الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن أن يُزاد عليه في هذا العصر التفسيرات العصرية المنحرفة، والتفاسير التي تعتمد على العلوم الكونية والتجريبية، أو ما يُسمى بالإعجاز العلمي.
فهذه الطوائف تشترك في أنَّها تأتي إلى القرآن، وقد استقرَّت عندها معلومات تريد أن تجد لها ما يسندها منه، فتراهم يتشبَّثون بغرائب التأويل؛ لئلَاّ ينخرم ما قعَّدوه، وألا يظهر بطلان ما أصَّلوه.
إن معاني القرآن هي أشرف المعاني، وقد بيَّنها الصحابة والتابعون وأتباعهم، ولما خرجت البدع المخالفة للسنة ذهب أهلها يستدلون لها بالقرآن، فوقعوا بين أمرين:
الأول: أن يدل القرآن على خلاف ما ذهبوا إليه، فعمدوا إلى مثل هذه الآية وحرَّفوها إما لتناسب معتقدهم، وإما لإبطال استدلال أهل السنة بها.
الثاني: أن يأتوا إلى الآية ويحملونها لمجرد الشبهة على ما لم تدلّ عليه مطلقًا، ولولا وجود هذا المعتقد، لما حملوها على هذا المحمل.
وهذان الصنفان يرجع إليهما كثير من الأخطاء التي وقع فيها أهل البدع في الماضي والحاضر، وهذا ما نبَّه إليه شيخ الإسلام في هذا الفصل، حيث جعل الذين وقع منهم الخطأ في المعاني راجعًا إلى صنفين: قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول، أو يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول.
الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:
فالقرآن له معنى صحيح واضح أريد به، وهؤلاء يسلبونه هذا المعنى الواضح، وينفونه عنه بسبب البدعة التي يعتقدونها.
فالمعتزلة والإباضية ـ مثلاً ـ يعتقدون عدم رؤية الربِّ سبحانه وتعالى في الجنة، فجاؤوا إلى الآيات التي تدلُّ على الرؤية فنفوا عنها ذلك، وسلبوا منها دلالة الرؤية.
فقوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 ـ 23] صريح في ثبوت رؤية الباري سبحانه، لكن المعتزلة لا يثبتون الرؤية، فكيف يفسرون هذه الآية؟.
لقد فسروها بتفسيراتٍ؛ منها ما ذكره الأخفش المعتَزلي (ت:215) في معاني القرآن، قال:«يعني ـ والله أعلم بالنظر إلى الله ـ إلى ما يأتيهم من نِعمِه ورزقِه، وقد تقول: والله ما أنظر إلا الله وإليك؛ أي: أنتظر ما عند الله، وما عندك» (1).
ومنها ما قال هود بن محكِّم الإباضي (من علماء القرن الثالث): «قال الله عز وجل: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} أي: ناعمة. {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ أي تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين
…
» (2).
ولو لم تكن هذه العقيدة موجودة عندهم لما نفوا الرؤية الواضحة الصريحة في هذه الآية، وحملوا الآية على ما لم يُرد بها.
وخطأهم في هذه الآية في الدليل والمدلول، فالدليل وهو قوله تعالى:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لا يدل على المدلول الخطأ وهو نفي الرؤية.
(1) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (2:558).
(2)
تفسير كتاب الله العزيز لهود بن محكِّم (4:444)، وقد ذكر بعده هذه الرواية، قال:«وحدثني مسلم الواسطي، قال: سمعت أبا صالح يقول في قوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قال: تنتظر الثواب من ربها. قال أبو صالح: ما رآه أحد من خلقه ولا يراه أحد» .
وليس هذا منه اعتمادًا على الرواية، فالحديث الصحيح، وتفسير جمهور السلف جاء بوقوع الرؤية، فلا يلتبس عليك ما اعتمده من وقوع أبي صالح وقبله شيخه مجاهد في هذا التفسير غير المعتمد.
فائدة: كذا جاء في تفسير هود بن محكم: «وحدثني مسلم الواسطي» ، والقائل هو يحيى بن سلام، فكتاب هود مختصر من كتاب يحيى، لكنه حذف منه ما لا يتناسب مع معتقده كتفسير الآية هنا برؤية الباري، كما أضاف إليه ما يتناسب مع معتقده الإباضي، راجع في ذلك مقدمة المحقق فقد بيّن ذلك بجلاء.
فنفي الرؤية ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشرع، لذا لا يمكن أن يكون له دليل، فأي استدلال بدليل، فإنه يعني وقوع الخطأ في فهم الدليل، ثم في تفسيره، وهو المدلول.
وذهب المرجئة ـ وتبعهم الأشاعرة ـ إلى أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق، وإذا وُجِدَ التصديق انتفى ضدُّه، وقد أثَّر مفهوم الإيمان على تفسيراتهم، ومن أمثلةِ ذلك ما وقعَ فيه ابن عطيَّةَ (ت:542) في رأيه في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، قال: «وظاهر قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (1)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟
…
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا، وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (2).
وقال في قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ
(1) هذا النقل من طبعة المغرب، ويبدو أنه سقط حرف الجرِّ (على)، وفي المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179): «وهي مسألة فيها قولانِ» .
(2)
المحرر الوجيز، ط: المغرب (12:96 ـ 97). وقد نقلتُه منها لأنَّ في طبعة: قطر (11:179 ـ 180) سقطٌ مخلٌّ يُقدَّر بسطرينِ، والله المستعانُ، وقد كرر هذه النظرية في (5:182 ـ 184)، وينظر:(1:249، 446 ـ 447)، (4:304 ـ 305)، (12:489 ـ 490).
يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]: «و {يَجْحَدُونَ} ، حقيقته في كلام العرب: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار
…
» (1). ثمَّ قال: «وكفر العنادِ جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14]، وغيرها
…
» (2)، ثُمَّ قالَ:«وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (3).
فانظر كيف سلب ابن عطية (ت:542) ما دل عليه القرآن مع أنَّ نصَّ القرآن وظاهره يدلُّ على أنهم علموا علمًا يقينيًا، ولكنهم لم يؤمنوا.
وهذا الخطأ ـ أيضًا ـ في الدليل وفي المدلول، فنفي كفر الجحود ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشريعة، فظاهر الآيات تؤيِّد وقوعه، لذا فإنه لا يمكن أن يوجد دليل يدلُّ عليه، فالنفي الذي وقع من ابن عطية (ت:542) خطأ في الدليل وفي المدلول.
ويمكن أن يقال ههنا قاعدة: كل مدلول باطل في ذاته ـ أي لا يدل عليه الشرع ـ فالخطأ فيه يقع من جهة الدليل والمدلول معًا، لأن الدليل الشرعي لا يمكن أن يدل على معنى باطل.
ومن أمثلة ما وقع فيه الصوفية في الخطأ في الدليل والمدلول ما ورد عن بعضهم من أنه فسر قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] من أنه الرقصُ، وبنى على ذلك جواز الرقص للرجال، كما يفعله الصوفية.
وهذا خطأ، فالرقص من حيث هو لا يجوز للرجال، لذا فربطه بالقرآن خطأ محضٌّ.
(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:182).
(2)
المحرر الوجيز، ط: قطر (5:183).
(3)
المحرر الوجيز، ط: قطر (5:184).