
(1) كذا ورد ترتيبها في نسخة الدكتور عدنان زرزور، وفي الفتاوى مرتبة حسب ترتيبها في الآيات من سورة الفجر:{وَالْفَجْرِ} {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [1 ـ 3].
وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًّا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النَّوع إذا صحَّ فيه القولان كان من الصنف الثاني (1).
(42)
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافًا = أن يعبِّروا عن المعاني بألفاظ متقاربةٍ لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن: فإما نادر، وإما معدوم، وقَلَّ أن يُعبَّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريبٌ لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن (2).
(43)
فإذا قال القائل: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} [الطور: 9]: إن المور الحركة؛ كان تقريبًا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعةً.
وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام، أو قيل:{أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء: 163، وغيرها]: أنزلنا إليك، أو قيل:{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4]، أي: أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق. فإن الوحي هو: إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالاً إليهم وإيحاءً إليهم.
(44)
والعرب تُضمِّنُ الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون في قوله:{لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [ص: 24]؛ (أي: مع نعاجه)(3).
و {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52، الصف: 14]؛ أي: مع الله، ونحو ذلك.
(1) أي من العام الذي يُذكر له أمثلة.
(2)
يقول ابن عطية ـ في فصل بعنوان (نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن) ـ: «وكتاب الله؛ لو نُزِعَتْ منه لفظة، ثم أُدِير لسان العرب في أن توجد أحسن منها = لم يوجد» . المحرر الوجيز، ط: قطر (1:61).
(3)
ليس في نسخة د. عدنان.
(45)
والتحقيق ما قاله نحاةُ البصرةِ من التَّضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه.
وكذلك قوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] ضُمِّن معنى: «يزيغونك ويصدونك» .
وكذلك قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] ضُمِّنَ معنى: «نجيناه وخلصناه» .
وكذلك قوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ضُمِّن: يَرْوَى بها، ونظائره كثيرة.
(46)
ومن قال: {لَا رَيْبَ} : لا شكّ، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، كما قال:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وفي الحديث: أنه مر بظبي حاقف (1)، فقال:«لا يريبه أحد» ، فكما أن اليقين ضُمِّن السكون والطمأنينة فالريب ضده (2)، ولفظ الشك وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى؛ لكن لفظه لا يدل عليه.
(47)
وكذلك إذا قيل: ذلك الكتاب: هذا القرآن، فهذا تقريب؛ لأن المشار إليه، وإن كان واحدًا، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة، ولفظ الكتاب يتضمن من كونه مكتوبًا مضمومًا ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءًا مُظْهَرًا باديًا، فهذه الفروق موجودة في القرآن.
(48)
فإذا قال أحدهم: {أَنْ تُبْسَلَ} [الأنعام: 70]؛ أي: تُحبس.
(1) قال ابن الأثير: «أي: نائم، قد انحنى في نومه» النهاية في غريب الحديث والأثر (1:413).
(2)
في نسخة زمرلي: «فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة» .
وقال الآخر: تُرتهن، ونحو ذلك = لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا، وقد لا يكون، إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
(49)
وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين.
(50)
ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق (1) بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام (2).
(51)
ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف (3) معلوم، بل متواتر عند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها، ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونُصُبِها، وتعيين شهر رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت وغير ذلك.
(1) في نسخة الدكتور عدنان زرزور «مخفف» ، وقال في الحاشية: «لعلها محقق
…
»، وهي «محقق» في نسخة الفتاوى.
(2)
قال شيخ الإسلام في هذا الموضوع: «وأما ما صح عن السلف ـ أي: في التفسير ـ أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة؛ كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك = لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجملها منقولة عنه بالتواتر، وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة» . وسيأتي هذا المنقول ضمن الملحق رقم (1).
(3)
العبارة فيها قلق، ولعلها «الأحكام» ، فالاختلاف لا يضطر إليه عموم الناس، والأمثلة التي مثَّل بها تشير إلى أن مراده الأحكام التي لم يقع فيها خلاف، وهي المتواترة عند العامة والخاصة، وهذا التقرير ـ إن صحَّ ـ مما يُعذر به شيخ الإسلام؛ لأنه كتب هذه الرسالة إملاءً من الفؤاد، فيقع فيها مثل سبق القلم والذهن، ولعل هذا منها.
(52)
ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة، وفي المُشَرَّكَة، ونحو ذلك لا يوجب ريبًا في جمهور مسائل الفرائض (1)، بل فيما يحتاج إليه عامة الناس وهو عمود النسب من الآباء والأبناء، والكلالة من الإخوة والأخوات، ومن نسائهم كالأزواج، فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة؛ ذكر في الأولى الأصول والفروع، وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض؛ كالزوجين وولد الأم، وفي الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب، وهم الإخوة لأبوين أو لأب. واجتماع الجد والإخوة نادر، ولهذا لم يقع في الإسلام إلَاّ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
(53)
والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل، والذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف بمجمل الأمر دون تفاصيله.
(1) أي: فكما لا يوجب الاختلاف في بعض مسائل الفرائض الريب في جمهورها، فكذلك لا يُوجب الريبَ في تفسير السلف وجودُ الاختلاف المحقق بينهم فيه.
شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف