الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
قال في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]: «
…
{فَقَدْ فَازَ} : فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يُفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد» (1).
وهذه العبارة ظاهرها السلامة كما ترى، لكنه بطَّنها نفيَ رؤية الباري سبحانه وتعالى، فجعل غاية الفوز دخول الجنة فقط، وإنما غاية الفوز رؤية الباري، ودخول الجنة من لوازم ذلك الفوز المطلق، لكنه لما لم يكن يرى الرؤية، حُمِل كلامه على إرادة نفيها بهذه العبارة التي لو كان قائلها ممن يثبتون الرؤية لما ثُرِّب عليه للعلة التي ذكرت.
4 -
ومن الأمثلة التي لم يكن فيها لبس في ظهور التأويل عنده ما ورد من تفسيره لقوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]، قال:«ومعنى سماع الله له: أنه لم يَخْفَ عليه، وأنه أعد كفاءةً من العقاب» ، وهذا التفسير لسماع الله ليس صوابًا، بل فيه نفي للمعنى الحقيقي لصفة السماع، وتفسير لها بلازمها على أنه هو المعنى الحقيقي لها، وذلك خطأ في التأويل.
تفسير ابن عطية (ت:542):
قال شيخ الإسلام (ت:728) في تفسير ابن عطية (ت:542) الموسوم بالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: «وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجلِّ التفاسير
(1) الكشاف (1:485).
وأعظمها قدرًا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة؛ لكن ينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب».
في هذه العبارة تحدث شيخ الإسلام عن تفسير ابن عطية (ت:542)، ووازن بينه وبين تفسير الزمخشري (ت:538)، فجعله أتبع للسنة من تفسير الزمخشري (ت:538)،وذلك حقٌّ، فابن عطية (ت:542) أشعريٌّ، والأشاعرة أقرب إلى السنة (منهج السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم) من المعتزلة، لكن هذا ليس من المدح المطلق، بل فيه عدل في الحكم على العلماء، والميزان في ذلك القرب من الحق والبعد عنه (1).
(1) وقع محققو الجزء الأول من تفسير ابن عطية في الطبعة القطرية في أخطاء على شيخ الإسلام في كلامه على تفسير ابن عطية، وأنا أسوقها هنا لمناسبة المقام، فأقول:
1 -
وقعوا في التدليس حينما ذكروا كلامه في نقد تفسير ابن عطية، وجعلوا مكان كلامه فيه نقطًا، ولم يذكروه، فجاءت هذه العبارة في مقدمة الكتاب هكذا:«تفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلاً وبحثًا، وأبعد عن البدع ..... بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير» ، والعبارة التي خذفوها هي:«وإن اشتمل على بعضها» . الفتاوى (13:388).
2 -
في كلامهم على عقيدة ابن عطية زعموا أن شيخ الإسلام يتهمه بالاعتزال، وذلك فهم غير سديد لعبارة شيخ الإسلام، قالوا: «
…
«أن تفسير ابن عطية أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدع من تفسير الزمخشري» ، وهذا الكلام يغمز ابن عطية بالاعتزال، لكنه يخفف من اعتزاله، ويجعله أقرب إلى أهل السنة بالنسبة للزمخشري، فهو قرب نسبي».
وهذا الذي فهموه من عبارة شيخ الإسلام من أنه يغمز ابن عطية بالاعتزال غير صحيح البتة، بل هو يذكر ملمِّحًا لمعتقد الأشعرية الذين بنوا أصولهم من جنس ما بنت المعتزلة أصولها عليه، وهو مسألة تقديم العقل على النقل، ولم يُرِدْ ما ذهبوا إليه. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومراده بالسنة والجماعة ما كان عليه سلف الأمة قبل أن يولد الأشعري ويؤسس طريقته الكلامية التي سار عليها أصحابه من بعده، وزادوا عليها أصولاً قرَّبتهم إلى المعتزلة، ثم إلى من هم أشر من المعتزلة، أعني الفلاسفة.
3 -
نقدوا شيخ الإسلام في اعتراضه على ابن عطية في عدم نقل قول السلف، أنقله بطوله ليتبين منهج هؤلاء في نقدهم، قالوا: «أنه ينقل عن الطبري، ولكنه يترك ما نقله الطبري عن السلف فلا يحكيه، ولو أنه ذكر كلامهم هذا لكان تفسيره أجمل وأحسن.
ولسنا نظن أن ابن عطية كان ملزمًا بنقل كل كلام السلف الذي نقله ابن جرير الطبري، فلكل أسلوبه، وقد كان ابن جرير ينقل كل الآراء، ويرجح بعضها على بعض أحيانًا وفي أحيان أخرى يتركها بدون ترجيح. أما ابن عطية، فلا يختار هذا الأسلوب، إنه صاحب منهج يقوم على مبادئ، ومن مبادئه ألا ينقل إلا ما يطمئن إلى صحته، ويرى أنه يتفق مع العقل، فنقد ابن تيمية غير وارد، وهل معنى أن يكون ابن عطية من أهل السنة والجماعة أن يتقبل كل صغيرة وكبيرة، وأن يسلِّم بكل ما يقول علماء المذهب دون أن يكون له رأي شخصي، إن هذا يلغي شخصيته، ويلغي شخصية كل عالم يريد أن ينصف نفسه ويحترم عقله، وإذا كان ابن تيمية في زمانه يتقبل هذا الرأي به فما أحسبنا في هذه الأيام نرضى لأنفسنا بأن نُسلِّم للسابقين بكل قول حتى ولو لم تقبله عقولنا، وهذا هو ما فعله ابن عطية على الرغم من تقدمه الكبير في الزمن علينا» مقدمة تحقيق المحرر الوجيز، ط: قطر (1:18).
هذا التعليق فيه مغالطات عدَّة تقوم على عدم فهم الفرق بين منهج السلف في الاعتقاد ومنهج الأشاعرة، وقد أثر هذا المنهج على طريقة الاستفادة من تفسير السلف المنقول، وإليك بعض الملحوظات على هذا التعليق:
أولاً: ذكروا منهج الطبري الاختياري، ولكنهم ذكروا امتياز ابن عطية عليه بأنه صاحب منهج يقوم على مبادئ، ولا ينقل إلا ما يطمئن إلى صحته، ويرى أنه يتفق مع العقل!
ولازم هذا القول أن ابن جرير أقل شأنًا من ابن عطية في هذا المقام، وأنه ليس له مبادئ يقوم عليها، مع أن الناظر للتفسيرين يرى ما تميَّز به ابن جرير من القدرة العقلية العلمية في النقد والتقويم للتفاسير التي يرويها، لكن هؤلاء لما كانوا في حال المدافعة عن ابن عطية لم ينتبهوا إلى لازم قولهم هذا. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ثانيًا: أنهم جعلوا العقل أصلاً يُحتكم إليه، وقد ذكروا ذلك في أكثر من موطن، وقضية الاحتكام إلى العقل، وتقديمه على المروي، بل على نصوص الشرع هو منهج أهل البدع.
ثالثًا: من قال بأنه يجب أخذ كل ما ورد عن السلف والتسليم له دون تمحيص؟! هذا تحميل لكلام شيخ الإسلام ما لا يحتمل، أو هو عدم فهم له.
هل كان الطبري الذي ذكروا منهجه مسلِّم لكل ما قاله السلف، وهل كان من منهج شيخ الإسلام قبول كل ما ورد عن السلف؟ لا شكَّ أن ذلك الكلام الصادر عنهم إنما كان سببه الحمية لابن عطية، فغلب عليهم ذلك دون التأمل في عباراتهم، ولا في دراسة منهج شيخ الإسلام في الأخذ بروايات السلف.
وهذا الأمر واضح لا مرية فيه، فتقرير الأصل: أن كلام السلف حجة، وأنهم مرجع يجب الرجوع إليه، لكن لا يعني هذا قبول أفراد الروايات عنهم، وذلك أمر من الوضوح بمكان بأدنى تأمل لمنهج النقد العلمي عند أهل السنة والجماعة، لكن ليس العقل وحده هو المصدر الذي تُحكم به الروايات.
رابعًا: يظهر من عباراتهم الأخيرة التهويش في العبارات، واستخدام الأسلوب الخطابي الذي لا يقوم به تقرير القضايا العلمية، ومن قال: إن اعتماد آراء السلف فيه إلغاءٌ للشخصية العلمية، ومن قال بأن عقولنا هي الحكم على آراء السلف، وعقل من هذا الذي يُحتكم إليه؟ فما من شكٍّ أنه سيقع اختلاف كبير في قبول المرويات بين العالم والآخر، فما بالك بين العديد من العلماء.
أقول: لتكن دراسة القضايا دراسة علمية بعيدةً عن التعصب والتهويش الخطابي في العبارات، سلَّمني الله وإياكم من هذه الأساليب التي لا تجدي نفعًا في العلم.
خامسًا: لقد كان كلام شيخ الإسلام متوازنًا معتدلاً، ولم ينسب ابن عطية إلى المعتزلة كما فهمه هؤلاء الأفاضل، بل الذي كان صريحًا في نسبه إلى المعتزلة من كان على مذهبه الاعتقادي، وهو ابن عرفة المالكي الأشعري (ت:803) كما نقل عنه ذلك ابن حجر الهيتمي في فتاواه الحديثية، والمحققون الأفاضل قد اطلعوا على هذا الكلام، لكنهم لم ينقلوه بنصِّه، بل أشاروا إليه باقتضاب، فمن نصَّ بصراحة على اعتزاله كان أولى بالمناقشة ممن لم ينسبه إلى الاعتزال، ولا أدري ما الذي دعاهم إلى إطالة النقاش مع شيخ الإسلام، وترك نقاش ابن عرفة والهيتمي الأشعريين؟!
سئل ابن حجر الهيتمي: هل في تفسير ابن عطية اعتزال؟ =
ثمَّ نبَّه على وقوع ابن عطية (ت:542) في خلل من جهة ترك تفسير السلف إلى أقوال بعض أئمة الأشاعرة كابن فورك (ت:406)(1) والجويني (2) وغيرهم ممن ينعتهم بالمحققين.
وترك كلام السلف إلى أمثال هؤلاء منقصة في التأليف، كما عدَّه شيخ الإسلام (ت:728)، لذا أعقب ذلك ببيان قاعدة عامة في الخلل الذي يقع في التعامل مع أقوال السلف = بقوله:«فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا» .
= فأجاب بقوله: «نعم، فيه شيء كثيرٌ، حتى قال الإمام المحقق ابن عرفة المالكي: يُخشى على المبتدئ منه أكثر ما يُخاف عليه من كشاف الزمخشري؛ لأن الزمخشري لما علِمت الناس منه أنه مبتدع تخوفوا منه، واشتهر أمره بين الناس مما فيه من الاعتزال ومخالفة الصواب، وأكثروا من تبديعه وتضليله وتقبيحه وتجهيله، وابن عطية سُنِّي، لكن لا يزال يُدخل من كلام بعض المعتزلة ما هو من اعتزاله في التفسير، ثمَّ يُقِرُّه ولا يُنبِّه عليه، ويعتقد أنه من أهل السنة، وأن ما ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم، وليس الأمر كذلك، فكان ضرر تفسير ابن عطية أشد وأعظم على الناس من ضرر الكشاف» . الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص:242).
فانظر إلى هذه الشدة في نقد ابن عطية، وكيف جعله ابن عرفة أضر من الزمخشري، فلم لم يُناقشوا قوله، ونوقش قول شيخ الإسلام؟!
(1)
محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر، فقيه شافعي، متكلم أصولي، مشارك في التفسير، له فيه كتاب، وله كتاب (حل الآيات المتشابهات)، توفي مسمومًا سنة 406. معجم المفسرين (2:514).
(2)
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، إمام الحرمين، شافعي، متكلم أشعري، ولد سنة 419، وتوفي سنة 478، ذكر له في كشف الظنون (1:443) كتابًا في علم التفسير.
ومن الأمثلة في تفسير ابن عطية (ت:542):
1 -
في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، قال: «أجمع أهل السنة أن الله تبارك وتعالى يُرى يوم القيامة؛ يراه المؤمنون، قاله ابن وهب عن مالك بن أنس رضي الله عنه (1).
والوجه أن يُبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثُمَّ يُستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك: أن يُعتبر بعلمنا بالله عز وجل، فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان، ولا متميِّزًا، ولا متقابلاً، ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود، جاز أن نراه غير مقابلٍ ولا محاذي ولا مكيَّفًا ولا محدودًا، وكان أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم حلقت لِحَى المعتزلة ـ ثم ورد الشرع بذلك، وهو قوله سبحانه وتعالى:{وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]
…
» (2).
يظهر من هذا النصِّ أن مسائل الاعتقاد عند ابن عطية (ت:542) إنما تُبيَّن بالعقل أولاً ـ وذلك طريق المعتزلة في تقرير العقائد ـ ثمَّ بعد بيانها بالعقل يُلتفت إلى ما ورد في السمع، وكأنه فضلة في هذا الباب، فأي شيءٍ أوضح من أنه ذهب إلى تقرير أصوله العقدية بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم؟!
وقد قال في هذه المسألة: «
…
والرؤية إنما يثبتها بأدلة قطعية غير الآية، فإذا ثبتت حسُن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقَوِيَ» (3).
(1) يا ليت ابن عطية أخذ بجميع مذهب مالك في الاعتقاد، فإنه لم يذكره في كثير من مسائل الاعتقاد التي ذهب إليها، فضلاً عن أن يتبعه فيها، بل كان يذكر مذهب الأشاعرة على ما قرأه على أشياخه من كتب ابن فورك والجويني، كما ذكره هو في فهرست شيوخه، وكما هو ظاهر من نقله لأقوالهم، واعتماده المذهب الأشعري في تفسيره.
(2)
المحرر الوجيز، ط: قطر (5:306).
