الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير القرآن بالسنة
(1):
لا خلاف في كون السنة المصدر الثاني في التشريع فضلاً عن التفسير (2)، وسيكون الحديث هنا عن كونها مفسرة للقرآن، دون النظر إلى جانب الأحكام العملية وما يترتب عليها من مباحث هي من صلب أصول الفقه لا التفسير.
وقد نصَّ على كون السنة شارحةً للقرآن في كلامه، فقال:«فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له» . وهذا بالنظر إلى جمهور السنة بالنسبة للقرآن، ويدخل في ذلك السنة القولية والفعلية والتقريرية، وأغلب ذلك في الأحكام العملية من الجهة التفصيلية.
وهذا الذي يظهر فيه بيان السنة للقرآن، كما أشار إلى ذلك الطبري في مقدمة تفسيره في بيان وجوه التفسير، فقال: «
…
ونحن قائلون في البيان
(1) ينظر في تفسير القرآن بالسنة: فصول في أصول التفسير (ص:27 ـ 29)، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص:138 ـ 151)، والتفسير النبوي للقرآن الكريم وموقف المفسرين منه، للدكتور محمد إبراهيم عبد الرحمن، نشر مكتبة الثقافة الدينية، ومرشد المفسرين والمحدثين إلى ما ورد من التفاسير المصرح برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لمحمد إبراهيم سليم، نشر مكتبة القرآن.
(2)
لا يُفهم من هذا أنَّ السنة من حيث التشريع بمرتبة نازلة عن الكتاب، بل هما في مرتبة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم:«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» فهما في الاحتجاج سواء، بل هناك قضايا في القرآن لا تفهم إلا بالسنة. ومن ثمَّ فلا يُفهم من هذه التعبيرات تأخر مرتبة الاحتجاج بالسنة على القرآن، والله أعلم. ينظر: رسالة منْزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن، ورسالة كيف نفسر القرآن، كلاهما للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني.
عن وجوه مطالب تأويله: قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، وقال أيضًا جلَّ ذكره:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]، وقال:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُولُو الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
فقد تبين ببيان الله ـ جل ذكره ـ أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره: واجبه وندبه وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدرك علمها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويله بنصٍّ منه عليه، أو بدلالةٍ قد نصبها دالَّةٍ أمته على تأويله» (1).
ولو أدرتَ النظر في أحوال الاستفادة من السنة في التفسير؛ لظهر لك ما يأتي:
الحال الأولى: أن يكون في سنته تفسير مباشر للقرآن، وذلك هو التفسير النبوي الذي يكون فيه القصد إلى بيان معنى لفظة أو جملة، أو بيان مجمل، أو بيان غيبي لا يظهر لهم كيفيته، وقد تكون منه ابتداءً، وقد تكون إثر سؤال أو استشكالٍ من الصحابة، ولكل نوع من هذه أمثلته.
ومن أمثلة تفسيراته:
(1) تفسير الطبري، تحقيق: التركي، ط: هجر (1:67 ـ 68)، وقد كرَّر هذا المعنى في مقدمته (1:73، 82، 88).
1 -
في قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]، قال أبو ذر: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، أتدري أين تغيب الشمس؟
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]» (1).
2 -
في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] قال عدي بن حاتم: «قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هما سواد الليل، وبياض الفجر» (2).
3 -
في قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58]، قال صلى الله عليه وسلم:«قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب، وقولوا حِطَّة، فدخلوا يزحفون على أستاههم (3)، فبدَّلوا، وقالوا: حطة، حبة في شعيرة» (4).
وفي هذا النوع يكون المفسرون سواء في التفسير بهذا التفسير النبوي، ولا يتميز الصحابي إلا بلُقياه وسماعه، أما أن يحمل معنى الآية على تفسير النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ما يستوي معه غيره، وهذا يعني أن التفسير النبوي نقليٌّ أثريٌّ ليس لأحد فيه سوى النقل والوقوف عنده فلا يُتجاوز.
الحال الثانية: أن يكون في سنته ما يوضح القرآن وإن لم يكن من
(1) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(2)
أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(3)
أستاههم: أدبارهم.
(4)
أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، ومسلم والترمذي وغيرهم.
التفسير المباشر، ولهذا صور متعددة؛ كأن يَرِدَ المعنى الذي في الآية في الحديث، أو أن تَرِدَ اللفظة التي في الآية في الحديث، وهي بيِّنة فيه، أو يَرِدَ في السنة تفاصيل أمر مجمل في القرآن، أو أن يَرِدَ فيها الإشارة إلى موضوع من موضوعات القرآن، وما إلى ذلك مما لا يكون القصد منه التفسير المباشر، بل يَرِدُ الحديث عاريًا من الآية.
ومن أمثلته:
1 -
أن يَرِدَ في الحديث إشارة إلى المعنى الذي في الآية، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى:{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، قال: «{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً} ؛ أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه.
وقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج عن مجاهد: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} ، قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} ، قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} ، قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب.
وعن السدي وأبي رزين نحوه، وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما وقتادة والربيع بن أنس:{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} الموجبة الكبيرة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثلاً كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم ـ يعني الطعام ـ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها».
2 -
أن يرد في السنة زيادة تفصيل لأمر مجمل جاء في الآية؛ ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 23]، قال:«وقوله تعالى: {وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 23]، قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله ـ هو ابن مسعود ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (1).
وهذا النوع مما يدخله الاجتهاد، وهو يتفاوت في الوضوح بالاستدلال بالسنة من مثال إلى غيره، فقد يكون بعضها واضحًا وضوحًا جليًّا بحيث لا يقع نزاع في أن هذا الحديث يصلح تفسيرًا للآية، وبعضها قد يغمضُ ويقع فيه النِّزاع.
والذي يؤكَّد عليه أنه يحسن أن لا يلتبس هذا النوع بالذي قبله، والفرق بينهما واضحٌ:
(1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة (8:399).
فالأول فيه قصد التفسير مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وغالبًا ما تردُ الآية المنصوص على تفسيرها في حديثه صلى الله عليه وسلم، لذا لا يدخله الاجتهاد، بل هو نقليٌّ محض يلزم قبوله والأخذُ به.
والثاني يدخله الاجتهاد، فالمفسِّر هو الذي اجتهد في بيان أن هذا الحديث ـ الذي لم يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التفسير؛ لأنه لم يذكر آيةً يفسرها ـ مفسِّر وموضِّح لمعنىً في هذه الآية.
الحال الثالثة: أن يستفاد من سنته في التفسير بأنواع شتى من الاستفادات غير ما ذُكر من السابقات؛ كالاستشهاد بحديثٍ نبويٍّ على صحة تفسير من التفسيرات، أو أن يَرِدَ في الحديث لفظة واردة في القرآن وهي غير بيِّنة في الموضِعين، أو أن يستفاد من الحديث في ترجيح قول على قول، أو غير ذلك من وجوه الاستفادات، وهي كثيرة جدًّا.
1 -
فمِنْ ورود اللفظة في الحديث والآية مع عدم وضوحها فيهما؛ ما أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ *عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [المعارج: 36، 37]، فقد أورد عن جابر بن سمرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم حلق، فقال: ما لي أراكم عزين» (1).
فمعنى التَّفَرُّقِ يؤخذ من تعليق الصحابي «وهم حِلَق» ، أما قوله صلى الله عليه وسلم:«ما لي أراكم عزين» فلا يُبيِّن معنى لفظ عزين.
2 -
ومن ذلك: تفسير قوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15، 16]، قيل: هم القراء من الصحابة، وقيل: هم الملائكة، قال ابن العربي المالكي (ت:543): «لقد كان أصحاب محمد سفرة كرامًا بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية، ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم.
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي في الكبرى.
رُوِيَ في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرؤه، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران» (1).
ولا إشكال في أنَّ هذا النوع من باب الاجتهاد، فعلى قدر معرفة المفسر بالأحاديث النبوية يكون ذكره لها في تفسيراته.
وهناك نوع يذكره بعض من تكلم في تفسير القرآن بالسنة، وهو غير داخلٍ فيه، وهو أن يكون في السنة حكم لم ينص عليه القرآن، وهذا لا علاقة له بتفسير القرآن بالسنة البتة، ومحلُّه كتب أصول الفقه التي تتحدث عن السنة مصدرًا من مصادر التشريع.
وهذا الطريق (تفسير القرآن بالسنة) يحتاج إلى دراسة علمية تُجلِّي كنوزه، وهو موضوع فيه طول وتفريعات كثيرة، ولم تفِ بها البحوث المعاصرة ـ فيما رأيت ـ والله أعلم.
(1) أحكام القرآن لابن العربي (4:1906).