(3)
المحرر الوجيز، ط: قطر (15:219).
والأدلة القطعية عنده هي الأدلة العقلية، فإذا ثبتت بالدليل العقلي جاء بعد ذلك تأويل الآية، وحملها على ما أجازه الدليل العقلي عنده.
2 -
في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73]، قال: «وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ} الآية. خلق: ابتدع وأخرج من العدم إلى الوجود، وبالحق: أي: لم يخلقها باطلاً لغير معنى، بل لمعانٍ مفيدة ولحقائق بينة، منها ما يحسه البشر من الاستدلال بها على الصانع، ونزول الأرزاق وغير ذلك.
وقيل: المعنى: بأن حُقَّ له أن يفعل ذلك.
وقيل: بالحق؛ معناه بكلامه، في قوله للمخلوقات:{كُنْ} ، وفي قوله:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: إن المخلوقات إنما إيجادها بالقدرة لا بالكلام، واقتران (كن) بحال إيجاد المخلوقات فائدته إظهار العزة والعظمة ونفوذ الأوامر وإعلان القصد، ومثال ذلك في الشاهد أن يضرب إنسان شيئًا فيكسره، ويقول حال الكسر بلسانه: انكسر، فإن ذلك إنفاذ عزم، وإظهار قصد ـ ولله المثل الأعلى ـ لا تشبيه، ولا حروف، ولا صوت، ولا تغيُّر، أمره واحد كلمح بالبصر، فكأن معنى الآية على هذا القول: وهو الذي خلق السموات والأرض بقوله: كن؛ المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه، فعبَّر عن ذلك بالحق» (1).
وهذا التحرير الذي ذكره مبني على رأي الأشاعرة في كلام الله سبحانه، وأنه معنى واحد قائم بالنفس، وهو ما يعبرون عنه بالكلام النفسي، وفي هذا ما فيه من إنكار صفة الكلام لما يرونه من أنه يلزم منها قيام
(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:248)، ووازن بما ذكره الطبري في هذه الآية.
الحوادث في الله، وهو منَزَّه عن ذلك، ولهذا تجد أن الخلل في كلام الله عندهم قد انجرَّ على مواضع كثيرة في التفسير، فمثلاً يقول في قوله تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} [إبراهيم: 1]: «وقوله: {أَنْزَلْنَاهُ} في موضع الصفة للكتاب، قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله جبريل عليه السلام من الكلام» (1). ولا يخفى ما في هذا الكلام من الخلل العقدي ممن هو مطلع على عقائد الأشاعرة في كلام الله، والجدل في هذا محله كتب العقائد، والمراد هنا التمثيل، والله الموفق.
وبالجملة، ففي تفسير ابن عطية الأشعري مواضع كثيرة فيها خلل من جهة الاعتقاد، وقد وقع عنده انحراف في تفسيرها، بل قد يقع عنده مخالفة لظاهر الآية بسبب شبه اعتقادية، أو بسبب مدافعة ما يرد عليه مما يخالف مذهبه، وذلك ظاهر في مثل تفسيره لقوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]، فظاهر الآية أنهم قد استيقنوا بالآيات الدالة على نبوة موسى عليه السلام، وعلموا علمًا يقينيًّا بنبوته، لكنهم جحدوا ذلك، فكفرهم كفر جحود.
أما ابن عطية رحمه الله فلجلج في هذه الآية وشبيهاتها، ومنع وقوع كفر الجحود، لأنه ينافي أصلاً من أصوله، وهو أن المعرفة تقتضي الإيمان، فإذا وُجِدت المعرفة انتفى الكفر، قال: «وظاهر قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (2)، هل يجوز أن يقعَ أم لا؟
فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفًا، إلَاّ أنَّه
(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (8:193).
(2)
هذا النقل من طبعة المغرب، ويبدو أنه سقط حرف الجرِّ (على)، وفي المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179): «وهي مسألة فيها قولانِ» .
يجحدُ عنادًا ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (1) فيه ذلك.
وقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.
والوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلَاّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.
قالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفةِ، ويحل بدلَها الكفرُ.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكون بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا. وحُكمه حكمُ المستلبِ في وجوه عذابهم» (2).
(1) الصواب بإسقاط الواو، وهي غير موجودة في المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179).
(2)
المحرر الوجيز، ط: المغرب (12:96 ـ 97). وقد نقلتُه منها لأنَّ في طبعة: قطر (11:179 ـ 180) سقطٌ مخلٌّ يُقدَّر بسطرينِ، والله المستعانُ، وقد كرر هذه النظرية في (5:182 ـ 184)، وينظر:(1:249، 446 ـ 447)، (4:304 ـ 305)، (12:489 ـ 490).